الكاتب : د. مصطفى الشيخ الزوّالي
باحث في العلوم الاجتماعية والتربوية، ومستشار عام خبير في الحياة المدرسية بوزارة التربية التونسية.
لا يُختزل تاريخ المدرسة التّونسيّة في كونه مجرّد تطوّرٍ لمؤسّسةٍ تربويّةٍ، بل هو مرآةٌ عاكسةٌ لتحوّلات الدّولة والمجتمع على امتداد أكثر من قرن. فلم تكن المدرسة مجرّد فضاء للتّلقين والامتحان، بل شكّلت جهازاً فاعلاً في إنتاج السّلطة الرّمزيّة، ونموذجًا مصغّرًا للعلاقة بين الفرد والدّولة، وحاضنةً لبناء الذّات الجماعيّة. غير أنّ هذا الدّور المحوري أضحى اليوم في قلب أزمة عميقةٍ تتجلّى في تراجع الثّقة، وتفكّك المعنى، وتحوّل الفضاء التّربوي إلى ساحة لصراع رؤى متباينة حول وظيفة المدرسة وحدود سلطتها.
فكيف تحوّلت السّلطة التّربويّة من آليّةٍ أساسيّةٍ في بناء الهويّة الوطنيّة إلى عاملٍ يُغذّي أزمة المعنى وفقدان الثّقة في المدرسة العموميّة؟ للإجابة عن هذا السّؤال، يعتمد المقال منهجيّة “النّموذج المثالي” الفيبري بوصفها أداة تحليليّة تبني نماذج مجرّدة لتسليط الضّوء على السّمات الجوهريّة للظّواهر الاجتماعيّة.
الكاتب : د. مصطفى الشيخ الزوّالي
باحث في العلوم الاجتماعية والتربوية، ومستشار عام خبير في الحياة المدرسية بوزارة التربية التونسية.
لا يُختزل تاريخ المدرسة التّونسيّة في كونه مجرّد تطوّرٍ لمؤسّسةٍ تربويّةٍ، بل هو مرآةٌ عاكسةٌ لتحوّلات الدّولة والمجتمع على امتداد أكثر من قرن. فلم تكن المدرسة مجرّد فضاء للتّلقين والامتحان، بل شكّلت جهازاً فاعلاً في إنتاج السّلطة الرّمزيّة، ونموذجًا مصغّرًا للعلاقة بين الفرد والدّولة، وحاضنةً لبناء الذّات الجماعيّة. غير أنّ هذا الدّور المحوري أضحى اليوم في قلب أزمة عميقةٍ تتجلّى في تراجع الثّقة، وتفكّك المعنى، وتحوّل الفضاء التّربوي إلى ساحة لصراع رؤى متباينة حول وظيفة المدرسة وحدود سلطتها.
فكيف تحوّلت السّلطة التّربويّة من آليّةٍ أساسيّةٍ في بناء الهويّة الوطنيّة إلى عاملٍ يُغذّي أزمة المعنى وفقدان الثّقة في المدرسة العموميّة؟ للإجابة عن هذا السّؤال، يعتمد المقال منهجيّة “النّموذج المثالي” الفيبري بوصفها أداة تحليليّة تبني نماذج مجرّدة لتسليط الضّوء على السّمات الجوهريّة للظّواهر الاجتماعيّة.
ولا تُتّخذ النّماذج المقترحة ــــ التقليدي، والحداثي، والبيروقراطي ـــ السّلطوي، والسّائل ـــ كمراحل تاريخيّة متعاقبة تحلّ الواحدة محلّ الأخرى، بل كأنماطٍ مثاليّةٍ متداخلة تترك آثارها المتراكمة في “الذّاكرة المؤسّسيّة” للمدرسة. ويُفسّر هذا التّداخل استمرار التّوتّر بين قوى التّجديد وقوى الجمود، ويجعل من مهمّة إصلاح المدرسة مهمّة معقّدة تستدعي، قبل كلّ شيء، مساءلة بنيتها الرّمزيّة العميقة.
ومن هذا المنظور، يتتبّع المقال تحوّلات السّلطة التّربويّة من سلطة المربّي في النّموذج التّقليدي، إلى سلطة الدّولة الوطنيّة في مرحلة بناء المدرسة العموميّة، ثمّ إلى سلطة البيروقراطية التّقنية الّتي ساهمت تدريجيًّا في إفراغ المدرسة من معناها، وصولاً إلى مرحلة السّيولة والتّفكّك الّتي أعقبت ثورة 2011. فقد كشفت هذه اللّحظة التّاريخيّة عن أزمة بنيويّة متجذّرة كانت تتخفّى خلف خطاب التّحديث، لكنّها لم تفتح أفقًا واضحًا للإصلاح بقدر ما كرّست حالة من “الإصلاح المعلّق”، حيث يظلّ النّقاش التّربوي أسير جدل متكرّر بين مشاريع متنافسة لا تكتمل ولا تتراكم.
ومن ثمّ، فإنّ تجاوز هذه الحلقة المفرغة لا يمكن أن يكون تقنيًّا فحسب، بل يمرّ عبر إعادة التّفكير في الأسس الرّمزيّة للسّلطة التّربويّة ذاتها، وبناء عقد اجتماعي تربوي جديد يستعيد المعنى والوظيفة المجتمعيّة للمدرسة من خلال الانتقال من منطق الانتظار والتّذمّر إلى منطق إعادة البناء الجماعي، حيث يتشكّل هذا العقد في الممارسات اليوميّة للمؤسّسة التّربويّة بقدر ما يتشكّل في الخطاب حولها.


النّموذج التّقليدي: تأسيس الإرث في ظلّ الازدواجيّة الكولونياليّة (ما قبل 1956)
شكّلت المرحلة التّأسيسيّة للمدرسة التّونسيّة قبل الاستقلال لحظة محوريّة جسّدت تناقضات المجتمع وسياقه التّاريخي، ورسّخت إرثاً مركّبًا ظلّ يؤثّر في المسار التّربوي اللّاحق. ففي هذه المرحلة، تبلورت أولى ملامح السّلطة التّربويّة، وتأسّست أنماط من العلاقة بين المعرفة والمجتمع ستظلّ حاضرة في الذّاكرة المؤسّسيّة للمدرسة، لتتداخل لاحقًا مع نماذج السّلطة الّتي ستتشكّل في سياق الدّولة الوطنيّة.
