الكاتب : رحمة الباهي

صحفية شغلت عديد الخطط في الصحافة الالكترونية التونسية والعربية.

لم تفارق الابتسامة مُحيّاها وهي تقدّم لنا القهوة وبعض الحلويات، في محاولة يائسة لاخفاء الحزن الذي سكن ملامح وجهها وتفاصيل عباءتها السوداء.

رافقتنا راضية الدزيري، أرملة جريح الثورة طارق الدزيري، إلى غرفة أخرى من المنزل الذي لم يكن يقي سكانه برد الشتاء ولا يحميهم من قطرات المطر التي تتسرّب إلى جدرانه دون استئذان، لتسترجع تفاصيل سبقت وفاة زوجها في بداية العام الجاري بعد معاناة طويلة مع المرض والإهمال.

جلست راضية على كرسي بلاستيكي قُبالتنا، حافظت على ابتسامتها الهادئة وأرفقتها بنظرات تختزل وجع سنوات وألم فقدان مَن كانت قد اختارته رفيق درب و شريكا في الحياة. بدأت تتحدث بهدوء مؤلم عن السنوات الأخيرة لزوجها الراحل ورحلة علاجه الطويلة في ظل دولة خيّرت إهمال أبنائها الذين خرجوا ذات ثورة منادين بحقهم في الشغل والحرية والكرامة الوطنية.

الكاتب : رحمة الباهي

صحفية شغلت عديد الخطط في الصحافة الالكترونية التونسية والعربية.

لم تفارق الابتسامة مُحيّاها وهي تقدّم لنا القهوة وبعض الحلويات، في محاولة يائسة لاخفاء الحزن الذي سكن ملامح وجهها وتفاصيل عباءتها السوداء.

رافقتنا راضية الدزيري، أرملة جريح الثورة طارق الدزيري، إلى غرفة أخرى من المنزل الذي لم يكن يقي سكانه برد الشتاء ولا يحميهم من قطرات المطر التي تتسرّب إلى جدرانه دون استئذان، لتسترجع تفاصيل سبقت وفاة زوجها في بداية العام الجاري بعد معاناة طويلة مع المرض والإهمال.

جلست راضية على كرسي بلاستيكي قُبالتنا، حافظت على ابتسامتها الهادئة وأرفقتها بنظرات تختزل وجع سنوات وألم فقدان مَن كانت قد اختارته رفيق درب وشريكا في الحياة. بدأت تتحدث بهدوء مؤلم عن السنوات الأخيرة لزوجها الراحل ورحلة علاجه الطويلة في ظل دولة خيّرت إهمال أبنائها الذين خرجوا ذات ثورة منادين بحقهم في الشغل والحرية والكرامة الوطنية.

إهمال.. فموت!

تحمّس طارق -تقول زوجته متذكرة- إثر مشاهدة المظاهرات التي غزت مناطق من الجمهورية التونسية، وقرّر المشاركة في الاحتجاجات التي كانت تشهدها مدينة الفحص التابعة لولاية زغوان ابّان الثورة التونسية.

تأخر طارق يومها عن موعد العودة إلى بيته بشكل غير معتاد في حين ظلّت زوجته قلقة لم يغفل لها جفن ليلة كاملة إلى أن حلّ فجر اليوم الموالي حاملا معه خبر إصابته ونقله إلى المستشفى بالفحص.

كان المستشفى يعيش حالة من الفوضى. تاهت راضية بين من يقول إن طارق قد فارق الحياة وبين من ينفي ذلك ويؤكد أنه مصاب ولكنه ما يزال على قيد الحياة، إلى أن تمكّن البعض من معارفه من العثور عليه في المستشفى الجهوي ببن عروس جنوب العاصمة.

راضية لطالما اعتقدت أنّ زوجها متعب بسبب العملية التي أجراها لاستخراج الرصاصة من أسفل ظهره، أو بسبب الرصاصة الثانية التي استقرت في رئته وبقيت فيها، وكانت تظنّ أيضا أن انتفاخ قدميه مردّه أعراض ثانوية للبنج أو لأحد الأدوية التي تناولها.

