الكاتب: مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

كان توقيت المباراة يشير إلى مرور 74 دقيقة وبضع ثوان في مناخ ممطر وبارد، ولكنه كان محتدما وساخنا فوق المدارج في مشهد أشبه بساحة معركة حامية الوطيس. فريق متقدم وآخر يسابق الزمن من أجل تعديل النتيجة. فجأة ودون سابق إنذار، ينطفئ النور وينقطع التيار الكهربائي على ملعب المنزه. إنه الثامن من أفريل 2010 تاريخ المباراة الشهيرة بين فريقي الترجي الرياضي التونسي ونادي حمام الأنف التي أضحت بمثابة المحطة الفاصلة في التأريخ لعلاقة الدولة وأجهزتها القمعية بمجموعات الألتراس في تونس.

تلك الواقعة الشهيرة، التي تم تخليدها في أكثر من أغنية من أغاني الفيراج، كانت لحظة مفصلية كُسِرت فيها شوكة النظام وهيمنته المطلقة، التي خال التونسيون أنها أبدية. تمّ ضرب صورة السيستام القوي الذي لا يهزم وأجهزته التسلطية الجبارة الموجودة في كل مكان كما كان يردد في المخيال الجمعي. لكن بين تاريخ 8 أفريل 2010 واليوم جرت مياه كثيرة من تحت جسور مجموعات الألتراس نفسها التي مثّلت مظهرا من مظاهر مقاومة النظام في زمن حكم الرئيس زين العابدين بن علي.

في هذا المقال، رحلة في العالم الخفي لمجتمع الألتراس في تونس ورصد لأهم التحولات التي شهدها بعد ثورة ساهم فيها بشكل أو بآخر. تحولات طالت عديد الجوانب إلا أنها عمّقت الهوّة في العلاقة بين السيستام وعدوّه الأزلي مجموعات الألتراس.

الكاتب: مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

كان توقيت المباراة يشير إلى مرور 74 دقيقة وبضع ثوان في مناخ ممطر وبارد، ولكنه كان محتدما وساخنا فوق المدارج في مشهد أشبه بساحة معركة حامية الوطيس. فريق متقدم وآخر يسابق الزمن من أجل تعديل النتيجة. فجأة ودون سابق إنذار، ينطفئ النور وينقطع التيار الكهربائي على ملعب المنزه. إنه الثامن من أفريل 2010 تاريخ المباراة الشهيرة بين فريقي الترجي الرياضي التونسي ونادي حمام الأنف التي أضحت بمثابة المحطة الفاصلة في التأريخ لعلاقة الدولة وأجهزتها القمعية بمجموعات الألتراس في تونس.

تلك الواقعة الشهيرة، التي تم تخليدها في أكثر من أغنية من أغاني الفيراج، كانت لحظة مفصلية كُسِرت فيها شوكة النظام وهيمنته المطلقة، التي خال التونسيون أنها أبدية. تمّ ضرب صورة السيستام القوي الذي لا يهزم وأجهزته التسلطية الجبارة الموجودة في كل مكان كما كان يردد في المخيال الجمعي. لكن بين تاريخ 8 أفريل 2010 واليوم جرت مياه كثيرة من تحت جسور مجموعات الألتراس نفسها التي مثّلت مظهرا من مظاهر مقاومة النظام في زمن حكم الرئيس زين العابدين بن علي.

في هذا المقال، رحلة في العالم الخفي لمجتمع الألتراس في تونس ورصد لأهم التحولات التي شهدها بعد ثورة ساهم فيها بشكل أو بآخر. تحولات طالت عديد الجوانب إلا أنها عمّقت الهوّة في العلاقة بين السيستام وعدوّه الأزلي مجموعات الألتراس.