السّلطة الأبويّة الرّمزيّة: منطق الطّاعة والانتماء
هيمن على هذه المرحلة منطق تقليدي يقوم على “الشّرعيّة التّقليديّة” بمفهوم ماكس فيبر، حيث تداخلت السّلطة التّربويّة مع السّلطات الدّينيّة والاجتماعيّة. تجسّدت هذه السّلطة في شخصيّة الشّيخ/المعلّم، الّذي تكرّس في المخيال الجمعي بصفته حاملاً للحقيقة والبركة، ومارس سلطة أبويّة تقترب من منطق الولاء الصّوفي. وقد شكّلت المدرسة الزّيتونيّة والكتاتيب إطارًا لبناء هويّة جماعيّة قائمة على الدّين واللّغة، وأسهمت في تماسك النّسيج الاجتماعي. غير أنّ قدسيّة المعرفة وحجبها عن النّقاش حوّلا التّعلّم في كثير من الأحيان إلى طقس للامتثال، يُرسّخ الطّاعة والانتماء أكثر ممّا ينمّي النّظر والاجتهاد. وهكذا، تأسّس نمط من السّلطة التّربويّة يقوم على التّلقّي الأحادي ومركزيّة المربّي، سيظلّ كامنًا في عمق الذّاكرة المؤسّسيّة للمدرسة التّونسيّة، ويعاود الظّهور كلّما ضعفت المؤسّسات أو تراجعت ثقافة الحوار داخل الفضاء التّربوي.
المدرسة الاستعماريّة والازدواجيّة الكولونياليّة: تعقيد المشهد التّأسيسي
مع الاستعمار الفرنسي، لم تُلغَ المدرسة التّقليديّة، بل أُعيد تركيبها في منظومة هجينة جمعت بين التّعليم الدّيني التّقليدي والتّعليم الفرنسي الحديث. في ظلّ سياسة “الفرنكوعربية” الّتي أسّسها لويس ماشوال، (مدير التّعليم العمومي 1883–1906)، والذي جاء في خطاب تنصيبه عام 1883 قوله: “يتعيّن علينا إنشاء شبكة من المدارس بأسرع ما يمكن.. حيث سيأتي الأطفال من جميع الجنسيّات لتعلّم لغتنا وتشكيل أدمغتهم بالأفكار الفرنسيّة“.
وبالتّوازي مع هذا المشروع الاستعماري، ظلّ التّعليم الزّيتوني والكتاتيب يعملان جنبًا إلى جنب مع المدارس الفرنسيّة، لكن ضمن علاقة قوّة غير متكافئة. لم تكن المدرسة الاستعماريّة مجرّد أداة هيمنة سياسيّة ولغويّة، بل أيضاً فضاءً لخلق قنوات اتّصال جديدة أفرزت نخبة محليّة متعدّدة المرجعيّات: مُفرنسة ثقافيًّا، محافظة على انتمائها المحلّي.
وقد أسّس هذا التّعايش القسري بين النّظامين لمنظومة تعليميّة ثنائيّة اللّغة والهويّة، ستغدو لاحقاً إحدى السّمات الهيكليّة للتّعليم التّونسي، بما تحمله من إمكانات للانفتاح المعرفي ومن مخاطر التّمزّق الثّقافي.
يعتبر مؤسّس المدارس الفرنسيّة العربيّة بالبلاد التّونسيّة وكان من أبرز المستعربين وحافظ للقرآن الكريم.( مولود سنة 1848 بالجزائر العاصمة).
« L’enseignement public en Tunisie » rédigé Louis Machuel , le directeur de l’instruction publique 1883-1906, cité dans les pages 197- 202 du livre d’ahmed chabchoub « Ecole et modernité en Tunisie et dans le monde arabe. Texte 12 : l’œuvre scolaire de la France en Tunisie » Paris : L’Harmattan. 2000
المدرسة الصّادقيّة: إصلاح نخبوي وإشكاليّة التّعميم
برزت المدرسة الصّادقيّة منذ تأسيسها سنة 1875 كمشروع إصلاحي طموح سعى إلى التّوفيق بين الأصالة والحداثة، معتمدة على استقلال مالي وفّرته أوقاف ضخمة كما وثق الباحث التّليلي العجيلي. لكن هذا المشروع تغيّر جذريًّا بعد 1883 مع هيمنة الإدارة الاستعماريّة، إذ تحوّل الهدف تدريجيًّا من تكوين نخبة وطنيّة إلى إعداد مترجمين وموظّفين لخدمة جهاز الحماية، وحُذفت التّركيّة والإيطاليّة لصالح اللّغة الفرنسيّة ومناهجها، كما وُجّهت مداخيل الأوقاف لتمويل المدارس الفرانكو ـــ عربيّة.
ورغم هذا التّحوّل، أدّت الصّادقيّة دورًا بارزًا في تكوين ما عُرف لاحقًا “بجيل التّحرير”، إذ أتقن خرّيجوها العربيّة والفرنسيّة، وشكّلوا نسبة 67٪ من الإطارات الّتي تولّت الحكم بعد الاستقلال. وقد تبنّت الدّولة الوطنيّة لاحقاً نموذج الصّادقيّة المعدّل ـــ القائم على ثنائيّة اللّغة والثّقافة ـــ وعمّمته ضمن سياسة توحيد التّعليم.
غير أنّ هذا التّعميم واجه صعوبات جوهريّة، أبرزها صعوبة نقل التّمكّن اللّغوي المزدوج الّذي ميّز التّكوين النّخبوي إلى عموم المتعلّمين في ظلّ ضعف الإمكانيّات واتّساع قاعدة التّمدرس، وهو ما كشف حدود النّماذج النّخبويّة عندما تتحوّل إلى سياسات تعليميّة شاملة، وأسّس مبكرًا لإشكاليّة التّوازن بين الجودة والكمّ الّتي ستلازم المدرسة التّونسيّة لاحقًا.
