الكاتب : هيئة التحرير

“تواصلت مع عتاب زعيبط لأول مرة في ديسمبر/كانون الأوّل من سنة 2012، وكان عمري حينها 18 سنة. حدّثته، آنذاك، بخصوص نشاطه الفني، وقلت له إنّني أحبّ ما فعله وانّ الطريقة التي وصل بها إلى هناك أعجبتني. لم يجبني أبدًا حتى سألته ذات يوم عن المال.

بعد نحو سنتين، ربطت الصلة مجددا به وأرسلت إليه رسالة توضّح له أنّ رأسمالي في البنك يقدّر بـ 50 ألف يورو، وأنّني كنت أرغب في الحصول على المشورة بشأن استثمار هذه الأموال، وسألته عمّا إذا كان استثمار أموالي في مرآب لتصليح السيارات فكرة جيدة. كانت تلك أوّل مرّة يجيب فيها عن أسئلتي. أخبرني على الفور أنّ المرآب لا فائدة منه، وأنّ إبقاء الأموال في البنك لن يجلب لي شيئا.

في العام الماضي (2021)، انفصلت عن حبيبي لأنّه كان عنيفًا، فوجدتني بلا مأوى بعد أن غادرت منزله. اضطررت للعيش مع صديقة في غرونوبل لكنّ الظروف كانت مروّعة ما عمّق مشاكلي النفسية. تحدثت مع ريان سانشيز (سواغ مان) عن كل ذلك.. لقد كنت محطمة تمامًا، منهكة بالكامل، لم أستطع أن أتخيّل نفسي في المستقبل، مشرّدة بلا مأوى أو عمل قار.

الكاتب : هيئة التحرير

“تواصلت مع عتاب زعيبط لأول مرة في ديسمبر/كانون الأوّل من سنة 2012، وكان عمري حينها 18 سنة. حدّثته، آنذاك، بخصوص نشاطه الفني، وقلت له إنّني أحبّ ما فعله وانّ الطريقة التي وصل بها إلى هناك أعجبتني. لم يجبني أبدًا حتى سألته ذات يوم عن المال.

بعد نحو سنتين، ربطت الصلة مجددا به وأرسلت إليه رسالة توضّح له أنّ رأسمالي في البنك يقدّر بـ 50 ألف يورو، وأنّني كنت أرغب في الحصول على المشورة بشأن استثمار هذه الأموال، وسألته عمّا إذا كان استثمار أموالي في مرآب لتصليح السيارات فكرة جيدة. كانت تلك أوّل مرّة يجيب فيها عن أسئلتي. أخبرني على الفور أنّ المرآب لا فائدة منه، وأنّ إبقاء الأموال في البنك لن يجلب لي شيئا.

في العام الماضي (2021)، انفصلت عن حبيبي لأنّه كان عنيفًا، فوجدتني بلا مأوى بعد أن غادرت منزله. اضطررت للعيش مع صديقة في غرونوبل لكنّ الظروف كانت مروّعة ما عمّق مشاكلي النفسية. تحدثت مع ريان سانشيز (سواغ مان) عن كل ذلك.. لقد كنت محطمة تمامًا، منهكة بالكامل، لم أستطع أن أتخيّل نفسي في المستقبل، مشرّدة بلا مأوى أو عمل قار.

ريان سانشيز دعمني برسائله وتحدثنا عبر الهاتف. أخبرني مرة أخرى عن العُملة المشفّرة. كان ما يزال لدي 20 ألف يورو في ذلك الوقت. أعتقد أنني كنت ضعيفة جدًا آنذاك. لم أعد أؤمن بأي شيء، كنت مقتنعة بأنّني سأبقى على هذه الحال طوال حياتي. أخبرني أنه سيساعدني وأنه سيدير ​​كل شيء من أجلي. لم أتردد أبدا، وافقت على تحويل المال إليه.

تم إجراء عمليتي تحويل مالي: الأولى بقيمة 18500 دولار في الفاتح من أفريل/نيسان من سنة 2018 ، والآخر بقيمة 2500 دولار في الرابع من شهر أوت/آب من العام ذاته لأنّه كان قد أخبرني أنّ التحويل الأوّل لم يكن كافيا لشراء العملات المشفرة، وكان علي أن أرسل له الباقي حتّى أنّه لم يبق لديّ أيّ صنتيم لآكل به.

