كارتل الأعلاف والدّواجن.. تدمير لصغار الفلاّحين وتهديد للأمن الغذائي

تعرف أسعار اللحوم البيضاء ارتفاعا متواصلا منذ سنوات نتيجة هيمنة شركات اندماجيّة كبرى على قطاع الدواجن في تونس من خلال عمليّة تركيز عمودي وأفقي، الأمر الذي أدّى إلى تدمير صغار الفلّاحين والمربّين. وفي ظلّ تدهور القدرة الشرائية للتونسيين.ـات، تستنكف السلطات المعنيّة، لاسيما وزارة الفلاحة، عن اتّخاذ إجراءات إصلاحيّة عميقة تنهي اختلال هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي.

jawaher

الكاتبة : جواهر بنصير

صحفيّة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة

“سعر دجاجة للاستهلاك العائلي كان لا يتجاوز 12 دينارا، اليوم اشتريت دجاجة بأكثر من 20 دينارا. أمّا لحم الخروف فسعره يفوق 50 دينارا ونحن لا نقدر على شرائه. العائلات ضعيفة الحال في تونس لها الله”، بهذه العبارات التي تعكس الوضع الاجتماعي الصّعب الذي باتت تعاني منه الفئات الاجتماعية الضعيفة والمتوسطة في تونس جرّاء التضخّم، استهلّت “سعيدة”، وهي مواطنة تونسية تعمل عاملة نظافة بأجر زهيد حديثها مع موقع الكتيبة، مُعربة عن مخاوفها من المستقبل في ظلّ ارتفاع سعر الدجاج وغيره من المواد المعيشيّة الأساسيّة بالنسبة للعائلة التونسيّة.

تضيف سعيدة قائلة “نحن عائلة تتكوّن من 4 أفراد والدجاجة توفّر لنا غذاء لمدّة 3 أو4 أيّام فقط حيث نقوم بتقسيطها نظرا لأنّنا لا نقدر على شراء اللحوم الحمراء (الخروف والبقر). فكُلفة عشاء ليلة واحدة لا تقلّ عن 15 دينارا وإذا تواصل غلاء الأسعار مستقبلا فنحن لن نقدر حتّى على شراء الدجاج.”

الكاتبة : جواهر بنصير

صحفيّة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة

“سعر دجاجة للاستهلاك العائلي كان لا يتجاوز 12 دينارا، اليوم اشتريت دجاجة بأكثر من 20 دينارا. أمّا لحم الخروف فسعره يفوق 50 دينارا ونحن لا نقدر على شرائه. العائلات ضعيفة الحال في تونس لها الله”، بهذه العبارات التي تعكس الوضع الاجتماعي الصّعب الذي باتت تعاني منه الفئات الاجتماعية الضعيفة والمتوسطة في تونس جرّاء التضخّم، استهلّت “سعيدة”، وهي مواطنة تونسية تعمل عاملة نظافة بأجر زهيد حديثها مع موقع الكتيبة، مُعربة عن مخاوفها من المستقبل في ظلّ ارتفاع سعر الدجاج وغيره من المواد المعيشيّة الأساسيّة بالنسبة للعائلة التونسيّة.

تضيف سعيدة قائلة “نحن عائلة تتكوّن من 4 أفراد والدجاجة توفّر لنا غذاء لمدّة 3 أو4 أيّام فقط حيث نقوم بتقسيطها نظرا لأنّنا لا نقدر على شراء اللحوم الحمراء (الخروف والبقر). فكُلفة عشاء ليلة واحدة لا تقلّ عن 15 دينارا وإذا تواصل غلاء الأسعار مستقبلا فنحن لن نقدر حتّى على شراء الدجاج.”

يُمثّل قطاع الدّواجن في تونس قطاعا حيويّا واستراتيجيا بالنسبة إلى الدولة التونسيّة فهو يُعدّ رافدا للأمن الغذائي باعتبار أنّ منتوجات الدواجن إلى حدّ زمن قريب كانت في متناول الجميع وخاصة الطبقات الشعبيّة، بل هي ربّما أبعد من ذلك تُعتبر العمود الفقري في سلّة الغذاء للعائلة التونسيّة.