أسّست هذه المرحلة لإرث مركّب للمدرسة التّونسيّة: أنساق معرفيّة وهويّاتيّة متعدّدة (تقليديّة، استعماريّة، إصلاحيّة) تعايشت وتنافست داخل المجال التّربوي، وأنماط مختلفة من السّلطة التّربويّة ـــ الأبويّة، والبيروقراطيّة النّاشئة، والنّخبويّة ــ ستتداخل لاحقًا مع نماذج الدّولة الحديثة، مشكّلةً ما يمكن تسميته بـ”الذّاكرة المؤسّسيّة” للمدرسة الّتي تحمل في طيّاتها إمكانات الإبداع وعثرات الجمود معًا.


نموذج التّحديث البورقيبي (1956–1987): من وعد التّحرير إلى إنتاج الإحباط البنيوي
شكّلت مرحلة ما بعد الاستقلال لحظة تأسيسيّة جديدة في تاريخ المدرسة التّونسيّة، حيث انتقلت السّلطة التّربويّة جذريًّا من المرجعيّات التّقليديّة والكولونياليّة إلى شرعيّة المشروع الوطني. حوّلت دولة الاستقلال المدرسة إلى أداة مركزيّة لبناء الدّولة الوطنيّة، مستندة إلى منطق التّحديث ونظريّات النّموّ الاقتصادي.
غير أنّ هذا التّحوّل الّذي تجسّد أولاً في كاريزما “القائد ـــ المعلّم” ثمّ في الشّرعيّة القانونيّة ـــ البيروقراطيّة، حمل في طيّاته تناقضات بنيويّة مبكّرة. فإذا كانت المدرسة في هذه المرحلة قد حقّقت إنجازات كبرى في تعميم التّعليم وصهر التّنوّعات ضمن هويّة وطنيّة موحّدة، فإنّ هيمنة البيروقراطيّة والتّوسّع الكمّي حوّلاها تدريجيًّا إلى جهاز وظيفي يخدم أولويّات الدّولة، ممهدًا لأزمة شرعيّة ومعنى ستتفاقم لاحقًا.
الإنجاز الكبير: تعميم التّعليم وبناء الهويّة الوطنيّة
شكّلت مرحلة بناء الدّولة الوطنيّة بعد الاستقلال لحظة محوريّة تحوّلت فيها المدرسة إلى أداة مركزيّة للحراك الاجتماعي وصهر التّنوّعات في هويّة وطنيّة موحّدة. في هذا السّياق، يصف عبد الوهاب بوحديبة المدرسة بأنّها “العنصر الجديد المحرّك للمجتمع التّونسي”، إذ أصبحت فضاءً لـ”التّأطير الاجتماعي” و”مخبراً حقيقيًّا للمجتمع الحديث”.
فقد غدا التّمدرس “ظاهرة اجتماعيّة شاملة” شملت مختلف الجهات، وولّدت “المدرسة الرّيفيّة”، بينما صارت الشّهادات “الطّريق الملكي” للتّرقّي الاجتماعي. ويؤكّد عبد الوهاب بوحديبة أنّ ما رُصد للتّعليم بلغ “قرابة ثلث ميزانيّة الدّولة”، وأنّ ما خُصّص للتّعليم العالي فاق ما رصدته الدّولة لجيشها.
غير أنّ هذا الدّور الاندماجي للمدرسة بدأ يتغيّر مع ترسخ نظام الحزب الواحد بعد سنة 1963، حيث أخذ موقعها يتحوّل تدريجيًّا من فضاء للحراك الاجتماعي إلى أداة لترسيخ الشّرعيّة السّياسيّة. فتلاشى الحدّ بين الدّولة والمجتمع، وبرز الخلط بين الدّولة والنّظام عبر توظيف المدرسة لنشر “مواطنة الدّولة” وفق الرّؤية البورقيبيّة. وكما يوضّح عياض بن عاشور، استند هذا التّوظيف إلى “خطاب أخلاقي رسمي غمر الفضاء العمومي”، جاعلاً من المدرسة أداةً لإعادة “صياغة العقليّات وبناء الأمّة التّونسيّة الحديثة“.
غير أنّ هذا التّوظيف السّياسي حمل في طيّاته مفارقة عميقة: فحين تتحوّل المدرسة إلى جهاز تعبئة أيديولوجيّة، تفقد تدريجيًّا قدرتها على النّقد والتّجديد، وتصبح رهينة لشرعيّة النّظام أكثر من كونها فضاءً لإنتاج المعرفة وخدمة المجتمع.
Bouhdiba, Abdelwahab. Culture et société Faculté des lettres et sciences humaines de Tunis. Tunis – 1978
ACHOUR, Yâdh Ben. 6- La réforme des mentalités : Bourguiba et le redressement moral In : Tunisie au présent : Une modernité au-dessus de tout soupçon ? [en ligne]. Aix-en-Provence : Institut de recherches et d’études sur les mondes arabe et musulman, 1987.


التّحوّل البيروقراطي: من المشروع الثّقافي إلى جهاز التّوظيف
رافق التّوسّع الكمّي الهائل في المنظومة التّربويّة تحوّلٌ جوهريٌّ في طبيعة السّلطة التّربويّة، حيث طغى المنطق الإداري على سلطة المربّي التّقليديّة. لم تعد الكفاءة التّربويّة هي المعيار، بل القدرة على تسيير الأعداد المتزايدة من التّلاميذ. ورغم استجابة هذا التّوسّع لضرورات بناء الدّولة وحاجتها للكوادر، فقد جاء على حساب تطوير رؤية تربويّة متكاملة.
انعكس هذا التّحوّل بشكل جليّ على سياسات التّكوين، حيث تمّ اللّجوء إلى آليات توظيف استثنائيّة لمعالجة النّقص الحادّ في المدرّسين المتخصّصين. شملت هذه الآليّات الاستعانة بحاملي شهادة الباكالوريا ممّن انقطعوا عن مسارهم الجامعي لسدّ الاحتياجات المتنامية في التّعليم الابتدائي، وذلك لعدم كفاية أعداد المتخرّجين من مدارس تكوين المعلّمين.
