لكاتب : رحمة الباهي

صحفية شغلت عديد الخطط في
الصحافة الالكترونية التونسية والعربية.

  • Rahma_Behi
  • Rahma.B@alqatiba.com

دفعت الظروف القاسية بحسني، الذي فقدَ والديه في سن صغيرة، وخالته وأطفالها وخطيبته إلى التفكير في الهجرة إلى أوروبا بحثا عن بلد آمن يؤويهم ويقيهم ويلات الحروب ويضمن لهم حياة كريمة. وسنة 2018، اتّصل حسني بأحد المهرّبين في ليبيا ونسّق الطرفان تفاصيل الرحلة التي كلّفت الفرد الواحد منهم 3000 دينار ليبي.

جمع منظّم الرحلة المهاجرين الذين سيغادرون معه في مكان قريب من البحر في منطقة الخُمس. يُطلق على ذلك المكان اسم “كمبو”. وبعد أن انتهى من جمعهم، صعدوا على متن زورق أبحر بهم مدة تتراوح بين 12 و15 ساعة دون أن يدركوا في أي اتجاه يسيرون، حين لمحوا سفينة تابعة لخفر السواحل الليبي قادمة من خلفهم.
أصيب المهاجرون حينئذ بالخوف وبدأ بعضهم بالصراخ، في حين أقدم 4 منهم على الانتحار فورا لرفضهم العودة إلى ليبيا.

لم يشفع البكاء وحالة التعب والإرهاق التي يشكو منها المهاجرون لنا ولم نجد بعد إنقاذنا من قبل خفر السواحل إلا العنف والضرب والإهانات. بل انّهم قاموا باحتجازنا في مكان ساخن قريب من الآلات غير عابئين بأوضاعنا الصحية والنفسية الصعبة.

وصلت سفينة خفر السواحل الليبي إلى ميناء الخُمس وأنزلت المهاجرين غير النظاميين محاطين بالأسلحة والتهديد والوعيد. “من يحاول الهروب أو القيام بأي شيء آخر سيتم إطلاق النار عليه”، وهذا ما وقع فعلا عندما حاول شاب سوداني يعرفه حسني الفرار سباحة بعد أن ألقى بنفسه في الماء إلا أن ست رصاصات كانت كفيلة بإنهاء حياته. أصاب الخوف والرعب المهاجرين الذين اقتيدوا الى مكان مهجور في الميناء ليتمّ إجبارهم على الجلوس على مقربة من مجموعة من الأكياس السوداء تبيّن لاحقا أنّها تحتوي على عدد من المهاجرين الذّين قُتلوا برصاص خفر السواحل خلال محاولات يائسة للفرار من جحيم الاحتجاز.

وبعد ساعات، نقل حسني وعائلته إلى مركز احتجاز الخمس، أين تم وضع النساء في مكان والرجال في مكان آخر. لم يقدّم القائمون على المركز أي طعام أو ماء للمهاجرين المحتجزين رغم أنهم قضوا ساعات تائهين في البحر دون مؤونة رغم التعب الذي كانوا يشعرون به.

“بعد أيام في السجن، جاء ليبيون وطلبوا أموالا للإفراج عنّي وعن عائلتي. طلبوا 2500 دولار لقاء الشخص الواحد. ولأنّنا لم نكن نملك هذا المبلغ الخيالي، تمّ احتجازنا في مركز الخُمس لمدة 8 أشهر و15 يوما”.

خلال هذه الفترة، أجبر حسني على العمل أحيانا في مزارع وأحيانا أخرى في حظائر بناء، دون أن يتلقى أي مقابل مادي، بل كان يُمنح مقابل عمله طعاما إضافيا كي يتمكن من إنجاز العمل. أما خطيبته، فتم بيعها إلى عصابة أخرى ونقلها إلى مصراتة أين تعرّضت للاغتصاب ولم يطلقوا سراحها إلا بعد أن تم دفع أموال للعصابة التي قامت بـ”شرائها”.

بعد مغادرته مركز الخُمس بتدخل من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد حسني إلى طرابلس أين عمل لفترة قبل أن يتم إيقافه مجددا ونقله إلى مركز احتجاز طريق السكة. هناك، سمع حسني وشاهد قصصا عن معاناة المهاجرين وصلت إلى حد الاتجار بأعضاء البشر. لدى دخوله المركز، ادّعى حسني أنه لا يتحدث باللغة العربية ولا يفقهها، فتم اقتياده بمعية مهاجرين آخرين لا يفهمون اللغة العربية، إلى مزرعة للعمل لفترة محددة ليتمّ بيعهم لعصابة أخرى لاحقا.

وبعد ساعات، نقل حسني وعائلته إلى مركز احتجاز الخمس، أين تم وضع النساء في مكان والرجال في مكان آخر. لم يقدّم القائمون على المركز أي طعام أو ماء للمهاجرين المحتجزين رغم أنهم قضوا ساعات تائهين في البحر دون مؤونة رغم التعب الذي كانوا يشعرون به.

“بعد إنهاء عملهم في هذه المرزعة، كان يتمّ بيعهم لعصابة أخرى تقوم بنقلنا للعمل في مكان آخر. ظللت على هذه الحال لأشهر أعمل لمدة قد تصل الى 22 ساعة يوميا، دون الحصول على أي مقابل مالي، بل كان يتم إطعامي عنوة وإجباري على مواصلة العمل فقط”

أما القطرة التي أفاضت الكأس بالنسبة hgn حسني، فكانت سنة 2019. كان حينها يعمل في طرابلس عندما تم إيقافه في إحدى البوابات ونقله إلى مركز، أين طلب منه المشاركة في القتال إلى جانب مجموعة مسلّحة ليبية. رفضُ حسني المطلق لهذا الطلب جعله عرضة للضرب والإهانة والاحتجاز في مركز أبوسليم، أين ذاق أسوأ أنواع التعذيب رفقة المهاجرين وطالبي اللجوء المحتجزين معه.

