من راغب علامة إلى الشامي: القُبلة والدُموع في اقتصاد العواطف العربي

من رقصة عفويّة على ركح قرطاج إلى دموع ملتقطة في حفلة الشامي، يكشف البوب العربي عن اقتصاد خفيّ للعاطفة، حيث تُنتج المتعة ضمن منطق رأسمالي استهلاكي ناعم وتُضبط بحسابات دقيقة تمزج بين المردودية التجارية واستقرار النظام الرمزي القائم. وفي هذا المشهد، تشكّل البوب العربي بوصفه جهازا ينتج المتعة داخل آليّة التحكّم حيث يعاد إنتاج الذوق العام وفق "المتعة المراقبة".

الكاتب : فؤاد غربالي

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية

في مشهد لافت على ركح مسرح قرطاج، صعدت شابة تونسيّة من الجمهور، قدّمت نفسها باسم “سوزان”، واقتربت من راغب علامة لترقص إلى جانبه، وسط تصفيق الجمهور وضوء عدسات الهواتف المحمولة. تكرّر المشهد في فضاء مختلف تمامًا: حانة فاخرة على شاطئ الساحل الشمالي في مصر، حيث صعدت نساء متحرّرات نسبيًا من الرقابة المباشرة، ليرقصن مع المغنّي نفسه.

في الحالتين، كان الفعل بسيطًا، شبه عفوي، ومتوقّعًا في حفلات البوب حول العالم، لكن ما أثاره من جدل إعلامي وأخلاقوي وتحفّز سلطوي كشف هشاشة موقع المُتعة في الفضاء الثقافي العربي. لم تكن المُشكلة في الرّقص بحد ذاته، بل في الجسد الذي رقص، والموقع الذي تمّت فيه عمليّة الرقص، والصفة الاجتماعية لمن قامت بالفعل.

 

الكاتب : فؤاد غربالي

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية

في مشهد لافت على ركح مسرح قرطاج، صعدت شابة تونسيّة من الجمهور، قدّمت نفسها باسم “سوزان”، واقتربت من راغب علامة لترقص إلى جانبه، وسط تصفيق الجمهور وضوء عدسات الهواتف المحمولة. تكرّر المشهد في فضاء مختلف تمامًا: حانة فاخرة على شاطئ الساحل الشمالي في مصر، حيث صعدت نساء متحرّرات نسبيًا من الرقابة المباشرة، ليرقصن مع المغنّي نفسه.

في الحالتين، كان الفعل بسيطًا، شبه عفوي، ومتوقّعًا في حفلات البوب حول العالم، لكن ما أثاره من جدل إعلامي وأخلاقوي وتحفّز سلطوي كشف هشاشة موقع المُتعة في الفضاء الثقافي العربي. لم تكن المُشكلة في الرّقص بحد ذاته، بل في الجسد الذي رقص، والموقع الذي تمّت فيه عمليّة الرقص، والصفة الاجتماعية لمن قامت بالفعل.

 

ذلك أن البوب العربي، في بنيته الرمزية، لا يقدّم المتعة كحقّ ديمقراطي مشاع، بل كامتياز يُوزَّع بشروط صارمة تمليها السوق حينًا، والسلطة حينًا آخر، أو تواطؤ الإثنين معًا في كثير من الأحيان. الرقص، حين يصدر عن نجمات تم إعدادهنّ بصريًا ومهنيًا داخل معمل السوق، يُستهلك بسهولة ضمن العرض المؤدلج. لكن حين يصدر عن جسد شعبي، عابر، أنثوي، يقتحم المنصّة دون إذن، يتحوّل إلى تهديد، إلى تجاوز، إلى فعل يستدعي العقاب.

تتكشّف هنا مفارقة أساسيّة: السوق يروّج للحرّية طالما كانت قابلة للبيع، والسلطة الأخلاقية تغضّ الطرف عن التخلّي عنها طالما لا تهتزّ معها هندسة القيم الرسميّة. كلاهما يتبنّى مشهدية الانفتاح، لكنّهما يجزعان من المتعة حين لا تكون مرخّصة، مشفّرة، ومصفّاة عبر أدوات التهذيب الطبقي والجندري.

في هذا السياق، يصبح جسد “سوزان” الذي يتحرّك على المسرح كيانًا غير مرغوب فيه، لا لأنّه فاحش، بل لأنّه خارج عن الشبكة المتّفق عليها بين السوق والسلطة لتحديد ما يجوز وما لا يجوز. ويغدو جسد المرأة في الساحل الشمالي تهديدًا لا لأنّه راقص، بل لأنه ينتمي إلى طبقة تتوسّع في تمثيل الحرية، دون أن تُستدعى دائمًا لتأديب نفسها في الفضاء العمومي.

المُتعة في البوب العربي ليست نقيض السلطة، بل غالبًا ما تُنتَج داخلها، وتُسعّر ضمن منطق رأسمالي استهلاكي ناعم، يظهر على هيئة تحرير، ويشتغل كآلة انضباط فعالة. ما يُباع باسم الحرّية ليس سوى نسخة مشذّبة منها: الحرية المؤدّاة، المسرّحة، المحمية من الإنفجار.

