الكاتب : معز الباي

صحفي مختصّ في الصحافة الاستقصائية، مكوّن صحفي، شغل عديد المواقع في مؤسسات إعلامية محلية وأجنبية.

تعود جذور العلاقات الدبلوماسية التونسية الأمريكية إلى ما يفوق القرنين من الزمن حيث تمّ في عام 1797 توقيع معاهدة السلام والصداقة التي دشّنت تاريخا مديدا من التواصل الدبلوماسي والنفوذ السياسي.

في هذا المقال التفسيري، سوف نشرح بالأرقام والمعطيات النفوذ الأمريكي في تونس وتطوّره قبل وبعد ثورة 2011. ولأنّ تحديد هذه الملامح الهلاميّة يبقى أمرا تقديريّا، فقد اعتمدنا مقاربة استقراء مؤشّرات يمكن تجميعها وقياسها، على غرار المساعدات والتمويلات، وزيارات النّواب، إضافة إلى عقود الضغط التي تبرمها أطراف تونسية في الولايات المتحدة، والتي يلزم القانون الأمريكي بنشرها استنادا إلى “Lobbying Disclosure Act – LDA” الصادر سنة 1995، وقانون تسجيل الوكلاء الخارجيّين “Foreign Agents Registration Act – FARA” الصادر سنة 1938. وقد اعتمدنا أساسا في جمعنا للمعطيات والأرقام على موقع المساعدات الخارجية الأمريكي، إضافة إلى التقارير المالية للزيارات الخارجية لأعضاء مجلسي النواب والشيوخ التي قمنا بجمعها وتحليلها، إضافة إلى قواعد بيانات FARA وLDA.

الكاتب : معز الباي

صحفي مختصّ في الصحافة الاستقصائية، مكوّن صحفي، شغل عديد المواقع في مؤسسات إعلامية محلية وأجنبية.

تعود جذور العلاقات الدبلوماسية التونسية الأمريكية إلى ما يفوق القرنين من الزمن حيث تمّ في عام 1797 توقيع معاهدة السلام والصداقة التي دشّنت تاريخا مديدا من التواصل الدبلوماسي والنفوذ السياسي.

في هذا المقال التفسيري، سوف نشرح بالأرقام والمعطيات النفوذ الأمريكي في تونس وتطوّره قبل وبعد ثورة 2011. ولأنّ تحديد هذه الملامح الهلاميّة يبقى أمرا تقديريّا، فقد اعتمدنا مقاربة استقراء مؤشّرات يمكن تجميعها وقياسها، على غرار المساعدات والتمويلات، وزيارات النّواب، إضافة إلى عقود الضغط التي تبرمها أطراف تونسية في الولايات المتحدة، والتي يلزم القانون الأمريكي بنشرها استنادا إلى “Lobbying Disclosure Act – LDA” الصادر سنة 1995، وقانون تسجيل الوكلاء الخارجيّين “Foreign Agents Registration Act – FARA” الصادر سنة 1938. وقد اعتمدنا أساسا في جمعنا للمعطيات والأرقام على موقع المساعدات الخارجية الأمريكي، إضافة إلى التقارير المالية للزيارات الخارجية لأعضاء مجلسي النواب والشيوخ التي قمنا بجمعها وتحليلها، إضافة إلى قواعد بيانات FARA وLDA.

من المهمّ التنويه، في هذا السياق، إلى أنّ التمويلات والمساعدات الأمريكية لتونس تقوم دائما على فلسفة كان قد شرحها جون إف كينيدي بمناسبة إطلاق الوكالة الأمريكية للمساعدة الدولية -أكبر مانح أمريكي دوليّ- على انّها تحمل ثلاث مسؤوليّات محمّلة على العاتق الأمريكي: “أخلاقي، بوصفها القائد الحكيم للأمم” و”اقتصادي، بوصفها أغنى الناس في عالم أغلبه فقراء” و”سياسي، بصفتها الدفاع الأكبر الوحيد ضدّ أعداء الحرّية”. ففي واقع الأمر، يتمثّل الواجب الأكبر المحمّل على عاتق الوكالة في إزالة العقبات أمام الشركات الأمريكيّة لغزو اقتصادات العالم، وأسواق الدول الفقيرة، والاستفادة من الموارد والمصادر المحليّة وفق ما ورد على لسان عدد من الخبراء الذين تسنّى لنا استشارتهم.

