الكاتب : وليد الماجري

مدير ومؤسس موقع ”الكَتيبَه“، صحفي استقصائي ومدرّب في تقنيات السرد الصحفي البصري وصحافة الاستقصاء.

عشرُ سنوات مرّت على انهيار أولى حصون الديكتاتورية في منطقة شمال أفريقيا تحت ضغط ثورات شعبيّة عارمة واجهتها الأنظمة في تونس وليبيا ومصر بالسلاح والذخيرة الحيّة، الّا أنّ واقع الحريّات الصحفيّة يتراءى -رغم كلّ التحوّلات السياسية والاجتماعية الجذرية- غير ملائم لممارسة صحافة حرّة ومستقلّة مع مراعاة بعض الاستثناءات.

ويكشف التقرير السنوي الصادر حديثا عن منظمة “مراسلون بلا حدود” تدحرج أغلب دول شمال إفريقيا في سلّم الترتيب في مجال حريّة الصحافة بسبب الضغوط المسلّطة على الصحفيات والصحفيين من قبل الحكومات والنّظم العسكرية المعادية لحرية الصحافة، فضلا عن ارتهان القضاء، في أغلب هذه الدول، الى السلطة التنفيذية وتوظيفه لملاحقة الصحفيات والصحفيين المارقين عن صِراط السّلطة.

الكاتب : وليد الماجري

مدير ومؤسس موقع ”الكَتيبَه“، صحفي استقصائي ومدرّب في تقنيات السرد الصحفي البصري وصحافة الاستقصاء.

عشرُ سنوات مرّت على انهيار أولى حصون الديكتاتورية في منطقة شمال أفريقيا تحت ضغط ثورات شعبيّة عارمة واجهتها الأنظمة في تونس وليبيا ومصر بالسلاح والذخيرة الحيّة، الّا أنّ واقع الحريّات الصحفيّة يتراءى -رغم كلّ التحوّلات السياسية والاجتماعية الجذرية- غير ملائم لممارسة صحافة حرّة ومستقلّة مع مراعاة بعض الاستثناءات.

ويكشف التقرير السنوي الصادر حديثا عن منظمة “مراسلون بلا حدود” تدحرج أغلب دول شمال إفريقيا في سلّم الترتيب في مجال حريّة الصحافة بسبب الضغوط المسلّطة على الصحفيات والصحفيين من قبل الحكومات والنّظم العسكرية المعادية لحرية الصحافة، فضلا عن ارتهان القضاء، في أغلب هذه الدول، الى السلطة التنفيذية وتوظيفه لملاحقة الصحفيات والصحفيين المارقين عن صِراط السّلطة.

في ظل الضغوط المستمرة على الصحفيين ووسائل الإعلام في شمال أفريقيا، تظل ثلاث من دول المنطقة (الجزائر والمغرب وليبيا) في المنطقتين الحمراء والسوداء على خريطة حرية الصحافة، حيث يُعتبر الوضع صعباً أو خطيراً للغاية بالنسبة لممارسة المهنة.

تصنيف مراسلون بلا حدود 2021

جاء في تقرير “مراسلون بلا حدود الصادر منتصف شهر أفريل/أبريل 2021 أنّ وتيرة المضايقات والملاحقات القضائية ضد الصحفيات والصحفيين في شمال أفريقيا قد تنامت بشكل محيّر “حيث تعمل آلة القمع بأقصى طاقتها ذلك أنّ المنطقة باتت تعيش باستمرار على وقع الاعتقالات والاحتجازات التعسفية والمحاكمات المتكررة والمؤجلة”. 

محاكمة خالد درارني، مدير موقع قصبة Tribune الإخباري ومراسل قناة TV5 Monde هو مثال صارخ على ما وصفته المنظّمة بتوظيف القضاء و تسييسه من أجل اخراس كلّ الأصوات الصحفية المستقلّة في الجزائر. وكان درارني قد واجه خلال العام المنقضي حُكما استئنافيا بالسجن لمدة عامين بتهمة “التحريض على مظاهرة غير مرخصة” و”تهديد أمن الدولة”، وذلك على خلفية تغطيته لمظاهرات الحراك الشعبي التي ما انفكّت تجوب الشوارع في الجزائر خلال السنوات الأخيرة للمطالبة بالتغيير السياسي الفعلي والقطع مع “حكم العصابة” وفق توصيف المتظاهرين.

