الكاتب : طارق الكحلاوي
أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة جنوب المتوسط في تونس. دكتوراة من جامعة بنسلفانيا. مدير عام سابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية.
تطرح العلاقات التونسية-الإيطالية نموذجا أساسيّا للجيرة الجغرافية القريبة والقديمة في مجال البحر المتوسّط. ومثلت في التاريخ طويل الأمد مستويين متعايشين من الصراع والتثاقف، والحدود والاتصال. مرّت هذه الجيرة القديمة بمسار تاريخي متعرّج حيث ساد فيها توازن مختلّ إمّا لصالح تونس أو لصالح روما، وكان هذا الاختلال منسجما مع الاختلالات التاريخية بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية.
سنطرح في هذه الورقة أوّلا الخصائص الجيوسياسيّة العامّة لهذه العلاقة العابرة للزمن و المُنغرسة في ثنايا الجغرافيا. ثمّ نطرح من هناك تطوّر العلاقات السياسيّة في الفترتين الحديثة والمعاصرة، قبل الثورة وبعدها، وكيف اتّسمت بهيمنة الطابع المُشخصن بين قادة الدولتين. ثم نطرح مقاربة جيوسياسية للعلاقات الاقتصادية وأيضا ملف الهجرة، حيث أننا لسنا إزاء هذين المستويين بصدد معطيات إجرائية وتقنية بل نحاجج أنّ الدور الإيطالي في المنطقة، بما في ذلك العلاقات مع تونس، يأتي في سياق تحالف جيوسياسي مهيمن في المتوسّط تشرف عليه واشنطن، مع درجة استقلاليُة نسبية وتنافس إيطالي فرنسي تاريخي.
الكاتب : طارق الكحلاوي
أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة جنوب المتوسط في تونس. دكتوراة من جامعة بنسلفانيا. مدير عام سابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية.
تطرح العلاقات التونسية-الإيطالية نموذجا أساسيّا للجيرة الجغرافية القريبة والقديمة في مجال البحر المتوسّط. ومثلت في التاريخ طويل الأمد مستويين متعايشين من الصراع والتثاقف، والحدود والاتصال. مرّت هذه الجيرة القديمة بمسار تاريخي متعرّج حيث ساد فيها توازن مختلّ إمّا لصالح تونس أو لصالح روما، وكان هذا الاختلال منسجما مع الاختلالات التاريخية بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية.
سنطرح في هذه الورقة أوّلا الخصائص الجيوسياسيّة العامّة لهذه العلاقة العابرة للزمن و المُنغرسة في ثنايا الجغرافيا. ثمّ نطرح من هناك تطوّر العلاقات السياسيّة في الفترتين الحديثة والمعاصرة، قبل الثورة وبعدها، وكيف اتّسمت بهيمنة الطابع المُشخصن بين قادة الدولتين. ثم نطرح مقاربة جيوسياسية للعلاقات الاقتصادية وأيضا ملف الهجرة، حيث أننا لسنا إزاء هذين المستويين بصدد معطيات إجرائية وتقنية بل نحاجج أنّ الدور الإيطالي في المنطقة، بما في ذلك العلاقات مع تونس، يأتي في سياق تحالف جيوسياسي مهيمن في المتوسّط تشرف عليه واشنطن، مع درجة استقلاليُة نسبية وتنافس إيطالي فرنسي تاريخي.
وكما فصّلنا في كتابنا حول “الجيوبوليتيك التونسي“1، فإنّ الخصائص الأساسيّة للجيوسياسة التونسيّة لا تسمح عموما بتغيير بعض الإكراهات وفي مقدّمتها مركزية العلاقات التونسية-الأوروبية منذ نشأة الرأسمالية المركنتيلية في القرن السادس عشر. إذ تنتصب أوروبا منذ الفترة الحديثة بثقلها الأمني والاقتصادي في وجهنا ضمن وضع ميزان قوى مختل نخضع فيه لوضعية الإلحاق الهيكلي، غير أن ذلك لا ينفي وجود هامش للمناورة، يمّر أساسا عبر استثمار نقاط القوة المحلّية والتناقضات الأوروبية خاصّة بين روما وباريس، والفرص الجديدة للجيوسياسة الدولية المتغيّرة إقليميا ودوليا. فكيف تصرّفت تونس قبل وبعد 25 جويلية 2021 مع روما قياسا بالإكراهات والمتغيّرات، وبناءً على التحوّلات الداخليّة؟

إطلالة من البرج الأثري بمدينة قليبية شرقي البلاد التونسية حيث تظهر جزيرة بونتالاريا الإيطالية
صورة: Houssem Korbosli – حسام قربصلي

إطلالة من البرج الأثري بمدينة قليبية شرقي البلاد التونسية حيث تظهر جزيرة بونتالاريا الإيطالية
صورة: Houssem Korbosli – حسام قربصلي
الإطار الجيوسياسي طويل الأمد
الخصائص العامة
تبدو كلمة “الجوار الجغرافي” (geographic neighborhood) الإطار المفتاح لفهم طبيعة العلاقة التونسية الإيطالية. فنحن إزاء إطار جغرافي للعلاقة يتميّز بالمحاذاة والتلاصق. هنا البحر المتوسّط ليس فقط عقبة جغرافية بل أيضا مجالا مشتركا، حيث أنّ مضيق صقلية والجزر الصغيرة المرئية من الساحل الشرقي التونسي، أشهرها بانتليريا ولامبيدوزا، هي مواطئ قدم لجسر متخيّل سهل النفاذ للطرفين.
وعلى امتداد التاريخ طويل الأمد، ظلّ هذا المجال البحري مسرحا لتنقّل متواتر في الهيمنة بين حكّام الساحلين التونسي والإيطالي. ويبدو البحر هنا ليس حدّا جغرافيا فقط بل أيضا جسرا يربط الضفّتين. هنا بالذات، في هذا المجال الجغرافي “الحميمي”، تتجسّد حالة مصغّرة للتاريخ طويل الأمد للبحر المتوسّط ككلّ، بما هو إقليم جغرافي يتميّز بمفارقة بيّنة، حيث يجمع بين التباعد والتقارب مثلما فصّلنا في دراستنا “خلق البحر المتوسط” (Creating the Mediterranean).
2.
إنّ مساحة تونس الصغيرة، 163 ألف كم مربع، مقارنة بجارتيها الجزائر (2 مليون و382 ألف كم مربع)، وليبيا (1 مليون و80 ألف كم مربع)، تجعلها تُواجه شمالا مباشرة إيطاليا (مساحتها ضعف مساحة تونس تقريبا: 302 ألف كم مربع) “ساق أوروبا” المنغمسة في المتوسط وإحدى أهمّ الدول الأوروبية واقتصاديات العالم (بما هي عضوة في دول قمّة السبعة) حيث لا تزيد المسافة بين العاصمة وباليرمو أهم مدن صقلية عن 300 كم.
تبدو فرنسا بعيدة تماما من هذه الزاوية. إذ كان يجب أن تضمّ ساردينيا في الفترة الحديثة، قبل أن تعاود فقدانها، حتى يمكن لها أن تقترب بالكاد من الساحل التونسي الشمالي، ثم أن تتموقع في التاريخ الحديث في “جزيرة” طبرقة عبر شركات الاستثمار في المرجان التابعة لغرفة مرسيليا التجارية.


تونس وإيطاليا، دولتان “ساحليّتان”، وهو ما يعزّز التقارب الهووي الجغرافي بين البلدين. فتونس المركزّة عبر التراكم التاريخي الذي شكّلته شعوب مختلفة على مجال الساحل، حيث يعكس التكثّف السكّاني منوالا اقتصاديا يركّز الريع في تصدير المنتوج الصادر من الدواخل عبر المنافذ البحرية، كما أنّها “تنفصل” عن العمق الغربي الجزائري بالحدود الطبيعية التي تفرضها “السلسلة الظهرية” الممتدّة شمالا وجنوبا، وعن العمق الشرقي الليبي بالمجال الصحراوي صعب الترويض الممتدّ على منطقة “الجفارة”. وبذلك تنظر تونس بالضرورة عبر ساحلها الممتدّ على 1300 كم – المحدّد لشخصيتها الجغرافية، كما وضّح أستاذ الجغرافيا “حافظ ستهم” في دراسته المرجعيّة حول “الشخصية الجغرافية التونسية” – إلى مجال أغلبه أوروبي، تتجلّى داخله هيمنة مجالية إيطالية واضحة.
في المقابل، إيطاليا مُحاطة بشكل شبه كامل بالمتوسّط، وهي ممتدّدة على ساحل بحري يصل طوله إلى 7900 كم، ما يجعلها مشرفة على أربعة بحار: الأدرياتيكي في الساحل الشمال الشرقي، الأيوني في الساحل الجنوب الشرقي، المتوسطي في الساحل الجنوبي والجنوب الغربي، والتيراني في الساحل الغربي والشمال الغربي.
إنّ كلّ تاريخ التأثيرات الخارجية قادمة أساسا من هذه البحار وليس من الشمال البرّي. إيطاليا في الأساس شبه جزيرة (peninsula)، وهو توصيف ينطبق فعليا على أغلب مجالها الجغرافي المعروف باسم شبه الجزيرة الأبينينية (Apennine peninsula)، حيث أنّ هويتها الأوروبية البرّية تكمن أساسا في سهل شمالي يتشكل في أغلبه على مستوى حوض “البو” (Po Valley). وهي “مُنفصلة” عن البرّ الأوروبي بتكثّف جبلي عال (يتراوح ارتفاع الجبال الإيطالية في الشمال في الأغلب بين 3500 و4800 م) “يحصرها” إلى الجنوب المتوسطي ويحدّها عن العمق القاري الأوروبي، بين السلسلة الجبلية الأعظم القادمة من غرب أوروبا “الآلب” (Alps)، والسلسلة الأصغر في الشمال “الآبانين” (Apennine).
ولا يتجاوز طول هذه المنطقة البريُة الحدية 1800 كم، القصيرة مقارنة بساحلها البحري، والتي تحدّها الآن مع دول فرنسا وسويسرا والنمسا وسلوفينيا. ويظلُ النفاذ عبر هذا الحزام الجبلي صعبا، بما يجعله أشبه بجدار سميك يحمي إيطاليا. ولهذا السبب كان قرار حنّبعل الهجوم عبره أمرا غير متوقّعا من القيادة الرومانية، وسرّ عبقرية العملية العسكرية المفاجئة للقائد القرطاجني.
في المحصّلة، يدفع كلّ من الواقع الجغرافي وأثر التاريخ التراكمي تونس وإيطاليا إلى النظر والاهتمام ببعضهما البعض بالضرورة. غير أنّ هناك تراتبية مختلفة في التوزّع السكاني والاقتصادي. ففي الحالة التونسية، يتركّز الثقل الاقتصادي والديمغرافي عبر مجال محدّد من تونس إلى صفاقس، قريبا من الساحل الإيطالي. في حين أنّ الاقتصاد والسكان في إيطاليا يتركّزان نحو الوسط والشمال الإيطاليين، بين الحواضر الكبرى من روما الى تورينو وميلانو في المجال الشرقي، ومنطقة الفينيتو (حيث البندقية) في الساحل الغربي، وخاصة مناطق لاتسيو وتوسكاني ولومبارديا. في حين أنّ الجنوب الإيطالي، أساسا نابولي وصقلية ومنطقة كالابريا خاصة، المتميّز مناخا بأكثر المناطق حرارة المعروف بـ(Mezzogiorno)، هو الأقلّ تنمية والأقلّ سكانا (مقارنة بالشمال والوسط)، ومن ثمة يتمّ النظر إليه بتعال من الشمال.
ومن أبرز المؤشرات على هذا التفاوت الاقتصادي اختلاف مستويات الدخل الفردي؛ إذ يبلغ معدل الدخل الفردي في الشمال نحو 43 ألف يورو من الناتج المحلي، بينما لا يتجاوز 24 ألفا في الجنوب. وعند مقارنته بمعدلاّت الدخل الفردي في الاتحاد الأوروبي، يتجاوز الشمال نسبة 100%، في حين لا تتعدى 50% في أدنى مستوياتها بالجنوب.