طيلة أسبوع، كنّا نزوره في المستشفى، لكن لم يخطر ببالنا يوما أنّ سبب بقائه المستمر في السرير وعدم مغادرته له هو إصابته بالشلل، فحتّى الطبيب المعالج له لم يعلمنا بذلك.

تؤكد راضية الدزيري بنبرة تستبطن الكثير من الحسرة والألم أنّ التغيير السياسي الذي حصل بين 2011 و2014 كانت له انعكاسات على وضع عائلتها المادي والنفسي:

”بعد صعود المنصف المرزوقي إلى رئاسة الجمهورية تمكّن زوجي كغيره من جرحى الثورة، من الحصول على علاج وأدوية مجانية وخصصت له جراية شهرية تبلغ قيمتها 500 دينار. وتمّ أيضا التعهّد بملفه وتسفيره إلى فرنسا لمواصلة العلاج. لكن شاءت الصدف أن يتزامن تاريخ سفره مع فوز الراحل الباجي قائد السبسي بالانتخابات الرئاسية، لتُحرم العائلة لاحقا من الجراية التي عوّضت بأخرى لا تتجاوز قيمتها الـ200 دينار. وفوجئ طارق بإنهاء فترة علاجه مبكرا وإعادته إلى تونس قبل التاريخ المفترض لذلك، علاوة على حرمانه من الحصول على الأدوية بشكل مجاني“.

مع صعود الراحل الباجي قائد السبسي الى الرئاسة تمّ تخفيض الجراية المخصصة لجرحى الثورة من 500 دينار الى 200 دينار مع حرمانهم من الحصول على الأدوية بشكل مجاني.

أيام طارق الأخيرة كانت جحيما، فرغم اشتداد توعكه الصحي وتدهور حالته، لم تستجب الرئيسة السابقة للهيئة العامة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية آمال المستوري لاتصالاته بل وتجاهلت توسلات زوجته -حسب تصريحات هذه الأخيرة- التي ترجّتها أن ترسل إليه سيارة إسعاف تنقله إلى المستشفى العسكري، خاصة أنّ تحليل الدم الذي أجراه قبل وفاته بأيام أثبت أن حالته خطرة، إلى أن فارق الدزيري حياته في غرفة في منزله البارد، وسط دموع ابنه وزوجته.

الطريقة التي تم من خلالها التعامل مع الفقيد طارق الدزيري خلال السنوات الأخيرة من حياته لم تخرج عن السائد، فالدولة بمختلف مؤسساتها المعنية تجاهلت لسبب أو لآخر ملف شهداء الثورة وجرحاها على أكثر من صعيد وهو ما زاد في معاناة العائلات التي ظلت تكابد هول المأساة.

ولئن أدّى هذا التقاعس إلى وفاة عدد من جرحى الثورة، ومن بينهم طارق الدزيري، فانّ عددا كبيرا من المصابين مازالوا ينتظرون حلّا نهائيا لملفاتهم، خاصة بعد أن عجز القضاء عن إنصافهم ومحاسبة من أجرموا في حقهم.

جرحى الثورة يواجهون بالاستعلاء

وليد الكسراوي، ابن الـ32 ربيعا، أصيب خلال مشاركته في التظاهرات التي جدّت في منطقة الكرم الغربي مساء يوم 13 جانفي 2011، قبل حلول موعد حظر التجوّل الذي أقرّته الدولة آنذاك.
يقول وليد، وهو يسترجع ذكريات ذلك اليوم بهدوء:

في حدود الساعة السادسة والنصف مساء، وجدتُ نفسي في مواجهة رجل أمن، لم يقدّم لي أيّ إشارة للتوقّف كالصراخ أو إطلاق رصاصة في الهواء، بل أطلق عليّ النار مباشرة حيث أصبت في قدمي.

تم نقل وليد إلى مستشفى المنجي سليم بمنطقة المرسى، إلاّ أن إصابته كانت خطيرة. كان ينزف بشكل متسارع وفي حاجة ماسة إلى الدماء، ليقع نقله إلى المستشفى العسكري الذي استقبله بموجب قرار فردي اتخذته الادارة هناك.

في ذلك اليوم، سقط أول شهيد في منطقة الكرم الغربي إلى جانب العديد من الجرحى بعد أن استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي لمواجهة المحتجين الذين لجأوا إلى استعمال الحجارة.