درارني استعاد حريته أخيراً بموجب عفو رئاسي بعد 11 شهراً قضّاها خلف القضبان، الّا أنّ محنته أمام القضاء لم تنته بعد، اذ من المنتظر أن يقف أمام القضاء مجددّا خريف هذا العام ليُحاكَم من جديد في نفس القضية.

أشكر كلّ من ساندني وساند تحدّيات الرّأي لأنّ دعمكم أساسيّ لنا كلّنا وهو دليل على براءتنا. تفكيري يتّجه الآن الى الصحفي سعيد شيتور أتمنّى أن تتمّ تبرئته يوم المحاكمة، ليعود الى عائلته وابنائه والى مهنته التي يحبّها.

تصريح درارني بعد إطلاق سراحه من سجن القليعة بتيبازة بعفو رئاسي

وكانت محكمة جزائرية قضت بالحبس النافذ 16 شهرا على الصحفي سعيد شيتور بتهمة التجسّس، قبل أن تفرج عنه لقضائه مدة مماثلة أثناء الحبس الاحتياطي. ويتعاون شيتور مع وسائل إعلام ناطقة بالإنجليزية بينها بي بي سي وواشنطن بوست. ويبدو أنّ التغطية المستقلّة التي كان يقوم بها شيتور لحساب وسائل إعلام دولية كانت قد أثارت حفيظة السلطات الجزائرية التي سارعت الى تحريك دعوى قضائية ضدّه أفضت الى ادانته بمحكمة شرق العاصمة بتهمة “تقديم معلومات بغير قصد الخيانة”.

ووورد في لائحة التهم أن شيتور قدّم معلومات إلى ممثلي بعض السفارات الأجنبية بالجزائر من شأنها المساس بالأمن والاقتصاد الوطنيين مقابل الحصول على أموال. ووصف الأستاذ ميلود إبراهيمي، محامي شيتور، في تصريحات صحفية هذه التّهم بالقول إنه “ليس لها أساس من الصحة”، مضيفا أنّ شيتور كان قد أدى عمله العادي بوصفه صحفيا محترفا ومراسلا لقنوات أجنبية وفق ما صرّح به لوسائل اعلام محليّة.

ووفق التصنيف الأخير الذّي كشفت عنه منظمة “مراسلون بلا حدود”، حافظت الجزائر على المرتبة 146 عالميا من بين 180 دولة شملها التصنيف، ليتّضح بشكل جليّ مدى تأثير تسييس القضاء على واقع الحريات الصحفية.

سفيان مراكشي، مراسل قناة الميادين اللبنانية، لم يكن حاله أفضل من حال زميله خالد درارني فقد تمّ ايقافه في 26 أيلول/سبتمبر 2019 وقضّى ثمانية أشهر في السجن على خلفية مشاركته لصور إحدى المظاهرات مع عدد من المحطات التلفزيونية الأجنبية.

وكانت النيابة قد وجّهت للصحفي الجزائري سفيان مراكشي تهمة “إدخال معدات بث مباشر (إلى البلاد) بدون ترخيص” استعملت في إرسال صور تظاهرة الجمعة 20 أيلول/سبتمبر لقناة الجزيرة غير المرخصة للعمل في الجزائر. وطلب ممثل النيابة إقرار عقوبة السجن سنتين وغرامة تعادل خمس مرات سعر المعدات المضبوطة.

وفي الوقت الذي تعالت فيه أصوات المنظمات المدافعة عن حرية التعبير وفي مقدّمتها اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين المهتمّة بالدفاع عن سجناء الحراك، معتبرة أنّ مراكشي هو أوّل صحافي يتمّ اعتقاله منذ بداية الحراك في 22 شباط/فبراير 2019، ردّ وزير العدل الجزائري بلقاسم زغماتي موضّحا أنّ مراكشي وصحافيا آخر يُدعى بلقاسم جير مسجونان في “قضايا حق عام”، دون أن يحددها.