يوفّر هذا القطاع شهريّا ما لا يقلّ عن 12.5 ألف طن من دجاج اللحم الموجّه للاستهلاك، فضلا عن 1.5 مليون بيضة و7 آلاف طن من لحم الديك الرومي (ستاك واسكالوب)، وهو بذلك يوفرّ للتونسيين.ـات حوالي 70% من البروتينات -بحسب مهنيين في القطاع- التي يتحصّلون عليها لا سيّما في ظلّ تراجع القدرة على استهلاك اللحوم الحمراء (خاصة الأبقار والخرفان) والأسماك بما في ذلك المتأتية من محاضن التربية (كالوراطة والقاروص) التي قفز سعرها في سنوات قليلة من 12 دينارا إلى 25 دينارا فما أكثر للكيلوغرام الواحد.

على الرّغم من هذه الأهميّة القصوى، فإنّ قطاع الدواجن شهد خلال العشريّة الماضية التي تلت الثورة تطوّرات تراجيديّة أدّت إلى تفليس وتدمير واندثار السواد الأعظم من صغار المربّين والفلاّحين الذين كانوا يمثّلون دعامة للتوازن في القطاع وذلك نتيجة تفاقم المديونيّة، مقابل تغوّل 3 شركات كبرى اندماجية تتحكّم في الأعلاف وفي إنتاج الدجاج والبيض والديك الرومي في جميع الحلقات من المفارخ مرورا بمراكز التربية والمذابح وصولا إلى نقاط البيع التابعة لها.

وقد تسبّب تخلّي الدولة (خاصة وزارتَا الفلاحة والتجارة) عن دورها التنظيمي والتعديلي والرقابي والردعي والتشريعي في خلق قواعد منافسة غير متكافئة، مع تزايد بروز ظاهرة التهريب نحو القطر الجزائري وتنامي السوق الموازية والمضاربة والاحتكار، لا سيّما في الفلّوس (الكتاكيت) والاعلاف، زيادة عن ظاهرة الانتصاب العشوائي وما يسمّى “دجاج القصعة” الذي يذبح خارج المذابح المتحصّلة على تراخيص صحيّة قانونيّة.

قطاع مُدمّر

خلال صائفة 2024، أي قبيل الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة في تونس، شهد قطاع الدواجن في تونس اضطرابا خطيرا نتيجة نقص في الإنتاج كان أثره جليّا في السوق حيث ارتفع سعر بيع الدجاج في بعض الأماكن ليبلغ أكثر من 10 دنانير للكيلوغرام الواحد.

كما أنّ إمكانية الحصول على دجاجة كاملة جاهزة للطبخ بات خلال الأشهر الأخيرة مهمّة شبه مستحيلة حيث أنّ جلّ نقاط البيع بما في ذلك غير التابعة للعلامات التجارية الثلاث الكبرى كانت تتعلّل ببيع الدجاج بشكل غير كامل نظرا لغياب الوفرة في هذا المنتوج حيث يضطرّ الكثير من المواطنين إلى شراء قطع من الدجاج بأسعار أعلى.

وبالنظر إلى أهمية هذا القطاع بالنسبة الى الدولة التونسيّة باعتباره من روافد الأمن الغذائي، سارعت، وقتها، الوحدة الوطنيّة للبحث في الجرائم المالية المتشعبّة بالقرجاني إلى فتح تحقيق حول الموضوع حيث تمّ الاستماع إلى عديد الأطراف الفاعلة في القطاع ـ بما في ذلك المجمع المهني المشترك للدواجن- لا سيّما في ظلّ تعزّز نظرية المؤامرة.

بعيدا عن هذا المنحى في التفكير المؤامراتي، كانت هذه الأزمة فرصة لموقع الكتيبة لفتح هذا الملف والبحث في خبايا هذا القطاع طيلة أشهر حيث تبيّن أنّ تلك الأزمة الظرفية ليست سوى حلقة من سلسلة الأزمات الهيكلية التي يعاني منها القطاع منذ سنوات والتي تعرف من حين لآخر مدّا وجزرا.

في الحقيقة، تسبّبت إصابة ما لا يقلّ عن قطيعين من أمّهات الدجاج (حوالي 70 ألف أمّ) التي يتمّ توريدها من الخارج بأحد الأمراض، في إرباك حلقة الإنتاج حيث تمّ ذبحها بشكل فوري وهو ما أثرّ في توازن السوق في الأشهر اللاحقة.