بمجرّد الانتهاء من التحويل وتأكيد الاستلام تبخّر كلّ شيء، بما في ذلك صديقي المدعو ريان سانشيز الذّي سلبني كلّ ما أملك وأصبح شبحا. عبثا حاولت التواصل معه مجددا”.

هذا جزء من شهادة سيلفيا (اسم مستعار) التي فتحت قلبها لموقع “الكتيبة” عشيّة توجّهها الى القضاء التونسي لملاحقة “الشّبح” الذّي احتال عليها واستغلّ ضعفها وانكسارها وسلبها أموالها على آخر صنتيم وفق وصفها.

لم يعُد مُغنّي الرّاب مزدوج الجنسية “سواغ مان” بمثابة لغز بالنسبة إلى التونسيّين.ـات بعد أن كشف موقع “الكتيبة” خلال الجزء الأوّل من هذا التحقيق جملة الحيل والألاعيب وعمليات التزوير التّي اعتمدها هذا الأخير من أجل الإفلات من قبضة العدالة التونسية في القضيّة التي باتت تُعرف تحت اسم “قضيّة الـ17 مليار”.

سواغ مان، عتاب زعيبط، ريان سانشيز.. أسماء عديدة لشخص واحد اعتاد التخفّي وراءها للإيقاع بعشرات الضّحايا من مختلف دول العالم ونهب أموالهم باستخدام حيل وألاعيب متشعّبة ومعقّدة ولكنّها تدور في مجملها في فلك الإغواء والكذب والاحتيال على الفئات الهشّة من معجبيه ومريديه والتبجّح بأموالهم على الملأ في البلاتوهات و”لايفات” السّوشال ميديا.

ويفترض أن يمثل “سواغ وان” (خارج التراب التونسي الآن) يوم 29 جوان/حزيران 2022 أمام القضاء التونسي من جديد ليجيب على تهم تتعلّق بالتحيّل في نحو 23 قضيّة رفعها ضدّه عدد من “ضحاياه” المفترضين من جنسيّات مختلفة.

وكانت الدائرة الجنائية المتخصّصة في قضايا الفساد المالي بالقطب الاقتصادي المالي بالعاصمة تونس قد أصدرت في مارس/آذار 2021 حكما بالسجن لمدة خمس سنوات وخطية مالية قدرها 100 ألف دينار (حوالي 30 ألف دولار) في حق مغني الراب التونسي “سواغ مان” في قضية تتعلّق بغسيل أموال والتحيّل بناء على تقرير من اللجنة الوطنية للتحاليل المالية في البنك المركزي التونسي.
.

من جهتها، كانت السلطات القضائية قد قامت بحجز مبلغ مالي قدره 17 مليون دينار (محور القضيّة) ووضعه على ذمة خزينة الدولة التونسية. وقد نقضت محكمة الاستئناف بتاريخ 13 جانفي/كانون الثاني 2022 الحكم الابتدائي وقضت بعدم سماع الدّعوى في حقّ المتّهم.

ولئن تمكّن “سواغ مان” من مغالطة القضاء التونسي عبر تقديم أدلّة براءة مزوّرة ومغادرة السجن باتّجاه أوروبا ومن ثمّ وجهات أخرى (أنظر الجزء الأوّل من التحقيق في الرابط أدناه)، فانّه ما يزال محلّ ملاحقة قضائية في تونس على خلفية شبهات التحيّل السّابق ذكرها.

سقوط القناع : ريان سانشيز ام عتاب زعيبط؟

ما إن انطلق مسار محاكمة “سواغ مان” أمام القضاء التونسي منذ نحو ثلاث سنوات، حتّى انهالت على النيابة العموميّة عشرات الشكايات ضدّه من أشخاص من مختلف الجنسيات.