وتمثّل صقليّة نقطة جوهرية في فهم جغرافية العلاقات التونسية-الإيطالية. إذ كانت تاريخيّا منطقة ذات هوية تاريخية هجينة تنتقل في ملكيّتها بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسّط على الأقلّ منذ العصر البونيقي مرورا بالعصور الإسلامية ثمّ النورماندية إلى العصر الحديث. وحتى القرن التاسع عشر، بقيت صقليّة في علاقة بالموانئ التونسية ضمن التجارة البينيّة الموازية. ويشير البعض إلى العلاقة بين تشكيل الحدود المتوسطيّة بين إيطاليا وتونس والتفاوت التنموي الداخلي في إيطاليا (“المسألة الجنوبية” حيث يعاني “الجنوب” الإيطالي من تمييز في التنمية)، وأنّ الصقليين أصبحوا إيطاليين وأوروبيين عبر تمييزهم عن التونسيين، وأنّ هوية صقلية أعيدت صياغتها كجزء من أوروبا عبر ترسيم الحدود البحرية مع تونس وتقويتها3 . وقد تمّ الانتقال من هجرة سكان صقليّة جنوبا إلى تونس في أواخر القرن 19، ثم أوّل موجات الهجرة التونسية إلى صقلية في السبعينات، وأخيرا تدفقات 2011، وهكذا تحوّلت صقلية من هامش داخلي إلى حدود أوروبا.
أحد المحدّدات التاريخية طويلة الأمد للعلاقات التونسية-الإيطالية يتمثل في التنافس الفرنسي-الإيطالي على الهيمنة على تونس، الذي ترسخ بوضوح منذ منتصف القرن التاسع عشر مع صعود الطموحات الإيطالية الإمبراطورية في حوض المتوسط، وتركيزها على تونس، لا سيما في سياق المعاهدات التجارية بين المدن الإيطالية وتونس منذ العهد الحفصي. بقي تفوّق الاحتلال الفرنسي في تونس ماثلا في الذهنية الإيطالية كـ”خسارة” تاريخية، وكان التوجه الاستعماري الإيطالي نحو ليبيا في جزء كبير منه مدفوعا برغبة ثأرية إيطالية من فرنسا4.
تعود علاقات التثاقف القويّة إلى ما قبل الاستقلال. كان الوجود السكاني الإيطالي المتفوّق مقارنة ببقية الأقليّات الأوروبيّة وخاصّة الفرنسيّة مصدر تخوّف كبير من سلطات الاحتلال التي كانت تتابع منذ بداية الاستطلاعات السكانيّة في البلاد تزايد السكان الإيطاليين وتعتبره تهديدا للنفوذ الفرنسي5. إلى أن قرّرت في مرحلة ما الضغط من أجل تجنيس الإيطاليين لتعديل التوازن السكاني وفرض سيطرة ديمغرافية فرنسية في الوجود الأوروبي في البلاد ضمن تصوّر استعماري استيطاني تزايد خاصة بعد الحرب العالمية الأولى. ويعود العمق الثقافي الإيطالي في تونس إلى القرن التاسع عشر وترك أثره في الثقافة الشعبية وفي مصطلحات لا تزال متداولة إلى الآن6.
من المهمّ الإشارة أيضا إلى التأثير الإيطالي في الثقافة المطبخية خاصة استهلاك المعكرونة، حيث أرسى مستثمرون إيطاليون أول معاملها في النصف الأوّل للقرن العشرين، واستند أوّل مستثمرين تونسيين على هذه الصناعة الغذائية لتطوير أولى الشركات قبل الاستقلال، خاصّة في جهة الساحل والتي بقيت مهيمنة حتى الآن. ثمّ لاحقا تأثير القناة الإيطالية “راي أونو”، التي كان يصل بثها إلى السواحل التونسية، في أجيال عديدة حتى بداية التسعينات. لكن التأثير الأهمّ سيكون حتما التواجد المتزايد بسرعة خاصّة منذ التسعينات للجالية التونسية في إيطاليا، حيث تصل التقديرات أنّ المقيمين رسميّا في إيطاليا من حاملي الجنسية التونسية وصلوا الآن إلى ما يزيد عن 100 ألف تونسي، لكنّ الأرقام يمكن أن تصل إلى أكثر من ذلك بكثير إذا أضفنا المقيمين غير النظاميين، دون نسيان التونسيين الذين تحصلوا على الجنسيّة الإيطاليّة وأصبحوا جزءا من المجتمع الإيطالي.


التصوّر الجيوسياسي الإيطالي لتونس من خلال مفهوم “المتوسّط الموسّع”
نشأ الفكر الجيوسياسي الإيطالي تحت تأثير مباشر للفكر الجيوسياسي الألماني بين الحربين، وتركّز خاصّة حول دورية “جيوبوليتيكا” (Geopolitica) في جامعة تريستي بإشراف جورجيو روليتو (Giorgio Roletto) وأرنستو ماسي (Ernesto Massi) خاصّة آخر الثلاثينات، كنتيجة مباشرة لتأثير المدرسة الألمانية في بروز رؤية جيوسياسية تخدم المشروع الفاشي الإيطالي التوسعي. وتندرج تونس في قلب المنطقة التي تمثّل الاهتمام الإيطالي تاريخيا، بما في ذلك في المدرسة الجيوسياسية الإيطالية التي ستنشأ بين الحربين، خاصة في اتجاه جنوب المتوسط، حيث تصوّر الرؤية الإيطالية الحاجة الحيوية نحو الارتكاز بين ليبيا وتونس7.


هكذا نحن إزاء تركيز أساسي على المنطقة المتوسطية، لكنّ فشل المشروع الفاشي والهزيمة المدوّية في الحرب العالمية الثانية سترسل الحلم الإيطالي التوسّعي كدافع أساسي للمشروع الجيوسياسي الإيطالي إلى الرفوف. في المقابل، سيتمّ تعديل هذا المشروع في اتجاهات أكثر تواضعا، لكنها ظلت ناشطة في البحث عن الفرص، لا سيما في المجال المتوسطّي. تمّ البناء على موجة نهايات حقبة الاستعمار البريطاني والفرنسي لإيجاد منافذ في المجال العربي المتوسّطي. وهكذا، كان التصوّر في علاقة بتونس هو محاولة ملء فراغات انسحاب الاحتلال الفرنسي نهاية الخمسينات إلى بداية الستينات خاصة بالبناء على حاجة الدولة التونسية في المرحلة التأسيسية إلى تنويع الشراكات، خصوصا من داخل الفضاء الأوروبي. وهكذا، تحوّل التركيز الإيطالي إلى المستوى الاقتصادي والتجاري، مع تراجع الاهتمام بالجوانب الثقافية والعسكرية، كما سنفصّل لاحقا في هذه الورقة.


مع التغيّرات المتدرّجة في العالم وصعود دور دول الجنوب، خاصّة في إطار “عدم الانحياز”، ستسعى روما إلى لعب دور أكثر استقلالية تجاه واشنطن واعتماد سياسة خارجيّة مرنة تبحث عن فرص لعب الأدوار. وسيبرز شيئا فشيئا في هذا الإطار تصوّر جديد في نهايات الحرب الباردة صاغه كل من أندريوتي ولكن بشكل خاص رئيس الوزراء الاشتراكي بنيتو كراكسي (1983-1987) تحت عنوان “المتوسط الموسّع” (Mediterraneo allargato)، ليس فقط من الناحية الجغرافية، بل أيضا من حيث الأهمية الاستراتيجية والثقافية، ليشمل شمال إفريقيا، والشرق الأوسط، وحتى القرن الإفريقي. وقد شجّع هذا التصوّر على الانفتاح والحوار مع دول مثل تونس والجزائر وليبيا وفلسطين، حتى وإن أدى أحيانا إلى توترات مع واشنطن.
وترجمت هذه السياسة عمليًا عبر دعم صريح لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإقامة علاقات مباشرة مع ياسر عرفات، في تحدٍ للعزلة الدولية المفروضة على المنظمة آنذاك. كما شملت العلاقات ودّا مع ليبيا بقيادة العقيد القذافي، لا سيما في موقف إيطالي داعم لسيادة ليبيا خلال أزمة القصف الأمريكي لطرابلس عام 1986. وعلى صعيد آخر، تجسّدت السياسة الاقتصادية الإيطالية المنفتحة نحو الجنوب في دعم الاستثمارات الإيطالية في قطاع الطاقة في شمال إفريقيا، وخصوصا في الجزائر من خلال شركة (ENI).
في المقابل، تبنّى رئيس الوزراء الديمقراطي المسيحي أندريوتي خلال السبعينات، والذي عاد إلى السلطة في نهاية الثمانينات وعاصر نهاية الحرب الباردة، سياسة خارجية تقوم على مبادئ الاستمرارية والتوازن، بما يمثل امتدادًا لتوجّه كراكسي، لكن بشكل أقل جرأة. فقد نظر إلى البحر الأبيض المتوسط كجسر يربط بين أوروبا وإفريقيا وآسيا، مع الحرص على الحفاظ على توازن حلف الناتو وعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة.
وكان أندريوتي صاحب ما سُمّي بـ “سياسة الفرنين” (politica dei due forni)، التي دعت إلى الحوار مع طرفي النزاع، كما في حالة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، دون الانحياز الصريح لأي طرف. كما اعتمد مقاربة براغماتية تجاه ليبيا، حيث وجه انتقادات للنظام الليبي من ناحية، لكنّه فتح المجال للاستثمار الاقتصادي عبر شركة إيني (ENI) من ناحية أخرى. وأخيرا، دعم فكرة التعددية المتوسطية ضمن الإطار الأوروبي، بما يشمل مؤسسات مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والاتحاد الأوروبي.
لكن كراكسي سيظل، بشكل خاص، حاضرا في الذهنية الجيوسياسية الإيطالية الراهنة بوصفه رائدا لتصور “المتوسّط الموسّع”. كما يوضح الأدميرال في البحرية الإيطالية فرديناندو دي مونتيفورتي في مقال حديث: “أدرك بيتينو كراكسي في الثمانينات بالفعل مركزيّة البحر الأبيض المتوسط الموسع بالنسبة لإيطاليا، مستشرفًا ظواهر وإشكاليات نواجهها اليوم9.” كراكسي الذي سيهرب إلى تونس منتصف التسعينات أين سيحصل على اللجوء السياسي وحماية من صديقه الشخصي الرئيس الأسبق بن علي، ويتوفى فيها سنة 2000، سيترك أثرا متواصلا أيضا من خلال عائلته التي ستواصل الإقامة في منزل الراحل في مدينة الحمامات.
ابنته ستيفانيا كراكسي رئيسة لجنة العلاقات الخارجية والدفاع في مجلس الشيوخ الإيطالي، ورئيسة “مؤسسة كراكسي”، والتي تزور تونس بانتظام، أعادت التأكيد في حوار في سنة 2023، بمناسبة زيارة وزير الخارجية الإيطالي تاياني لتونس رفقة وزير الداخلية الإيطالي، على الرؤية الجيوسياسية المعنونة “المتوسّط الموسع” في تمثّل مكانة تونس في التصوّر الإيطالي وكيف أنها رؤية طويلة الأمد:
“المتوسّط الموسّع هو مفهوم أوسّعه أكثر مما هو متعارف عليه عادة. فالمتوسّط الموسّع يعني المغرب العربي، والشرق الأوسط، ودول الخليج، ويعني أيضا البلقان، ولا يمكن إغفال أفريقيا. لا يمكن رسم خطّ فاصل واضح يفصل بين الدول الأفريقية وشمال أفريقيا، لأن معظم مظاهر عدم الاستقرار والمشكلات التي نواجهها في هذه السنوات، من الهجرة غير المنضبطة إلى الإرهاب، تأتي من أعماق أفريقيا. أمّا أولويات إيطاليا في المتوسّط، فتبقى تونس وليبيا، حيث للأسف حلّ بعض الفاعلين الآخرين محلّ الدور الإيطالي. وبشكل عامّ، يمكنني القول إن أولويتنا تظلّ الاستقرار والتقدّم في كامل المنطقة.10
وقد استقرّ مفهوم “المتوسّط الموسّع” في قلب الخطاب الإيطالي الرسمي وأيضا لدى مراكز البحث في السنوات الأخيرة. وسيصبح سياسة رسمية خاصّة مع حكومة ميلوني. نجد مثلا تركيزا على هذا المفهوم في عدد خاص من النشرية الدورية للبحرية العسكرية الإيطالية Rivista Marittima، في شهر ديسمبر 2021 حيث يعيد ترسيخ مفهوم المتوسط الموسّع كإطار استراتيجي ومجال بحريّ وظيفيّ إيطاليا، مؤكدًا دورها كقوّة بحريّة متعدّدة الأبعاد تعمل ضمن معايير الأمن البحري، حماية التجارة، الجهود الإنسانية، والبحث العلمي عبر مناطق تمتدّ من البحر الأبيض المتوسّط إلى المحيط الهندي والقطب الشمالي11.
هناك أيضا سياسة “المتوسط الموسّع” التي اعتمدتها وزارة الخارجية الإيطالية في وثيقة صدرت بتاريخ جوان 2023، حيث أكّدت فيها على اعتبار إيطاليا مركزا متناميا سياسيًا واقتصاديًا وطاقويًا في إطار المتوسط الموسع، مع تكثيف الجهود الدبلوماسية مع دول مثل تونس، الجزائر، مصر، الكيان الإسرائيلي، والإمارات العربية المتحدة، ومتابعة الأزمات في منطقة الساحل مثل مالي وبوركينا فاسو12.
وتناول معهد الشؤون الدولية (IAI) في دراسة العام الماضي كيف توسّع نطاق السياسة الخارجية الإيطالية تجاه “المتوسّط الموسّع” خلال السنوات الماضية، خاصة منذ الربيع العربي وحتى إطلاق “خطة ماتّيي” لأفريقيا 2024 . يسلّط هذا البحث الضوء على كيفية توسّع استراتيجية إيطاليا نحو ما وراء حدود البحر الأبيض المتوسط التقليدية، وربط الأمن بالدبلوماسية الاقتصادية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وحتى منطقة الساحل13.
وتشير دراسة لمركز ISPI إلى أنّ البحرية الإيطالية ترى البحر المتوسّط الممتد إلى المحيط الهندي وأقصى الشمال نحو المحيط القطبي الشمالي جزءًا من فضائها الجيو-اقتصادي الحيوي. هذا يعكس تحوّلًا نحو رؤية استراتيجية تمتدّ إلى ما وراء المتوسط الجغرافي التقليدي نحو الفضاء الهندي والقطب الشمالي14.