الابن غير المدلّل

رغم أنّ العقل السياسي التونسي يعتبر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي الابن المدلّل للولايات المتحدة الأمريكيّة، إلاّ أنّ المقارنة بين حجم المساعدات الأمريكية في عهده وبعد رحيله تبيّن العكس تماما.

في 2005 حازت المساعدات العسكرية الأمريكية لتونس على نصيب الأسد بحوالي 16 مليون دولار (كلّ المنح والمساعدات تمّ احتسابها بالدولار القار لتسهيل المقارنة التاريخية)، توزّعت بين برنامج التمويل العسكري الخارجي الذي حاز الحصّة الأكبر، وبين التربية والتدريب العسكري الدولي.

فيما لم تتجاوز المساعدات الاقتصادية سقف 200 ألف دولار، بين برامج تبادل ثقافي وتربوي (نصيب الأسد) وتدخّلات الصندوق الوطني للديمقراطية (الأمريكي) NED وتمويلات أخرى تتعلق بخدمات الملكية الفكرية، أي ما يعادل قرابة 1% فقط من إجمالي المساعدات الأمريكية.

سيستمرّ هذا الوضع نسبيّا طوال فترة حكم بن علي، مع بعض التغيّرات في التمويلات، وخاصّة تمويل دعم مجابهة الإرهاب سنة 2007 في أعقاب عملية سليمان الإرهابية والذي بلغ قرابة 480 ألف دولار (تضاعف أكثر من 10 مرات مقارنة بالسنة السابقة)، مرفوقا بتضاعف هامّ لحجم تدخّل الصندوق الوطني للديمقراطية NED الذي ارتفع بنسق مطرّد (حوالي 51 ألف دولار في 2005، تضاعف خمس مرات تقريبا في 2006، و9 مرات في 2007).

وفي سنة 2009، منحت وزارة الخارجية الأمريكية تونس 766 ألف دولار من أجل المساعدة في قضايا الهجرة واللجوء، وكان الهدف منها الحدّ من الموجات المتصاعدة للهجرة غير النظاميّة بواسطة قوارب الموت.

في 2010، دفعت وزارة الفلاحة الأمريكية مقابل أجور وخدمات خارجية لتونس أكثر من 250 ألف دولار، ولا نعرف على وجه التحديد لمن دفعت هذه الأجور والخدمات. لكن المؤكّد -وفق مصادر متقاطعة- أنّ هذه التمويلات كانت تهدف أساسا للضغط على الحكومة التونسية من أجل تمرير قانون يسمح باستعمال البذور المحوّرة جينيّا، والذي واجه معارضة سياسية وإدارية قويّة وتحفّظا من قبل المسؤولين التونسيين.

وحسب مراسلة مسرّبة للسفير الأمريكي بتونس وقتها “غوردن غراي” فإنّ الحكومة التونسيّة، الواقعة تحت تأثير الاتحاد الأوروبي، كانت ممانعة للغاية في استعمال البذور المحوّرة جينيّا التي تضغط الولايات المتّحدة من أجل استعمالها. وتوضّح مراسلة غراي التي سرّبها موقع “ويكيليكس” أنّ يوسف الشاهد، الذي سيشغل لاحقا خطّة رئيس حكومة (أوت / أغسطس 2016 إلى فيفري / فبراير 2020)، وكان وقتها يشغل خطّة مستشار مكلّف بالزراعة لدى سفارة الولايات المتحدة بتونس، أشرف حينها على تنظيم وتنسيق يوم دراسي للضغط والتوعية بأهمّية استعمال البيوتكنولوجيا في الزراعة، وقد نجح في نهاية المطاف بإقناع الدولة التونسية باستعمال البذور المحوّرة جينيّا في زراعة المحاصيل الكبرى.