ولعلّ أبرز ما تكشفه حادثة راغب علامة أنّ المتعة لا تُمنح مجانًا، بل تُدار بعناية، وتُضبط بحسابات دقيقة تمزج بين المردودية التجارية واستقرار النظام الرمزي القائم. إذ أنّ الرقص لا يكون مقبولًا إلا إذا أُنجز ضمن “نظام الجمال” المُعترف به، ووفق ضوابط الجندر، الطبقة، والفضاء. كلّ انزياح عن هذه المنظومة يُستقبل كخرق لا بد من تأديبه، ولو رمزيًا.

البوب، من هذا المنظور، لا يتجاوز السلطة، بل يُعيد إنتاجها، مُقنّعة هذه المرّة في إيقاع، أو نظرة، أو نغمة حب. والسلطة لا تمنع دائمًا، لكنها تُدرّب على المنع، وتدفع الناس إلى ممارسته باسم “الحياء” و”الذوق”. أمّا الجمهور، فيصير بدوره وسيطًا أخلاقيًا يستهلك الحرية المصمّمة له، ويهاجم تلك التي لا يفهمها، ولا تُشبهه، ولا تندرج في قاموسه الرمزي.

وفي النهاية، يطفو السؤال الجوهري: من يملك الحقّ في توزيع المتعة؟ أهو الفنّان، بما يملكه من رأس مال رمزي؟ أم السوق، بما تملكه من سلطة على الذوق؟ أم الدولة، بما لديها من أدوات ضبط ومؤسسات تأديب؟ أم أنّ المتعة الشعبية، العفوية، الخارجة من الجمهور نحو المسرح، لا تزال حتى اليوم، في ظلّ البوب العربي، فعلاً مُدانًا بالتمرد والاضطراب؟

راغب علامة وفتنة الجسد العابر: عندما تُربك القُبلة نظام النجومية

راغب علامة ليس مجرّد مغنٍ لبناني يشدو بأغانٍ رومانسية منذ التسعينات، بل هو جهاز رمزي حيّ، يعمل بكفاءة عالية في إنتاج نموذج معيّن من المتعة المأذون بها. فالرجل، بصفته نجمًا ذكوريًا، لا يبيع الأغنية فقط، بل يبيع معها خيالًا متكاملاً للحميمية المستحيلة، حميميّة محروسة بذكاء، مسوّقة بعناية، ومفلترة حسب معايير السوق والحياء العام.

نجوميته، كما تُبنى على خشبات المسرح، هي في الحقيقة نتاج معمل ثقافي أعاد تدوير مفاهيم الجاذبية الذكورية في العالم العربي، وجعلها قابلة للاستهلاك الجماهيري النسائي دون أن تفقد بوصلتها السلطوية. راغب، بهذا المعنى، ليس فقط “الفتى الوسيم” الذي يغازل، بل هو “المالك الرمزي” لحقّ المبادرة، لحقّ إغواء الجمهور، ولحقّ فرض شروط التفاعل العاطفي.

وحين تصعد امرأة من الجمهور، ترقص أو تُقبّله كما حدث مؤخرًا في مصر، فإنها لا تقوم بفعل بسيط، بل ترتكب ما يشبه الهرطقة الرمزيّة: فهي تقتحم فضاءً تمّت هندسته ليظلّ منضبطًا، مرقّمًا، ومسيطرًا عليه من طرف واحد فقط. القُبلة هنا ليست عفوية، حتّى وإن أتت بعفوية. هي لحظة اختلال، لأنها تخرق ما يجب أن يظل مؤطَّرًا، مُنجزًا داخل القالب الذكوري النجمي حيث الفعل من فوق، والتلقّي من تحت.

حين نتمعّن في هذا المشهد، لا نرى فيه مجرّد سوزان تندفع نحو راغب، بل تراه كمسرح دقيق لصراع رمزي بين السلطة الذكورية التي تمنح المتعة وفق جدولة معيّنة، وبين جسد نسائي عابر يحاول أن يعيد التفاوض على شروط الرغبة. فما حدث لا يهدّد فقط صورة راغب، بل يهدّد أساس العرض نفسه: من يملك لحظة القرب؟ من يقرّر متى تصبح العاطفة مرئيّة؟ من يتحكّم في درجة التفاعل؟

والأخطر أنّ هذا النوع من الأفعال لا يُقابل فقط بالدهشة، بل يُقابل بالإنكار المؤسساتي. فالنظام الرمزي (المجتمع، الإعلام، السوق، وحتى المنصة) يتحرّك بسرعة لإعادة الأمور إلى نصابها: تُحذَف الفيديوهات، تُستنكر “الجرأة”، ويُعاد رسم حدود المسموح بطريقة غير مباشرة.

هكذا تُصبح القبلة تهديدًا، لأنّها لم تكن ضمن سيناريو العرض، ولأنها تعبّر عن متعة غير مُرخّصة، لا تشبه تلك التي يُقدّمها راغب بنبرة منخفضة وصوت مخملي، بل تُصرّ على الظهور، وتخرج من الجسد الشعبي، من الجمهور، من الأنثى غير المُفهرسة.

وفي مقابل هذه الارتجافة الرمزيّة، يتصرّف راغب بعقل استراتيجي: يحتفظ بابتسامته، يُمسك بلحظة الفوضى، ثم يعيد تطبيعها داخل العرض. فهو يعرف أن جزءًا من سحره قائم على “إيهام” الجمهور بحرّية التفاعل، لكنه يدرك أيضًا أن هذا الوهم يجب ألّا يتحوّل إلى فعل خارج السيطرة. لذلك، فإن المتعة التي يقدّمها راغب علامة ليست حرّية، بل “حريّة مصمّمة”، مدروسة، محسوبة، وموزعة بالقطّارة.