أمّا في التّعليم الثّانوي، فقد بلغ الأمر حدّ تكليف غير المتخصّصين، من قبيل خرّيجي علم النّفس وعلم الاجتماع والصّحافة، بتدريس موادّ أساسيّة كالعربيّة والفرنسيّة، في تجسيد صارخ لهيمنة منطق “الاستيعاب الوظيفي” على الاعتبارات العلميّة والبيداغوجيّة.
وهكذا، تحوّلت المنظومة من مشروع ثقافيّ مجتمعيّ إلى جهاز يخدم أولويّات الدّولة البيروقراطيّة وسوق الشّغل. هذا الإرث البيروقراطي سيبقى كامنًا في الذّاكرة المؤسّسيّة للمدرسة، وسيظهر بقوّة في المرحلة اللّاحقة. حيث سيتحوّل إلى أداةٍ للسّيطرة والمراقبة تحت مظلّة “الاستبداد النّاعم”.
أزمة التّحديث: الإحباط البنيوي وبذور فقدان المعنى
أفرز هذا التّحوّل شرخًا عميقًا بين “التّثاقف” و”المكانة الاجتماعيّة” نتيجة التّوتّر بين تسريع التّعميم وتأجيل التّعريب، وهو ما شكّل الرّهان التّحديثي المتناقض. فالمدرسة، رغم وعودها بالارتقاء الاجتماعي، كانت تنقل ثقافةً بلغةٍ لم يتقنها جميع التّلاميذ، مما أدّى إلى ظاهرة الحرمان النّسبي: شعور المتعلّم بالقصور أمام الفرص الّتي وعده بها التّعليم، في ظلّ اقتصادٍ محدود القدرة على الاستيعاب.
وفي هذا السّياق، يبيّن الباحث الأمريكي مارك تسلار أنّ تسريع التّثاقف لا يوازيه بالضّرورة تحسّن في المكانة الاجتماعيّة، بل قد يولّد فجوةً بين القيم المكتسبة والفرص المتاحة، بما يعمّق الإحساس بالإحباط، ويحدّ من فاعليّة مشروع التّحديث.
وقد تبلورت ملامح هذا التّناقض منذ منتصف السّبعينات، مع الانتقال من “أفراح الاستقلال” إلى “خيبة الأمل في المشروع الوطني”، ومن “دولنة المجتمع” إلى “الدّولة الفئويّة” حسب عبارات الباحث عبد الباقي الهرماسي.
ويشير تسلار وهاوكينز إلى أنّ نموذج التّحديث البورقيبي أنتج إحباطًا بنيويًّا ناتجًا عن الفجوة بين وعود التّعليم ومحدوديّة الاقتصاد، ما أدّى إلى تراجع الثّقة السّياسيّة وزيادة القابليّة للانجذاب إلى الخطابات الرّاديكاليّة. وقد ظهرت هذه الدّيناميّات مبكّرًا في الفضاء الجامعي منذ أواخر السّتّينات، حيث عبّر الحراك الطّلّابي عن التّوتر بين التّوسّع المعرفي وضيق الواقع، مسجّلًا بدايات أزمة المعنى داخل المدرسة التّونسيّة.
وهكذا، لم تكن محصّلة عقود التّأسيس الأولى (1956 ـــ1987) مجرّد توسّع كمّي نجح في تعميم التّعليم وبناء الهوية الوطنية، بل تزامن ذلك مع ترسّخ بنية بيروقراطيّة عموديّة حوّلت المدرسة تدريجيًّا من مشروع ثقافي مجتمعي إلى جهاز وظيفي يخدم أولويات الدّولة. والأخطر أنّ الجمع بين حداثة الخطاب واستمرارية الممارسات السّلطويّة، تحت هيمنة منطق “الاستيعاب الوظيفي”، عمّق الإحباط البنيوي وولّد شعوراً بالحرمان النّسبي، فانتقل المشروع التّحديثي من وعد بالتّحرّر إلى مُنتِجٍ لأزمات الشّرعيّة. وهذه الأزمات نفسها ستتّخذ في المرحلة اللّاحقة صيغة أكثر مراوغةً تحت مظلة “الاستبداد النّاعم”.
يبيّن تسلار وهاوكينز، في دراستهما حول المجتمع التّونسي، أنّ التّثاقف (أي تبنّي القيم والمعارف الحديثة) لا يقترن بالضّرورة بتحسّنٍ موازٍ في المكانة الاجتماعيّة، إذ قد يتطوّران بشكلٍ غير متلازمٍ، بل مستقلٍ أحيانًا، نتيجة محدوديّة البنية الاقتصاديّة والاجتماعيّة على استيعاب التّحوّلات الثّقافيّة. ويؤدّي هذا الانفصال إلى توسيع الفجوة بين التّطلّعات الّتي يولّدها التّعليم والفرص الفعليّة المتاحة، بما يضعف فرضيّات التّحديث الكلاسيكيّة الّتي تفترض انسجامًا خطيًّا بين التّعليم والتّنمية والحراك الاجتماعي.
Tessler, M. A., & Hawkins, L. L. (1979). Acculturation, socio-economic status, and attitude change in Tunisia: Implications for modernisation theory. The Journal of Modern African Studies, 17(3), 473–495. Cambridge University Press
.
الهرماسي عبد الباقي ( 1987)المجتمع والدّولة في المغرب العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة


النموذج البيروقراطي ـــ السّلطوي (1987–2011): من الاستبداد النّاعم إلى تفكك السّلطة الرّمزيّة
شكّلت مرحلة ما بعد 1987 تحوّلاً عميقاً في تاريخ المدرسة التّونسيّة، إذ تراجع منطق الدّولة الرّاعية لصالح نموذج بيروقراطي ـــ رقابي أكثر تقنيةً ومراوغةً. هذا النّموذج لم يكن قطيعةً كاملةً مع الإرث البورقيبي بقدر ما كان تطويرًا لتناقضاته الدّاخليّة، مستفيدًا من البنية البيروقراطيّة العموديّة الّتي ترسّخت في العقود السّابقة، ومحوّلاً إيّاها إلى أداة أكثر فعاليّة للسّيطرة. في هذه المرحلة، بلغ تآكل السّلطة الرّمزيّة للمدرسة ذروته، وفقدت المنظومة قدرتها على إنتاج الثّقة، لتدخل في مسار تفكّك تدريجي مهّد لانفجار الشّرعيّة في 2011.