العلاقات السياسيّة: أسلوب العلاقات الشخصيّة بين الحكّام
في عهد دولة ما بعد الاستقلال
من المنعطفات المفصليّة بلا شكّ في الضبط النهائي لحدود الدولة الترابية ما بعد الاستقلال هو التدقيق في المجال الحدودي البحري أي “الجرف القاري” (shelf boundary) مع كل من إيطاليا وليبيا والجزائر. المثير للانتباه أنّ تقرير الرّسم الحدودي مع قوة استعمارية سابقة في المنطقة مثل إيطاليا كان أسهل من تقريره مع “شقيق عربي”. حيث أنشأت إيطاليا وتونس حدود الجرف القارّي من خلال اتفاق ثنائي تمّ التوصّل إليه في عام 1971. واستندت الحدود في المقام الأول على منهجية “تساوي البعد”، التي تمّ إنشاؤها بين ساحل البرّ الرئيسي لتونس والجزيرتين الإيطاليتين الكبيرتين صقلية وسردينيا.
ولم يتمّ اعتبار جزر بانتيليريا، ولامبيدوسا، ولينوزا، ولامبيوني الأصغر حجما في وسط البحر على أنها تمثل الساحل الإيطالي، حتى لا يؤدّي ذلك إلى تحريف الخطّ لصالح إيطاليا بشكل غير منصف. استقبلت هذه الجزر جميعها جيوبًا تبلغ مساحتها 13 مترًا باستثناء جزيرة لامبيون، التي تمّ تخصيصها فقط لبحر إقليمي يبلغ طوله 12 مترًا. تمتدّ الحدود عبر وسط البحر الأبيض المتوسط لمسافة 531 مترًا، ولا توجد حاليًا نقاط ثلاثية محدّدة مع الدول المجاورة على كلا الطرفين، وتحديدًا الجزائر في الغرب ومالطا في الشرق.
كان هذا الاتفاق تعبيرا عن العلاقة القويّة بين الطرفين، ومن المعلوم أنه منح لتونس امتيازا مجاليّا واسعا ربّما ندم عليه الإيطاليون فيما بعد، خاصّة في “المنطقة الاقتصادية الخالصة”. العلاقات كانت تتوطّد بشكل متزايد بداية الثمانينات عندما انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، حيث أصبحت روما بوساطات تونسية إحدى أهمّ العواصم التي تسمح بحركية فلسطينية ضمن المجال الأوروبي ومن ثمة تسمح بتيسير الاتصالات مع واشنطن.


هنا يأتي أيضا أحد المنعطفات الأكثر حساسية والتي يتواصل حولها الجدل حتى الآن، وهو الدور الإيطالي المحتمل في نهاية نظام بورقيبة. وقد انطلق هذا الجدل منذ أكتوبر 1999 في إطار تقرير في جريدة لاريبوبليكا بتاريخ 11 أكتوبر 1999 بناء على إفادة شفوية سرّية قدّمها رئيس استخبارات إيطالية متقاعد آنذاك للجنة التقصّي المعروفة باسم Stragi في البرلمان الإيطالي.
في المقابل، أصبحت العلاقات التونسية الإيطالية متأثرة بشكل كبير بالعلاقة الشخصية القويّة بين الرئيس بن علي ورئيس الوزراء الإيطالي الأكثر تأثيرا بين منتصف التسعينات ومطلع الألفية الجديدة سيلفيو برلوسكوني.
ومن الضروري الإشارة إلى أنّ هذه العلاقات كانت مرتبطة أيضًا بمشاريع برلوسكوني في تونس، لا سيّما في مجال السينما، عبر شركائه مثل طارق بن عمار، وهو ما ساهم في منح الأخير رخصة إنشاء قناة “نسمة”. وجاء ذلك ضمن إطار العلاقة الثلاثية القوية التي جمعت بن علي وبرلوسكوني بالعقيد القذافي، خاصة خلال العقد الأول من الألفية الجديدة.


إيطاليا والتحوّلات السياسية في تونس بعد الثورة
حاول برلوسكوني التأقلم مع سياق الثورة وآثارها خاصّة في ملف الهجرة غير النظامية الذي كان يحظى بأهمية كبيرة في أجندته الانتخابية. وحاول الحفاظ على نفوذ إيطالي في تونس رغم خسارة حليفه في السلطة بن علي.
ففي أفريل 2011، قام برلسكوني بزيارة إلى تونس لمناقشة موجة الهجرة غير النظامية غير المسبوقة من تونس إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية. وقد شدّد على أهمية التوصّل إلى اتفاق بشأن إعادة المهاجرين “بطريقة حضارية”. كما دعا إلى تعزيز مراقبة السواحل التونسية. وأرسلت إيطاليا فريقًا لدعم جهود المراقبة. وفي لقاء اتّسم بالتوتر، اتّهم برلسكوني السلطات التونسية بعدم بذل الجهد الكافي لوقف انطلاق المهاجرين، محذّرًا من أنّ الوضع قد يصبح “غير قابل للإدارة”. وأكد ضرورة وجود اتفاق لتنظيم عمليات المراقبة البحرية وإعادة المهاجرين. ودأبت بقية الحكومات الايطالية بعد تراجع نفوذ برلسكوني، وكانت غير مستقرّة عموما، على الحفاظ على المقاربة ذاتها والتركيز على ملف الهجرة مع الحفاظ على مبادلات تجاريّة وحضور استثماري مهمّ بل متزايد كما سنرى لاحقا.


شكّلت إجراءات 25 جويلية 2021 منطلق مرحلة جديدة في العلاقات التونسية الإيطالية. ففي البداية، وخلال نحو عام، ساهمت إيطاليا في سعي دول قمّة السبع، عبر بيانات مشتركة طيلة خريف 2021 وشتاء 2022 للضغط على الرئيس قيس سعيّد من أجل إرساء خريطة طريق وانتخاب برلمان جديد. لكن النقطة المفصلية كانت وصول جورجيا ميلوني، الزعيمة اليمينية لحزب “إخوة إيطاليا”، والتي كانت أولويتها القصوى وقف تدفقات الهجرة غير النظامية، إلى رئاسة الوزراء في أكتوبر 2022.
قادت ميلوني بشكل سريع العلاقات مع تونس، التي أصبحت الممرّ الأساسي للهجرة، بشكل يجدّد التركيز الإيطالي على أسلوب العلاقة الشخصية مع حكّامها، مثلما فعل قبلها كراكسي وأندريوتي وبرلسكوني، ولم يكن ذلك ليتمّ دون تأثر أيضا بالعلاقة المتوترة بينها وبين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي بدا غير قادر على التحكّم في مجرى الأحداث في تونس. والتقى ذلك مع سيطرة الرئيس سعيّد على مفاصل السلطة والاتجاه إلى شخصنتها وأيضا توجّهه للحفاظ على علاقة تراتبية مع المركز الأوروبي لكن ليس عبر فرنسا، بل عبر تشكيل تحالف متين مع روما، من خلال العلاقة القوية بينه وبين ميلوني.