المفاجأة كانت مزدوجة بالنسبة إلى الضّحايا. فأمّا المفاجاة الأولى فقد كانت تتمثّل في صدمتهم في “سواغ مان” الفنّان الذّي تبيّن لهم انّه يمتهن الاحتيال على الناس وعلى وجه خاصّ مريديه المهووسين به. وأمّا المفاجأة الثانية، والتي لا تقلّ صدمة عن الأولى، فتتمثّل في اكتشافهم أنّ الاسم الحقيقي لـ”سواغ مان” هو “عتاب زعيبط” وليس “ريان سانشيز” كما أوهمهم. وهو ما يفسّر المآل الفاشل لكلّ قضاياهم حيث أنّهم كانوا يلاحقون “شبحا” يُدعى “ريان سانشيز” لا وجود قانوني له على أرض الواقع.

يصعب، في الواقع، على المتابعين لـ”سواغ مان” أن يعرفوا معلومات حقيقية عنه، فمغنّي الراب الشهير مولع باختراع الأساطير والروايات حول نفسه وترويجها بين معجبيه.

ففي مقال بجريدة “لوموند” الفرنسية نُشر سنة 2015، تُقدّم الصحفيّة والناقدة الفنية “فيرونيك مورتاني” “Véronique Mortaigne” مغنّي الراب على أنه يتيم الأبوين من أب برازيلي وأمّ يهوديّة تونسية، تشرّد بين 25 عائلة كافلة، قبل أن يجد طريقه إلى الثروة (التي يحلو له دائما أن يبدّدها أمام عيون الكاميرا وانبهار متابعيه).

مجلّة “Entrevue” الفرنسية كانت قد نشرت، هي الأخرى، في السنة ذاتها قصّة أخرى عن “سواغ مان” التونسي مائة بالمائة، لأب وأمّ تونسيين، مشيرة الى أنّه ابن شاعر تونسي معروف في الأوساط الأدبيّة وفق ما جاء في مقالها.

خلال تحقيقنا حول هذه القضيّة، لمسنا قوّة هذا الخلط والتعقيد، واحتجنا إلى الكثير من التدقيق والبحث لكشف الستار عن الحقائق وتفكيك الأكاذيب التي تحيط بشخصيّة “سواغ مان”.

هذا الخلط مقصود من “سواغ مان”، فأغلب الشكايات في التحيّل التي قُدّمت في حقّه، تضمّنت اسم “Swagg Man” ببساطة أو “Rayan Sanches”، غير الموجود في الواقع، رغم أنّه مصرّ على إيجاده في شبكات التواصل الاجتماعي. حتّى بلغ به الأمر أن نشر صورة لجواز سفر يحمل صورته واسم “Rayan Sanches”، هي في الحقيقة صورة لجواز سفره الحقيقيّ باسم “عتاب زعيبط” مع تغيير الاسم عبر برامج التعديل على غرار فوتوشوب (الجوازان يحملان نفس الرقم).

ضحايا “ريان سانشيز” يلهثون وراء سراب

كان وقوع سواغ مان المعروف كذلك تحت اسم ريان سانشيز بين يدي العدالة التونسيّة والكشف عن اسمه الحقيقيّ (عتاب زعيبط) بمثابة ضربة حظّ موفّقة لم يتردّد ضحاياه المفترضون في استغلالها. وقد بلغ عدد الشكايات في حقّه لدى النيابة التونسية قرابة 23 شكاية، مرشّحة للارتفاع بسبب قضايا تحيّل جديدة كان ضحاياها تونسيّون عرفوا مغنّي الراب خلال “محنته” القضائية، فوقعوا في شراكه.

وكانت مجلّة “جون أفريك” قد نشرت في 25 ماي/أيار 2021 تفاصيل قضيّة تحيّل كان بطلها “سواغ مان” ورفيقته لوليتا روبيلار، وضحيّتها زوج من الصناعيّين يحملان الجنسيّتين التونسية والفرنسية. وقد حكمت المحكمة الابتدائية بسوسة في العاشر من نفس الشهر على مغنّي الراب ورفيقته غيابيا بالسجن 3 سنوات من أجل خيانة مؤتمن، بعد أن تحيّل الأخيران على المتضرّرين في مبلغ قيمته أكثر من 2 مليون أورو.