مصطفى بن جامع، رئيس تحرير صحيفة “لو بروفانسيال”، لم يشذّ هو الآخر عن القاعدة، حيث تمّ استجوابه لأكثر من 20 مرة على خلفية مقالاته حول الحراك الشعبي، ليمثُل أمام المحاكم في ثلاث قضايا مختلفة تتعلّق بمنشوراته على فيسبوك.

وكانت محكمة عنابة، قسم الجنح، قد قضت بالبراءة في حق الصحفي مصطفى بن جامع، بعد أن كانت قد وجّهت له ثلاث تُهم من بينها التحريض على التجمهر غير المسلح، ووضعته تحت الرقابة القضائية لعدة أسابيع فضلا عن منعه من المشاركة في مسيرات الحراك الشعبي وتحجير السفر عليه.

وكانت النيابة قد طالبت بسجن بن جامع لمدة شهرين وتغريمه بـ50 ألف دينار جزائري (388 دولارا أميركيا) أثناء محاكمته في الطّور الاستئنافي بتاريخ 11 نوفمبر/تشرين الثاني من سنة 2020 في محكمة عنابة.

علي جمال طوبال، مراسل النهار الجزائرية، واجه من جانبه، حكما بالسجن مدّته 15 شهرًا لنشره صورًا على مواقع التواصل الاجتماعي حول تدخّل أمني عنيف في حق متظاهرين معارضين للنظام، علمًا أنّ الحكم الصادر ضدّه تمّ على أساس تعديل قانوني، اعتُمد في مارس/آذار 2020، بات من الممكن بموجبه تجريم نشر ما تمّ اعتباره معلومات كاذبة “تقوّض النظام العام وأمن الدولة”.

ووفقًا للجنة الوطنية لتحرير المعتقلين، التي تراقب محاكمات نشطاء الحراك في الجزائر، فقد حُكِم بتاريخ 17 جوان/حزيران 2020 بالسجن لمدة عامين على علِي جمال طوبال، قبل الإفراج عنه مؤقتًا في 18 أوت/آب. وتعود ملابسات اعتقال طوبال الى نشره مقطع فيديو على فيسبوك تحدثت فيه طبيبة نسائية عن تدهور ظروف العمل للأطباء في مدينة عين أميناس وفق ما جاء في تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية بتاريخ 27 أوت/آب 2020.

وكانت السلطات الأمنية قد اعتقلت بين 12 جوان/حزيران و8 جويلية/تموز 2020، الصحفي الجزائري مرزوق تواتي، في مدينة بجاية الشرقية، أثناء توجهه لتغطية تحرّك احتجاجي لدعم نشطاء الحراك المحتجزين. وقد حكمت المحكمة الابتدائية في بجاية على تواتي بدفع غرامة قدرها 100 ألف دينار جزائري (حوالي 776 دولاراً أمريكياً) بتهمة “إهانة موظفين عموميين”.

يُعاقب كل هؤلاء الصحفيين بسبب قيامهم بعملهم المشروع. فبدلاً من التنمّر على الصحفيين، يجب على السلطات الجزائرية ضمان تمكين جميع الصحفيين في البلاد من أداء عملهم دون التعرّض للترهيب والمضايقة والتهديد بالاعتقال.

آمنة القلالي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية

وفقًا للجنة الوطنية لتحرير المعتقلين، فقد تم ّ الى حدود 25 أوت/آب من سنة 2020، احتجاز ما لا يقل عن 42 شخصًا بتهم تتعلّق بمشاركتهم عبر الإنترنت وعلى أرض الواقع في احتجاجات الحراك بالجزائر حسب ما نقله المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمنظمة العفو الدولية.

المغرب..تُهم كيدية على المقاس

غير بعيد عن الجزائر، يعيش الصحفيّون والصحفيات في المغرب على وقع الاعتقالات والمحاكمات المسيّسة وتلفيق التّهم الكيدية والاستهداف المباشر والواضح لكلّ من تسوّل له نفسه انتقاد دوائر القرار وفق ما ذكرته تقارير حقوقية عديدة.