وقد مثّل ربيع 2023 ذروة غير مسبوقة في بروز دعم إيطالي من خلال حكومة ميلوني للسلطات في تونس، وذلك مباشرة إثر تشكّل غيوم أزمة محتملة في علاقة بتدفقات الهجرة غير النظامية وتصريحات الرئيس المثيرة للجدل في خصوص “تغيير التركيبة الديمغرافية” في فيفري 2023.
مع حلول شهر مارس 2023، خاصّة من روما إلى بروكسال إلى واشنطن فالجزائر، أضحت تونس، وتحديدًا ملف قرض صندوق النقد الدولي على طاولة المباحثات الدولية والمحاور والضغط واللوبيينغ، وليس سرًا بل علنًا وعلى الملأ.
لا شكّ أن الحكومة الإيطالية في قلب هذه العملية، لكن واشنطن على الخط كذلك وأيضًا الجزائر، ويبقى السؤال هل أنّ ما حصل آنذاك ضغط أم “لوبيينغ ايطالي” أم خليط من الاثنين؟
كان أسبوعًا مليئًا بـ”انهيار وشيك في تونس، سينجرّ عنه انفلات الهجرة غير النظامية، ولهذا يجب توقيع اتفاق صندوق النقد حالاً”. هذه الفكرة تمّ تبنيها بشكل عامّ في العواصم الغربية وترديدها بشكل واسع. قائدة الأوركسترا كانت السلطات الإيطالية وخاصّة رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني، التي أصبح هذا الملف مركزيًا لديها إلى حد وصف صحيفة “الفوليو” الإيطالية بأنها أضحت “هاجسًا” (obsession).
ربما كانت أوضح التصريحات الإيطالية وأهمها تلك التي صدرت في أواخر مارس2023 عن وزير الخارجية الإيطالي تاياني، حين أعلن:
“لقد تقدّمت باقتراح خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي، يتمثّل بـ”البدء بتقديم المساعدة لتونس، فدعونا ندفعها لإجراء الإصلاحات، ولنمنحها 300 مليون يورو على الفور، ثم بعد أن نتحقّق من الإصلاحات، نعطيها 300 مليون أخرى، ثم 300 أخرى”15.
كان ذلك الإعلان مهمّا للغاية إذ أنّه شمل نقطتين أساسيتين: الأولى أنّه وحتى “اللوبيينغ” الإيطالي فهو مشروط بالإصلاحات المضمنة في “اتفاق الخبراء” الذي أمضته السلطات التونسية في أكتوبر 2022 ومن ثمّة ما يقوم به الإيطاليون هو “لوبيينغ” مع ضغط على الطرف التونسي. والنقطة الثانية أن إيطاليا تدفع نحو ملء فراغ التمويل الثنائي المالي خاصّة من قبل دول الخليج وتعويضه بتمويل أوروبي جزئيًا على الأقل، وهو الشرط الآخر لصندوق النقد.
المسألة الأخرى، هي إشارة تاياني إلى أنّ دعمهم للرئيس قيس سعيّد آنذاك هو أيضا للوقوف أمام أيّ بديل إسلامي: “لا يمكننا إضاعة الوقت، وإلا فإننا نجازف بمحاباة الإخوان المسلمين”. وأوضح أنّه “من الضروري أن لا نقلّل من شأن المخاطر، فعلينا واجب مساعدة تونس، التي ينبغي عليها أن تجري الإصلاحات في الوقت نفسه”.
اللوبيينغ الإيطالي متأت طبعا من منسوب القلق الإيطالي الأكبر من أي طرف غربي آخر في علاقة بالهجرة غير النظامية، كما هو معلوم، وأيضًا من عوامل أخرى من أهمها التناغم المتزايد على الأقلّ في الخطاب تجاه الهجرة مع قيس سعيّد، ليس في خصوص الجمل العنصرية بقدر ما هو في السياسات العامة، خاصة التوجّه نحو الطرد في خصوص المهاجرين غير النظاميين كخطوة أساسية للعب دور جدار الصدّ الأول.
وصل التناغم والتداخل بين تونس وإيطاليا إلى مستوى اقتراح سياسة التأشيرات التونسية. ففي تصريحات أمام لجنتي الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب الإيطاليين، أوضح وزير الخارجية الإيطالي لنظرائه الأوروبيين “سهولة اختراق الحدود التونسية”، مشيرا إلى ضرورة قيام تونس بطلب تأشيرة دخول للقادمين من ساحل العاج ودول إفريقيا جنوب الصحراء.
إيطاليا أيضًا في حلف استراتيجي طاقيًا وإقليميًا مع جزائر تبون، الحليف الأقرب للرئيس قيس سعيّد. للتذكير الرئيس الجزائري اعتبر في حوار على قناة الجزيرة أن “هناك مؤامرة على تونس” ملمّحًا إلى دور مغربي فيها، وأنه يدعم سعيّد “أحبّ من أحبّ وكره من كره”.


في كل الحالات، خلقت إيطاليا حالة استنفار أوروبية تجسمت في اجتماع مجلس أوروبا في تلك الفترة الذي جمع ممثلي الحكومات وفرضت عمليًا نقطة تونس في جدول الأعمال. وتمدّدت آثار حالة الاستنفار الإيطالية إلى الجانب الأمريكي، بدءًا من مكالمة سكرتير وزارة الخارجية الإيطالي Riccardo Guariglia مع نائب وزيرة الخارجية الأمريكية Wendy Sherman يوم 17 مارس 2023، والتي أشارت بوضوح إلى توافق على الانتباه لخطورة الوضع المالي في تونس.
وهو ما تكرّر في حديث وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن في جلسة استماع الكونغرس مع إشارة واضحة لضرورة عقد اتفاق صندوق النقد وربطه بتنفيذ الإصلاحات، وربط كل ذلك بخطورة انفلات الهجرة غير النظامية. ثم كانت التصريحات الأهم بعد زيارة باربارا ليف، نائب وزير الخارجية الأمريكي، إلى تونس في شهر مارس من نفس السنة، والتي تحدثت فيها خاصة عن أن قرار تونس بتنفيذ الإصلاحات التي اقترحتها على صندوق النقد الدولي “قرار سيادي.. وإن قرّروا ألّا يفعلوا ذلك، فنحن حريصون على معرفة ما هي الخطة “ب” أو الخطة “ج””.
رغم ذلك، على المدى القصير، بدت الوساطة الإيطالية واللوبيينغ الذي تقوده الحكومة الإيطالية لدى الأوساط الغربية والخليجية مدخلا ممكنا إلى توافق غربي يمكن أن يخفّف بعض الشروط خاصّة بذريعة “التضخّم المستورد”.
من المهمّ الإشارة إلى أنّ تصريحات وزير الخارجية الإيطالي وقتها بمناسبة زيارة نظيره التونسي منتصف أفريل 2023 لم تعلّق على إعلان الرئيس قيس سعيّد تعليق “اتفاق الخبراء” مع صندوق النقد، بل تشبّثت بضرورة منح تونس القسط الأوّل من القرض دون شروط. وكان من الواضح حينها وجود وعي متزايد بأهمّية ورقة “الهجرة غير النظامية” لدى الحكومة التونسية بوصفها وسيلة ضغط أساسيّة على مجمل الطرف الأوروبي وليس فقط الإيطالي16.
وهكذا كان التوصّل إلى مذكّرة التفاهم في جويلية 2023 نتيجة مباشرة لهذه المقاربة الإيطالية بالأساس، حيث استطاعت ميلوني جرّ الاتحاد الأوروبي إلى “عقد جديد” مع السلطات التونسية تمّ فيه ترسيخ غير مسبوق لمقاربة “تصدير الحدود” مقابل الاستثمار غير المسبوق في الطاقة المتجدّدة.


العلاقات الاقتصادية الإيطالية-التونسية والاتجاه نحو محوريّة “الأمن الطاقي”
الخصائص العامّة: مسار تطوّر المبادلات والاستثمارات
تحتلّ العلاقات الاقتصادية بين تونس وإيطاليا موقعًا محوريًا ضمن الشراكات الأورومتوسطية، نظرًا للقرب الجغرافي والتاريخ المشترك والمصالح الاقتصادية المتبادلة. فمنذ الاستقلال سنة 1956، شهدت هذه العلاقات تطوّرًا ملحوظًا انتقل من المبادلات التجارية التقليدية إلى علاقة متعدّدة الأبعاد تشمل قطاعات الصناعة والطاقة والطاقات المتجدّدة.
ومن المهمّ الإشارة هنا إلى تصاعد أهمية إيطاليا الاقتصادية في تونس مقارنة بغريمها التقليدي الفرنسي بشكل مطرد وخاصة بعد الثورة. وقد مرّ مسار العلاقات عبر خمس مراحل أساسية.
كانت المرحلة الأولى من الاستقلال إلى نهاية السبعينات واتسمت المبادلات التجارية بين البلدين في العقود الأولى بعد الاستقلال وخاصة بالأهمية الكبيرة للمؤسسة العمومية الإيطالية للمحروقات (Ente Nazionale Idrocarburi/ENI) خاصة ضمن رؤية رئيسها بداية ستينات القرن الماضي انريكو ماتيي “العالم ثالثية” القائمة على مبدأ “الربح=ربح” خاصة مع الدول العربية الناشئة بما في ذلك تونس. حيث سيصبح رمزا لسياسة إيطالية مختلفة في المنطقة وهو ما يفسر راهنا تسمية “خطة ماتيي” الافريقية لحكومة ميلوني باسمه. فقد صدّرت تونس آنذاك بالأساس زيت الزيتون والحوامض والفوسفات، في حين استوردت من إيطاليا معدات وآليات ومنسوجات وسيارات. وكان ذلك في إطار دور قيادي للشركة النفطية الإيطالية حيث ساهمت من خلالها إيطاليا في مشاريع بنية تحتية صناعية أولية وفي تقديم مساعدات إنمائية لتونس.
أتت فيما بعد المرحلة الثانية بين الثمانينات وبداية التسعينات وتميّزت ببروز قطاع الطاقة. وشكّل إنشاء خطّ أنابيب الغاز “ترانس ميد” سنة 1983، لنقل الغاز الجزائري عبر تونس نحو إيطاليا، منعطفًا استراتيجيًا، إذ وفّر لتونس إيرادات هامة من رسوم العبور وفي هذه الفترة أيضًا، تعزّز التعاون الصناعي خاصة في قطاع النسيج الذي استقطب استثمارات إيطالية مكثفة17.
ثمّ المرحلة الثالثة حين تمّ توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (1995) الذي أدّى إلى تحرير تدريجي للتجارة في السلع الصناعية، ممّا عزّز موقع إيطاليا كثاني شريك تجاري لتونس بعد فرنسا18. وقد شملت صادرات تونس نحو إيطاليا النسيج والكابلات الكهربائية وزيت الزيتون، بينما استوردت من إيطاليا معدّات صناعية وأدوية وسيّارات.
ثم كانت المرحلة الرابعة ما بعد الثورة (2011–2020). ورغم الاضطرابات السياسية والاقتصادية، استمرّ التعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث ظلّت إيطاليا شريكًا ثابتًا. وبرز دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الإيطالية، التي انتشرت خاصّة في ولايات مثل صفاقس وتونس الكبرى والوطن القبلي، في تعزيز النسيج الصناعي التونسي.
أخيرا، المرحلة الخامسة التي تمّ فيها التركيز على الطاقات المتجدّدة ضمن ما تمّت تسميته من الجانبين بـ”الشراكة الاستراتيجية” (2020–2025). وقد عرفت العلاقات الاقتصادية خلال السنوات الخمس الأخيرة تصاعدا واضحا في التعاون خاصة عبر المشاريع الطاقية. فقد أطلقت إيطاليا “خطة ماتيي” التي تهدف إلى تحويل تونس إلى منصّة طاقة نحو أوروبا، وتشمل مشاريع كبرى على غرار الربط الكهربائي البحري (ELMED) المزمع إنجازه بحلول 2028، إضافة إلى اتفاقية روما في جانفي 2025 التي سنركّز عليها أسفله. ورُصدت تمويلات بقيمة 400 مليون يورو لدعم استثمارات الطاقات المتجدّدة.