وعلى الرغم من قرار الدولة السماح بتوريد بيض التفقيس لتعويض المنتوج الذي كان سيتأتّى من الأمهات لتدارك الخلل، فضلا عن التمديد في مدّة الإنتاج للبعض الآخر وإقرار توريد كميّات من الدجاج المُجمّد من الخارج لمعالجة هذا الوضع، إلا أنّ هذه الهزّة الظرفية كان من الضروري ألّا تحجب عمق الأزمة البنيوية في القطاع الذي تحوّل إلى قطاع مُدمّر بفعل السياسات المنتهجة من حكومات ما بعد الثورة في 2011 والتي غضّت البصر عن مشاكل صغار الفلاّحين والمربّين وحجم الضرر الذي لحقهم.

في مقال صدر في شهر ماي/ أيار من سنة 2023 في المجلّة الإعلامية لقطاعي الدواجن والأرانب (العدد 66) كتبه الدكتور محمود قنّون وهو المدير العام الحالي للمجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب. يقول الكاتب: “إنّ البنية التحتيّة لإنتاج الدواجن ببلادنا، مقارنة بمساحة البلاد وعدد سكّانها، تعتبر رائدة أمام الدول العربية والإفريقيّة حيث تتكوّن من 51 مفرخا لإنتاج فراخ دجاج اللحم و5 مفارخ لإنتاج فراخ دجاج البيض و 3 مفارخ لانتاج فراخ الديك الرومي و32 مذبح دواجن وحوالي 6000 مربي دجاج لحم وحوالي 340 مربي دجاج بيض وحوالي 300 مركز تربية ديك رومي و34 شركة تعاونية للخدمات الفلاحيّة في مجال إنتاج الدواجن”.

ويضيف قنّون في نصّه المنشور في المجلّة المذكورة آنفا، والتي تمثّل لسان حال المجمع الذي ينضوي تحت سلطة وزارة الفلاحة، قائلا “يمكن أن توفر هذه البنية التحتية أكثر من ضعفين ونصف من حاجيات مُنتجات الدواجن”.

ما يمكن الإشارة إليه أنّ هذه المعطيات الخاصة بالمربّين غير محيّنة إذ تعود إلى المسح الذي قامت به وزارة الفلاحة حول القطاع بين 2015 و2016 أي قبل الأزمة الأخطر على الإطلاق التي ضربت المهنيّين بين 2018 و2020 والتي تسبّبت في إفلاس العديد من صغار الفلاحين والمربين، فضلا عن مغادرة العديد من أصحاب المذابح والمفارخ للقطاع من خلال بيع ممتلكاتهم للشركات الكبرى على وجه الخصوص.

كما يمكن التأكيد أنّ هذه المعطيات الرسميّة بدت بعيدة كلّ البعد عن الواقع الميداني الذي عاينّاه طيلة فترة التحقيق في العديد من الجهات ومن خلال عديد اللقاءات المباشرة وهو ما يتطلّب التنويه بامكانية أنّ تتسبّب أرقام المجمع المنشورة حاليا في مغالطات وتضليل حول قطاع الدواجن في تونس اليوم الذي جرت فيه مياه كثيرة من تحت الجسور بين 2016 تاريخ العودة إلى نظام الحصص في توريد الأمّهات وتاريخ ما بعد 25 جويلية 2021 الذي ظهرت فيه بوادر إجراءات رئاسيّة لكسر كارتال الأعلاف الذي تسبّب في تدمير صغار المربين والفلاحين.

يوضّح رئيس الجمعيّة التونسيّة لمنتجي بيض الاستهلاك وعضو اللجنة الاستشارية للبرمجة في قطاع الدواجن بوزارة الفلاحة حسيب الفخفاخ، في مقابلة مع موقع الكتيبة، أنّ هذه الأرقام “بعيدة عن حقائق الميدان”، مفيدا أنّ “عدد مربّي دجاج اللحم بالكاد يصل إلى حوالي 1000 مربّي، كما أنّ عدد مربّي دجاج البيض لا يمكن في كلّ الحالات أن يتجاوز 100 مربي في كامل تراب الجمهورية “.