وكان حجم المساعدات العسكرية والأمنية لتلك السنة قد بلغ قرابة 24 مليون دولار، مقابل مليون دولار فقط للتدخلات المدنية الصّرفة.

وعلى سبيل التلخيص فقد بلغت المساعدات المدنية الأمريكية لتونس من 2005 إلى 2010 حوالي 5 مليون دولار، فيما ارتفعت قيمة المساعدات العسكرية عن نفس الفترة إلى 94 مليون دولار، أي 19 مرة حجم المساعدات المدنية. ويمكن القول إنّ المساعدات المدنيّة الأمريكية لتونس من 2005 إلى 2010 لم تتجاوز سقف 9% من إجمالي المساعدات، وأنّ العسكرية منها شكّلت أكثر من 90%.

كما ناهز حجم المصاريف التونسيّة في حملات الضغط على صانعي القرار الأمريكي وفق بيانات FARA وLDA ما جملته 4.550 مليون دولار أمريكي شملت 22 مكتب علاقات عامة، قام بالتعاقد معها 15 تونسيّا، وفق مقال بحثي للكاتب والباحث في العلوم السياسية سيرجي كوستياييف، تناول بالتحليل حملات وجهود الضغط والاتصال لبعض الدول العربية داخل الولايات المتّحدة عن الفترة الممتدة من 1940 إلى 2011. وقد وصف الباحث هذا النشاط بالديناميكي مقارنة بالأهمّية الضعيفة لدولة مثل تونس.

الأبواب المشرّعة بعد الثورة

رغم توقّع الأمريكيين لقرب نهاية حقبة بن علي، كما تدلّ على ذلك المراسلات المسرّبة في “ويكيليكس” للسفير غراي، فإنّ “الانفجار الثوري” كان مباغتا لكلّ القوى العالميّة. وقد حاول الأمريكيّون أن يجدّدوا مواطئ أقدامهم في تونس ويوسّعوها كما تكشف البيانات والأرقام التي سنعرضها.

ففي 2011، دفعت الولايات المتحدة عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID أكثر من 5 مليون دولار، تحت عنوان إدارة الأزمات المعقّدة، وأكثر من 3.5 مليون دولار بعنوان المساعدة على مجابهة المجاعة والكوارث الدولية، و4.4 مليون دولار بعنوان مبادرة الانتقال الديمقراطي، إضافة لأكثر من 2 مليون دولار بعنوان المراقبة الدولية للمخدّرات ودعم القوانين المتعلّقة بالاتجار بها.

في المقابل، ورغم الأزمة الليبيّة (الحرب الأهلية) فإنّ منحة المساعدة في قضايا الهجرة واللجوء تقلّصت إلى أقلّ من النصف مقارنة بسنة 2009 وذلك في إطار التصدّي لظاهرة قوارب الموت. بينما ارتفع حجم تدخّل الصندوق الوطني للديمقراطية NED إلى مليون وستمائة ألف دولار، أي أكثر من 30 مرة حجم التدخّل في 2005.

كما تضاعفت المساعدات العسكرية بشكل ملحوظ، لتبلغ أكثر من 45 مليون دولار، بينما لم تتجاوز 24 مليون دولار سنة 2010. ويمكن تفسير هذا التضاعف بالحرب الأهليّة الدائرة رحاها في ليبيا في تلك الفترة، إضافة إلى التقدير الدولي الذي حظيت به المؤسسة العسكرية التونسية التي اصطفّت إلى جانب الشعب، وساهمت في تأمين انتقال سلمي ومدني للسلطة وتأمين الاستقرار والأمن خلال فترة القلاقل التي أعقبت رحيل الرئيس بن علي عن دواليب الحكم.