الزوجان لم يكونا أوّل الضحايا ولا آخرها، فحسب موقع جمعيّة “Swagg-auxilium” يبلغ عدد من توصّلت بملفّاتهم 87 شخصا على حوالي 2000 ضحيّة حسب تقديراتها.

أشكال تحيّل متنوّعة

حسب مختلف الشكايات والشهادات التي اطّلعنا عليها، تتنوّع آليّات التحيّل وتتوزّع من التحيّل باسم الاستثمار العقاري إلى الاستثمار في البيتكوين مرورا بحيلة “جيمس تورن” لخلق الثروة سريعا. لكنّ النقطة المشتركة بين جميع هذه الآليّات، هو انبهار الضحايا بالثروة التي راكمها بسرعة كبيرة مغنّي الراب الشهير، والذي لا يتردّد، بمناسبة أو دونها، في استعراضها وإلقائها أمام الكاميرات كما لو كانت لا تعني له شيئا يذكر.

في ما يلي سنعرض بعض حيله موثّقة من خلال شهادات ضحاياه ومدعومة ببحثنا في الموضوع.

حيلة “جيمس تورن”

أحد الأساليب التحيّل التي يعتمدها بعض المحتالين اليوم يتمثّل في الإيهام بالإثراء السريع عبر استعمال برمجية “جيمس تورن” James Torn.

هذه الحيلة بدأت في 2016، وعلى الأرجح بشكل مستقل عن “سواغ مان”. حيث يقع حثّ الضحايا على استعمال البرمجية واقتنائها مقابل 20 ألف إلى 100 ألف دولار لمضاعفة ثرواتهم مئات الأضعاف من خلال المضاربة في البورصة عبر برمجيّة خاصّة Algorithme de trading، ولا يحصلون في النهاية على شيء. وقد قامت مواقع عديدة، عن قصد أو دون قصد، بالترويج لفكرة أنّ سرّ ثروة “سواغ مان” الكبيرة يعود الفضل فيها إلى هذه البرمجيّة. الأمر الذي ساهم “سواغ مان” في تأكيده كما يبدو من لقطة الشاشة المرفقة.

في واقع الأمر فإنه بمجرّد مراسلة البريد الالكتروني الذي وضعه “سواغ مان” في هذا الإعلان (أنظر الصورة أعلاه)، فإنّ المرسل يتلقّى رسالة من شخص يدّعي أنه “جيمس تورن” مدير شركة “ألغو ماستر سيستم” المالكة للبرنامج، تفيد بأنّ ثمن البرنامج هو 20 ألف أورو (يفترض أنه مجّاني حسب البحث الذي أجريناه) وأنّ الدفع لا يتمّ إلاّ عن طريق البيتكوين على عنوان محفظة الكترونية وجدنا أنّها مرتبطة بـ”سواغ مان” نفسه (انظر لاحقا). الأمر الذي وقع مع الضحيّة البلجيكيّة كريستوف.

ورغم أن البرمجية في حد ذاتها احتيالية، إلا أنه لا مانع لدى “سواغ مان” على ما يبدو في أن يحتال فوق حيلة المحتالين. في هذا الفيديو يشرح الصحفي “كيليان مارلي” في موقع “gagner en bourse” المتخصّص في المضاربة، كيف أنّ هذه البرمجيّة ليست إلا عمليّة تحيّل.

من جهتهم، يؤكد عدد من الضحايا أنّهم قاموا بتحويل أموال تراوحت بين 20 ألف إلى 100 ألف أورو إلى “سواغ مان” من أجل الحصول على رخصة للنسخة “الأصلية” من البرنامج الذي يفترض أنّه مجاني.

حيلة العملة المشفّرة بيتكوين

رغم إنكاره أمام المحكمة، واعتباره ايّاها أداة دفع مشبوهة في مراسلاته المزعومة مع “ديفيد شايديغير”، أحد شركائه المزعومين، وأيضا أمام المحكمة، فإنّه من الواضح لدينا أنّ استخدام العملة المشفّرة “بيتكوين” يلوح الخيار المفضّل لدى “سواغ مان” في اطار ممارسته لنشاط الاحتيال على ضحاياه.