وهكذا، نعود إلى السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا المشهد: هل يمكن للمتعة العفوية، الشعبية، النسائية، أن تظهر في الفضاء العربي دون أن يُعاد تأديبها؟

دموع في حضرة النجم: البكاء كطقس رمزي في الفرجة العربية

تُجسّد ظاهرة الشامي تحوّلاً دالًّا في تمثيل العاطفة ضمن المشهد السمعي البصري العربي بعد 2011، حيث لم تعد الأغنية العاطفية مجرّد وسيلة للتعبير عن الحب أو الفقد، بل أصبحت وسيلة لإعادة تشكيل علاقة الجمهور بذاته، في سياق اجتماعي اتّسم بالخذلان الجماعي، والتهجير، وتفكّك الأطر السياسيّة.

الشامي، كشخصيّة فنّية، لا يقدّم ذاته كموضوع للحزن، بل يقدّم أداءً عاطفيًا محسوبًا، يتمركز على تنشيط الجهاز الانفعالي لدى الجمهور دون الانخراط الفعلي في تجربة الألم. فهو، بوسامته، وخفّة حضوره، ونبرة صوته المحايدة، لا يُبكي لأنّه يعبّر، بل لأنه يُفعّل نماذج عاطفية جاهزة تسمح للجمهور بتفريغ وجدانه داخل فضاء فرجوي آمن.

هذه الدموع التي تُسجَّل وتُتداول على المنصّات ليست دليلاً على هشاشة الفنان، بل على فعاليته الرمزية. فهو لا ينهار، بل يُدير مشاعر الانهيار عند الآخرين. بذلك، تُنتَج العاطفة كسلعة رمزية، وتتحوّل الدموع إلى مؤشّر على جودة التّجربة لا على صدقها.

حضور الشامي في هذا السياق هو نتاج مزدوج لمأساة سيّاسية وتجارية في آنٍ: من جهة، هو شابّ عربي من أصول سوريّة عاش تجربة التهجير، وتشكّل داخل فضاء المنفى التركي، ومن جهة أخرى، هو فاعل ثقافي يعرض خطابًا عاطفيًا منزوع السياسة، موجَّها للاستهلاك، ومتوافقا مع منطق السوق الثقافي المُهيمن.

هذه الوضعيّة تسمح بفهم أعمق لتحوّلات الذوق الجمالي عند فئة شابة تبحث عن تمثيلات وجدانيّة تعوّض غياب الفعل السياسي، وتمنحها إمكانية التماهي دون الحاجة إلى الانخراط. فالشامي لا يمثّلهم سياسيًا، لكنّه يوفّر لهم وساطة شعورية، تستند إلى أداء عاطفي مفرغ من الخطر والالتزام، لكنه مشحون بقدرة تمثيلية عالية.

بهذا المعنى، يتحوّل الفنان من منتج لمعنى إلى محفّز لعاطفة، ومن ذات تعبّر عن تجربتها إلى بنية تؤطّر وجدان الجمهور داخل منطق اقتصاد العواطف، حيث يُعاد تنظيم الانفعال كقيمة رمزيّة قابلة للقياس، والتداول، والاستهلاك.

بالمقابل، يُشكّل انجذاب جيل ما بعد الثورات العربية إلى فنان مثل الشامي ظاهرة ثقافية معقدة ترتبط بتحوّلات سوسيولوجية ونفسية وسيميائية عميقة. هذا الجيل وُلد أو تَشكّل سياسيًا واجتماعيًا في ظلّ فشل مشاريع التغيير، والانهيار التدريجي للخطابات الكبرى (الثورة، الدولة، الجماعة، العقيدة)، مقابل صعود الفردانية، والمزاجيّة، وطلب المعنى من خلال التجربة الذاتية لا الأفق الجماعي. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الفن كمجال تعبيري فقط، بل كوسيط أساسي لإعادة تعريف الذات.

الشامي يلبّي هذه الحاجة عبر تقديمه لصورة فنّية هجينة: لا هو نجم تقليدي متعالٍ، ولا هو صوت احتجاجي واضح. إنّه نموذج لفنان مُقرّب عاطفيًا من جمهوره، يُقدّم خطابًا غير مؤذٍ سياسيًا، لكنه مُشبع بالعاطفة، ويُشغّل منظومة رمزيّة تُحاكي تجربة «الفرد المجروح». بفضل جاذبيته الجمالية، ونبرته العاطفية المحسوبة، ومحتواه القابل للاقتطاع وإعادة التدوير، يُصبح الشامي فاعلًا مثاليًا في الفضاء الرقمي، وخاصة في تطبيقات مثل تيك توك، حيث القيمة لا تُقاس بالمعنى بل بالانفعال والتفاعل.

هذا الجيل لا يبحث عن البطل، بل عن التماهي. لا يريد خطابات مقاومة بقدر ما يحتاج إلى مساحات شعوريّة تخفيفية. الشامي يُنتج هذه المساحة بدقّة: فهو لا يُعبّر عن معاناة سياسيّة مباشرة، بل يُقدّم “لغة وجدان” منخفضة التوتّر، قابلة للتداول، وتُتيح للفرد أن يعيش تجربة شعورية دون مخاطرة. بهذا المعنى، يتحوّل الفنّان إلى بنية دعم عاطفي مؤقتة، وليس حاملًا لمشروع ثقافي أو اجتماعي بالضرورة.