ورغم ارتفاع نسق المساعدات المدنية والاقتصادية مقارنة بالسنوات الفارطة، إلاّ أنّ الشقّ الطاغي بقي عسكريّا بنسبة 89 %. لكنّ هذا الوضع سينعكس جذريا في السنة الموالية.

في 2012، تمّ منح تونس أكثر من 123 مليون دولار كتمويل لدعم الاقتصاد، و8.850 مليون دولار ضمن مبادرة الانتقال الديمقراطي، وذلك من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID وقرابة 4 مليون دولار من قبل صندوق الديمقراطية التابع لوزارة الخارجية.

في المقابل، وقع الترفيع في حجم المساعدات بعنوان الهجرة واللجوء إلى قرابة 2.250 مليون دولار. وتراجع دعم المؤسسة العسكرية إلى حوالي 29.5 مليون دولار. ليصبح بذلك حجم المساعدات العسكرية يمثّل 19% فقط، و81% مساعدات اقتصاديّة.

بيد أنّ السنة الموالية شهدت تراجع تمويل دعم الاقتصاد إلى النصف تقريبا، كما تراجع تمويل دعم الانتقال الديمقراطي سنة 2013 إلى 3.5 مليون دولار تقريبا، ويعزى هذا التراجع لاعتداء الجماعات السّلفيّة المدعومة من حركة النهضة الإسلامية التي كانت في الحكم حينها، في سبتمبر/أيلول 2012 على السفارة الأمريكية بتونس.

فيما تضاعف دعم مكافحة المخدّرات وتعزيز القوانين الخاصّة بها إلى أكثر من 24 مليون دولار. بالمقابل واصل تراجع دعم المؤسسة العسكرية إلى حدود 25.5 مليون دولار.

وشهدت سنة 2014 تواصل برنامج دعم الاقتصاد مع تراجع ملحوظ في الحجم إلى أقلّ من العشر (حوالي 11 مليون دولار، مقابل 123 مليون دولار سنة 2012).

بالمقابل تضاعف دعم المؤسسة العسكرية إلى أكثر من 47 مليون دولار (حوالي الضعف). فهل للأمر علاقة بانتهاء فترة حكم الترويكا؟

وفي السنة الموالية أي 2015 ارتفعت قيمة برنامج تمويل دعم الاقتصاد إلى حدود 21 مليون دولار، لكن دائما دون مستوى 2012 بكثير، وتواصل دعم الانتقال الديمقراطي بشكل محتشم، بمبلغ مخصّص قدره حوالي 60 ألف دولار لم يقع صرفها. وتراجع تدخّل صندوق الديمقراطية إلى مليون دولار فقط (الربع مقارنة بـ2012).

لكن بالمقابل، شهد دعم المؤسسة العسكرية ارتفاعا صاروخيّا ليبلغ قرابة 95 مليون دولار أي حوالي ضعف السنة السابقة، وحوالي أربع مرّات الحجم المرصود في 2013.

عاد برنامج تمويل دعم الاقتصاد للتراجع إلى حدود 16 مليون دولار في 2016. بالمقابل تضاعفت مساعدات مجابهة الإرهاب إلى حوالي 5 ملايين دولار، رغم أنّ تلك السنة تمثّل المنعرج الأبرز لاندحار الإرهاب في تونس بهزيمة تنظيم داعش خلال أحداث بن قردان، فيما سجّلت سنة 2013 ذروة العملّيات الإرهابيّة (50 عمليّة). ممّا يوحي بأنّ الأمريكيّين كانوا مستائين من التعاطي الأمني لحكومة الترويكا التي قادتها حركة النهضة الإسلامية مع ملفّ الإرهاب خلال سنوات 2012 إلى 2014.

كما بلغت المخصّصات العسكرية أوجها بقيمة أكثر من 129 مليون دولار مع تنوّع واضح في عناوينها وبرامجها.