غاب الكسراوي عن الوعي في ذلك اليوم ولم يستيقظ إلا بعد 5 أيام على نبأ فرار الرئيس زين العابدين بن علي. مكث وليد، وفق تأكيده، في المستشفى العسكري طيلة 3 أشهر لينطلق بعد ذلك في رحل علاج جديدة.

في البداية، كان هناك متطوعون يوفّرون له حصص التدليك الضرورية، إلى أن قرّر، بمعية عدد من الجرحى، خوض إضراب جوع في مقر موقع “نواة” لتسليط الضوء على قضيتهم والمطالبة بحقهم في العلاج. فكان المرسوم عدد 97 لسنة 2011 ثمرة لهذا التحرك الاحتجاجي ليرافقه قرار رسمي بأن يتولى المستشفى العسكري علاج مصابي الثورة.

في الفترة الممتدة بين 2011 و2014، يؤكد وليد أن جميع الجرحى، أو على الأقل غالبيتهم، ممن كانت حالتهم الصحية مستعصية وتتطلب العلاج في الخارج، غادروا إلى فرنسا أو قطر أو النمسا لتلقّي العلاج الضروري، لتنقلب الأمور رأسا على عقب إثر انتخابات 2014.

اتسمت تلك المرحلة بمنطق جديد في التعامل مع الملف، إذ كان الرئيس الراحل السبسي ينظر بتعال إلى ضحايا الثورة، وهو المنطق ذاته الذي تعاملت به ماجدولين الشارني عندما تولت رئاسة لجنة شهداء الثورة وجرحاها معهم، بل إنّها كانت تميّز بين ضحايا العمليات الإرهابية من الأمنيين وبين جرحى الثورة وعائلات الشهداء.

خاض وليد مؤخرا إضراب جوع بعد أن تعطل ملفه وقيل له إنه لن يتحصل على التكفل الضروري للحصول على الساق الاصطناعية التي يحتاج إلى تركيبها، رغم استيفائه جميع الإجراءات ولقائه اللجنةَ الطبية صلب رئاسة الحكومة التي أقرّت حقه في الحصول عليها.

بيد أنّ بوادر الحلّ والأمل في فضّ هذا الإشكال الذي من شأنه أن يخفف معاناته بدأت تلوح في الأفق.

يقول وليد الكسراوي في هذا الإطار:

بعد تدخّل رئيس الجمهورية قيس سعيّد للتسريع في الإجراءات، تمكنت من الحصول على الموافقة النهائية من أجل التكفل بثمن الساق الاصطناعية التي كانت قد وصلت إلى تونس وهي الآن تنتظر استكمال إجراءات الدفع.

ورغم اقتناعه أنّ رئاسة الجمهورية حاليا تتابع ملف شهداء الثورة وجرحاها بجدية، خصوصا بعد أن تولّت لجنة مكلّفة بالملفات الاجتماعية، ومنها هذا الملف الحارق، زيارة الجرحى، يدرك وليد جيدا أن الحل ليس بيد رئيس الجمهورية، بل بين يدي رئيس الحكومة.

ولا يطالب الكسراوي سوى بنشر القائمة المنشورة في موقع الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، رغم أنه لم ينتفع بالانتداب المباشر في الوظيفة العمومية.

ويعتبر أنّ مفتاح حلّ ملف شهداء الثورة وجرحاها لن يكون إلا بنشر القائمة في الرائد الرسمي، رغم بعض التحفظات على القائمة المنشورة حاليا، والتي يرى أنها لو نُشرت منقوصة، فسيكون بالإمكان الطعن فيها لدى القضاء الإداري، إلا أنّ تلك الخطوة ستمثل اعترافا ضمنيا من الدولة بالثورة وردّ اعتبار للجرحى والشهداء الذين سقطوا في سبيل الحصول على الشغل والحرية والكرامة. مطالب يعتبر وليد أنها لم تتحقق إلى اليوم رغم مرور عشر سنوات.

وعلى الرغم من مرور 10 سنوات على أحداث الثورة، لم تلتزم الحكومات المتعاقبة بتعهدها بنشر القائمة في الرائد الرسمي، وإن كان قد تم نشرها في الموقع الرسمي للهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية في أكتوبر 2019.