من جهته، يؤكد محمد العفاس، وهو مربي دجاج لحم وبيض ووكيل في شركة مفرخ ورئيس لتعاونيّة فلاحين في القطاع، أنّ إحصائيات المجمع “قديمة وغير مواكبة للتطورات الميدانية” في علاقة بعدد المربّين (الذين هم بالأساس صغار الفلاحين)، وذلك بالنظر إلى أنّ “العديد منهم اندثروا من خلال مغادرة القطاع عبر بيع منشآتهم للشركات الكبرى أو أنّ البعض منهم مات كمدا والبعض الآخر سجن والبعض الآخر فرّ إلى الخارج بسبب شيكات غير مستخلصة”، مذكّرا بما أسماه “الدمار” الذي لحق بالقطاع بسبب “السياسة الممنهجة” التي اعتمدها من وصفهم بـ”الكرتال” لاسيما بين 2018 و2020 في علاقة بملف التلاعب بأسعار الأعلاف.

في هذا الإطار، من المهمّ التذكير أنّ السلطات التونسيّة (الإدارة العامة للمصالح البيطريّة) أجرت مسحا وطنيّا قبل الثورة وذلك في سنة 2004 قالت على ضوء نتائجه إنّ قطاع الدواجن يزوّد البلاد بـ50% من اللحوم المستهلكة، فضلا عن كونه يمثّل 25% من قيمة الثروة الحيوانية و8% من الإنتاج الزراعي.

وتشير البيانات الرسميّة إلى أنّ عدد المربّين الذين وقع إحصاؤهم في جويلية/ تمّوز 2004 كان على النحو التالي: 4060 مربي في دجاج اللحم و300 مربي في الديك الرومي و320 مربي في دجاج البيض و12 مربي في السمّان.

كما أنّ عدد بيوت التربية توزّع على النحو التالي بحسب نفس البيانات الرسميّة: 5574 بيت تربية دجاج لحم و 439 بيت تربية ديك رومي و814 بيت تربية دجاج البيض.

وقد بلغ عدد المفارخ وقتها 36 مفرخا منها 30 متخصّصة في دجاج اللحم ومفرخين للديك الرومي و4 مفارخ متخصّصة في دجاج البيض، في حين بلغ عدد مصانع العلف أكثر من 600 مصنع منها 140 ذات صبغة تجارية والبقيّة متكونّة من وحدات خاصة بالمربين موجودة بمنشأة التربيّة، كما أنّ أكثر من 70% من رقم معاملات مصانع العلف تقوم بها عشرات المصانع.

ولئن أشار المسح الذي أجري في سنة 2004 إلى وجود 30 مذبحا ما يعني أنّ عددهم ارتفع نسبيّا وفق مسح 2016، فإنّ ما يمكن ملاحظته حاليّا هو التراجع الذي شهدته حلقة الإنتاج هذه في القطاع، حيث يؤكّد فتحي غرّيب رئيس غرفة المذابح بمنظمة الصناعة والتجارة (منظمة الأعراف)، في حديث مع الكتيبة، أنّ عدد المذابح تراجع فعليّا من 36 مذبحا إلى 14 مذبحا الآن، مفسّرا ذلك بالخسائر التي تعرّض لها هذا القطاع (يقصد المذابح ) والتي قدّرها بحوالي 270 مليون دينار منذ 2011 وهو ما خلق ديونا لدى البنوك، وفقا لما جاء على لسانه.

جدير بالتنويه أنه مقابل تراجع عدد صغار ومتوسّطي المربّين في القطاع، فإنّ نسبة الإنتاج السنوي على سبيل الذكر في دجاج اللحم ارتفعت من 97 ألف طن في سنة 2011 إلى 147 ألف طن في سنة 2023، وفق إحصائيات رسميّة، وهو ما يشي بتغوّل الشركات الكبرى الثلاث مع قلّة قليلة من كبار الفلاحين، وفق تأكيد العديد من الخبراء والمهنيين الذين التقاهم موقع الكتيبة ضمن هذا التحقيق.