في فيفري / شباط 2017 سقط أوّل قتيل أمريكي في مواجهات عسكرية مشتركة تونسية أمريكية مع إرهابيين في تونس

في 2017، عاد نسق دعم الاقتصاد مع حكومة يوسف الشاهد (أوت/أغسطس 2016 – فيفري/فبراير 2020) إلى الارتفاع ليبلغ أكثر من 57 مليون دولار. كما حافظت المخصّصات العسكرية على نسقها العالي بقيمة جملية تجاوزت 121 مليون دولار.

وتجدر الإشارة إلى أنّ تقارير أمريكيّة أشارت إلى حصول مواجهات بين القوّات المشتركة الأمريكيّة والتونسيّة ضدّ كتيبة عقبة ابن نافع، فرع تنظيم القاعدة في تونس، أسفرت عن سقوط ضحيّة من الجانب الأمريكي وآخر من الجانب التونسي، جرت بجبل سمّامة في محافظة القصرين الحدوديّة. وبذلك يعدّ أوّل قتيل في صفوف الجنود الأمريكيّين في تونس منذ الحرب العالمية الثانية. ومن المهم الملاحظة أن التغطية الإعلامية المحلّية لم تشر من لا قريب أو من بعيد إلى مشاركة أمريكية في المواجهات التي جرت في 28 فيفري/شباط 2017.

وحسب التقديرات، فإنّ تونس تلقّت من 2014 إلى 2017 الحصّة الأكبر من المساعدات العسكرية الأمريكيّة والدعم لجيشها، في منطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا، باستثناء مصر.

وفي 2018، ضاعف صندوق دعم الاقتصاد الأمريكي تدخله في تونس ليبلغ 104 مليون دولار. وسجّلت المخصّصات العسكرية تراجعا طفيفا لتصل قيمتها الجملية لحوالي 100 مليون دولار.

لكن في سنة 2019، تراجع دعم الاقتصاد إلى 31 مليون دولار تقريبا، فيما ارتفعت مخصّصات مجابهة الإرهاب إلى 43 مليون دولار، وحافظت المخصّصات العسكرية على مستواها العالي بحوالي 102 مليون دولار.

وتقول السفارة الأمريكية في تونس إنّ الولايات المتّحدة، منذ ثورة جانفي/يناير 2011، قدّمت أكثر من 1.4 مليار دولار لمساندة الانتقال الديمقراطي في تونس.

وفي سنة 2020، مثّلت المساعدات العسكرية 37% من جملة المساعدات الأمريكية، ورصدت وزارة الدفاع الأمريكية وحدها ما قيمته 92 مليون دولار مساعدات للمؤسسة العسكرية التونسية. ورصدت ميزانية بقيمة 100 مليون دولار بعنوان “النزاعات، السلام والأمن” كان نصيب إصلاح المنظومة الأمنية 94% منها.

سنة 2021، انخفضت جملة المخصّصات الأمريكية لتونس من 277 مليون دولار إلى حوالي 45 مليون دولار فقط أي ما يقارب السدس. والملاحظ هنا أن المخصّصات العسكرية بلغت الصفر.

وحاز برنامج “زُر تونس” على نصيب الأسد بميزانية قدرها 12 مليون دولار. وهو برنامج مخصّص لتثمين المواقع الطبيعيّة والثقافية والتراثيّة والتاريخيّة لتونس، من أجل تطوير قطاع أكثر تنوّعا وذي قيمة عالية، وفق التعريف الذي تقدّمه المواقع الرسمية الأمريكية.

واستمرّ هذا التراجع ليصل إلى 35.8 مليون دولار سنة 2022، مع انعدام كلّي للمخصّصات العسكرية. ويمكننا القول إنّ فترة حكم قيس سعيّد شهدت تراجعا صارخا للمساعدات الأمريكية لتونس، ما يعكس عدم رضا أمريكي تجاه ساكن قرطاج، وهو ما قد يفسّر بعض الشيء الغضب الذي لا يخفيه سعيّد على معارضيه ممن يصفهم بالمرتمين في أحضان القوى الخارجية، والذين يحمّلهم مسؤوليّة هذا التراجع.