تُعتبر إيطاليا ضمن هذا المسار العامّ وبشكل تصاعدي من أهمّ المستثمرين الأجانب في تونس، إذ تحتضن البلاد نحو ألف مؤسسة إيطالية، منها 300 شركة في قطاع النسيج والملابس، ممّا يوفّر أكثر من 83 ألف موطن شغل مباشر21. وتحوّل الاستثمار الإيطالي في النسيج من نموذج تصنيع منخفض الكلفة إلى نموذج يركّز على الاستدامة، والتحوّل الرقمي، والابتكار.
وبلغ حجم المبادلات التجاريّة التونسية الإيطالية حوالي 21 مليار دينار في سنة 2024، لتحتلّ إيطاليا المرتبة الثانية بعد فرنسا من حيث الشّركاء التجاريّين لتونس. وقد تميّزت المبادلات بتركيزها على قطاعات النسيج، زيت الزيتون، الكابلات الكهربائية، والغاز من جهة، والمعدّات الصناعية والمنتجات الطاقية من جهة أخرى22. وتشير آخر معطيات سنة 2025 (الثلاثي الاول) إلى أنّ إيطاليا تحتلّ المرتبة الثانية من بين المستثمرين الأجانب في تونس بعد فرنسا، بـ 159 مليون دينار (خارج قطاع الطاقة)23.


تشير الوثيقة التي تحصّلنا عليها، ووقّعها وزيرا خارجية تونس وإيطاليا في 16 جانفي 2025 خلال زيارة وزير الشؤون الخارجية التونسي محمد علي النفطي ولقائه نظيره الإيطالي تياني، والتي لا يوجد ما يفيد نشرها في المواقع الحكومية التونسية، إلى اتفاقية بعنوان “الانتقال الطاقي” تركّز على “تعزيز الاستثمار” في الطاقة المتجدّدة، وتتجاوز نطاق المشاريع التجارية لتشمل إصلاحا تنظيميّا وبنية تحتية وتمويلا مشتركا.
ويمكن اعتبار هذه الاتفاقية إطارا حكوميّا متكاملا يبدو غير مسبوق في المنطقة المتوسّطية، ويمكن أن يصبح نموذجا يقع تعميمه في خصوص الشراكات في المنطقة، لكن أيضا يمكن النظر إليه كإطار يعطي أسبقيّة للطرف الإيطالي في السوق التونسية في مجال الاستثمار في الطاقة المتجدّدة.
استهدفت الاتفاقية، التي تمّ تحديد مدّتها بأربع سنوات قابلة للتمديد، تحقيق أربعة أهداف وهي على التوالي: إنشاء إطار تعاون حكومي لتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة وبناء البنية التحتية للربط الكهربائي، وزيادة إنتاج الطاقة المتجدّدة في تونس (مع التنصيص أساسا على الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر)، وتصدير فائض الإنتاج إلى إيطاليا والاتحاد الأوروبي عبر كابل “ELMED”، وأخيرا “تحقيق التكامل التنظيمي” بين تونس والاتحاد الأوروبي من خلال “نظام الأصل” (Guarantee of Origin/GO).
وتمّ تحديد الالتزامات الأساسية للطّرفين بأن يقوم الجانب التونسي بـ”سنّ تشريعات شفافة ومستقرّة لجذب الاستثمارات الإيطالية”، وخاصّة إنشاء “ضمان الأصل” لإثبات مصدر الكهرباء الخضراء، وأيضا السماح بتصدير حصّة من الطاقة إلى إيطاليا والاتحاد الأوروبي. في المقابل يلتزم الجانب الإيطالي بدعم وتصميم “نظام الأصل” بما يتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي، وتمويل وتطوير البنية التحتية والبحث والتطوير والشراكات بين القطاعين العام والخاصّ.
من جهة أخرى، تحدّد الوثيقة البنية التحتية والمشاريع الرئيسية التي سيتمّ إنشاؤها، وأهمّها مشروع الكابل الكهربائي (ELMED)، والذي تمّ تحديد أجل تنفيذه حتى سنة 2028، ويتمثّل في ربط كهربائي بحريّ بين صقلية وتونس في مستوى 600 ميغاواط. تتحدّث الوثيقة أيضا عن “مزارع شمسيّة وطاقة رياح” في جنوب تونس بمستوى 4 غيغاواط، وأيضا “دراسة جدوى” لمحطّة الهيدروجين الأخضر بمستوى مليون طن بحلول سنة 2030.
تتعرّض الوثيقة أيضا إلى “التمويل والدعم المالي”، حيث تشير إلى مصادر منها مبلغ 400 مليون يورو من خطّة “ماتيي” الإيطالية للدراسات والاستثمارات، وقروض ميسّرة من صندوق الاستثمار الإيطالي (EIB) والصندوق الألماني (KfW)، ومشاركة القطاع الخاصّ عبر شراكات عام-خاص، وضمانات ائتمانية.
وتسمح الوثيقة بمجموعة من الفوائد للشركات الإيطالية وهي خاصّة: أولوية دخول سوق تونسية واعدة معنية بإنتاج 35٪ من إنتاج الكهرباء من مصادر طاقة متجددة بحلول سنة 2030، إلى جانب دور رئيسيّ في تحقيق عقود “ضمان الأصل” طويلة الأمد معترف بها أوروبيا، وضمان تصدير الكهرباء الى إيطاليا مباشرة، ومن ثمة إمكانية إعادة تصدير الطاقة إلى أوروبا الوسطى والشمالية، بما يحوّل إيطاليا إلى مركز إقليمي أساسي في السياق الأوروبي لتصدير الطاقة المتجدّدة.
يذكر أنّه لا توجد اتفاقية حكومية أخرى لتونس متكاملة بهذا الشكل مع أي طرف آخر. والمذكّرات التي تمّ توقيعها مثلا مع أطراف أوروبية أخرى مثل فرنسا وألمانيا تتعلّق بحماية الاستثمار ولا تركّز بشكل خاصّ على الطاقة المتجدّدة.


انتقادات للسياسات التونسية في مشاريع الطاقة المتجددة
يوجّه بعض الباحثين والناشطين في الشأن البيئي انتقادات حول إمكانية إضرار مشروع (ELMED) بـ”السيادة الطاقية” لتونس إلى حدّ الحديث عن “استعمار أخضر”، فضلا عن الآثار البيئية السلبيّة للمشروع التي لا تحظى بما يكفي من الاهتمام والتوضيح24. يشار إلى أنّ آخر التحيينات من وسائل إعلام أجنبية حول تقدّم المشروع تبرز حصول المجموعة الإيطالية (Prysmian) على عقد إنجاز الربط الكهربائي البحري (600 ميغاواط) بين محطّة بارتانا في صقلية ومحطة الملاعبي (قرب منزل تميم) في الوطن القبلي25.
في كل الأحوال، لا توجد شفافية كافية حول تفاصيل المشروع، على الأقل من الجانب التونسي، ولا يُعقد حوار مع المنظمات التونسية المعنية بالبيئة، التي تواصل احتجاجاتها دون أي استجابة من السلطات. ويبرز ذلك بشكل خاص في المناطق المنكوبة بيئيًا تاريخيًا، حيث يسود قلق مجتمعي مرتفع تجاه المشاريع الطاقية، مثل جهة قابس، والذي تكثّف بعد تواتر الإعلانات عن مشاريع إنتاج طاقة كهربائية من الهيدروجين الأخضر يمكن أن تشمل سواحل خليجها الذي يعرف أساسا مستويات تلوّث عالية.


لعلّ أحد أهمّ هذه المشاريع هو مشروع (South2 Corridor) الذي تمّ الإمضاء عليه في روما في جانفي 2025 بحضور تونس وغيرها من دول شمال أفريقيا بما في ذلك الجزائر، إلى جانب عدد من دول أوروبا الوسطى من بينها ألمانيا والنمسا. حيث تقول الانتقادات إنّ مشاريع الهيدروجين ستؤثّر سلبا على الموارد المائية في بلد يعيش شحّا مائيا: ” تشير التقديرات الأولية إلى أن إنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع قد يستهلك ما يصل إلى 9 لترات من الماء لكلّ كيلوغرام من الهيدروجين المنتَج، إلا أنّ متطلّبات الإنتاج الفعلي تتجاوز ذلك بكثير، إذ تتراوح التقديرات بين 20 و30 لترًا لكلّ كيلوغرام عند احتساب عمليات التنقية والتبريد، ممّا يضيف ضغطًا هائلاً على الاحتياطيات المائية التونسية التي تعاني أصلاً من الاستنزاف الشديد.26“