قصص شغف بلا حدود

لكل مجتمع قوانينه وأعرافه الخاصة، وفي مجتمع الألتراس مسارات وسرديات ذاتية تلتقي جميعها على أرضية واحدة عنوانها قصة شغف لا محدود بهذا النادي أو ذاك لاسيما حينما يتعلق الأمر بلعبة كرة القدم.
جهاد (إسم مستعار)، شاب ثلاثيني تونسي، كانت بدايات قصّته مع عالم الألتراس قبل ثورة 2011 بحوالي 3 سنوات. كان وقتها في سن المراهقة، تلميذا في المعهد الثانوي. يتحدّث اليوم بكثير من الفخر والحنين عن تاريخ التحاقه بإحدى مجموعات الألتراس بتونس العاصمة:

شغفي بفريقي انطلق منذ أن كنت طفلا صغيرا. عندما كبرتُ أصبحت أذهب إلى الملعب رفقة أبناء الحي. كنت أجلس في منطقة الفيراج -يضيف جهاد- فهي التي تستهويني. في هذا المكان يمكن أن أعيش قصة شغف بلا حدود. في الأماكن الأخرى من المدرجات هناك محرّمات وعائلات أيضا.

.

”في الفيراج كنّا نعبّر بكل حرية طيلة 90 دقيقة وأكثر. الألتراس هي منصة نُعبّر فيها عن الحب للفريق فهذا ما تعلّمته ممّن سبقوني في الانتماء للمجموعة.“

كانت النزعة العامّة في تلك الحقبة تتّسم بانضمام الشباب إلى الألتراس عبر الانتماء لها حسب التقسيم المناطقي وفقا للتوزيع الجغرافي للأحياء.

 هي كلمة لاتينية تعني المتطرفين، وتظهر بصورة مجموعات مشجعي الفرق الرياضية والمعروفة بانتمائها وولائها الشديد لفرقها، وتتواجد بشكل أكبر في أوروبا وأمريكا الجنوبية وحديثًا في دول شمال أفريقيا.

 الباشاج مشتقّة من عبارة Bachage بالفرنسية، وتعني تغليف مكان أو شيء بغطاء أو رداء. وتعني في الملاعب تغطية المدارج بقطعة قماش كبيرة تحمل رسومات عملاقة إعلانا عن ميلاد خلية مشجعين جديدة.

تعكس مجموعات الألتراس في العادة تجارب شبابية تعبّر عن مسار ينطلق تقريبا في سن 15 سنة وينتهي في حدود 35 بشكل عام. ضمن هذا المسار الذي يقوم على التجربة، يصنع شباب الألتراس شغفا وفرجة ونوعا من المشهدية، لهذا استطاعت هذه المجموعات أن تكون رقما مهمّا داخل المدينة. لقد باتت مجموعات الألتراس شكلا من أشكال التنشئة الاجتماعية وهي بذلك تعطي جمالية جديدة للمدن من خلال التغني برموز المدينة والافتخار بها عبر اللوحات الجدارية والجرافيتي العملاقة التي نجدها في الشوارع العامة.

يُنسَب سبق تأسيس الألتراس عربيا وإفريقيا إلى مشجعي كرة القدم في تونس، عندما ظهرت مجموعة ”أفريكان وينرز“، كما يتفق على ذلك عدد من الباحثين. ويذهب البعض إلى اعتبار سنة 1995 منطلقا تأسيسيا لأول ألتراس تونسي ينقصه الإعلان أو ”الباشاج“ أي الكشف عن شعار ورمز المجموعة في المدارج. هذه نقطة خلاف بين عديد الباحثين أيضا، حيث يرجع جزء آخر نشأة الألتراس إلى مجموعة “ألترا-المكشخين“ ورمزها ULE02 التي قد تعترضك مرسومة على بعض الجدران في تونس العاصمة وبعض المناطق الأخرى الداخلية أين تنتشر جماهير فريق الترجي الرياضي التونسي.