الزائرون المبجّلون

لا يمكن أن نحصر مؤشّرات النفوذ والتدخّل الأمريكي في باب المخصّصات المالية والمساعدات فقط. فالإدارة الأمريكية تمارس ضغطها وتأثيرها عبر قنواتها الرسمية والديبلوماسيّة. كما أنّ نواب الشعب الأمريكي لهم كلمتهم في المراقبة والمصادقة على التمويلات والضغط والتّأثير أيضا في القرارات وتوجيه المساعدات والتمويلات.

ولقد زار تونس منذ الثورة في 2011 و إلى حدود سنة 2019 في إطار مهام رسمية 105 ممثلا ونائبا عن المجلسين، مع الملاحظة أنّ سنة 2020 شهدت زيارة ثلاثة ممثلين بتمويل من المعهد الدولي الجمهوري (IRI) التابع للجمهوريين، وقبلها 3 آخرون سنة 2018 بتمويل من نفس الجهة، في حين شارك المعهد في تمويل زيارة لوفد مكوّن من عنصرين في 2019 بمعيّة المعهد الديمقراطي الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID.

هذه الزيارات التي غالبا ما تتمّ في شكل وفود، يرافقهم أحيانا ممثلو جماعات الضغط، تهدف عادة إلى استقراء الأوضاع، وتحديد مدى استجابة الحكومات والجهات الخاضعة للتمويل للبرامج المتفق عليها (يسمّيها للبعض الإملاءات)، إلى جانب ربط شبكات العلاقات وفتح الطريق أمام المستثمرين الأمريكيّين خاصّة.

وقد شهدت هذه الزيارات أوجها سنتي 2012، مع بدء أشغال المجلس التأسيسي وبداية تشكّل معالم الجمهورية الثانية، وسنة 2018. فيما سجّلت غيابا كلّيا (صفر زيارة) سنة 2013، ونرجّح أنّ السبب في ذلك يعود إلى أحداث الاعتداء على السفارة الأمريكية في تونس (سبق الإشارة إليه) وتصنيف تونس وجهة غير آمنة مع تحذير من السفارة الأمريكية بتونس.

بلغ عدد النواب الأمريكيين من المجلسين الذين زاروا تونس من الثورة إلى اليوم أكثر من 105 نائبا.

وحين التقى رئيس الجمهورية قيس سعيّد وفدا من الكونغرس الأمريكي وأعضاء من مجلس النواب بقيادة كريستوفر كونز في 22 أوت/أغسطس 2022، عبّر لهم عن استيائه من تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين التي اعتبرها غير مقبولة على أيّ مقياس من المقاييس، في إشارة إلى الانتقادات التي طالته عقب تجميد ثمّ حلّ البرلمان والاستحواذ على جميع السلط بين يديه، بعد الخامس والعشرين من جويلية/تموز 2021. وكان الوفد بدوره قد عبّر عن قلقه على مسار تونس الديمقراطي وحثّ على الاسراع في تبنّي “قانون انتخابي تشاركي يضمن أوسع مشاركة سياسية ممكنة في الانتخابات التشريعية المقبلة” مشدّدا على أهمية “قضاء مستقلّ ومجلس نيابيّ نشط فعّال حتّى يستعيد الشعب التونسي ثقته في النظام الديمقراطي”، وفق ما جاء في بلاغ نشرته السفارة الأمريكية حول هذا اللقاء.

نلمس هنا كيف يرتبط مستوى الدعم المادّي بمنسوب رضا أعضاء المجلسين التشريعيّين الأمريكيّين، فلقد تراجعت المساعدات الاقتصاديّة الأمريكية لتونس إلى حدّها الأدنى منذ تولّي الرئيس قيس سعيّد مقاليد الحكم في تونس.