كما توجد انتقادات أخرى في سياق أعمّ، أي في ما يتعلّق بالمخطّط الوطني لإنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة المتجدّدة. وتعرّض “تقرير حول التجاوزات وإهدار المال العام من قبل الوزارة المكلّفة بالطاقة” (تحصلنا على نسخة منه، غير منشور)، صدر عن لجنة الطاقة بالبرلمان التونسي في شهر جويلية 2025، إلى عدد من الهواجس المتعلقة بالاستراتيجية التونسية للطاقة المتجددة، بما في ذلك عدم احترام الآجال القانونية للتقدّم في المخطّط الوطني لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة. لكن من أهم الانتقادات الموجّهة للسلطة التنفيذية الواردة في التقرير هو “تخفيض الكلفة للمستثمر الأجنبي الخاصّ على حساب الشركة التونسية للكهرباء والغاز”، ويذهب التقرير إلى اتهام السلطات بـ”التفريط في مقدرات الشعب لصالح شركات خاصّة أجنبية” ومنحها امتيازات تصل الى 1253 مليون دينار في سياق إسناد مشاريع الطاقة المتجدّدة عموما خاصة إثر أزمة الكوفيد.
وتدعم هذه الانتقادات الشكوك الصادرة في ورقات بحثية حول المقاربة العامّة الحالية للاستثمار في الطاقة المتجدّدة، والتي تأسست على حزمة قروض مالية ضخمة، سيتحمّل مسؤوليتها والمخاطرة فيها الجانب التونسي. يأتي هنا الحديث عن “فخّ الاقتراض الأخضر” (green debt trap)
الاستثمارات الإيطالية الطاقية في شمال إفريقيا من زاوية “الأمن الأوروبي” والحلف الاستراتيجي مع واشنطن
لا يجب النظر إلى المسألة الطاقية كمسألة فنية أو تقنية ذات طابع اقتصادي فحسب، بل هي مكوّن ودافع أساسي للسياسة الخارجية الإيطالية. وتتقاطع مقاربة السياسة الخارجية الإيطالية، خصوصا كما تتجسّم في استثمارات الطاقة، مع الأهداف الاستراتيجية الأميركية في شمال إفريقيا منذ فترة طويلة. ولا يتعلّق الأمر مع السياق الجديد الذي يشهد تقاربا قويّا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية ميلوني.
ويشير الباحث الإيطالي داريو كريستياني إلى أن السياسة الخارجية الإيطالية لم تعد منذ عقدين تعبيراً دبلوماسياً عن المصالح التقليدية فحسب، بل صارت مساراً طاقياً يتشابك مع أهداف الولايات المتحدة في ضمان أمن إمدادات حلف شمال الأطلسي وتعزيز الوجود الغربي في جنوب المتوسط27. إذ يرى الطرفان في شمال إفريقيا – من الجزائر إلى مصر وتونس مرورا بليبيا – فضاءً حيوياً يجمع بين أمن الطاقة ومكافحة الهجرة غير النظامية والحدّ من النفوذ الروسي والصيني. وقد مهّدت استثمارات روما المتصاعدة في الغاز والكهرباء لإعادة إنتاج التحالف الأطلسي على أسس طاقية، تُصاغ فيها المصالح الإيطالية جزءاً لا يتجزأ من المهمة الأميركية الأوسع للحفاظ على استقرار أوروبا واستمرار تدفق الطاقة إليها.
ومنذ مطلع 2021، أصبح هناك تركيز غير مسبوق على سيناريوهات “الصفقة الأوروبية الخضراء” (The EU Green Deal) واستتباعاتها الجيوسياسية28. وتهدف إلى جعل الاتحاد الأوروبي محصّنا مناخيًا بحلول عام 2050، لكنّ تأثيرها يتجاوز السياسات الداخلية ليعيد تشكيل الجيوسياسة العالمية عبر تقليص واردات الطاقة الأحفورية، وزيادة الاعتماد على الموادّ الخام الأساسية، والتأثير على التجارة من خلال آليات تعديل الكربون على الحدود.
وفي الوقت نفسه، يمكن للاتحاد الأوروبي، حسب هذا التصوّر، أن يعزّز نفوذه من خلال تصدير معاييره البيئية وبناء تحالفات حول تسعير الكربون، خاصّة في دول “الجوار الأوروبي” ومنها تونس. ولإدارة المخاطر وتثمين المكاسب، ينبغي على الاتحاد الأوروبي، وفقا لهذا السيناريو، مساعدة جيرانه على التنويع الاقتصادي، وتأمين سلاسل توريد الموادّ الخام، وتشكيل “نادي مناخي” مع شركاء دوليين، من أهمهم واشنطن.
بدأت واشنطن منذ 2014 في دفع الحلفاء الأوروبيين إلى تنويع مصادرهم بعيداً عن التبعيّة للمصادر الروسية، فاستجابت روما بتسريع خططها في الجزائر ومصر ثمّ تونس، لتصبح جسراً طبيعيّا بين الموارد الأفريقية والسوق الأوروبية، ما يُسهّل على الولايات المتحدة تركيز قدراتها في بحر الشمال على روسيا. مثلا كثّفت إيطاليا، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، مفاوضاتها مع “سوناطراك” الجزائرية لرفع تدفّق الغاز عبر خطّيْ “غرين ستريم” و”ترانس ميد”.
وقد بدت واشنطن مرحّبةً بذلك، إذ يُسهم تقليل الفجوة الغازية الأوروبية في تقليص الضغط على أسطول الغاز الطبيعي المسال الأميركي، ويُبقي أسعار الغاز العالمية في حدود تسمح للحلفاء بالإنفاق على التسلّح بدلاً من فواتير الطاقة. من جهة أخرى، في خصوص مصر وفي إطار مبادرة “الهيدروجين الأخضر” التي أطلقها الاتحاد الأوروبي بدعم أميركي، تولّت إيطاليا من خلال شركتي “إيني” و”ساسي” ضمان تمويل بقيمة 4 مليارات يورو لإنشاء ممرّ رياح-هيدروجين على البحر الأحمر. ويمكن أن ترى واشنطن في ذلك وسيلة لإبعاد القاهرة عن التمويل الصيني (مبادرة الحزام والطريق) وتعزيز استقرارها المالي مقابل التزامها بالتعاون الأمني في البحر الأحمر. أخيرا، بالنسبة إلى ليبيا، جاءت زيارة رئيسة الوزراء ميلوني إلى طرابلس في جانفي 2023 بعد أسابيع من تحذير أميركي من أنّ “الفراغ الأمني” يخدم تمدّد الروس والمرتزقة الأفارقة. والتزمت روما بمشروع “غاز مقابل التنمية” يربط بين تمويل الطاقة وتمويل خفر السواحل، ما يُلبّي رغبة واشنطن في تقليل تدفّق المهاجرين إلى أوروبا دون إشراك مباشر لقوات أميركية.


هنا، يجب التأكيد على الارتباط بين الأمن والطاقة في الاستراتيجية الأمريكية في أوروبا وأيضا في المتوسّط عامة، ويتمّ ذلك بشكل جزئيّ عبر روما. إذ تُستخدم ضمانات “ساسي” الإيطالية بموجب تفويض من صندوق التنمية الأميركي (DFC) لتغطية المخاطر السيادية في شمال إفريقيا، ممّا يُتيح للشركات الأميركية الدخول إلى مشاريع كانت تخشى مخاطرها. وتعتمد إيطاليا على منظومات التحكّم الرقمية الأميركية لتأمين الشبكات الذكية في الجزائر ومصر، ما يجعل البنية التحتية ضمن نطاق التشغيل المشترك لحلف الأطلسي. وعلى المستوى العسكري، هناك برنامج “الناتو للطاقة” الذي ينظّم تدريبات مشتركة بين البحرية الإيطالية والقوات الأميركية في المتوسط لحماية خطوط الغاز والكابلات المغمورة في وجه التهديدات الإلكترونية والبحرية.
إنّ الاستثمار الإيطالي في طاقة شمال إفريقيا ليس مجرّد سعي اقتصادي يستجيب لمصالح اقتصادية وخاصة طاقية إيطالية، وأيضا أوروبية، خاصّة مع “الصدمة الجيوسياسية” لآثار الحرب الروسية-الأوكرانية، بل هو أيضا تفعيل لاستراتيجية أميركية أوسع لإعادة رسم خريطة الأمن الأوروبي على أساس “الطاقة كحليف”. ومع كلّ كابل بحري أو محطّة شمسية تُنشأ تحت راية التعاون الإيطالي، تتحقّق مصالح واشنطن من دون أن تتحمّل وحدها كلفة الحماية أو التمويل، لتبقى روما شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه في الدفاع عن مفهوم “التوازن الأطلسي” (Atlantic Balance) الذي نظّم العلاقات الأمريكية-الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
هنا يصبح الانتقال الطاقي ضمانا لديمومة نظام هيمنة دولي، تسيطر فيه قوى تملك تكنولوجيا وإنتاج الطاقة المتجدّدة، منها الاتحاد الأوروبي، على حساب “الدول المصدّرة”. على سبيل المثال، في إحدى الدراسات لأحد أهمّ المراكز البحثية الألمانية، يتمّ الحديث عن سيناريو “الإمبريالية الهيدروجينية” كأحد سيناريوهات “الطاقة الخضراء” بحلول سنة 204029.
في هذا السيناريو، تهيمن الدول القويّة على سلاسل قيمة الهيدروجين عبر التحكّم في التكنولوجيا والبنية التحتية والموادّ الخام، بينما تصبح الدول المصدّرة الأضعف بمثابة “دولة زبونة” تابعة لها. ويؤدّي ذلك إلى علاقات غير متكافئة، حيث تستحوذ الدول المستوردة على معظم القيمة، في حين تتحمّل الدول المصدّرة تكاليف بيئية واجتماعية مع فوائد محدودة، إضافة إلى تحمّلها عبء المزيد من الديون الخارجية، بما يزيد من مخاطر الدين العام. كما يمكن أن تؤدي المنافسة على الموارد إلى توترات أمنية وبُنى شبيهة بالكارتلات بين المشترين وتدخلات خارجية، ممّا يعزّز في النهاية عدم المساواة العالمية بدلاً من تقليصها.
ولدينا فعلا أمثلة في دول الجنوب على كيف أنّ المبادرات البيئية -مثل مشاريع تطوير مصادر الطاقة المتجدّدة، وبرامج التعويض الكربوني، والسياحة البيئية- يمكن أن تؤدّي إلى “الاستيلاء الأخضر” (green grab) على الأراضي والموارد، وغالبًا ما تتسبّب في تهجير المجتمعات المحلّية وتهميشها، وهو ما أوضحته إحدى الدراسات في السياق التركي30. وعلى الرغم من تقديم هذه المشاريع على أنّها جهود لمكافحة تغيّر المناخ وحماية التنوع البيولوجي، إلا أنّها كثيرًا ما تعزّز الاختلالات القائمة وتكرّس الظلم الاجتماعي.


الهجرة غير النظامية: مقاربة “الأمننة” الإيطالية تستثمر في تعثر الانتقال الديمقراطي والحاجة الماليّة للدولة التونسيّة
تُعدّ حركة الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسّط من السواحل التونسية إلى الأراضي الإيطالية ظاهرة متغيّرة السياق والأرقام. ولعبت التحوّلات الجيوسياسية السريعة والصعوبات الاقتصادية المتزايدة في جنوب المتوسط وجنوب الصحراء، وأيضا هيمنة الهاجس الانتخابي الذي يركّز في السياق الأوروبي على “خطر الهجرة” وصعود السياسات اليمينية، دورا أساسيا في اختلال التوازن والضغط الأوروبي المتزايد بما فيه الإيطالي على تونس من أجل تنزيل استراتيجية “تصدير الحدود” عبر نقل مسؤولية مواجهة الهجرة غير النظامية إلى جنوب المتوسّط.
وقد شهدت ظاهرة الهجرة غير النظامية من تونس إلى إيطاليا قبل سنة 2011 مساراً متقلّباً ارتبط بالظروف الإقليمية والسياسات الثنائية. حيث شكّلت السواحل الشرقية لتونس، وخاصة جهتيْ صفاقس والوطن القبلي، نقطة انطلاق رئيسية نحو جزيرة لامبيدوزا. ورغم أنّ أعداد الواصلين عبر البحر إلى إيطاليا عرفت ارتفاعاً ملحوظاً سنة 2008، حيث بلغ مجموع القادمين إلى السواحل الإيطالية واليونانية والمالطية قرابة 54 ألفاً، فإنّ الأرقام تراجعت بشكل كبير في سنتي 2009 و2010، إذ لم يتجاوز عدد الوافدين عن طريق البحر إلى إيطاليا 9573 شخصاً سنة 2009 و4406 سنة 2010، وهي أرقام منخفضة مقارنة بما حصل لاحقاً بعد 2011. ويُذكر أنّ القادمين لم يكونوا جميعاً من التونسيين، إذ احتلّ طالبو اللجوء من الصومال وإريتريا النسبة الأكبر سنة 2008، بينما بقيت أعداد التونسيين محدودة نسبياً.
هذا التراجع كان نتيجة مباشرة لتكثيف التعاون الأمني بين إيطاليا وليبيا وتونس، حيث أبرمت روما وطرابلس سنة 2008 معاهدة “الصداقة” التي سمحت بتسيير دوريات مشتركة وعمليّات صدّ وإرجاع في عرض البحر سنتي 2009 و2010، وهي الإجراءات التي ساهمت في كبح موجات العبور، لكنها أثارت لاحقاً جدلاً واسعاً بعدما أدانتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حكمها “هيرسي جاماعا ضد إيطاليا” (Hirsi Jamaa and Others v. Italy) سنة 2012. أما على المستوى التشريعي الداخلي، فقد سنّت إيطاليا قوانين منظِّمة منذ نهاية التسعينات مثل قانون “توركو–نابوليتانو” (Turco–Napolitano) لسنة 1998 الذي أرسى مراكز الاحتجاز والترحيل، ثم قانون “بوسي–فيني” (Bossi–Fini) لسنة 2002 الذي شدّد ضوابط الدخول والإقامة، الأمر الذي عزّز آليات المراقبة والطرد.
وإلى جانب ذلك، وُقِّعت بين تونس وإيطاليا اتفاقية إعادة القبول في أوت 1998 ودخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 1999، ممّا سهّل عمليات إعادة التونسيين الذين يتمّ ضبطهم في وضعية غير نظامية، تلتها بروتوكولات تعاون أمني وشرطي في 2003.
ومن الواضح أنّه منذ هذه الفترة سيتمّ إرساء مفهوم جديد في سياسة الاتحاد الأوروبي إزاء الهجرة غير النظامية الذي سيصبح الإطار الرئيسي لعلاقته بدول جنوب المتوسط في هذا المستوى أي تصدير الحدود (Externalization of Borders).
ويقصد به السياسات التي تتبنّاها مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء لنقل وظيفة ضبط الحدود ومراقبة الهجرة إلى خارج المجال الأوروبي نفسه، أي إلى دول العبور أو دول المنشأ. فبدلاً من الاكتفاء بالرّقابة على الحدود الداخلية أو الخارجية المباشرة للاتحاد، يتمّ إنشاء شبكة من الاتفاقيات والآليّات تجعل دولاً مثل تونس وليبيا والمغرب وتركيا تقوم بدور “الحارس المتقدّم” للحدود الأوروبية31. وتقوم على ثلاثة أبعاد أساسية: الأمني بشكل خاصّ من خلال تدريب خفر السواحل لدول جنوب المتوسط، والقانوني مثل اتفاقات إعادة القبول (Readmission Agreements)، وأخيرا المالي التنموي مقابل قبول تلك الدول بممارسة الرقابة على المهاجرين أو استقبال العائدين.
هكذا اتسمت مرحلة ما قبل 2011 بوجود تدفّقات غير نظامية مستمرّة من تونس نحو السواحل الإيطالية، غير أنّها ظلّت نسبياً تحت السيطرة كنتيجة للمنظومة القانونية الجديدة والإجراءات المنبثقة عنها، وهو ما يفسّر محدودية أعداد التونسيين المسجّلين في الإحصاءات مقارنة بالقفزة التي حصلت مباشرة بعد الثورة.