الاستبداد النّاعم: بيروقراطيّة التّحديث الشّكلي واللّغة الخشبيّة
أعاد النّظام تشكيل البنية السّلطويّة عبر التّحديث التّقني والانضباط الإداري، محوّلاً المدرسة إلى أداة إقصاء ورقابة ناعمة تُخضع الفضاء التّربوي لمنطق الضّبط. هذا ما يصفه الهادي التّيمومي بـ”الاستبداد النّاعم“: أي سلطة لا تقتصر على القمع المباشر، بل تتجاوزه إلى المراقبة الدّقيقة، والتّحديث الشّكلي، والتّحكم في الفضاء التّربوي بأساليب أكثر مراوغةٍ. ويشير المؤرّخ الهادي التّيمومي إلى أنّ الهدف غير المعلن لقانون 1991 كان “سحب البساط من تحت أقدام الإسلاميّين”، في تجسيد للتّوظيف السّياسي للتّعليم وتحويله إلى ساحة ل<صراع النّظام مع خصومه.
تجلّى هذا المنطق في ممارسات زبونيّة ربطت التّرقيات بشبكات الولاء، فأضحى الجهاز الإداري واجهة تُدار بها الأعطاب بدل معالجتها. في هذا المناخ، سادت “اللّغة الخشبيّة”، حيث فقد الخطاب الرّسمي صلته بالواقع، وصارت عبارات مثل “الشّفافيّة” و”دولة القانون” دالّة على نقيضها. وامتدّ التّحديث الشّكلي إلى الخطاب التّربوي بتبنّي مفاهيم برّاقة مثل “مدرسة الغد”، “التّلميذ محور العمليّة التّربويّة”، و”المقاربة بالكفايات”، من دون توفير شروط تطبيقها ولا آليّات تقييمها.
ومع غياب التّكوين والمراجعة، تحوّلت هذه المفاهيم إلى شعارات تزيينيّة تبقي جوهر المنظومة ومنطق الضّبط على حاله، ولو بواجهة تربويّة حديثة. هكذا صار التّحديث مجرّد قناعٍ يستر استمرار الممارسات السّلطويّة، في تجسيد صارخ لانفصال الخطاب عن الواقع.
يحيل مفهوم الاستبداد النّاعم إلى سلطة تجمع بين اللّيونة الشّكليّة والصّرامة الفعليّة، وهو ما يلخّصه المثل: “يد من حديد في قفاز من حرير”.
انحسار السّلطة الرّمزيّة: من مربٍّ إلى موظّف
أدّى ترسّخ البيروقراطية التّقنيّة داخل المنظومة التّربويّة إلى إفراغ مكانة المربّي من مضمونها الرّمزي، وتحويله إلى مجرّد موظّف داخل تراتبيّة إداريّة صارمة، تُمنح فيها المواقع على أساس الولاءات أكثر من الكفاءة.
وكما يشير مصطفى النّيفر، المسؤول السّابق بوزارة التّربية خلال فترة حكم بن علي، “فقد بدأ تفكّكّ المنظومتين التّربويّة والقضائيّة منذ النّصف الثّاني من عهد بورقيبة، واشتدّ خلال فترة ابن علي، إذ رافق التّوسّع المؤسّسي تسرّب اختلالات الحوكمة إلى البنية الدّاخليّة للمدرسة كدودةٍ تنخر ثمرةً من جوفها، ممّا قوّض تدريجيًّا وظيفتها الاجتماعيّة” (النّيفر، 2011).
ويبرز مصطفى النّيفر دور التّجمّع الدّستوري الدّيمقراطي في فرض الهيمنة السّياسيّة على تعيين الإطارات والتّحكّم في مفاصل العمل الإداري، ممّا أسهم في انتشار أساليب التّحريض والتّغرير داخل الوسط المدرسي، وظهور تجاوزات مثل التّسجيل غير المستحقّ في الفصول المميّزة أو التّلاعب بالأعداد. ونتيجة لذلك، انكمش الفعل التّربوي إلى مجرّد امتثال للأوامر الإداريّة وترسيخ للولاء السّياسي. هذه الممارسات حوّلت المدرسة من فضاء لإنتاج المعنى إلى ساحة لتصفية الحسابات وتوزيع المكاسب.
لم يقتصر هذا الانحراف على الجهاز الإداري، بل شمل كذلك الممارسة النّقابيّة والمحيط الاجتماعي، حيث غلبت المطالب المادّيّة ورفض مشاريع التّجديد، ما عمّق فقدان المعنى الرّمزي للمهنة. ومع ترسّخ تصوّر مجتمعي للمدرسة بوصفها “صندوقًا أسود” تُلقى عليه مختلف الأزمات، ارتفعت توقّعات الحلول السّحريّة، في حين تحول المربّي إلى عنصر داخل جهاز يعيد إنتاج البيروقراطيّة، بدل أن يكون فاعلاً في مشروع تربوي حامل للمعنى.


التّناقض الهيكلي واستنزاف الشّرعيّة: الحرمان النّسبي في نسخته المتطوّرة
رغم توسّع البنية التّحتيّة للمنظومة التّربويّة، بقي الاستقرار شكليًّا يخفي تآكل الشّرعيّة من الدّاخل. وإذا كان إحباط مرحلة بورقيبة ناتجًا عن فجوة بين وعود التّعليم والقدرة الاقتصاديّة المحدودة، فقد تعمّق هذا الإحباط في عهد بن علي بفعل الفساد والمحسوبيّة واحتكار الفرص. وهكذا، أصبح الحرمان النّسبي أشدّ حدّة، إذ لم يعد المتعلّم يقارن وضعه بحدود التّعليم فقط، بل بالفرص غير المشروعة المتاحة للبعض عبر شبكات الولاء والزّبونيّة.