تأسست هذه المجموعة، ”ألترا-المكشخين“، في صيف 2002 وتحديدا يوم 16 أوت/أغسطس حيث حملت صورة ”جيرونيمو“، وهو محارب من قبيلة أباتشي الهندية التي ناضلت ضد الاستعمار والإبادة العرقية الغربية. بعد ذلك، انتشرت هذه الظاهرة كالنار في الهشيم حيث أصبحت موجودة في أغلب الفرق وفي معظم المناطق والجهات تحت مسمّيات مختلفة: ”بلاك وايت فايترز“ بالنسبة إلى فريق النادي الرياضي الصفاقسي و”ألترا ساحليانو“ بالنسبة إلى فريق النجم الرياضي الساحلي، وغيرها من المجموعات لاسيما في الفرق التقليدية الكبرى حيث باتت عناوينَ للفرجة والتشجيع اللامحدود في الملاعب الرياضية.

أنا ألتراس إذن أنا ضد السيستام

قبيل زلزال الثورة التونسية في 2011، أضحت مجموعات الألتراس رقما في المشهد المجتمعي يقرأ له ألف حساب من قبل النظام وأجهزته. لقد باتت هذه المجموعات، في ذلك الوقت، أشبه بمجتمع داخل المجتمع الواحد.

في أوج خنق الحريات وسطوة البوليس وقمع أي نفس معارض أو احتجاجي، كانت مدارج ملاعب رادس والمنزه و أولمبي سوسة والطيب المهيري بصفاقس وغيرها من الملاعب الكبرى متنفسا لجيل جديد من الشباب الذي لم يسبق لأغلبيته التنظّم سواء في الحركة الطلابية أو أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني المناوئ للسلطة السياسية. شباب ثائر توّاق للحرية، متمرد ضد السائد بتعبيرات بدت غير مألوفة وقتها إذا ما تمت مقارنتها بأشكال الاحتجاج التقليدية ضد النظام وسياساته ومؤسساته.

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية والمدير السابق للمرصد الوطني للشباب، محمد الجويلي، يرى أن هذه المجموعات كانت تقود الرفض الشبابي قبل الثورة في ظل انحسار الحركة الطلابية والحركات الاجتماعية الشبابية الأخرى، فقد وجدت هذه المجموعات نفسها في أكثر من مرة في مواجهات عديدة مع الأمن ومع النظام بشكل عام. يعود الجويلي بالذاكرة إلى مباراة الترجي التونسي ونادي حمام الأنف في أفريل 2010 معتبرا أنها كانت فاصلة من حيث اجتياز حاجز الخوف .

داخل هذه المجموعات، هناك شروط عامة سواء في علاقة بالأمن أو بالإعلام، فهي نشأت منذ البداية ضد السيستام وهي بذلك تبحث عن موقع على هامش المنظومة مهما كان لونها. هوية هؤلاء لا يمكن أن تبرز إلا خارج المنظومة فهم يدافعون عن الكرة العادلة والكرة التي لا علاقة لها بالبزنس والمصالح السياسية والاقتصادية.

كان المشهد في أواخر عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في مدارج ملاعب كرة القدم على وجه الخصوص ثوريا رافضا للسلطة والإعلام وإدارة النادي والأمن على حد سواء. كانت مجموعات الألتراس تمثّل تعبيرة من تعبيرات الرفض، حيث ما انفكّت تستغلّ المدراج وتحتمي بها لتمرير رسائلها بجرعات متفاوتة للتعبير عن رفضها للقمع والاستبداد والفساد الذي طغى على السيستام. مع هذا المشهد، يمكن القول إنّ مجموعات الألتراس تكاد تكون منصّة الثورة الحقيقية في البلاد، حيث بدأت إرهاصات الحراك الثوري من المدارج كما هو الحال من خلال انتفاضة الحوض المنجمي في 2008 وغيرها من الحركات الاحتجاجية الدامية التي هزت أركان النظام الحاكم وقتها.