سجّل عام 2011 ذروة تاريخيّة بلغت نحو 28 ألف مهاجر تونسي، ثم انخفضت الأعداد في السنوات اللاحقة لتتفاوت بين مئات وآلاف سنويًّا، قبل أن تعود وتصعد مجدّدًا في 2023 بما يقارب 17 ألف مهاجر. هذه التقلّبات لا تعكس فقط الضغوط الاقتصادية والسياسية المحلية، بل تُظهر كيف تحوّلت الهجرة إلى “أداة تفاوضية” في العلاقات الثنائية بين تونس وإيطاليا، وأيضًا بين تونس والاتحاد الأوروبي.
وقد فقدت الدولة عقب الثورة في تونس السيطرة على سواحلها، فوصل أكثر من 28 ألف تونسي إلى لامبيدوزا في غضون أسابيع. سيرى الكثيرون من صنّاع القرار الأوروبي أنّ هذا العدد بمثابة “إنذار مبكر” لأوروبا بأنّ استقرار جنوب المتوسط هو جزء من أمنها القومي.


وبدأت السلطات التونسية والإيطالية منذ سنة 2012 إعادة إحياء اتفاقيات التعاون الأمني، فعادت عمليّات الترحيل السريع للتونسيين استناداً إلى اتفاقية إعادة القبول الموقعة سنة 1998، كما أطلقت روما برامج دعم اقتصادي وأمني موجّهة لتونس من أجل ضبط الحدود. غير أنّ الأعداد استمرّت في التذبذب تبعاً للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في تونس وللظروف الأمنية في ليبيا. ففي سنوات 2014–2017، ظلّ عدد المهاجرين التونسيين مرتفعاً نسبياً مقارنة بما قبل الثورة، لكنّهم لم يكونوا المكوّن الأكبر في جملة المهاجرين، إذ شاركت بقوّة جنسيات أخرى خاصة من إفريقيا جنوب الصحراء. ومع ذلك، مثّل التونسيون أحد أكبر الجنسيّات بين المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى إيطاليا في فترات متفرّقة، خصوصاً في 2017 ثم مجدّداً في 2020.
لكن مع إغلاق الحدود العالمية بسبب جائحة الكوفيد-19، انفجرت الأرقام مجدّدًا لتصل إلى 125 ألف مهاجر من مختلف الجنسيّات، ممّا أعاد إثارة المخاوف الأوروبية من “استخدام الهجرة كسلاح” في أوقات الأزمات. مع نهاية أكتوبر 2023، بلغ عدد الواصلين التونسيين 15769 شخصًا، مقارنةً بـ16700 في الفترة ذاتها من 2022. الرقم لا يختلف كثيرًا، لكن النسبة المئوية من إجمالي الواصلين إلى إيطاليا ارتفعت إلى أكثر من 60%، ما يكشف أنّ تونس باتت المنصّة الرئيسية لانطلاق المهاجرين من جنوب الصحراء.


وقّعت تونس والاتحاد الأوروبي اتفاق “مذكرة التفاهم الشاملة” في جويلية 2023 يتضمّن محورًا لمكافحة الهجرة مقابل حزمة ماليّة قدرها 105 ملايين يورو. وتمّ النظر إلى ذلك من قبل الكثيرين على أنها “مقايضة مباشرة”: تونس تخفّض الأعداد، وأوروبا تدفع وتعفي من الضغوط حول تراجع الديمقراطية. وأعادت إيطاليا خلال 2023 أكثر من 2308 تونسيًا، أي ما نسبته 53% من إجمالي المرحّلين، ما يظهر أن التونسيين هم الجنسية الأولى في مراكز التّرحيل. هذا الرقم يُستخدم من قبل روما لتبرير تمويل مشاريع إعادة الإدماج داخل تونس نفسها. وأصبح أكثر من 70% من المهاجرين المنطلقين من تونس يحملون جنسيات إفريقية جنوبية، ما يعكس تحوّل تونس إلى مركز عبور بدل منفذ محلّي فقط.
وأعلنت السلطات التونسية إحباط أكثر من 600 محاولة هجرة خلال 2024، وضبط 80 ألف مهاجر غير نظامي، 18% منهم تونسيّون. هذا التصاعد في التصدّي للمهاجرين غير النظاميين، يُظهر أنّ الضغط الأوروبي لا يقتصر على الدور التونسي المتزايد في تأمين الحدود البحرية المتوسّعة بشكل غير مسبوق تحت عنوان “البحث والإنقاذ”، وهو ما تجسّم عبر الأمر عدد 181 لسنة 2024 المؤرّخ في 5 أفريل 2024، والذي يهدف إلى تنظيم عمليات البحث والإنقاذ للأشخاص المكروبين في البحر، وينصّ على إنشاء المركز الوطني لتنسيق عمليّات البحث والإنقاذ البحريّين وتحديد مهامّه ومهامّ الأطراف الأخرى المتدخّلة، بل يشمل أيضا القدرة التونسية على الضبط الأمني داخل المجال الترابي التونسي. ويُتوقع أن تؤدي الصعوبات الاقتصادية والمناخية في تونس وعموما جنوب الصحراء إلى زيادة مرتقبة في الهجرة خلال 2025–2027، ما يعني أن الاتفاقيات الأمنية الحالية ربّما تكون مؤقتة فقط. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية عن انخفاض 80% في الهجرة من تونس مطلع 2024 وهو ما يُعدّ إنجازاً سياسياً، لكنّه يضع مسؤولية أكبر على تونس للحفاظ على هذا الانخفاض.


بشكل عامّ، ومن الزاوية الجيوسياسية، تحوّلت الهجرة أيضا إلى أداة نفوذ تستعملها إيطاليا لإبراز أهميتها داخل الاتحاد الأوروبي. فمن خلال موقعها كـ”خطّ دفاع أول” في مواجهة تدفّقات المتوسط، تدفع روما باتجاه تحميل بروكسل وبقية العواصم الأوروبية قسطاً من المسؤولية، سواء عبر سياسات إعادة التوزيع أو عبر التمويل المباشر لمشاريع الرقابة في تونس وليبيا32. وبذلك تستخدم إيطاليا ضغط الهجرة لتأكيد موقعها كفاعل محوري في السياسة الأوروبية للهجرة والأمن، بل وتُقدِّم نفسها باعتبارها الضامن الأول لاستقرار الجبهة الجنوبية للاتحاد الأوروبي.
أما على المستوى الإقليمي، فإنّ تونس بدورها تستثمر في ورقة الهجرة في تفاوضها مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي، حيث تقايض التعاون الأمني والدوريات البحريّة بالحصول على دعم مالي واقتصادي، وأيضا الصمت على الأوضاع الحقوقية. لكن إيطاليا تبقى الطرف الأكثر قدرة على إعادة صياغة النقاش على المستوى الأوروبي، إذ تسعى من خلال تضخيم الطابع الأمني للهجرة إلى فرض أولوياتها في الأجندة الأوروبية، وربط هذا الملف بملفات أخرى مثل مكافحة الإرهاب وأمن الطاقة في المتوسط33.
وتُوجّه المنظمات الحقوقية التونسية المعنية بدراسة الهجرة غير النظامية، وعلى رأسها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، انتقادات للعلاقة التونسية مع الجانب الإيطالي في ملف الهجرة غير النظامية على اعتبارها علاقة تخدم المصالح الأوروبية على حساب المصالح التونسية والوضع الإنساني للمهاجرين. ويشير المنتدى ومنظمات أخرى إلى “الكلفة الإنسانية الباهظة” لمذكرة التفاهم التي وقعتها تونس مع الاتحاد الأوروبي، بدعم إيطالي قوي، والتي حوّلت تونس، حسب المنظمة، إلى “مسدي خدمات” لحراسة الحدود الأوروبية، وتجعلها تتحمّل عبء أزمة لا تقع على عاتقها وحدها، كما أنّها تكرّس مقاربة أمنية على حساب حقوق الإنسان34.
يمكن القول إنّ الهجرة غير النظامية من تونس إلى إيطاليا باتت تُدار بمنطق الأمننة (Securitization)، حيث تتحوّل التدفقات البشرية إلى تهديد يُستعمل لإعادة رسم موازين القوى في الاتحاد الأوروبي. وبذلك تُوظّف روما هذه الظاهرة لتعزيز حضورها الجيوسياسي، وتأكيد أهميتها كجسر لا غنى عنه بين أوروبا والجنوب المتوسّطي، ومن ثمّة ضمان “الأمن الأوروبي” من زاوية الحلف الاستراتيجي الغربي-الأطلسي، فمواجهة الهجرة غير النظامية هدف أساسي أيضا في الاستراتيجية الأمريكية من هذه الزاوية. وتعزّز هذا التصوّر مع صعود ترامب وميلوني والتقارب الكبير بينهما ليس فقط على الصعيد الشخصي، بل أيضا على الصعيدين السياسي والفكري في اعتبار مواجهة الهجرة غير النظامية نقطة مركزية في مفهوم الأمن القومي.
في المحصّلة، واجهت العلاقات التونسية الإيطالية تموّجات وتعرّجات في السياقات الجيوسياسية ليس أقلها أوّل حرب بين دولتين في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وأثرها الحاسم على استنفار أوروبا لتأمين مصادر بديلة للطاقة، وأزمة الكوفيد وتهديدها للشبكات اللوجيستية طويلة الأمد، وصولا إلى تحدّيات عدم الاستقرار السياسي من الثورة إلى تراجع الديمقراطية، وصعود اليمين اللافت في السياق الأوروبي المعاصر، حيث تحوّل موضوع الهجرة إلى رافعة مركزية في الوصول إلى السلطة. ورغم ذلك حافظت العلاقة على الخصائص طويلة الأمد للجيرة القديمة المميّزة بالصراع والتعايش، حيث الحدود تتحوّل من جسور إلى تعبير عن عدم التوازن والهيمنة بين الشمال والجنوب.
العنوان العامّ الذي يمكن أن نمنحه للصورة العامة للوضع الراهن المتّسم بالاختلال هو “الأمننة” سواء في سياقات العلاقة السياسية، أو الاقتصادية، أو الهجرة. حيث تعبّر إيطاليا ليس فقط عن دورها بل أيضا عن تصور جيوسياسي مهيمن تقوده واشنطن.
القرب الجغرافي الإيطالي التونسي يجعل أهم ملفّين بحكم الأولويات الأوروبية ومن ثمة الأطلسية: ضمان إمدادات الطاقة خاصّة المتجدّدة في سياق ضمان عدم العودة للتبعية للغزو الروسي ووقف تدفقات الهجرة غير النظامية التي ستؤدي عوامل هيكلية مستديمة إلى استمرارها عبر أقصر طريق وهو الطريق المتوسطي الأوسط. ويُرسي هذا الوضع أسسا مادية لعلاقة توازن مختلّ طويلة الأمد ليس من السهل تغييرها.
في المقابل، لا يمكن للجانب التونسي استغلال هامش المناورة إذا لم يكن هناك تصوّر مفصّل قابل للتنزيل يستثمر في نقاط القوة التونسية ويفرض مقاربة تونسية صرفة تستجيب للمصالح العليا للدولة في خصوص ملفيْ الطاقة والهجرة بدل أن يكون الدور التونسي مجرّد امتداد للمصالح الإيطالية/الأوروبية/الأطلسية.