تحوّلت المدرسة من مسار للتّرقّي الاجتماعي إلى مصدر إحباط يومي، وفقدت الشّهادة قيمتها في سوق الشّغل، ليصبح النّجاح رهينًا بالولاءات لا بالكفاءة. ومع تضخّم بطالة حاملي الشّهادات، جسّدت المدرسة أزمة النّظام في أبهى تجلياتها: بيروقراطيّة تقنيّة تدير الأعطاب وتحافظ على واجهة الاستقرار، مقابل استمرار فقدان معنى المؤسّسة التّربويّة وتآكل دورها كرافعة للاندماج الاجتماعي. هذا التّناقض الهيكلي هو ما مهّد لانفجار الشّرعيّة في 2011، حيث كشفت الثّورة عن العمق الحقيقي للأزمة الّتي ظلّت لعقود مختبئة خلف واجهة التّحديث الشّكلي والاستقرار الظّاهري.
وهكذا، خلّفت مرحلة (1987 ـــ2011) إرثًا مثقلاً بالتّناقضات: فقد ترسّخت آليات “الاستبداد النّاعم”، بما حوّل الإدارة التّربويّة إلى أداة رقابة، وأفرغ السّلطة الرّمزيّة للمربّي، ليصبح مجرّد موظف منفّذ، وهو ما عمّق أزمة المعنى.
كما أسهمت اللّغة الخشبيّة وأشكال “التّحديث الشّكلي” ــ القائم على تجديد الخطاب دون تغيير الممارسة ـــ في ترسيخ قطيعة عميقة بين المؤسّسة ومحيطها، فتحوّلت المدرسة من فضاء للبناء إلى مجال للصّدام. هذا الإرث نفسه سينتقل إلى مرحلة ما بعد الثّورة، حيث ستبرز “السّيولة” كسمة جديدة، دون أن تزول عثرات الجمود المتراكمة.


نموذج السّيولة التّربويّة بعد 2011: من المركزيّة إلى الصّراع وأزمة المعنى
إذا كان النّموذج البيروقراطي ـــ السّلطوي قد أفرغ المدرسة من معناها الإنساني وحوّلها إلى جهاز مراقبة، فإنّ ثورة 14 جانفي 2011 كشفت انهياره، وأظهرت إرث الأزمة البنيويّة في صورة ما يمكن تسميته بـ”السّيولة التّربويّة” الشّاملة، مستلهَمًا من مفهوم “الحداثة السائلة” لزيغمونت باومان.
أطلقت الثّورة ديناميكيّتين متعارضتين: انفتاحًا على المشاركة المجتمعيّة والنّقاش العمومي من جهة، وتفككًا مؤسّسيًّا وفكريًّا من جهة أخرى. تحرّرت المدرسة من قبضة الدّولة، لكنّها لم تتحرّر من منطق الهيمنة، إذ استُبدلت سلطة الدّولة الواحدة بتعدّد سلط رمزيّة متنازعة (نقابات، جمعيّات، أحزاب، إعلام)، فتحوّلت المدرسة إلى مرآةٍ للانقسامات المجتمعيّة بدل أداةٍ لتوحيدها. وهكذا، بلغ مسار “الانتقال من يقين الانتماء إلى سيولة المعنى” ذروته في صراع يقينيات متعدّدة.
يشير المصطلح إلى أعمال الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman)، ولا سيما كتابه “الحداثة السّائلة، حيث يميز بين مرحلتين: حداثة “صلبة” تقوم على مؤسسات ثابتة ويقين مركزي، وأخرى “سائلة” تتصف بتفكّك البنى وتعدّد المرجعيّات وتشظّي السّلطة الرّمزيّة. وينسحب هذا المفهوم على المجال التّربوي كما أوضح باومان في مقالته “التّحدّيات التّربويّة في عصر الحداثة السّائلة” (Educational Challenges of the Liquid-Modern Era, 2003)
تحوّل السّلطة: من المركزيّة إلى التّشرذم
تميزت المرحلة بتشتت المرجعيّة التّربويّة وعجز الدّولة عن حسم الخيارات الجوهريّة. انتقل التّسييس من الدّولة إلى فضاء عامّ تتقاطع فيه مصالح متعدّدة: كلّ وزير حمل مشروعه الخاصّ (وتعاقب أكثر من 10 وزراء للتّربية منذ سنة 2011). كلّ نقابة رفعت مطالبها القطاعيّة، وكلّ جمعيّة دافعت عن رؤيتها الأيديولوجيّة. تحوّلت المدرسة من فضاء للتّمثيل الوطني إلى ساحة تعكس التّشظّي السّياسي والاجتماعي، فأصبح أيّ إصلاحٍ رهين توازنات قوى هشّة، وغابت الرّؤية الموحّدة القادرة على إنتاج معنى مشترك.
مظاهر السّيولة: من الفوضى الرّمزيّة إلى العنف الهيكلي
تجسّدت أزمة السّيولة في فوضى رمزيّة وإجرائيّة، حيث تفاعل الجمود البيروقراطي الموروث مع حرّيّة تعبير غير مؤطّرة. تحوّل العنف المدرسي من سلوك فردي إلى مؤشّر أزمة بنيويّة، إذ أورد المرصد الوطني للتّربية المعطيات التالية:
- 26,632 حالة عنف ضدّ الأطفال في عام 2021.
- أكثر من 5,000 شجار و247 اعتداء على الإطار التّربوي خلال الثّلاثي الأوّل 2022/2023
يعكس هذا انفجار المكبوت النّاتج عن تراجع السّلطة الضّابطة، وانتقال الدّولة من موقع المبادرة إلى موقع المتفرّج، وازدواجيّة الخطاب الرّسمي بين الدّعوة إلى الإصلاح والتّردّد في اتّخاذ القرارات الحاسمة. في هذا المناخ، صار التّلميذ زبونًا يركّز على الحصول على العدد والشّهادة، بينما أصبح المعلّم مثقلاً بالضّغوط المادّيّة والرّمزيّة، فتآكلت العلاقة التّربويّة وفقدت بعدها القيمي، مؤكّدة استمرار أزمة المعنى الموروثة عن النّموذج البيروقراطي ـــ السّلطوي.


سلعنة التّعليم: من خدمة عموميّة إلى امتياز طبقي
بلغت أزمة المعنى ذروتها بتحوّل التّعليم من حقّ عامّ وخدمة عموميّة إلى سلعة، ممّا أفرغ المدرسة العموميّة من دورها كمصعد اجتماعي. ومن مؤشّرات هذا التّحوّل:
- عدد تلاميذ التّعليم الابتدائي الخاصّ ارتفع من 21,509 (2009/2010) إلى 134,191 ( 2024/2025)
- نسبة طلبة التّعليم العالي الخاصّ من 4.5% إلى حوالي 16 % بين 2012 و2025
- انتشار الدّروس الخصوصيّة كاقتصادٍ موازٍ.