يقول عضو الألتراس ”جهاد“ في نفس السياق:

”أفضل تجربة لي مع الألتراس كانت في سنوات ما قبل الثورة. كان القمع يوحّدنا. الملعب كان فضاء من فضاءات الحرية الخارجة عن هيمنة النظام البوليسي. في الملعب، قمنا بكسر الصورة النمطية للنظام الذي لا يقهر. كنّا بمثابة حركة مقاومة ضد النظام.“

لا يقتصر السيستام، بالنسبة إلى هذه المجموعات، فقط على السلطة السياسية فهو يشمل كامل المنظومة، بما في ذلك الأمن والإعلام. يوضح جهاد قائلا:

”نحن ضدّ الميديا لأنها لا تبثّ إلا المعلومات التي تريدها. الإعلام لا يمرّر الرواية الحقيقية التي نريدها. قبل تاريخ 14 جانفي 2011 وبعده الإعلام لم يقدّم وجهة نظر محايدة وموضوعية حول مجموعات الألتراس وقضايا حارقة من قبيل العنف والقمع في الملاعب. دائما يكتفون بتشريك الإطارات الأمنية والإعلاميين الذين يزوّرون الحقيقة وينمّقونها. هم دائما يقدّمون الأمن في دور الضحية وينسبون العنف لنا.“

لكن عدم الظهور في وسائل الإعلام بالنسبة الى هذه المجموعات ليس وليد الموقف من أدائها فقط، بل هو يفسّر أيضا بشرط من شروط الانتماء للألتراس. فالمدارج هي الفضاء الذي يعبّر فيه هؤلاء بكل حرية. لهذا هم غير معروفين. فالمشجّع الذي ينتمي للألتراس يصبح مجرد رقم غير معروف الهوية لدى العامة.

في الفيراج، الجميع سواسية. المحامي والموظّف السامي والمثقف لهم نفس الحقوق والواجبات داخل هذه المجموعات مثلهم مثل صاحب السوابق العدلية. ما يجمع بينهم جميعا هو حب الفريق، ففي الألتراس يمكن أن تكون ملحدا أو إسلاميا أو شيوعيا أو قوميا لكن دون أن يطغى أي لون سياسي فكل القضايا العادلة تكون حاضرة على أجندة هذه المجموعات مثل القضية الفلسطينية. ويمكن تفسير العلاقة الصدامية بين الألتراس و قوات الأمن وأجهزة البوليس بمختلف تشكيلاتها بمنطق الضدية.

يوضح جهاد في هذا الشأن :”نحن ضد الأمن لأنه هو ضدنا. من الطبيعي أن نكون ضدهم لأنّ كل من يذهب إلى الملعب يعرف التجاوزات التي يقوم بها الأمن. في أكثر من مرة، منعنا من القيام بعديد الأنشطة، هذا دون الحديث عن الاستفزازات اليومية“.

”في إحدى المرات، أردنا التعبير عن غضبنا فاتفقنا جميعا على ارتداء أقمصة سوداء اللون لكن الأمن صادرها و اضطررنا لدخول الملعب بملابسنا الداخلية في أوج البرد والمطر.“

على هذا الأساس، يحذّر جهاد من تغوّل البوليس والمقاربة الأمنية المجحفة على حساب مجموعات الألتراس من خلال ما أسماها فرق الإرشاد الرياضي التي تضع قائمات في الأشخاص الممنوعين من دخول الملاعب. وقد بلغ الأمر درجة مطالبة بعض المشجعين بالحضور في مخافر الشرطة كلما تعلق الأمر بتوقيت مباراة الفريق المفضل وذلك للحيلولة دون إمكانية حضوره في الملعب.
البعض الآخر، حسب جهاد، يتم اعتقاله في الليلة التي تسبق المباراة لكي لا يتنقل في صباح اليوم الموالي إلى الولاية (المحافظة) التي ستحتضن مباراة فريقه المفضل. كما تمّ تعزيز صلاحيات الولّاة من خلال تمكينهم من اتّخاذ تدابير وإجراءات إدارية لمنع بعض عناصر الألتراس من حضور المباريات.