وتدحرج المغرب، في التصنيف الجديد لمنظمة مراسلون بلا حدود، بثلاث نقاط عن السنة السابقة ليقبَع في المرتبة 136 ضمن كوكبة من الدول الأخرى التي تنتهك حرية الصحافة والتعبير. ووثّقت تقارير حقوقية، من بينها التقرير السنوي الأخير لـ”مراسلون بلا حدود”، حالة أربعة صحفيين، وهم على التوالي المعطي منجب وعمر الراضي وعماد ستيتو وسليمان الريسوني، الذّين يواجهون محنة حقيقية أمام المحاكم، إمّا بقضايا أخلاقية أو بتهم لا علاقة لها بأنشطتهم الصحفية، من قبيل المسّ بسلامة أمن الدولة.

ووفق ما ورد في تقرير المنظّمة السابق ذكره فانّ المحاكم المغربية اتّبعت سياسة التأجيل المنهجي للمحاكمات رافضة كلّ طلبات الإفراج المؤقت. ففي حالة الراضي والريسوني، القابعَين رهن الحبس الاحتياطي منذ ثمانية أشهر و11 شهراً على التوالي، كان فريق دفاع كل منهما قد قدَّم ما لا يقل عن 10 طلبات للسراح المؤقت، ولكن دون جدوى.

وفي ظل هذه الإجراءات القضائية المُجحفة، وأمام محاكم تعمل تحت أوامر الدوائر الماسكة بزمام السلطة، يلجأ الصحفيون المحتجزون إلى الإضراب عن الطعام باعتباره السبيل الأخير لتأكيد حقهم في الحصول على محاكمة عادلة. وقد انضم سليمان الريسوني وعمر الراضي إلى ركب المضربين عن الطعام في 8 و9 أبريل/نيسان 2021 على التوالي وفق ما وثّقته المنظّمة في تقريرها السنوي الأخير.

ومن جهته، لم يحصل المؤرّخ والناشط المغربي-الفرنسي المعطي منجب على السراح المؤقت (في أواخر مارس/آذار) إلاّ بعد ثلاثة أشهر في الحبس الاحتياطي، تخللها 19 يومًا من الإضراب عن الطعام.

وكان منجب قد دخل في إضراب عن الطعام منذ الرابع من مارس/ آذار المنقضي احتجاجا على ما وصفه بـ”الظلم والاضطهاد” و”الإعتقال التعسفي” و”الحكم غيابيا عليه” و”استهداف عائلته وأقاربه بحملات تشهيرية”. وحظي منجب بحملة مساندة واسعة النطاق دعا خلالها المتضامنون، من جنسيات مختلفة، السلطاتَ المغربية الى الإفراج الفوري عن الناشط المضرب عن الطعام وإنهاء الملاحقات القضائية الجائرة في حقّهه وفق وصفهم.

خديجة الرياضي، الناشطة الحقوقية في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان المستقلة وعضو اللجنة الوطنية للتضامن مع معتقل الرأي المؤرخ المعطي منجب، علّقت في تصريح لوكالة رويترز على إطلاق سراح منجب بالقول انّه “انتصار له على صموده وإضرابه عن الطعام”.

انتصار جزئي لأنّ المطلوب ليس السراح المؤقت وإنّما إنهاء متابعته والمضايقات والتحرشات سواء في مجال عمله في الجامعة أو في حياته اليومية، بسبب مواقفه ودفاعه عن حقوق الإنسان.

مقتطف من تصريح الناشطة الحقوقية خديجة الرياضي

وتنفي السلطات المغربية شنّ حملة على حرية التعبير، وتقول إنّ الشرطة والمحاكم تنفّذ القانون. وزارة حقوق الإنسان كانت، من جانبها، كانت قد أكّدت في وقت سابق، أنّ اعتقال منجب “يندرج في إطار قضية تتعلق بقضايا الحق العام ولا علاقة له بنشاطه الحقوقي أو بطبيعة آرائه أو وجهات نظره”.