تجربة الشامي تُظهر كيف أصبح الفنّ العاطفي، عبر المنصّات الرقمية، أداة لإعادة تنظيم العلاقة بين الذات والواقع، حيث العاطفة المؤداة تعوّض الخطاب، والتمثيل الجمالي للهشاشة يحلّ محلّ المشاركة السياسيّة. وهذا ما يجعل فنانًا مثله جذابًا: لأنه يُتيح لفرد ما بعد الثورة أن يشعر، دون أن يلتزم؛ أن يتماهى، دون أن يخاطر؛ وأن ينتمي، دون أن يختار.

البوب العربي كجهاز رمزي: صناعة المتعة في زمن السوق

في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، ظهر ما سيُعرف لاحقًا بـ”البوب العربي” في لحظة كانت فيها الدولة الوطنية تفقد مشروعيّتها الرمزية، وكانت السوق تتقدّم لتملأ الفراغ. في مصر، بدأ صوت عمرو دياب يتقدّم بهدوء نحو الواجهة، حاملاً شكلاً غنائيًا جديدًا: إيقاع خفيف، جسد رياضي، كلمات بسيطة، وإخراج بصري مصقول.

في لبنان وسوريا، انخرط فنّانون مثل راغب علامة وجورج وسوف في تقديم المتعة عبر أنماط ذكوريّة متمايزة: الأوّل في دور “الفاتن المهذّب”، والثاني في دور “العاطفي المتشنّج” القادر على جذب الطبقات الشعبية. أما في تونس، فقد برز صابر الرباعي ولطيفة العرفاوي كممثّلين عن نموذج فنّي يجمع بين “الرّقي” التقني والانضباط الرمزي، حيث يُقدَّم الجسد والصوت بأسلوب يرضي السوق دون أن يُحرج الدولة.

ظهور هذا النمط لم يكن فقط مجرّد تطوّر موسيقي، بل نتيجة هندسة ثقافية جديدة، تقاطعت فيها مصالح السلطة السياسية، والدولة المحافظة، ورأس المال الإعلامي الناشئ. لقد صار مطلوبًا من الأغنية أن تُمتع دون أن تُقلق، أن تُحرّك الجسد دون أن تُحرّض الوعي، أن تبيع الصورة دون أن تفتح الخيال على الممنوع. وهكذا تشكّل البوب العربي بوصفه جهازًا رمزيًا يدمج المتعة داخل آليّة التحكّم، حيث يُعاد إنتاج الذوق العام وفق منطق “المتعة المراقبة” أو “الحرّية المؤطّرة”.

في هذا الحقل، لم يعد الفنّان مجرّد مؤدٍّ، بل صار منتوجًا في ذاته: يحمل رأس مال رمزي مركّب، يجمع بين الشّكل والجاذبية والسلوك الإعلامي. لم تعد الأغنية فعلًا جماليًا، بل أصبحت خطابًا ضمنيًا عن كيف يجب أن يكون الجسد، الصوت، والعاطفة، لكي تُستهلك وتُقبل. السوق هنا لا يُلغِي التعبير، بل يُعيد تشكيله بما يناسب أنماط الرّبح، والذوق الطبقي، والتمثيلات الاجتماعية المرغوبة. الفنّ لا يُمنَع، بل يُروّض.

لكن هذه المنظومة لا تُنتج الفنّ فقط، بل تُنتج المُتعة كمادّة سياسيّة. فالمتعة التي يقدّمها البوب العربي لا تنبع من العفويّة، بل من صناعة متقنة تضبط الإيقاع، الصورة، الإضاءة، والرسائل الضمنية حول الجندر والجسد والطبقة. تُصبح المتعة إذن وسيلة للضبط، لا للانفلات. هي لحظة تفريغ محسوبة، لا تفجير رمزي. جسد الفنانة يُعرض، لكنه لا يتمرّد؛ يُرغّب، لكنه لا يهدّد؛ يتحرّك، لكن في حدود الكاميرا وخطّ التحرير.

حين يختلّ هذا التوازن، ولو بشكل عابر، تهتز المنظومة كلّها. ما حدث في مسرح قرطاج، عندما صعدت فتاة من الجمهور لترقص مع راغب علامة، لم يكن اختراقًا فنّيًا، بل فضيحة رمزية: جسد غير خاضع للرقابة السوقية، يُجسّد المتعة بلا وساطة، خارج المونتاج، خارج الإضاءة. وكذلك الأمر في الساحل الشمالي في مصر، حين رقصت نساء من الطبقة الوسطى بشكل عفوي، خارج حسابات الجاذبية التي تضبطها عادة شركات الإنتاج. لحظة “التمثيل غير المرخّص” هذه تتحوّل سريعًا إلى “حدث أخلاقي”، لأنّ المتعة لم تمرّ عبر قنوات السوق، ولا عبر تصاريح السلطة.