في الواقع، ما انفكّ “سواغ مان” يشجّع متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي البالغ عددهم أكثر من مليونين على استثمار أموالهم في البيتكوين وأمثالها من العملات المشفّرة، عبر موقع mycryptofly.com مثلا، الذي أنشأه بمعيّة شركاء له. مباشرة بعد تسجيل الدخول، يطلب منك الموقع تحديد المبلغ الذي ترغب في استثماره، وهي طريقة لتحديد الضحايا المناسبين، ليتمّ الاتصال بهم مباشرة من قبل مساعدين وأحيانا “سواغ مان” نفسه كما يشرح في الفيديو التالي، لتبدأ عملية الاستقطاب التي عادة ما تنتهي بسلب الضحيّة أموالها والمرور الى ضحيّة أخرى وفق ما سنبيّنه من خلال شهادات عدد من الضحايا الذين قدّموا شهاداتهم الى موقع الكتيبة بعد تسجيلها في محاضر رسمية في أمام القضاء التونسي.

سنتجاوز عن سلسلة الأكاذيب التي أحاط بها “سواغ مان” هذا الموقع من حيث تاريخ إنشائه وعراقته أو تأمينه (وهي ادّعاءات تأكّدنا من كذبها) فالموقع اليوم مغلق. لنقفز إلى عمليّة الاحتيال في حدّ ذاتها.

فحسب شهادات عدد من الضحايا، وما ورد في الكثير من القضايا المنشورة لدى المحاكم والشكايات المختلفة حول العالم، فإنّ “سواغ مان” بمجرّد أن يحصل على ثقة ضحاياه يقنعهم إمّا بتحويل وحدات بيتكوين إلى محفظته الخاصّة، أو اقتناء وحدات بيتكوين وإنشاء محفظة يحصل هو على كلمة سرّها ليفرغها، أو أحيانا ترسل له الأموال مباشرة ليقتني تلك الوحدات.

ويستغلّ نجم شبكات التواصل الاجتماعي في ذلك شهرته واعتقاد ضحاياه في ثروته الطائلة التي لا تفنيها النار، ليزيل آخر الشكوك التي قد تجول في عقولهم حول إمكانيّة أن يفرّ بأموالهم.

إحدى الضحايا نشرت عنوان محفظة إلكترونية بيتكوين قالت إنّها لـ”سواغ مان” وإنّها حوّلت نحوها وحدتيْ بيتكوين (بقيمة 13000 دولار) بطلب منه ليقوم بالاستيلاء عليها لاحقا.

قمنا بمتابعة عنوان المحفظة المذكورة، والتّي توافق عنوانها مع ما أفادنا به عديد الضحايا وما ورد في محادثاتهم الموثقة لدينا، لنجد أنّها حاليّا فارغة وأنّها سجّلت 34 معاملة بقيمة جمليّة تبلغ 1,297,127.65 دولار، كما تبيّن لقطة الشاشة التالية.

ضحيّة أخرى من الجزائر هذه المرّة. فقد أرسل “نسيم” كلّ مدّخراته التي وضعها جانبا من أجل مواصلة دراسته، بالبيتكوين إلى نفس المحفظة الالكترونية الخاصّة بـ”سواغ مان”، بعد أن اتّصل به هذا الأخير عبر “سكايب” ثمّ تراسل معه على “انستاغرام”، حين لاحظ تردّده في الاستثمار عبر موقع My Crypto Fly.

طبعا، لا داعي للقول إنّ جميع هذه المدّخرات قد اختفت، فقد أصبح “السّتايل” واضحا للعيان وباتت نتائج الحيلة المتّبعة تلتقي في النقطة ذاتها.

يصعب للغاية، إن لم نقل يستحيل متابعة العملات المشفّرة وربطها بمالكيها، ممّا يجعل منها وسيلة الدفع المفضّلة في عالم الظّلال، الأمر الذي يمنعنا من الجزم بأن هذه المحفظة حطّت في جيب “سواغ مان”، رغم كلّ الإفادات التي حصلنا عليها. لكنّ الأمر مختلف عندما يتعلّق بالحسابات البنكيّة والشركات.