ولم ينأَ المجلس الأعلى للسلطة القضائية بنفسه عن هذا الجدل حيث ردّ بالقول انّ المعطي منجب “استفاد من حقه في محاكمة عادلة”، معربا عن “رفضه التام لكل المزاعم والمغالطات (…) التي تروم تسييس قضية مرتبطة بالحق العام والمس بالاحترام الواجب للقضاء”.

تصريحات دحضتها المنظّمات الحقوقية المغربية جملة وتفصيلا معتبرة ايّاها “مغالطة” و “تفصّيا من المسؤولية”.

وقفات تضامنية مع المؤرخ والناشط الحقوقي المغربي المعطي منجب (المصدر: وكالات)

تونس وموريتانيا .. حريّة ولكن

لئن فقدت تونس (73، -1) مرتبة واحدة في تصنيف 2021، بعدما كانت في وضع جيّد إلى حد ما مقارنة مع جيرانها في السنوات الأخيرة، فانّ منظّمة مراسلون بلا حدود أرجأت هذا التراجع، أساسًا، إلى تنامي خطاب الكراهية ضد وسائل الإعلام بإيعاز واضح من نواب اليمين المتطرف وفق ما وثّقه التقرير السنوي الأخير للمنظمة.

ووجّه التقرير نقدا لاذعا لمن وصفه بـ”زعيم ائتلاف الكرامة الإسلامي الشعبوي” سيف الدين مخلوف متّهما ايّاه بإهانة الصحفيين والتحريض ضدّهم:

منذ انتخابه في عام 2019، لا يكفّ (مخلوف) عن مهاجمة الصحفيين لفظياً داخل مجلس نواب الشعب وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، حيث يكرّر بانتظام عبارات مهينة من قبيل “إعلام العار”، واصفاً الصحفيين بـ”الكذابين” و”العصابة التي تريد تدمير البلاد والثورة

من جانبها، حقّقت موريتانيا خطوات ايجابية على درب التصنيف العالمي حيث كسبت ثلاث نقاط مقارنة بالسنة التي سبقت. واحتلّت في تقرير سنة 2021 المرتبة 94 بعد أن كانت في المرتبة 97. ويعتبر عدد من الحقوقيين و الصحفيين الموريتانيين أنّ ما حقّقته بلادهم في مجال حماية الصحفيين “مهمّ ومشجّع” داعين السلطات الموريتانية الى مزيد اطلاق الحريات الصحفية ورفع القيود عن مؤسسات الإعلام المرئية والمسموعة المنضوية تحت القطاع العام.

ليبيا ومصر: صحافة تحت بوط العسكر

بالنسبة الى ليبيا فانّ شعار المرحلة، وفق ما يوثّقه تقرير منظمة مراسلون بلا حدود، هو الإفلات من العقاب. وتدحرجت ليبيا في التقرير الأخير للمنظمة بنقطة واحدة (165، -1)، بسبب إفلات من وصفتهم المنظّمة بـ”أعداء حرية الإعلام” من العقاب رغم جرائمهم المتكررة ضد الصحافة وأهلها على مدى السنوات العشر الماضية، ما يُعيق العمل الصحفي ويبقي البلاد في وضع لا تُحسد عليه.

ووفق المنظّمة، أدّى الصّراع المسلّح الذّي يمزّق ليبيا إلى خلق حالة من العنف والذعر في أوساط الفاعلين الإعلاميين، ما يجبرهم على الاختيار بين أمرين أحلاهما مرّ:

إمّا التقوقع في دوّامة الرقابة الذاتية وإمّا التخندق في آلة الدعاية لأحد المعسكرين المتنازعين بين شرق البلاد وغربها.

بالتوازي مع ليبيا، يبدو الوضع في مصر أشدّ تعقيدا وتأزّما حيث حافظت على ترتيبها السلبي جدّا في أسفل التصنيف العالمي (166 على 180)، ما يجعلها -وفق المراقبين- أشبه بسجن كبير. ولم تنفكّ السلطات المصرية تشنّ، بلا هوادة، حملة قمع على حرية التعبير على الإنترنت كما على أرض الواقع.