المفارقة الكبرى هنا أنّ البوب العربي، وهو يقدّم نفسه كفنّ خفيف، يُمارس أقصى درجات السيطرة الناعمة. يُنتج صورًا للأنوثة والرّجولة مطابقة لتمثّلات السوق النيوليبرالية: الجسد المصقول، العاطفة المضبوطة، الرغبة المحكومة بالإيقاع، والمشهد الخالي من العنف الرمزي الظاهر، لكنه ممتلئ بتشريعات ضمنيّة. هذا هو الشكل الحديث للرقابة: ليس القمع، بل إعادة تشكيل الرّغبة بما يتماشى مع النظام.

الجسد، في هذه المعادلة، ليس كيانًا بيولوجيًا بل رمزيًا: هو جسد مُعدّ للعرض، للاستعمال، للتمثيل. لا يتكلّم إلّا بقدر ما يسمح له السوق، ولا يتحرّك إلا داخل ما تتيحه السلطة. هنا لا تعود الموسيقى أداة تعبير، بل وسيلة استهلاك، يُعاد فيها تشكيل العلاقة بين الذّات والمجتمع عبر خطاب متقن عن كيف ينبغي أن نكون.

وبذلك، يتحوّل البوب العربي إلى نظام ذوقي مغلق، يتكفّل بإنتاج هوية مشتهاة: مواطن مستهلك، جسد مروّض، مشاعر قابلة للتداول، وصوت لا يقول أكثر ممّا يجب. إنّه فن لا يحتجّ، بل يتكيّف. لا يكسر، بل يُنعّم الزوايا. وفي قلب هذه المنظومة، لا تعود المتعة فعلًا حرًّا، بل تصبح عملة رمزيّة، تُمنح، تُوزّع، وتُراقب.

النجومية كمسرح سلطة: بين التسليع والانضباط

في قلب المشهد الفنّي العربي، تتّخذ النجومية هيئة معقّدة تتجاوز مجرّد الشعبيّة أو البروز الإعلامي، لتصبح شكلًا من أشكال السلطة الرمزية التي تُمارَس عبر الجسد، الصوت، الصورة، واللغة. هذه السلطة لا تُمنح للفنان بشكل بريء، بل تُنتَج داخل فضاء مركّب تتحكم فيه منظومات السوق، الدولة، والجمهور المحافظ. بهذا المعنى، فإنّ نجوميّة فنّان مثل راغب علامة، مثلًا، ليست نتيجة لموهبة غنائية فحسب، بل هي بناء ثقافي طويل، تشكّل في سيرورة أدائية خاضعة باستمرار إلى مفاوضة بين التسليع والانضباط. فـ”راغب” هو صورة مُهيكلة: رجل جذّاب، ناعم، محسوب الحركات، يتحرّك داخل فضاء مسموح به، يلامس الإغراء دون أن يخلّ بالنظام القيمي. هو نفسه من يُستدعى في حفلات كبرى، ويُمنع في سياقات أخرى، ليس بسبب ما يقوله، بل بسبب ما يمثّله: رمزًا للرغبة المُراقَبة، للحرّية التي لا تُترجم أبدًا إلى عصيان.

في المقابل، تقدّم لطيفة العرفاوي نموذجًا مختلفًا لـ”الأنوثة النجومية”: امرأة مثقّفة، ناطقة بأكثر من لهجة، تُمسك بخيوط التمثيل الصوتي والبصري، وتُقدّم نفسها كسفيرة للحداثة التونسيّة. ومع ذلك، فإنّ هذه الحداثة ليست إلّا نسخة “مدجّنة” منها، حيث الجسد لا يتجاوز حدود الميكروفون، والصّوت لا يُحرّض بقدر ما يُدلّل. لطيفة، مثل راغب، تتحرّك ضمن دائرة مغلقة تُرسم فيها خطوط الحرّية بعناية فائقة: الحرّية في اللحن، لا في الموقف؛ في الحضور الإعلامي، لا في المعنى. يتمثّل هذا في نوع الأغاني، اختيارات الكليبات، وحتى في الحوارات الصّحفية التي يتمّ فيها تطهير الشخصية من أيّ انحراف رمزي.

وعلى مقربة من هذا الخطّ، يتحرّك صابر الرباعي، كنموذج “النجوميّة المحافظة الراقية”، التي تُراهن على الصّوت لا على الجسد، على التقليد الموسيقي لا على الخروج عنه. صابر، وإن بدا مختلفًا عن راغب، إلّا أنّه يُقدّم صورة متكاملة عن النّجم الذي يتقن التوازن بين الذوق العامّ والتسويق: رجل منضبط، أنيق، بعيد عن فضائح الصحافة الصفراء، تُستدعى نغمه لا لزعزعة المعايير، بل لتثبيتها. إنّه الوجه المقبول للطبقة المتوسطة المحافظة، التي ترغب في الفنّ ما دام لا يُخرّب استقرار المعنى.

في الجهة المقابلة، يُمكن استحضار نموذج لطفي بوشناق، الذي يُمثّل محاولة لتقديم “نجوميّة ملتزمة” داخل بنية ثقافية معولمة. غير أنّ بوشناق، رغم عمق صوته ورمزيّته القوميّة، يظلّ محصورًا داخل سرديّة “الفنّان الوطني”، حيث الالتزام لا يُترجم إلى موقف فعّال، بل إلى تمثيل متكرّر لنفس الخطاب: الوطن، الأرض، النخوة… إلخ. ومثل هذه النجوميّة، وإن بدت مقاومة للسوق، إلا أنّها تخضع في النهاية لنفس آليّات الانضباط الرمزي، إذ لا تسمح لنفسها بتجاوز اللغة السائدة، ولا تجرؤ على التماهي مع جماهير الهامش أو مع أجساد مُتمرّدة.