فقد أحاط “عتاب زعيبط” نفسه بترسانة متنوّعة من المؤسّسات المترابطة والمرتبطة بالعملات المشفّرة تفوح منها بدورها رائحة الاحتيال.

فإلى جانب موقع My Crypto Fly، أنشأ “عتاب” شركة تحمل اسم “Genesis Mining Crypto inc” في استيلاء واضح على اسم إحدى أكبر وأقدم شركات التعدين المشفّر وإدارة عملات البيتكوين “Genesis Mining”. وكان عديد من المشتكين قد أكّدوا أمام المحكمة، خلال محاكمة “عتاب زعيبط” في تونس، أنّهم وقعوا ضحايا لشركة “جينيسيس مينينغ”.

حيلة الاستثمار العقاري

إحدى مصائد الاحتيال الأخرى التي اعتاد محترفو هذا المجال اعتمادها تتمثّل في حيلة الاستثمار العقاري، حيث يعمل المحتال على إقناع ضحيّته بمشروع استثمار عقاري مهمّ، من نوع نزل أو إقامة فاخرة أو مركّب سكني مرفوقا بتشجيعات استثماريّة وجبائيّة عالية مع وعد بعائدات كبيرة تسيل لعاب أعتى المتشكّكين.

تلك كانت حال “لوران” (الأسماء وقع تغييرها من قبل المجلّة) التي ينقلها “ماتيو غالتيي” الصحفي بمجلّة “جون أفريك”. فخلال رحلة “سواغ مان” المثيرة أمام القضاء التونسي، وبعد أن تعرّف عليه الزوجان من خلال محطّات التلفزيون التونسي التي تكالبت على استضافته، قام “لوران” وزوجته “آمنة” بتبنّي “سواغ مان” ورفيقته “لوليتا” الذين تعاطفا معهما ومع “معاناتهما” من البيروقراطيّة التونسيّة.

ذلك “التبنّي” كلّف الزوجين كثيرا، فإلى جانب عمليّة التحيّل التي تعرّضت لها الزوجة من خلال حيلة البيتكوين التي سبق وأشرنا إليها، لم ينج الصناعي الحذر “لوران” من براثن “عتاب” أو “رايان” كما يقدّم نفسه. إذ أقنعه الأخير باستثمار أمواله في العقّارات من خلال الشركة التي يملكها في فلوريدا.

يجب أن نذكّر هنا بأنّ شركة “لوكسوري” العقّارية التي يملكها “عتاب زعيبط” لئن تمّ ايقاف نشاطها بقرار من السلطات، فإنّ نشاطها بقي مستمرّا تحت اسم شركة “Beach Properties Rental inc”.

اقتنع “لوران” بالفكرة، رغم أنه كان يرغب بالاستثمار العقاري في باريس، ومكّن “عتاب” من مبلغ قدره 1.7 مليون أورو على أربع دفعات. ذهبت جميعها أدراج الرياح. فيما وقعت “آمنة” الزوجة ضحيّة “لوليتا” رفيقة المغنّي التي أقنعتها بالاستثمار في البيتكوين. وهو ما فعلته لتفتتح محفظة إلكترونية موّلتها بـ173 ألف أورو ومكّنت “عتاب” من كلمة سرّها.

من نافلة الحديث القول إنّ الأموال اختفت جميعها. حيث تكبّد الزّوجان خسارة “تحويشة العمر” دون الحديث عن مصاريف التقاضي في قضيّة “سواغ مان” الأصلية والكفالة التي دفعها الزوجان عن طيب خاطر إلى جانب المصاريف الأخرى من أجل تجنيبه السّجن في القضيّة المذكورة أعلاه.