عرفوا من أين تؤكل الكتف

لقد أدركت الطبقة السياسيّة في تونس، وعموم الشعب، مدى تأثير ونفوذ الولايات المتّحدة الأمريكية في تونس، خاصّة بعد الثورة. حيث وجدت الأبواب مشرّعة لها للدّخول إلى مجال الاتحاد الأوروبي الحيوي ونعني به تونس، والذي لطالما سعت إلى اكتساحه من قبل. والمتابع لتسريبات مراسلات السفير غراي في ويكيليكس يدرك حجم وأهمّية هذه المعركة المكتومة الصّوت التي كانت تدور رحاها خلف الأبواب الموصدة.

من هنا سارعت بعض القوى السياسيّة إلى طرق أبواب شركات الضغط الناشطة في الولايات المتّحدة، حتّى تقتطع لنفسها حيّزا من الحظوة والرضا لدى دوائر القرار الأمريكية. وكان قصب السبق في هذا السباق من نصيب حركة النهضة.

ففي 2014 أمضت الحركة عقد ضغط مع شركة بورصن-مارستيلر Burson-Marsteller المعروفة (تغيّر اسمها لاحقا إلى BCW) بقيمة 285 ألف دولار، وفي 2015 قدّمت دفعة إضافية بقيمة 100 ألف دولار. وذلك حسب مرصد شركات الضغط التابع لموقع المونيتور، والمعتمد على بيانات وزارة العدل الأمريكية – قانون تسجيل الوكلاء الأجانب FARA.

وفي 2016 أمضت الحركة مع نفس الشركة عقد ضغط بقيمة 310 ألف دولار، مع 100 ألف دولار إضافية سنة 2017 لنفس الشركة، و60 ألف دولار لشركة Gallagher Group ليبلغ حجم إنفاقها على الضغط تلك السنة 165.670 ألف دولار.

وفي 2019 أنفقت الحركة 299.715 ألف دولار عبر نفس الشركة التي تحوّل اسمها إلى BCW Global.

أما سنة 2018، فقد أنفقت على شركة بورصون-مارستيلر 284.633 ألف دولار.

وفي سنة 2021، كشفت عن عقد جديد لفائدة حركة النهضة مع BCW بقيمة 30 ألف دولار، ممضى من قبل ما سمّي جماعة حزب النهضة بالمهجر ممثلة من قبل سيّدة باكستانية بريطانية تدعى إفرات سميث عنوانها بلندن. ولئن نفت حركة النهضة أيّ علاقة لها بعقد الضغط هذا، إلا أنّ الواضح أنّه تمّ مع نفس الشركة التي اعتادت التعامل معها، وأنّها الطرف المستفيد منه.

وقد علّق موقع Foreing Lobby Report المختصّ في متابعة وتحليل أنشطة شركات الضغط، أنّ BCW أدرج اسم حركة النهضة في الملفّ الأصلي وليس جماعة النهضة في المهجر، وعيّن إفرات سميث عنصر اتصال. كما أشار الموقع إلى عودة رضوان المصمودي -رأس حربة الضغط النهضاوي في واشنطن- إلى النشاط بعد صعود بايدن إلى الحكم، مشيرا إلى أنّ المصمودي، مؤسس ورئيس مركز الإسلام والديمقراطية بواشنطن قد جمّد نشاطه خلال حقبة ترامب.

ويقدّر الإجمالي المعلن لإنفاق حركة النهضة على جماعات الضغط الأمريكية بقيمة مليون و255 ألف دولار.