أما كاظم الساهر، فيقدّم صورة “النجوميّة السياديّة” التي تمزج بين الرصانة والشاعرية، بين الانضباط الجمالي والإغواء العاطفي. هو أميرٌ على المسرح، حاكمٌ بصوته، لا يتورّط في الجدل، لكنّه يفرض حضوره كما لو كان نموذجًا لهيمنة لطيفة. هذه النجوميّة لا تتوسّل السوق، بل تجعل السّوق يلهث وراءها، لكنّها في المقابل، لا تخرج عن الإطار السياسي الذي يُباركها. في سياق دول مثل السعودية أو المغرب، التي تسعى إلى اللّحاق بركب “التحديث النيوليبرالي”، يُستدعى كاظم كرمز للحداثة المنضبطة: لا يرقص، لا يصرخ، لا يحتجّ، لكنّه يُطرب، يُحبّ، ويُباع.

ما يجمع بين كلّ هذه النماذج، رغم تباين الأساليب واللغات الجمالية، هو أنها تتحرّك داخل “بنية مضبوطة من النجومية”، يتمّ فيها تقديم الذات كنصّ متعدّد التأويلات، لكن ضمن حدود لا تُمسّ: لا انزياح عن الجندر النمطي، لا نقد مباشر للسلطة، ولا انحراف أخلاقي يُربك الجمهور المحافظ. النجوميّة هنا، ليست فقط حالة فنّية، بل وضعا اجتماعيّا يتمّ ترسيمه عبر مؤسّسات الإعلام، والمنصّات الرقمية، وشركات الإنتاج، وأجهزة الدولة. وهي لا تُنتج فقط رموزًا للاستهلاك، بل تُعيد إنتاج الفئات، والأخلاقيات، والتراتبيات الرمزية في المجتمع.

المفارقة الأساسيّة، أنّ هذه النجوميّة تُبنى على “الوعد بالحرّية”: حرّية الجسد، الصوت، الأداء، لكنّها في العمق تشتغل كجهاز مراقبة جماعي. الفنّان، الذي يُفترض أنّه يُحرّك الذائقة، يتحوّل إلى آلية لإعادة إنتاج الذوق العام، حيث المتعة يجب أن تكون مأمونة، والصّوت يجب أن يُعجِب دون أن يُثير، والحضور يجب أن يُحرّك الرغبة دون أن يُقلق السلطة. السوق يُموّل هذا النموذج، والدولة تُباركه، والجمهور يطلبه… لأنّه تعوّد عليه، لأنّه مألوف، لأنه لا يُؤلم.

هذا النمط من النجوميّة يخدم بشكل مثاليّ الأنظمة التي تسعى إلى بناء واجهة تحديثيّة دون أن تُغيّر البنية الاجتماعية جذريًا. السعوديّة مثلًا، حين تنقل حفلات كبرى على شاشاتها وتملأ مدنها بمهرجانات “موسم الرّياض”، لا تفعل ذلك لإطلاق طاقات التحرّر، بل لبناء نسخة من الترفيه “المنضبط” الذي يُقنّن المتعة ويعيد توجيه الخيال الجمعي. الفنّ هنا ليس أداة نقد، بل آليّة تثبيت رمزيّ، تُباع فيه الحرّية بصيغتها الأكثر نعومة: صوتٌ جميل، جسد محسوب، وضحكة لا تُقلق.

ورغم كلّ هذا، يظلّ في النجومية شرخ صغير، احتمال انفلات، توتّر لا يظهر مباشرة لكنّه كامن. لحظة ما، يمكن أن يُصبح الجسد أكثر حضورًا من المسموح، أو الصوت أكثر صدقًا من المتوقع، أو الجمهور أكثر جرأة من المنصّة. في هذه اللحظة تحديدًا، يُستدعى المنع، الرقابة، التخوين، والإقصاء. ليس لأنّ الفنان أخطأ، بل لأنّه انزاح عن السيناريو المتّفق عليه. النجوميّة، إذًا، ليست مجرّد ساحة عرض، بل مسرح سلطة. فيها تُدرَّب الذات على أن تكون مرئيّة، محبوبة، ومقنّنة. إنّها الوجه الجميل للهيمنة، والنّظام الرمزي الذي يُعيد إنتاج الانضباط… بلحن.

لكن خلف هذا النظام المصقول للنجوميّة، تكمن النيوليبرالية كأخطر جهاز رمزيّ للهيمنة المعاصرة. فهي لا تكتفي بإنتاج الفنّان كنجم، بل تُعيد تشكيله كـ”علامة تجاريّة بشرية”، ككيان قابل للتسويق، للتعديل، وللإخفاء عند الحاجة. إنّها لا تسعى إلى تحرير الجسد والصوت، بل إلى تحويلهما إلى وظائف مربحة ضمن اقتصاد رمزي قائم على الاستهلاك لا على المعنى. النجوميّة هنا ليست تجلّيًا للموهبة، بل استثمارا طويل الأمد في جسد قابل للتدوير، في وجه يمكن تطهيره، وفي حضور يمكن ضبطه لحساب الأنظمة القائمة.