“من يرفض حمل السلاح والمشاركة في الحرب، يُتركُ دون طعام لـ4 أيام متتالية. كانوا يجبروننا على الجلوس على كرسي حديدي ويقومون بصعقنا بالكهرباء بعد سكب المياه علينا”

في إحدى المرات، تم إطلاق النار على قدم كل من رفض المشاركة في القتال، وتلقى حسني رصاصتين على مستوى قدمه، وكاد أن يفقد حياته بعد أن قام أحد الشباب الذين معه بالانتحار، ما أغضب المسلّحين الليبيين الذين بادروا إلى إطلاق النار في صدر كل من يرفض طلبهم، لولا تدخل مدير ليبي ونشوب خلاف داخلي بينهم.
عقد حسني العزم إثر ذلك على الفرار، فاتّفق مع شخص ليبي كان يزوّد المركز بالمياه على أن يدفع له مبلغ 3000 دينار ليبي (حوالي 2200 دولار) مقابل إخراجه من السجن من خلال إخفائه في سيارته لدى مغادرته المركز. نسّق حسني العملية مع الليبي واتصل بعائلته لتأمين المبلغ المذكور.
وفي اليوم الموعود، ورغم أن الحراس كانوا عادة يفتشون سيارة المزود عند مغادرته مركز الاحتجاز، إلا أنهم تخلّفوا في ذلك اليوم عن القيام بذلك.
تجربة الهروب من مركز أبوسليم لم تخل من المخاطر بدورها، فقد تغيّرت معاملة المهرّب الليبي مع حسني فور ابتعاده عن السجن قليلا، إذ أوقف سيارته وأخرجه من الخلف مستخدما سلاحا لتهديده ومنعه من الهرب وحبسه داخل السيارة. وعمد المهرّب الى اقتياد حسني تحت تهديد السلاح إلى أن بات على مقربة من مكان عائلته. ورغم تسلمه المبلغ المالي مسبقا، لم يفرج عنه إلا بعد أن ابتعد عنهم مسافة وطلب من حسني أن يركض إلى عائلته رغم إصابته في قدمه.

بعد ذلك، قرّر حسني مغادرة ليبيا بمعية خطيبته، فطلب من خالته التي كانت تعمل في السوق تأمين مبلغ قيمته 6000 دينار ليبي (3000 دينار للشخص الواحد) مقابل رحلة الهجرة عبر البحر، واتصل بمهرّب ونسّق معه الأمر. في يوم الرحلة، شعرت خطيبة حسني بالخوف من الموج وترددت في الصعود إلى الزورق فما كان من مسيري الرحلة الّا أن اعتدوا عليها بالضرب بعصا كانت لديهم.

“رفضتُ المعاملة التي تلقّتها خطيبتي ولدى تدخلّي تعرّضتُ لضرب مبرح جعلني أفقد وعيي. لدى استيقاظي، وجدتُ نفسي في المركب رفقة خطيبتي فشكرت الله لأنّنا لم نقتل”.

 

أبحر الزورق لمدة 4 أيام انتهى إثرها البنزين، وظلّ المركب تائها في عمق البحر يواجه مصيرا مجهولا وأمواجا عاتية. لاحظ حسني خلال الرحلة طائرات هيليكوبتر عليها علم الاتحاد الأوروبي تحلق فوقهم دون أن تقوم بأي تدخل. كما اعترضتهم ناقلة نفط اكتفت بتقديم بعض الطعام والمياه لهم، وحاولت إعادتهم إلى ليبيا عبر اتصالها بالجهات الرسمية الليبية، الأمر الذي دفعهم إلى قطع الحبل الذي كان يربطهم بالسفينة والهروب، فالعودة إلى ليبيا لم تكن أمرا مطروحا بالنسبة إليهم، إما أوروبا أو الموت في البحر.

ظلّ الزورق مبحرا أياما دون اتجاه محدد إلى أن وصل إلى المياه الإقليمية التونسية حيث كان بعض الصيادين التونسيين يقدمون طعاما وماء للمهاجرين و يوضحون لهم الاتجاه نحو أوروبا واتجاها آخر نحو تونس، إلى أن اعترضتهم سفينة تابعة للحرس التونسي وقامت باقتيادهم إلى سواحل صفاقس لتنطلق رحلة أخرى من الانتظار اليائس في انتظار الوصول الى الجنّة الأوروبية الموعودة.

كلمة الكتيبة:

في إطار هذا التحقيق تقدمت الزميلة رحمة الباهي بطلب للسفارة المالطية بتونس قصد الحصول على التأشيرة بهدف التنقل إلى مالطا وذلك لاستكمال عملها الاستقصائي. وعلى الرغم من أنّ ملفها لم تكن تشوبه أية شائبة إلا أنّ السفارة ما ان علمت بسبب الزيارة رفضت منحها الفيزا.

وكانت إدارة التحرير قد راسلت السلط الليبية ممثلة في حكومة الوفاق حيث اتصلت بوزير الداخلية فتحي باشاغا بغرض الحصول على توضيحات رسمية إلا أنّه اعتذر عن الإدلاء بأي تصريح أو رد مكتوب.

شارك في الانتاج:

تأطير: محمد اليوسفي

فيديو: حمزة فزّاني

رسوم:مهدي الهمامي

اشراف فني: وليد الماجري

غرافيك:منال بن رجب

تطوير تقني:PRODEXO