أصبح التّفوّق الدّراسي رهين القدرة المادّيّة للأسرة، ممّا يعيد إنتاج الفوارق الطّبقيّة ويضعف العقد الاجتماعي التّربوي، ويعمّق أزمة المعنى البنيويّة للمدرسة التّونسيّة.
الإصلاح المعطّل بعد 2011: من الحوار الوطني إلى تعدّد أشكال الشّعبويّة
شهدت تونس بعد 2011 تعدّدًا في المبادرات الإصلاحيّة، أبرزها الحوار الوطني لإصلاح المدرسة العموميّة (2015–2017) الّذي جمع وزارة التّربية، الاتّحاد العام التّونسي للشّغل، والمعهد العربي لحقوق الإنسان. وكما وثّق الباحث رياض بن خليفة، فقد “قطع المسار شوطًا مهمًّا”، لكنّه “دخل طريقاً وعرة” نتيجة “غياب الإرادة السّياسيّة” و”هيمنة النّزاعات القطاعيّة”.
ساهمت عوامل متراكمة في تعطيل الإصلاح: شخصنة القرار، حيث بدأ كلّ وزير من الصّفر متجاهلاً ما أنجزه سابقه، قوّة الإرث النّقابي الرّافض أحيانًا للتّجديد، والتّقلّبات السّياسيّة الحادّة الّتي أعاقت أيّ تراكم مؤسّساتي مستدام.
إضافة إلى ذلك، ساهم غياب الضّوابط المؤسّسيّة في الحوار العامّ، وانتشار وسائل التّواصل الاجتماعي غير المنضبطة، في تضخيم الانقسامات المجتمعيّة وتوزيع السّلطات الرّمزيّة بين فاعليّات متعدّدة، بما في ذلك نقابات، جمعيّات، أحزاب، وإعلام، ممّا عزّز حالة السّيولة التّربويّة وفصل الفعل العمومي عن أيّ تأطير مؤسّساتي، ومعمّقًا أزمة المعنى داخل المدرسة.
في هذا السّياق، برزت أشكال مختلفة من الشّعبويّة خلال كامل فترة ما بعد 2011، لكن هذه الظّاهرة بلغت ذروتها بعد تعثّر مرحلة الانتقال الدّيمقراطي نتيجة تراكم هذه العوامل، فأصبح الإصلاح محكومًا بديناميكيّات متناقضة بين خطاب “المنقذ” الشّعبي وتعدّد المرجعيّات المؤسّسيّة من دون قدرة على إنتاج رؤية متكاملة أو استعادة الثّقة في المدرسة كمؤسّسة قادرة على التّوجيه والتّربية.


حصاد المرحلة: أزمة معنى معمّمة
أفضت هذه التّحوّلات إلى فقدان المدرسة لوظيفتها الرّمزيّة وتراجع الثّقة فيها كمؤسّسة قادرة على إنتاج القيم المشتركة. أصبح العنف المدرسي مؤشّرًا على انهيار العقد القيمي بين الفاعلين التّربويّين، وتفاقمت اللّامساواة، واتّسعت الفجوة بين مؤسّسات التّعليم العمومي العادي ومؤسّسات التّعليم العمومي “النّموذجي” والخاصّة.
تظل الاستشارة الوطنيّة حول الإصلاح التّربوي (أواخر 2023) والمجلس الأعلى للتّربية الّذي يُنتظر أن يعمل كمنصّة مؤسّسيّة لإعادة إنتاج الشّرعيّة الرّمزيّة وصياغة سياسات ملموسة، نقطتي ارتكازٍ أساسيّتين، غير أنّ غياب إعلان نتائج الاستشارة واستمرار تأخّر المجلس يكرّسان استمرار “الإصلاح المعلّق”، ويؤكّدان أن تجاوز أزمة المعنى يظلّ رهين إرادة سياسيّة قادرة على بناء عقد اجتماعي تربوي جديد يعيد للمدرسة وظيفتها المجتمعيّة ولمعناها الثّقافي اعتبارهما.
تُجسّد الأزمة الرّاهنة للمدرسة التّونسيّة ذروة تراكم تاريخي نشأ من التّناقضات الكولونياليّة، وتفاقم بتحوّل الدّولة الوطنيّة إلى جهاز بيروقراطي أفرغ المشروع التّربوي من معناه، وظلّت آثاره عالقة في الذّاكرة المؤسّسيّة للمدرسة عبر تداخل النّماذج المتعاقبة.
وقد أدّى ذلك إلى تآكل القيمة الرّمزيّة للمعرفة، وترسّخ “الإحباط البنيوي” الّذي يتغذّى من ثقافة التذمّر والانتظار، وانتصار منطق الوظيفة والتّسليع على حساب المعنى. ومع تفاقم هذا الإحباط، وجد الخطاب الشّعبوي فرصة لتعميق فقدان الثّقة، فباتت المدرسة لا تعكس الأزمة فحسب، بل جزءًا من ديناميّات التّوتّر المجتمعي.
إنقاذ المدرسة اليوم ليس مجرّد إصلاح للمؤسّسة التّعليميّة، بل إنقاذ للمجتمع ككلّ، إذ تعود المدرسة لتؤدّي دورها التّقليدي كمصعد اجتماعي، قادرة على إنتاج القيم المشتركة وإعادة توزيع الفرص بما يعزّز العدالة الاجتماعيّة، ويحدّ من اتّساع الفجوة بين التّعليم العمومي العادي والنّموذجي والخاصّ.
ويقتضي تجاوز هذا الوضع نقلة نوعيّة تبدأ بتحرير الإرادة التّربويّة والشّروع في الفعل هنا والآن، بالانتقال من منطق المدرّس كموظّف منفّذ إلى مربٍّ فاعلٍ داخل مسار جماعي يضمّ مختلف الفاعلين. فالمخرج، كما كشفت المقاربة التّحليليّة للنماذج الأربعة، ليس تقنيًّا بحتًا، بل سياسيًّا وأخلاقيًّا بامتياز.