الخطاب الرسمي التونسي الذي يُعلن في شعاراته العامّة ضرورة التركيز على السيادة وتنويع الشراكات لا يقوم حتى الآن بتفعيل ذلك في خطّة واضحة المعالم، بل عمليّا يحصل العكس في كثير من الحالات. من ذلك هيمنة التصوّر الطاقي الإيطالي وتموضع تونس كملحق لهذا التصوّر دون وجود تصوّر تونسي يركّز أكثر على “السيادة الطاقية” والإدماج الصناعي الطاقي ويحدّ من الآثار البيئية ويبحث في الانفتاح على شركاء متنوّعين.
كذلك، في ملفّ الهجرة حيث تبدو “الصفقة” الحالية التي أرستها “مذكرة التفاهم” تصبّ أكثر في صالح الايطاليين ومن ثمة بروكسيل، إذ توسّع المسؤولية الأمنية على تونس وتثقل كاهلها في التعامل مع المهاجرين العالقين من جنوب الصحراء، دون توفير دعم مالي ولوجيستي فعّال.
في المقابل، هناك اتفاق ضمني، يرسّخ التقاليد الأوروبية في التعامل مع المنطقة، أي الصمت على الأوضاع الحقوقية ما دام هناك توافق في المصالح الأمنية والجيوسياسية. وفي كلّ الحالات، الجانب الأوروبي بما في ذلك الجانب الإيطالي يفقد لدى التونسيين بشكل مطرد ومتزايد أيّ ثقة في خصوص مصداقيته في التمسّك بمرجعية حقوقية خاصة إثر الدعم الأعمى للكيان الصهيوني في الإبادة التي طالت الشعب الفلسطيني في غزّة.
وبمعزل عن العلاقة الراهنة بين سعيّد وميلوني، فإن الاتجاه العامّ السائد هو مزيد من “الأمننة” مهما تغيّرت هويّة الحكّام، خاصة في عالم يعود بشكل واضح إلى مبدأ الواقعية الأول أي سيادة منطق موازين القوى واستعمال القوة خاصة الصلبة منها في تحديد العلاقات الدولية. أما تراجع الديمقراطية وصعود اليمين المدفوع بأجندة مواجهة الهجرة فيعزّز بدوره عودة منطق القوة إقليميّا ودوليّا.
الهوامش: ( قائمة المصادر والمراجع)
1 الكحلاوي، طارق (2024). الجيوبوليتيك التونسي. سوتيميديا.
2 أنظر رسالة الدكتوراه (2008) التي نشرتها لاحقا في كتاب (2017): Kahlaoui (Tarek) 2017. Creating the Mediterranean. Brill
3 Giglioli, I. (2016). “Producing Sicily as Europe: Migration, Colonialism and the Making of the Mediterranean Border between Italy and Tunisia”. Geopolitics. https://doi.org/10.1080/14650045.2016.1225124
4 Choate, M.I. (2010). Tunisia, Contested: Italian Nationalism, French Imperial Rule, and Migration in the Mediterranean Basin. California Italian studies, 1. Choate, M.I. (2010). Tunisia, Contested: Italian Nationalism, French Imperial Rule, and Migration in the Mediterranean Basin. California Italian studies, 1., 1(1), 0.
5 بن زينة. محمد علي. “بداية جمع المعطيات الديمغرافية بالبلاد التونسية اثر انتصاب الحماية الفرنسية” المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية، 2018، عدد 144، ص 205-221
Nesterova, T. P. (2022). ‘Tunisian Question’ in Franco-Italian Relations (1922—1928). Nauchnyi dialog, 11(8): 386-402. DOI: 10.24224/2227-1295-2022-11-8-386-402. (In Russ.).
6 الحزقي (هيكل). 2024. أجواد وأوغاد، قصة الباندي التونسي. نشاز.
7 Atkinson, D. (2001) Geopolitical imaginations in modern Italy. In Atkinson, D., & Dodds, K. (Eds.). Geopolitical Traditions: Critical Histories of a Century of Geopolitical Thought (1st ed.). Routledge, 93-117
8 Edoardo Boria (2008) Geopolitical Maps: A Sketch History of a Neglected Trend in Cartography. Geopolitics, 13:2, 278-308
9 Sanfelice di Monteforte, F. (2021). Focus Mediterraneo allargato. Rivista Marittima, 154(5), 96. Ministero della Difesa – Marina Militare. https://www.marina.difesa.it/media-cultura/editoria/marivista/Documents/2021/dicembre_2021.pdf
10 “Conversazione con Stefania Craxi: dal ricordo del padre Bettino alle sfide geopolitiche nel ‘Mediterraneo allargato’” Strumenti Politici, Gennaio 2023. https://strumentipolitici.it/conversazione-con-stefania-craxi-dal-ricordo-del-padre-bettino-alle-sfide-geopolitiche-nel-mediterraneo-allargato-intervista/
11 Editorial on “Mediterraneo allargato” (Wider Mediterranean) — the December 2021 issue of Rivista Marittima https://www.marina.difesa.it/media-cultura/editoria/marivista/Pagine/2021_12_e.aspx?utm_source=chatgpt.com
12 Azione politica dell’Italia nel Mediterraneo allargato. Ministero degli Affari Esteri.
https://www.esteri.it/it/sala_stampa/archivionotizie/comunicati/2023/06/azione-politica-dellitalia-nel-mediterraneo-allargato/?utm_source=chatgpt.com
13 Alcaro, R., & Sartori, G. (2024). La politica estera italiana verso il Mediterraneo allargato (2011-2024). Istituto Affari Internazionali (IAI), Documenti IAI 24|34, Dicembre 2024. https://www.iai.it/it/pubblicazioni/la-politica-estera-italiana-verso-il-mediterraneo-allargato-2011-2024
14 Varvelli, A., & Marrone, A. (2021). The Mediterranean: A Timeless Strategic and Logistics Hub? ISPI Commentary, 15 December 2021. Istituto per gli Studi di Politica Internazionale (ISPI).https://www.ispionline.it/en/publication/the-mediterranean-a-timeless-strategic-and-logistics-hub-191215
15 تصريح وزير الخارجية الإيطالي: تونس بحاجة للمساعدة ولا يمكننا إضاعة الوقت وإلا نجازف بمحاباة الاخوان. الصباح نيوز. 24 مارس 2023. تم النفاذ اليه في أوت 2025 https://sl1nk.com/ofJRg
16 Tunisia’s Influence in Europe. New York Times. 05 April 2023. Accessed August 2025. https://www.nytimes.com/2023/04/05/world/africa/tunisia-europe-migration.html
17 Agence Nova. (2025). Tunisia-Italia: Ansaldo Energia sostiene lo sviluppo dell capacità produttiva e integrazione delle rinnovabili. Agenzia Nova.
18 CEPEX. (2010). Rapport sur les échanges commerciaux Tunisie-Italie. Centre de Promotion des Exportations, Tunis
19 Romani, P. (2011). Déclaration lors d’une visite officielle en Tunisie. Ministère du Développement Économique, Rome.
20 ANSAmed. (2025, January 16). Tajani e il ministro tunisino siglano accordi e dichiarazione congiunta. ANSAmed.
21 La Presse. (2025, April 5). Tunisie: 1000 entreprises italiennes investissent et créent plus de 83 000 emplois. La Presse de Tunisie.
22 INS. (2025). Note sur le commerce extérieur, premier trimestre 2025. Institut National de la Statistique, Tunis.
23 وكالة النهوض بالاستثمارات الخارجية (FIPA)، بيانات صادرة في جويلية 2025. https://investintunisia.tn/premier-semestre-2025-hausse-des-flux-dinvestissements-internationaux-en-tunisie/
24 “Roundtable Report – In Pursuit of Energy Transition: Will Tunisia Escape Green Colonialism?” Arab Reform Initiative. June 2025. https://www.arab-reform.net/publication/will-tunisia-escape-green-colonialism/?tztc=1#:~:text=This%20dynamic%20has%20already%20led,a%20WANA%2DWide%20Governance%20Dilemma
25 صفحة CGTN Africa، 26 سبتمبر 2025. https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=1259510859548629&id=100064691796526&mibextid=wwXIfr&rdid=kx9SjqfqYyUTTpLY
26 نفس المصدر اعلاه
27 Cristiani, Dario (2022). An Overview of the Current State of US-Italian. Political-Security Relations. (IAI papers 22/13, May 2022.) https://www.iai.it/sites/default/files/iaip2213.pdf
28 Leonard, M., Pisani-Ferry, J., Shapiro, J., Tagliapietra, S., & Wolff, G. B. (2021). The geopolitics of the European Green Deal (Policy Contribution 04/2021). Bruegel. https://www.bruegel.org/policy-brief/geopolitics-european-green-deal
29 Pepe, J., Ansari, D., & Gehrung, J. (2023). The geopolitics of hydrogen: Technologies, actors, and scenarios until 2040 (SWP Research Paper 13). Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP). https://www.swpberlin.org/publications/products/research_papers/2023RP13_GeopoliticsHydrogen.pdf
تمثّل هذه المقالة البحثيّة الأكاديميّة لبنة أولى في سلسلة مضامين ستنشر تباعا في موقع الكتيبة حول تونس في محيطها الجيوسياسي الإقليمي والدولي من أجل تقييم ما مضى وفتح نقاش عام أوسع حول تحديّات المستقبل.
تمثّل هذه المقالة البحثيّة الأكاديميّة لبنة أولى في سلسلة مضامين ستنشر تباعا في موقع الكتيبة حول تونس في محيطها الجيوسياسي الإقليمي والدولي من أجل تقييم ما مضى وفتح نقاش عام أوسع حول تحديّات المستقبل.

الكاتب : طارق الكحلاوي
أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة جنوب المتوسط في تونس. دكتوراة من جامعة بنسلفانيا. مدير عام سابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية.
الكاتب : طارق الكحلاوي
أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة جنوب المتوسط في تونس. دكتوراة من جامعة بنسلفانيا. مدير عام سابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية.