هذا التأخر يرجعه وليد الكسراوي إلى غياب الاستقرار السياسي والحكومي وتغيّر الحكومات بشكل مستمر، الأمر الذي يحول دون نشر القائمة رغم التزام بعض رؤساء الحكومات السابقة بذلك.

نشر القائمة.. مدخل لردّ الاعتبار

تعتبر المحامية وعضو لجنة شهداء الثورة وجرحاها والعدالة الانتقالية بالبرلمان، ليلى الحداد، أنّ أسبابا سياسية تقف وراء تأخر نشر القائمة، خصوصا مع المشهد الذي أفرزته انتخابات 2014 وما تضمنه من وجوه سياسية معادية للثورة وتنتمي للمنظومة القديمة.

القائمة التي أعدتها لجنة شهداء الثورة وجرحاها، والتي تعاقب على ترأُسها كل من نور الدين حشاد والهاشمي جغام وأخيرا توفيق بودربالة، تضمنت اسم 129 شهيدا و674 جريحا، الأمر الذي رأت فيه الحداد نوعا من التعسف وإقحام القائمة في معارك سياسية.

وذكرت في هذا الصدد، أنّ القائمة الأولى التي أعدّها توفيق بودربالة سنة 2011 في إطار اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق، تضمّنت 368 شهيدا و3764 جريحا. هذا التباين في الأرقام يعود أساسا إلى أن القائمة المنشورة في موقع هيئة حقوق الإنسان أقصت الضحايا من المساجين وأعوان السجون الذين سقطوا متأثرين برصاص الجيش التونسي مثلما حصل في سجن المنستير وسجن برج الرومي وسجن برج العامري والمسعدين وغيرهم، علاوة على أن مرور 10 سنوات على الثورة ساهم في طمس عدة حقائق.

وقد امتنعت اللجنة منذ 2013 وإلى غاية 2019 عن نشر القائمة وذلك بتعلة مواصلة استقبالها لملفات عائلات الشهداء والجرحى، والتي بلغ عددها حوالي الـ7000 ملفا، وذلك بهدف إغراق اللجنة بملفات حتى لو لم يكن لها علاقة بشهداء الثورة وجرحاها، وفق تقديرها.

أرقام متضاربة لأعداد شهداء الثورة وجرحاها

 

[easy_chart chart_id=’2400′]

وتصرّ ليلى الحداد على اعتبار أن عدد الجرحى الذي تم تحديده بـ674 جريحا يعكس إرادة سياسية تريد المس من الثورة التونسية. وعلى الرغم من ذلك، فهي تؤكد ضرورة نشر القائمة في الرائد الرسمي مع فتح المجال للطعن فيها لدى القضاء الإداري واتخاذ إجراءات لتسريع النظر في هذه القضايا.

ليست الغاية من ذلك الحصول على أموال، بل رد اعتبار لكل من ناضل وسقط واستشهد من أجل العدالة والحرية خصوصا في ظل الأحكام القضائية التي لم تنصفهم بل كرّست الإفلات من العقاب.

لا لسياسة الإفلات من العقاب

شهيد الثورة حسن العرفاوي، وهو أصيل ولاية توزر، لم ينصفه القضاء العسكري الذي كرّس إفلات المتهم والفاعل الأصلي من العقاب -وفق تصريح ليلى الحداد- بعد أن اعتبر أن الرصاص الذي أصيب به العرفاوي صدئ، وذلك رغم سحب جثمان الفقيد وتبيان نوعية الرصاص ووجود تقارير دولية تثبت أنّ الرصاص لم يكن صدئا.

ومع الإعلان عن إحداث دوائر قضائية متخصصة في العدالة الانتقالية، يطفو على السطح مجددا أمل إنصاف بعض الضحايا وإدانة المتهمين، إلاّ أنّ قضية حسن العرفاوي، إلى جانب قضايا أخرى مشابهة، لن يكون لها مآلات أخرى، ذلك أنّ هيئة الحقيقة والكرامة اشترطت أن تتولّى عائلة الضحية تقديم الملف شخصيا للهيئة، وهو أمر عجزت عن تحقيقه عائلة حسن بسبب بعدها عن العاصمة تونس وغياب الإمكانيات المادية للتنقل. المصير ذاته الذي تواجهه عدة قضايا أخرى ستغيب عن الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية.