خلال المواجهة التي جمعتنا به عبر الهاتف، أصرّ عتاب زعيبط على التنصّل من كلّ الاتّهامت الموجّهة إليه واصفا ايّاها بالكيدية، مبرّرا ذلك بعدم قدرة “الضحايا” المفترضين على إثبات أيّ شيء أمام محاكم العالم. في الحقيقة، فانّ هذا التبرير ثبت زيفه على اعتبار أنّ السبب الأساسي لعدم قدرة الضحايا على إثبات تعرّضهم لعمليّة احتيال يرجع أساسا إلى مقاضاتهم على وجه الخطأ لشخصية وهمية تدعى ريان سانشيز وليس الشخص الحقيقي المسمّى عتاب زعيبط.

الآن وقد أفلتَ من العقاب…

ما يزال الضحايا المفترضون لـ”سواغ مان” ينتظرون نتائج المحاكمات في تونس وفرنسا، رغم الدعاية التي يمارسها هذا الأخير والتي يوهم من خلالها متابعيه وأحبّاءه بأنّ القضاء أخيرا أنصفه.

لكنّ العوائق التي تنتظرهم كبيرة. فإلى جانب إشكاليّة إثبات الهويّة التي سبق وأشرنا إليها، والتي تمّ تجاوزها بمجرّد القبض على “سواغ مان” في تونس، هناك عوائق قانونيّة أخرى.

حيث يجد المحتالون في التعقيدات القانونية والبيروقراطيّة بين الدول، منافذ للإفلات بأفعالهم، وتغدو الجريمة العابرة للحدود كابوسا للقضاة والضحايا.

كما أنّ تنفيذ هذه الأحكام والحصول على التعويضات المناسبة سيغدو عسيرا على الضحايا في صورة الحصول على نتائج إيجابيّة نظرا لتشظّي الملكيّة، وفي حالتنا هذه، تعمّد المتّهم تصفية ملكيّته في ميامي بفلوريدا.

ورغم أنه بقي محتفظا بخمس عقارات اقتناها بمنطقة سوسة بتونس، تبلغ قيمتها الجملية مليون و 75 ألف دينار، وفق الإدارة العامة للمحاسبة العمومية، إلى حدود فترة المحاكمة، إلا أنّنا علمنا أنّه تخلّص منها بالتفويت لفائدة والدته على شكل هبة بتاريخ 24 جانفي/كانون الثاني 2022. نمطٌ يتكرّر كثيرا معه كما سبق أن كشفنا.

من جهة أخرى فإنّ حجم الأموال المنقولة التي يبدو أنّه استولى عليها من ضحاياه وحوّلها إلى عملات مشفرة لا يزال مجهولا ويصعب تتبعه.

كلمة الكتيبة:

أصبحت تونس خلال السنوات التي تلت الثورة (ديسمبر 2010-جانفي/يناير 2011) بيئة جاذبة لتبييض الأموال نظرا لوجود ثغرات كثيرة في المنظومة التشريعية فضلا عن ارتفاع مؤشّر الفساد وضعف الرقابة وتداخل السياسي بالقضائي. موقع "الكتيبة" دأب منذ تأسيسه على تسليط الضّوء على مواضيع وقضايا حسّاسة بهدف نشر ثقافة المسائلة وممارسة ضغط ايجابي على صنّاع القرار كي يتحرّكوا في الاتّجاه الصحيح.

كلمة الكتيبة:
أصبحت تونس خلال السنوات التي تلت الثورة (ديسمبر 2010-جانفي/يناير 2011) بيئة جاذبة لتبييض الأموال نظرا لوجود ثغرات كثيرة في المنظومة التشريعية فضلا عن ارتفاع مؤشّر الفساد وضعف الرقابة وتداخل السياسي بالقضائي. موقع "الكتيبة" دأب منذ تأسيسه على تسليط الضّوء على مواضيع وقضايا حسّاسة بهدف نشر ثقافة المسائلة وممارسة ضغط ايجابي على صنّاع القرار كي يتحرّكوا في الاتّجاه الصحيح.

الكاتب : وليد الماجري

الكاتب : معز الباي

بحث: رحمة الباهي
تدقيق: محمد اليوسفي
غرافيك: منال بن رجب
غرافيك: منال بن رجب
بحث : رحمة الباهي
تدقيق : محمد اليوسفي

الكاتب : وليد الماجري

الكاتب : معز الباي

walidmejri
moez