الرّهان الحقيقي في هذا النموذج النيوليبرالي ليس فقط في “بيع المتعة”، بل في إنتاج ثقافة خالية من التناقض، من الصراع، من الطبقة. ثقافة تُقنع الجمهور بأنّ ما يحتاجه هو الترفيه، لا التغيير؛ التماهي، لا المساءلة؛ التنفيس، لا الفعل. إنّه نظام يحوّل الفنّان من صوت مجتمعي إلى آلية ضبط ناعمة، ومن جسد متمرّد إلى سطح زينة يتماشى مع السياسات العامة. نجوميّة بلا نقد، فنّ بلا خطر، حرّية تُباع في عبوة مغلقة.

وبينما تتزيّن المنصّات الرقميّة والحفلات الكبرى بصور الحداثة والانفتاح، تُمارس النيوليبرالية أعنف أشكال الإقصاء الرمزي: إقصاء الأجساد غير النمطية، الأصوات غير المهذبة، والخيال الذي لا يُسوّق. فالفنّانون الذين لا يدخلون دائرة “النجوميّة المحسوبة” يُعزلون عن الفضاء العامّ، أو يُعاد تشكيلهم ضمن قوالب صالحة للاستهلاك. وما يظهر كتنوّع في المشهد الغنائي، ليس إلا تعدّدية مُزيّفة، تُخفي تماثلًا قاسيًا في المنطق الرمزي.

في هذا السياق، لا تعود النجومية مرآة للمجتمع، بل واجهة دعائية لنظام اقتصادي سياسي يجمّل نفسه بالفن. ومن هنا، فإن أخطر ما في النيوليبرالية الثقافيّة ليس ما تبيعه، بل ما تُخفيه: إنّها تُفرّغ الفن من قدرته على المساءلة، وتحوّل الرغبة إلى مجرّد أداء مطيع. نجومية بلا توتّر، بلا صراع، بلا إمكانية للفشل… هي مجرّد نسخة ناعمة من السيطرة.

الرقابة الأخلاقية: من يُحدّد حدود المتعة؟

إذا أردنا أن نفهم كيف تُدار المتعة في العالم العربي، لا يكفي أن نطرح سؤال “من يراقبها؟”، بل يجب أن نكشف عن التحالفات والتوتّرات الخفيّة بين نوعين من السلطات: السلطة السياسيّة، والسلطة الأخلاقيّة. الأولى تحتكر العنف الرمزي والشرعية المؤسسية، والثانية تحتكر الخطاب القيمي، وتتغلغل في الوعي الجمعي باسم “العيب”، “الحياء”، و”المقدّس”. المفارقة أنّ هاتين السلطتين لا تتحرّكان دوما في انسجام؛ أحيانًا تتواطآن في تأديب الجسد والخيال، وأحيانًا تتنازعان على من يملك الحقّ في ترسيم حدود المتعة، وعلى من يُفوَّض بأن يُقرِّر ما يُعرض، وما يُمنَع، وما يُغنَّى، وما يُخرَس.

في لحظات معيّنة، تلجأ السلطة السياسيّة إلى الغناء والاستعراض بوصفهما أدوات تفكيك ناعمة للمنظومة الأخلاقية، لا حبًا في الفنّ أو في الحرّية، بل لتفكيك البنى المحافظة التي تُهدّد مشروعها التحديثي أو تحكمها الإيديولوجية الدينية أو الطبقية. لقد رأينا ذلك في فترات من حكم السادات أو بورقيبة أو بن علي، حين تمّ استعمال “الحداثة الثقافية” كواجهة: تمويل حفلات، فتح المنصات، تشجيع الأغنية الخفيفة، وحتى إدماج النساء في مشاهد الأداء والغواية – لا دفاعًا عن الجندر، بل لضرب النفوذ الأخلاقي الذي قد يقود المعارضة الدينية أو الاجتماعية. هنا، تصبح المتعة سلاحًا سياسيًا، لا مساحة حرّية.

لكن هذا الاستخدام لا يخلو من خطر. إذ ما إن يُفرَط في دعم المتعة، حتى يظهر التناقض مع الحرّاس الرمزيين للفضيلة: رجال الدين، الصحافة المحافظة، الجمهور الملتزم، وحتى مؤسّسات الدولة التي تتغذّى على الخطاب الأخلاقي كجزء من شرعيّتها. هؤلاء لا يرون في الأغنية إلّا انحرافًا، وفي الجسد إلّا تهديدًا، وفي الرّقص إلا علامة على سقوط القيم. وهنا يبدأ الصراع الصامت بين سلطتين: إحداهما تروّج النجوم لتلميع خطابها الإصلاحي أو لتطبيع التحوّل النيوليبرالي (كما في السعودية والمغرب اليوم)، والأخرى تُذكّر بأنّ الجسد ليس ملكًا للفرد، بل للمعايير الجماعية.

هذه الازدواجية تُنتج مشهدًا رمزيًا هجينًا: تُنظّم حفلات كبرى بتمويل رسمي، لكن تحت أعين جمهور غاضب؛ تُعرض المغنيات في برامج الذروة، لكن تحت سيف الفتاوى أو النقد الأخلاقي؛ تُبثّ الأغاني عن الحب والمصيف والرقص، لكن تُمنَع الراقصات إن خرجن عن النصّ، أو اقتربن ممّا لا يُقال. الدولة، في هذا السياق، تمارس سلطة أخلاقية انتقائية: تُدجّن الفن إن خدم مشروعها، وتُقصيه إن تسبّب في “فوضى رمزيّة”.