وتبقى إمكانية عدم إنصاف الضحايا في الدوائر المتخصصة قائمة إزاء العراقيل التي واجهتها هيئة الحقيقة والكرامة ومنعها من الاطلاع على أرشيف وزارتي الداخلية والدفاع، ما جعل تقاريرها تشكو ضعفا قد يحول دون تحديد المسؤوليات بشكل دقيق وإنصاف الضحايا وعائلاتهم.

في ظل المماطلة المستمرة والتأخر المسجّل في نشر القائمة بالرائد الرسمي، تسعى بعض الأطراف السياسية إلى تحقيق ما يُسمى بـ”المصالحة الوطنية الشاملة” دون المرور عبر مرحلة المحاسبة والاعتذار وجبر الضرر.

ويشدد الناشط بالمجتمع المدني والمتابع لملف شهداء الثورة وجرحاها عادل بن غازي، على ضرورة أن يتمّ نشر القائمة في الرائد الرسمي كي تصبح رسمية، ويعتذر على أساسها رئيس الجمهورية باسم الدولة التونسية لجميع ضحايا النظام السابق من سنة 1955 إلى 2013. ويشير إلى وجود محاولات لمقايضة جبر الضرر بضرورة القبول بالمصالحة الشاملة.

ويرجع بن غازي التأخر في نشر القائمة بنسبة كبيرة إلى تردد الحكومات، مستبعدا، في الآن ذاته، وجود أخطاء “كارثية” في القائمة المنشورة بموقع الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، خاصة أن عدة أشخاص تداولوا على رئاسة لجنة شهداء الثورة وجرحاها وعضويتها.

ويرفض بن غازي أيضا الاعتراف بالقائمات التي صدرت قبل المرسوم عدد 97 ويعتبر، على وجه الخصوص، أن قائمة توفيق بودربالة الصادرة سنة 2011 كانت شاملة وضمّت أسماء ضحايا الاستبداد بين الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 إلى تاريخ انتهاء عمل اللجنة.

وقد عرّف المرسوم عدد 97 لسنة 2011 شهداء الثورة ومصابيها بأنهم “الأشخاص الذين خاطروا بحياتهم من أجل تحقيق الثورة ونجاحها واستشهدوا أو أصيبوا بسقوط بدني من جراء ذلك ابتداء من 17 ديسمبر 2010 إلى 19 فيفري 2011”.

في ما يتعلّق بالقائمات التي نشرت حسب الولايات، فقد هدفت بشكل أساسي إلى التشكيك في المسار الثوري وتقزيم الثورة، خصوصا أنها اعتمدت على 700 شهادة طبية مزورة من أجل استهداف شهداء الثورة وجرحاها، ووصل الأمر إلى حد وصفهم بـ”اللصوص”، وفق توصيف عادل بن غازي.

أما القائمة التي أعدتها لجنة شهداء الثورة وجرحاها، وعلى الرغم من أنّ رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد تسلّمها يوم 13 أفريل 2018، فإنّها لم تنشر في موقع هيئة حقوق الإنسان إلا بعد أكثر من سنة وتحديدا في أكتوبر 2019.

وكان رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية توفيق بودربالة،حسب المصدر ذاته، قد تقدم بطلب للمطبعة الرسمية لنشر القائمة في الرائد الرسمي إلا أنّه جُوبِهَ بالرفض بتعلّة أنّ النشر يحتاج إلى إذن من رئيس الحكومة. وقام بودربالة بمراسلة رئاسة الحكومة في الغرض إلا أنّه لم يحصل على أيّ إجابة.

وفي 24 أكتوبر 2019، توجهت جمعيات ومنظمات تونسية وأحزاب وشخصيات سياسية بعريضة إلى رئاسة الحكومة للمطالبة بالإذن للنشر الفوري للقائمة. ومن المفارقات المسجّلة في هذا الصدد أن رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ كان من بين الممضين على هذه العريضة، إلاّ أنّه لم يقم بأي خطوة خلال فترة توليه رئاسة الحكومة، والتي دامت بضعة أشهر، من أجل التسريع في نشر القائمة.