رياح الثورة ..الفرصة المهدورة

لم تغيّر الثورة كثيرا من طبيعة العلاقة المرتبكة والصدامية  بين السيستام ومجموعات الألتراس. ظلت جماهير الفيراج  في حالة تنافر مع الآخر. هذا الآخر الذي يتلخّص في صورة  السيستام بكل مكوناته، حيث لم ينجح مناخ الحرية غير المسبوق في تاريخ البلاد في خلق قنوات للتواصل من شأنها إعادة التفكير  في هذا الملف. كان لأحداث العنف التي سجّلتها عديد الملاعب وفي أكثر من مباراة لاسيما بين مجموعات الألتراس  نفسها وقعٌ كبير على عالم المدارج، خاصة بعد القرارات والعقوبات الصارمة التي اتّخذها  إتحاد كرة القدم بالتنسيق مع الجهات الأمنية التي أسفرت عن منع الجماهير من الحضور.

يرى الصحفي الرياضي عبد السلام ضيف الله أنّ ”الويكلو“ كان بمثابة الكارثة التي
حلّت بكرة القدم على وجه الخصوص. ”فالصورة في الملاعب أصبحت غير متكافئة
دون حضور الجمهور“.

مطلع شهر أفريل/أبريل من سنة 2014 أعلنت وسائل إعلام ومواقع إخبارية محلية وأجنبية عن مقتل الإرهابي ”أبو موسى التونسي“ في سوريا. ذلك الإرهابي لم يكن سوى ماهر المقماقي الذي كان أحد العناصر البارزة في مجموعة ”بريغاد روج“ المناصرة لفريق النجم الرياضي الساحلي. كان ماهر من عناصر الفيراج التي لا تتغيب عن حضور أيّ مباراة لفريق النجم سواء في سوسة أو خارجها. أغنية ”كتاب غرام“ التي حبّرها قبل استقطابه من قبل الجماعات الارهابية مازلت إلى اليوم من الأغاني الملهمة لفريق جوهرة الساحل.

مع غلق أبواب الملاعب أمام الجمهور، انحسر دور مجموعات الألتراس وهو ما زاد في عدوانية مواقفها تجاه السيستام. هؤلاء الذين كانوا يملؤون المدرجات صخبا  وفرجة وأجواء حماسية وجدوا أنفسهم خلال سنوات  2011 و 2012 و 2013 في شوارع كانت مرتعا للجماعات السلفية والإسلاموية من خلال  الخيم الدعوية التي انتشرت في العديد من  ناطق الجمهورية دون  حسيب او رقيب. هذه الوضعية الشائكة حوّلت عددا من عناصر مجموعات الألتراس الى صيد ثمين تتهافت الجماعات التكفيرية على استقطابهم مستندة في اقناعهم الى الواعز الدّيني ولكن أيضا، وبشكل أساسي، الى النظرة العدائية للسلطة والأمن. بعض العناصر التي وقعت في شراك تلك الجماعات تمّت دمغجتهم -تماما مثلما حصل مع ماهر- ومن ثمّ الزجّ بهم في أتون الحرب الدائرة في سوريا والعراق صلب التنظيمات الإرهابية مثل داعش وفق ما أفادنا به الباحث في علم الاجتماع محمد الجويلي.

يعتبر المصدر ذاته أنّ جملة تلك الأحداث السابق ذكرها أثبتت فشل المقاربة القائمة على ”الويكلو“ في معالجة العنف داخل الملاعب. ويذهب الى اعتبار أنّه ”من الأفضل والطبيعي أن تكون الملاعب مفتوحة أمام الجماهير لا أن تكون فارغة مثل الصحراء القاحلة“.