وتشير تقارير صادرة عن منظّمة العفو الدّولية الى أنّ قوات الأمن المصري كانت قد قبضت تعسفيًا على عشرات الصحفيين واحتجزتهم. وظل 36 إعلاميًا محتجزين على ذمّة التحقيقات في تُهَم تتعلّق بـ”إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي” أو “نشر أخبار كاذبة” أو “الإرهاب”.

وكانت قوّات الأمن قد داهمت بتاريخ 24 جوان/حزيران 2020، مقرّ موقع “المنصَّة” الإخباري المستقل في العاصمة المصرية القاهرة، واحتجزت لفترة وجيزة رئيسة تحرير الموقع نورا يونس. واستمر حجب مئات المواقع الإخبارية والمواقع المعنية بحقوق الإنسان وغيرها، وفقًا لما وثّقته منظمة العفو الدولية. وفي أفريل/نيسان، حجبت السلطات موقع “درب” الإخباري، بعد تغطيته لأخبار تتعلق بحقوق الإنسان.

وكانت أجهزة الأمن المصرية قد ألقت، مطلع جانفي/يناير 2021، القبض على المصور الصحافي حمدي الزعيم إثر اقتحام منزله فجرا وتحطيم محتوياته. وقد سبق اعتقاله من أمام مقر نقابة الصحافيين بالقاهرة في عام 2016، بدعوى اتهامه بـ”الانضمام إلى جماعة محظورة ونَشْر أخبار كاذبة تضرّ بمصلحة الأمن القومي والتصوير من دون الحصول على تصريح من الجهات المختصة”.

وبالتوازي مع ما سبق، كانت النيابة العامة قد أمرت بحبس الكاتب الصحفي أحمد خليفة، 15 يوما احتياطيا على ذمة التحقيقات ووجهت له اتهامات بالانضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار وبيانات كاذبة، وذلك عن طريق سوء استخدام حساب خاص بمواقع التواصل الاجتماعي.

انّ ما يحدث في مصر وليبيا والمغرب وبدرجة أقلّ تونس وموريتانيا والجزائر من انتهاك لحريّة الصحافة والتعبير خلال السنوات الأخيرة المتّسمة بعدم الاستقرار السياسي يعتبر مؤشّرا سلبيا على تراجع مربّعات الحريّة وتقلّص مساحات الانفتاح على الرأي الآخر. وفي حال لم تنطلق حكومات هذه الدّول في القيام بإصلاحات فورية وعاجلة فانّ الأمر سينعكس حتما بالسلب على مجالات أخرى على غرار التعددية السياسية والاعلامية والشفافية والحرب على الفساد والإفلات من العقاب.

كلمة الكتيبة:

تمّ إنجاز هذا التقرير بالاستناد الى جملة من التقارير الحقوقية والرّصدية الصّادرة عن منظّمة مراسلون بلا حدود ومنظّمة العفو الدولية والنقابات الصحفية في دول شمال افريقيا، بالاضافة الى الاتّصال المباشر بعدد من النشطاء والصحفيين والحقوقيين المقيمين في تلك الدّول.

كلمة الكتيبة:
تمّ إنجاز هذا التقرير بالاستناد الى جملة من التقارير الحقوقية والرّصدية الصّادرة عن منظّمة مراسلون بلا حدود ومنظّمة العفو الدولية والنقابات الصحفية في دول شمال افريقيا، بالاضافة الى الاتّصال المباشر بعدد من النشطاء والصحفيين والحقوقيين المقيمين في تلك الدّول.

الكاتب : وليد الماجري

مدير ومؤسس موقع ”الكَتيبَه“، صحفي استقصائي ومدرّب في تقنيات السرد الصحفي البصري وصحافة الاستقصاء.

تدقيق: محمد اليوسفي
غرافيك: منال بن رجب
رسوم: معاذ العيادي
تطوير تقني: أيوب الحيدوسي
رسوم: معاذ العيادي
تطوير تقني: أيوب الحيدوسي
تدقيق: محمد اليوسفي
غرافيك: منال بن رجب

الكاتب : وليد الماجري

مدير ومؤسس موقع ”الكَتيبَه“، صحفي استقصائي ومدرّب في تقنيات السرد الصحفي البصري وصحافة الاستقصاء.

wmejri