ويعتبر عادل بن غازي أن المنتفعين من نظام بن علي والممثلين لما وصفها بـ”الثورة المضادة” يريدون التشكيك في الثورة.

قد تختلف الآراء حول قائمة شهداء الثورة ومصابيها المنشورة في الموقع الرسمي لهيئة حقوق الإنسان والحريات الأساسية، إلا أن هناك إجماعا يكاد يكون تاما بخصوص أسباب تأخر نشرها في الرائد الرسمي رغم تعدّد المطالب المنادية بالتسريع في هذه الخطوة.

ويوضّح الرئيس الجديد للهيئة العامة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية، عبد الرزاق الكيلاني، أنّ “نجاح مسار العدالة الانتقالية يحتاج إلى توفر إرادة سياسية صادقة وإلى الابتعاد عن الحسابات والتجاذبات السياسية لأنّ هذه القضية عادلة وإنسانية”.

منذ انتخابات 2014 حصل تذبذب ودخلت التجاذبات السياسية على خط ملف العدالة الانتقالية الأمر الذي جعل هذا المسار يتعطل.

عبد الرزاق الكيلاني

وكان الكيلاني قد وجّه رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي عبّر فيها عن امتعاضه من عدم حضور هذا الأخير في جلسة الاستماع الأولى التي عقدتها هيئة الحقيقة والكرامة بتاريخ 17 نوفمبر 2016 نظرا لما كان سيمّثله حضوره من رمزية. ودعاه كذلك إلى عقد جلسة الاستماع الثانية في قصر قرطاج “قصر الشعب” وفق تعبيره، لما قد تحمله هذه الحركة من رمزية.

رئيس الهيئة العامة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية تطرّق أيضا إلى غياب الاستقرار الحكومي الذي خلق نوعا من التذبذب وأدى إلى عدم اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

كما شدّد على ضرورة تطبيق القانون الذي يحدّد الجهة المعنية بالنظر في الملفات وتعريف الشهداء والجرحى، وذلك في إشارة إلى لجنة شهداء الثورة ومصابيها التابعة للهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

أمل جديد

يساند عبد الرزاق الكيلاني التمشي الذي من شأنه التوصّل إلى مقترح يقضي بإيجاد حل “وسط” من خلال الجمع بين الأسماء الواردة في قائمة لجنة شهداء الثورة ومصابيها والقائمة الصادرة عن هيئة الحقيقة والكرامة، على أن تخضع هذه الأسماء للقانون الذي يحدّد الشهداء والجرحى.

ومن المرجّح أن يتمّ التوصّل إلى صيغة نهائية للقائمة خلال الأيام القليلة المقبلة على أن يتم نشرها في الرائد الرسمي بالتزامن مع إحياء الذكرى العاشرة للثورة التونسية.

ويعمل الكيلاني حاليا على تنظيم المسائل الإدارية المتعلقة بالهيئة التي تسلّم مهامه على رأسها مؤخرا، وذلك بهدف تحديد عدد جرحى الثورة. وهو يتوقع وجود 12 ملف جريح حالته الصحية حرجة و20 آخرين حالتهم متوسطة.

ورغم ضعف قيمة المنحة التي تقدم إلى عائلات الشهداء والجرحى شهريا، والتي لا تتجاوز الـ200 دينار، فإن الترفيع فيها يقتضي النظر في إمكانيات الدولة، وفق محدثنا.

أما قرارات جبر الضرر، فهي تحتاج إلى تفعيل صندوق الكرامة الذي أحدث بموجب أمر حكومي بتاريخ 28 فيفري 2018. وقد تم يوم 17 ديسمبر 2020 الإعلان عن فتح حساب جار للصندوق بالخزينة العامة للبلاد التونسية، على أن تساهم فيه الدولة بمبلغ قدره 10 مليون دينار.

ويأتي قرار فتح الحساب لجمع التبرعات لفائدة صندوق الكرامة من أجل جبر الضرر بالنسبة إلى ضحايا الاستبداد وشهداء الثورة وجرحاها، وهو ما قد يكلّف الصندوق مبلغا قيمته 3 مليار دينار تُصرف على مدى 6 سنوات حسب الأولوية للضحايا وفق السن والحالات الحرجة.