لكنّ النهضة لم تكن الوحيدة التي سعت إلى اقتناء بعض الحظوة لدى الأمريكان، فقد قامت السياسية ورئيسة جمعية “عيش تونسي” ألفة ترّاس-رامبورغ بإبرام عقد ضغط مع شركة America to Africa Consulting عن الفترة من ماي/أيار إلى نهاية أكتوبر/تشرين الأوّل سنة 2019 بمناسبة الانتخابات التشريعيّة والرئاسية، بقيمة شهرية 15 ألف دولار، وصرّحت الشركة أنها تلقّت 19 ألف دولار من ترّاس، لكنّ ممثلتها القانونية جانين سكوت لم تدل بأي بيانات نشاط ضغط كما يقتضيه القانون الأمريكي.

من جهته عقد فريق نبيل القروي رجل الأعمال المحكوم بالسجن في تونس والمترشّح للرئاسة (ضدّ سعيّد في الدور الثاني) عقود ضغط مع شركة Dickens & Madson بقيمة مليون دولار، وقد افتضح أمر العقد قبيل موعد الانتخابات الرئاسية في أكتوبر/تشرين الأول 2019 مما كان له دور في تراجع حظوظ القروي، خاصّة مع خروج آري بن مناش ممثل الشركة المثير للجدل للإعلام للحديث عن عقد الضغط الذي أبرمه دون أن يخفي ارتباطه بـ”إسرائيل”.

أبرمت حركة النهضة عقود ضغط في الولايات المتحدة بما يزيد عن مليون ومائتين وخمسين ألف دولار.

رغم عراقة العلاقات التي تجمع الولايات المتّحدة الأمريكيّة بتونس، والتي تعود إلى حقبة الحكم الحسينيّ، فإنّ القوّة العالمية الأبرز انتظرت طويلا لتجد موطئ القدم المناسب في تونس.

فهذه الأخيرة بقيت أشبه بمحميّة اقتصاديّة للاتحاد الأوروبي وتحديدا لفرنسا، رغم الضغوطات التي كانت تمارس من قبل المؤسسات المانحة الدولية التي تتحرّك في الأفق الأمريكي مثل البنك الدولي، الذي سبق واعتبر في تقرير له الشراكة مع الاتحاد الأوروبي منخرمة الموازين ومسيئة للاقتصاد والتنمية التونسيّين.

لقد تطلّب الأمر اندلاع الثورة، التي أفلتت فرصتها من فرنسا فأساءت اقتناص اللحظة خاصّة مع تصريحات وزيرة داخليّتها آنذاك “ميشيل آليو ماري” التي عرضت خدمات الجندرمة الفرنسية لمساعدة بن علي في قمع الاحتجاجات.

لم تتردّد الولايات المتحدة في اقتناص الفرصة السانحة للزحف على المستعمرة الفرنسية السابقة والمحمية الاقتصاديّة الحالية، فنزلت بكلّ قواها للميدان التونسي. لكنّها لم تكن لتتمكّن من الولوج والتموقع بهذه القوّة لولا تهافت السياسيّين وأصحاب القرار مثل الذباب على العسل الأمريكي.

كلمة الكتيبة:
يندرج هذا المقال ضمن مسار كامل من انتاج مقالات تفسيرية تهدف إلى تقديم معلومات دقيقة ومستقلّة للجمهور التونسي والعربي عموما من أجل مساعدته على فهم بعض الأحداث والظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعقّدة.

كلمة الكتيبة:
يندرج هذا المقال ضمن مسار كامل من انتاج مقالات تفسيرية تهدف إلى تقديم معلومات دقيقة ومستقلّة للجمهور التونسي والعربي عموما من أجل مساعدته على فهم بعض الأحداث والظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعقّدة.

الكاتب : معز الباي

اشراف: وليد الماجري
تدقيق: محمد اليوسفي
غرافيك: منال بن رجب
تطوير تقني: بلال الشارني
غرافيك: منال بن رجب
تطوير تقني: بلال الشارني
اشراف : وليد الماجري
تدقيق : محمد اليوسفي

الكاتب : معز الباي

صحفي مختصّ في الصحافة الاستقصائية، مكوّن صحفي، شغل عديد المواقع في مؤسسات إعلامية محلية وأجنبية.

moez