أما السلطة الأخلاقية، فليست بريئة بدورها. إنها تُزايد أحيانًا باسم الدين أو “الثقافة المحلّية”، لكنّها في كثير من الأحيان تُعيد إنتاج العنف الطبقي والجندري من خلال خطاب “الذوق”، “الشرف”، و”المجتمع المحافظ”. هي لا ترفض المتعة في ذاتها، بل ترفض أن يُمارسها من لا يحقّ له: الراقصة من الطبقة الفقيرة، الفتاة العفوية، الجسد الشعبي. في حين يُقبَل الأداء المصقول للنجمات المشهورات، يُدان الرقص الشعبي من “سوزان” أو نساء الساحل الشمالي، لا لشيء سوى لأنه يفلت من التهيئة المؤسسية للعرض.

وهنا تتجلّى مفارقة عميقة: لا السّوق حرّة فعلًا، ولا الأخلاق نزيهة. الدولة تُظهر التقدّم، لكنّها تخشى التمرّد الرمزي. والجمهور يُظهر الغضب الأخلاقي، لكنه يستهلك نفس الصور المثيرة في السرّ. وبين هذه الثنائية، يُعاقَب الجسد، وتُقنَّن المتعة، وتُعاد صياغة الحرية كترف مشروط: منضبط، مؤطّر، ومرخَّص.

النتيجة؟ متعة مُدارَة لا تُهدّد أحدًا. وفنّ يُنتج الرغبة، فقط حين تكون مطابقة لدفتر الشروط الأخلاقية والسياسية. وحتّى حين يظهر التمرّد في رقصة أو نغمة، فهو لا يُستوعب إلّا إذا أمكن تسويقه، أو إذا أمكن معاقبته دون كلفة سياسيّة.

حين ترقص النيوليبرالية… ويغضب المحافظون

في عالم تتحوّل فيه المتعة إلى مشروع اقتصادي، يصبح الرقص، الجسد، والموسيقى وسائط رأسمالية لا تُفرّخ التمرّد، بل تُنقّي الرغبة لتتناسب مع شروط العرض والاستهلاك. حين ترقص النيوليبرالية، فإنّها لا تفعل ذلك لتحتفي بالحياة، بل لتُخفي آليّات الترويض. إنها لا تُحرّك الأجساد فقط، بل تُعيد تشكيلها وفق منطق العرض، التسويق، والمردوديّة. وهكذا، يتحوّل المسرح إلى منصة لرأسمالية رمزية: الراقص/الراقصة ليس جسدًا حرًّا، بل سلعة منمّقة – تُباع على شكل ترفيه، وتُستهلك كإثارة مضبوطة.

لكنّ المفارقة أنّ هذا الرّقص النيوليبرالي – مهما بدا مأمونًا ومُراقبًا – يُستفزّ منه المحافظون. لا لأنهم يرفضون الرقص في ذاته، بل لأنهم يرفضون من يملك الحقّ في الرقص، وتحت أيّ شروط. حين تصعد فتاة عاديّة على المسرح، أو تُبثّ لقطة جسدية “خارجة عن السيطرة”، ينفجر الغضب. ليس لأن الجسد مخلّ بالأخلاق، بل لأنّه خرج عن هندسة السوق – لأنه تحرّك خارج الكادر، دون مونتاج. المحافظون، إذًا، ليسوا بالضرورة ضدّ المتعة، بل ضدّ المتعة الخارجة عن السيناريو النيوليبرالي.

وفي هذا، تلتقي السلطة الأخلاقية مع السوق النيوليبرالية في مفارقة فظيعة: كلتاهما تريدان جسدًا مرئيًا… لكن قابلًا للضبط. السلطة تريد جسدًا محتشمًا، السوق تريد جسدًا مثيرًا – بشرط أن يبقى في الإطار، أن يُنتج لا أن يصرخ، أن يُغوي لا أن يَحتجّ. وما إن يظهر جسدٌ يرقص لا كأداء بل كفعل عفوي، كخروج، كاستمتاع حقيقيّ، حتى يُتّهم بـ”الانحلال”، ويُجرّد من شرعيته الرمزية.

هذا التوتّر – بين المتعة كحقّ، والمتعة كسلعة – هو لبّ المأساة. النيوليبرالية تسوّق للحرّية الجسديّة، لكنّها تُفرّغها من معناها السياسي، وتحوّلها إلى استعراض بلا أثر. المحافظون يُدافعون عن القيم، لكنّهم في الحقيقة يراقبون فقط الجسد الفقير، الجسد النسوي، الجسد الخارج عن الكليشيه. كلاهما يُعيد إنتاج نفس الجهاز: جسد جميل، يُحرّك الرغبة، لكن لا يفتح سؤالًا.

حين ترقص النيوليبرالية، فهي لا تحتفل… بل تُخدّر. وحين يغضب المحافظون، لا يُهدّدون السوق… بل يُؤمّنونها. وبين الاثنين، يُسحق الجسد الحرّ، وتُجرَّم المتعة التي لا تدخل في فاتورة التسويق أو صلاة الجماعة.

الكاتب: فؤاد غربالي

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية

تطوير تقني: بلال الشارني
تظوير تقني: بلال الشارني

الكاتب : فؤاد غربالي

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية

aaaaaa
Scroll to Top