يذهب الجويلي الى اعتبار أنّ هذه الظرفية خلقت نوعا من الأزمة صلب هذه المجموعات. فانحسار دورها بات مقترنا أيضا بمسألة الفرجة التي تطورت في ظل البث التلفزي والعديد من الأشياء الأخرى مثل غلاء أسعار التذاكر حتى في الحالات التي يسمح بها في دخول عدد محدود من الجماهير. هناك اليوم نوع من سلعنة كرة القدم من خلال المشهدية العالية جدا وهو ما عزز الفرجة التلفزية لدى الشباب على حساب الحضور في الملعب.

يبدو انّ غياب حوار جدي وفعلي بين مجموعات الألتراس والمنظومة  الرسمية ممثلة بالأساس في وزارة الشباب والرياضة ووزارة الداخلية كان من بين الأسباب التي زادت في تعميق حالة التنافي والقطيعة والعداوة. ليلة 31 مارس/آذار 2018، كانت هي الأخرى إسفينا آخر يدق  في العلاقة الجدلية بين ”السيستام“ وأجهزته الأمنية من جهة ومجتمع  الألتراس من جهة ثانية.

عمر العبيدي، 18 سنة، أحد أعضاء مجموعة ”الفاندالز“، لفظ بين مدارج ملعب رادس ووادي ”مليان“ المحاذي للملعب أنفاسه الأخيرة. انتهت المطاردة الأمنية لعناصر من مجموعات الألتراس لفريق النادي الإفريقي بغرق  عمر في الوادي هربا من بطش الشرطة. تروي بعض الشهادات لشهود عيان من رفاق عمر أنّ عددا من الأمنيين أمعنوا في عملية المطاردة والاستعمال المفرط للقوة وقد بلغ الأمر درجة الامتناع عن إنقاذه من الموت رغم أنه أطلق صيحة استغاثة نظرا لعدم قدرته على السباحة.

صورة انتشال جثته من الوادي شكّلت صدمة للرأي العام التونسي وليس فقط لمجتمع الألتراس. وحّدت هذه الحادثة مجموعات الألتراس كما وحدهم قمع نظام بن علي من قبل.

حملة ”تعلّم عوم“ التي انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي كانت بمثابة المحاكمة للسيستام الذي ظل على حاله في علاقته بمجموعات الألتراس. أكثر من سنتين مرّتا على هذه الواقعة لكن محاسبة المذنبين لم تحصل بعدُ رغم توجيه التهمة لـ14 عونا أمنيا بالقتل غير العمد. ففي الوقت الذي يرقد فيه عمر في قبره مخلّفا حسرة ولوْعة وجرحا في الذاكرة مازال المتهمون ينعمون بالحرية مستفيدين من التعاطي القضائي والمؤسساتي المنحاز إلى الأمن والمعادي لمجتمع الالتراس، العدو الأزلي للسيستام، وفق تقديرهم.

كلمة الكتيبة:

هذا المقال، رغم استناده إلى مصادر متنوّعة ومعلومات مكثّفة تمّ التثبّت من مصداقيتها، الّا أنّه يظلّ محاولة لتفكيك العالم الداخلي لمجتمع الألتراس بشكل تقريبي. وقد سعينا خلال رسمنا لخريطة الانتشار الجغرافي لمجموعات الالتراس وكذلك خلال تتبّعنا للمسار الزمني لنشأة هذه المجموعات وتطوّرها، إلى التزام أكثر ما يمكن من الدقّة، ومع ذلك يظلّ هذا المحتوى مفتوحا للجمهور وقابلا للتعديل إن ثبت وجود ما يستوجب التعديل.

الكاتب: مالك الزغدودي

شارك في الانتاج:

alqatibaتأطير: محمد اليوسفي

alqatibaفيديو: حمزة فزّاني

alqatibaرسوم:مهدي الهمامي

alqatibaاشراف فني: وليد الماجري

alqatibaغرافيك:منال بن رجب

alqatibaتطوير تقني: PRODEXO