وفي ردّه على الانتقادات الموجهة للأحكام الصادرة عن القضاء العسكري وتأخر البتّ في القضايا المنشورة لدى الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية، يقول عبد الرزاق الكيلاني:

إن بطء الإجراءات يعود بالأساس إلى غياب من تُنسب إليهم الانتهاكات عن الجلسات، مما دفع ببعض الدوائر إلى إصدار بطاقات جلب لم يقع في الغالب تنفيذها، وهذا يعود بالنظر إلى النيابة العمومية ووزارة العدل

ويُفترض أن يتمّ تنفيذ بطاقات الجلب حتى تكون المحاكمات مستكملة لكافة شروطها القانونية. إلى جانب ذلك، توجد عدة تعطيلات أخرى مردّها تغيير تركيبة الهيئات، إذ يقع نقل بعض القضاة من الدوائر المختصة إلى أخرى تابعة للقانون العام، الأمر الذي تنجرّ عنه تعطيلات باعتبار أنّ هذه النقل تستوجب سدّ الشغور، وهو ليس بالأمر الهيّن نظرا إلى أنّ القضاة المعيّنين في هذه الدوائر يجب أن يتمتعوا بتكوين خاص في قانون العدالة الانتقالية وإجراءاتها.

وبحسب آخر المعطيات، فانّ أغلب القضايا المنشورة جاهزة للبتّ فيها ومازالت تنتظر المرحلة الأخيرة وهي مرحلة مرافعات المحامين.

ويؤكد الكيلاني، من جهة أخرى، أنّ المصالحة لا يمكن أن تعوّض العدالة الانتقالية أو أن تعوّض العدالة، مشيرا الى أنّ الحديث عن المصالحة قبل أن تقول العدالة كلمتها لا يستقيم لا واقعا ولا قانونا.

ولئن كانت المصالحة هدفا وعنصرا أساسيا في مسار العدالة الانتقالية، كونها تعزز الوحدة الوطنية، فانّه لا يمكن اعتبارها بأيّ حال من الأحوال هدفا مستقلا عن الجوانب الأخرى من العدالة الانتقالية أي الكشف عن الحقيقة والمساءلة والمحاسبة وجبر الضرر للضحايا ورد الاعتبار لهم، وفق تعبير الكيلاني، وذلك حتى تتحقق العدالة والسلم الاجتماعية.

كلمة الكتيبة:

يوثق هذا المقال المسار المتعثر لملف شهداء وجرحى الثورة من قبل مؤسسات الدولة و الحكومات المتعاقبة على امتداد 10 سنوات والذي جوبه خلالها بالنكران والخذلان. ويندرج ضمن سلسلة تحقيقات وريبورتاجات وتقارير أعدها موقع الكتيبة في إطار سياق إحياء الذكرى العاشرة للثورة ستشمل مختلف المجالات والمواضيع والملفات الحارقة.

كلمة الكتيبة:

يوثق هذا المقال المسار المتعثر لملف شهداء وجرحى الثورة من قبل مؤسسات الدولة والحكومات المتعاقبة على امتداد 10 سنوات والذي جوبه خلالها بالنكران والخذلان. ويندرج ضمن سلسلة تحقيقات وريبورتاجات وتقارير أعدها موقع الكتيبة في إطار سياق إحياء الذكرى العاشرة للثورة ستشمل مختلف المجالات والمواضيع والملفات الحارقة.

الكاتب : رحمة الباهي

صحفية شغلت عديد الخطط في الصحافة الالكترونية التونسية والعربية.

إشراف: محمد اليوسفي
تدقيق: وليد الماجري
غرافيك: مهدي الهمامي
فيديو: حمزة الفزاني
صورة الغلاف: نورالدين أحمد
تطوير تقني: أيوب الحيدوسي
فيديو: حمزة الفزاني
صورة الغلاف: نورالدين أحمد
تطوير تقني: أيوب الحيدوسي
إشراف: محمد اليوسفي
تدقيق: وليد الماجري
غرافيك: مهدي الهمامي

الكاتب : رحمة الباهي

صحفية شغلت عديد الخطط في الصحافة الالكترونية التونسية والعربية.

rahma