وفي هذا الإطار، يمنح تقرير اليونسكو حول مستقبل التّعليم مضمونًا عمليًّا لفكرة العقد التّربوي الجديد، إذ يُؤكد أنّ “المعلّمين، ونحن نتطلّع إلى أفق 2050، يتولّون مهمّة فريدة وحاسمة في تأسيس عقد اجتماعي جديد للتّربية”، وأنّهم “المنسّقون الّذين يجمعون تحت مظلّتهم عناصر وبيئات مختلفة”، ولا يمكن لأيّ تقنية “أنّ تحلّ محلّ المعلّمين الجدد من البشر”.
لذلك، يشدّد التّقرير على تحويل التّدريس إلى “مهنة تعاونيّة” قوامها “التّعاون والعمل الجماعي”. بهذا المعنى، يشكّل العمل التّعاوني للمدرّسين حجر الزّاوية في العقد التّربوي الجديد، وفي إعادة بناء دور المدرسة باعتبارها فضاءً منتجًا للمعنى والثّقة.
وعليه، يقوم العقد التّربوي الجديد على ثلاثة مرتكزات أساسيّة:
- التّخلّي عن: البنى السّلطويّة، التّسلّط الرّمزي، التّوظيف السّياسي، تشتّت القرار التّربوي، وثقافة التّذمّر والانتظار.
- الحفاظ على: مكتسبات المدرسة العموميّة (مثل الإلزامية والمجانية)، وتحويل حماس العائلات واهتمامها من صرف ملايين الدينارات على الدروس الخصوصية إلى دعم المدرسة العموميّة بدل الانكفاء على الحلول الفردية.
- إبداع: آليات تشاركيّة ومناهج متجدّدة تستجيب للتّحدّيات الرّقميّة والذّكاء الاصطناعي، ويكون فيها العمل التّشاركي بين المدرسين محور الفعل التّربوي.
بذلك، لا تستعيد المدرسة موقعها كرافعة لإعادة بناء الثّقة والمعنى في المجتمع التّونسي فحسب، بل تتحوّل إلى مختبر حقيقي لإمكانيّة الخروج من السّيولة إلى مؤسّسة جامعة، قادرة على استيعاب التّعدد دون تفكك، وعلى احتضان الصّراع دون عنفٍ. فإن نجحت المدرسة في هذا الامتحان، كانت نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه تونس الغد، وإن أخفقت، بقيت مرآة تعكس أعمق تناقضاتها.
يتناول هذا المقال تحوّلات المدرسة التّونسيّة من مؤسّسةٍ بانيةٍ للهويّة الوطنيّة ومنتجةٍ للسّلطة الرّمزيّة إلى فضاءٍ يعاني من أزمة معنى وتراجع الثّقة في المدرسة العموميّة. بالاستناد إلى منهج "النّموذج المثالي" لماكس فيبر، يحلّل المقال أربعة أنماطٍ مثاليّةٍ للسّلطة التّربويّة: النّموذج التّقليدي (سلطة المربّي)، النّموذج الحداثي (سلطة الدّولة الوطنيّة)، النّموذج البيروقراطي ـــ السّلطوي (سلطة الإدارة التّقنيّة)، والنّموذج السّائل الّذي أعقب ثورة 2011. ويبيّن المقال كيف أنّ هذه النّماذج متداخلة ومتراكمة في "الذّاكرة المؤسّسيّة" للمدرسة، ما يفسّر استمرار التّوتّر بين قوى التّجديد والجمود، وتعميق أزمة المعنى بعد الثّورة في سياق "الإصلاح المعلّق". ويخلص المقال إلى أنّ تجاوز هذه الحلقة المفرغة لا يكمن في الحلول التّقنية الجاهزة، بل في صياغة "عقدٍ اجتماعيٍ تربويٍ جديدٍ" يقوم على إعادة بناء الأسس الرّمزيّة للسّلطة التّربويّة، وتحويل المدرسة العموميّة إلى فضاء لإنتاج المعنى المشترك والممارسة اليوميّة الواعية والحوار المجتمعي.
يتناول هذا المقال تحوّلات المدرسة التّونسيّة من مؤسّسةٍ بانيةٍ للهويّة الوطنيّة ومنتجةٍ للسّلطة الرّمزيّة إلى فضاءٍ يعاني من أزمة معنى وتراجع الثّقة في المدرسة العموميّة. بالاستناد إلى منهج "النّموذج المثالي" لماكس فيبر، يحلّل المقال أربعة أنماطٍ مثاليّةٍ للسّلطة التّربويّة: النّموذج التّقليدي (سلطة المربّي)، النّموذج الحداثي (سلطة الدّولة الوطنيّة)، النّموذج البيروقراطي ـــ السّلطوي (سلطة الإدارة التّقنيّة)، والنّموذج السّائل الّذي أعقب ثورة 2011. ويبيّن المقال كيف أنّ هذه النّماذج متداخلة ومتراكمة في "الذّاكرة المؤسّسيّة" للمدرسة، ما يفسّر استمرار التّوتّر بين قوى التّجديد والجمود، وتعميق أزمة المعنى بعد الثّورة في سياق "الإصلاح المعلّق". ويخلص المقال إلى أنّ تجاوز هذه الحلقة المفرغة لا يكمن في الحلول التّقنية الجاهزة، بل في صياغة "عقدٍ اجتماعيٍ تربويٍ جديدٍ" يقوم على إعادة بناء الأسس الرّمزيّة للسّلطة التّربويّة، وتحويل المدرسة العموميّة إلى فضاء لإنتاج المعنى المشترك والممارسة اليوميّة الواعية والحوار المجتمعي.

الكاتب : د. مصطفى الشيخ الزوّالي
باحث في العلوم الاجتماعية والتربوية، ومستشار عام خبير في الحياة المدرسية بوزارة التربية التونسية.
الكاتب : د. مصطفى الشيخ الزوّالي
باحث في العلوم الاجتماعية والتربوية، ومستشار عام خبير في الحياة المدرسية بوزارة التربية التونسية.