فضلا عن ذلك، توضّح رسالة غير منشورة للعموم توجّه بها عدد من فلّاحي ولاية صفاقس التي تعدّ قطبا من أقطاب قطاع الدواجن في تونس، إلى رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بتاريخ 01 ديسمبر/ كانون الأوّل 2023 ـ تسنّى لموقع الكتيبة الحصول على نسخة منهاـ حجم الضرر والخراب والدمار الذي لحق بالقطاع والذي لا نجد له صدى لدى وزارة الفلاحة والمجمع المهني المشترك للدواجن، وفق تقديرهم.

يقول أصحاب هذه الرسالة في متنها:

نعلمكم سيادة الرئيس أنّ قطاع الدواجن يتدهور وأنّ المربين كانوا يعدّون قرابة 6000 مربي دجاج لحم و300 مربي ديك رومي و700 مربي دجاج بيض لم يبق منهم إلا بضعة مئات من مربي دجاج اللحم ولم يبق مربي واحد من مربي الديك الرومي ولم يبق إلا أقل من 200 مربي دجاج بيض حيث غادر الفارق في العدد منظومة الدواجن.

يعزو أصحاب هذه الرسالة هذا التراجع في عدد المربين إلى “إفلاسهم أو تفليسهم وغلق منشآتهم والاستيلاء عليها أو الاستسلام بالنسبة للعديد من المربّين لعدم تحمّلهم كثرة الخسائر وقد جاء كلّ هذا جرّاء الوفاق (cartel) الذي حصل بين الشركات الكبرى بتواطؤ من رموز الفساد في الاتحاد الوطني للفلاحة والصيد البحري المتمثل في رئيسه والكاتب العام للجامعة الوطنية للدواجن وغياب وزارات الإشراف ابتداء من حلّ البرمجة وانتهاء بالزيادة في هامش الربح عند التوريد للمواد الأوليّة من قطانيا وفيتروة صوجا من 7 % قبل الثورة إلى 60 % بداية من سنة 2018 تزامنا مع انعدام الرقابة المتمثّلة في عدم اجتماع لجنة الأعلاف التي كانت تجتمع مرّة كل شهر.. في هذه العمليّة وقع إجبار شركة حبوب قرطاج على أن تبيع كلّ إنتاجها من فيتورة الصوجا لثلاث شركات (الكرتال) فقط حتّى يتسنّى لهم الاستحواذ الكامل على منظومة الأعلاف”، وفق ما جاء في نص الرسالة.

على سبيل الذكر لا الحصر وكنتيجة لأزمة القطاع بين 2018 و2020 جرّاء كارتال الأعلاف الذي يملك هو نفسه العلامات التجارية الكبرى في قطاع الدواجن (المزرعة، شهية، مليحة)، أحصى نفس المصدر في رسالة أخرى وجّهت لرئيس الجمهورية قيس سعيّد بتاريخ 9 سبتمبر/ أيلول 2024، قائمة اسميّة في المداجن التي تمّ الاستيلاء عليها والتفويت فيها من المربّين لصالح حاتم الشعبوني مالك شركة “شهيّة” وشركة الأعلاف “ألفا” (يقبع حاليّا في السجن) وأعوانه ومضاعفة انتاجها خارج نظام الحصص والبرمجة وبناء مداجن جديدة دون رخصة، وذلك وفق وثائق تسنّى لموقع الكتيبة الحصول على نسخ منها.

وقد ضمّت القائمة الأولية للمتضّررين في صفاقس فقط ممّن وردت أسماؤهم في هذه المراسلة التي وُجّهت إلى رئيس الجمهورية 81 مربي وفلاّح.

من الهيمنة على الأعلاف إلى السيطرة على الفراخ

قبل سنوات ستّينات القرن الماضي، لم يكن الدجاج والبيض والديك الرومي المُنتج من الأمّهات المورّدة ضمن دائرة العادات الاستهلاكية للشعب التونسي، حيث سيعرف هذا القطاع بداية ولادته الجنينية مع رجل الأعمال عبد الوهاب بن عيّاد الذي درس في فرنسا قبل أن يعمل في وزارة الفلاحة التونسيّة ثمّ يقرّر الاستثمار للحساب الخاصّ رفقة عدد من الشركاء له في مشروع للدواجن سيتحوّل لاحقا إلى مجمع بولينا الذي يعدّ من أبرز 10 مجموعات اقتصاديّة تونسيّة في العقدين الأخيرين بشكل خاصّ.

ومع تطوّر هذا القطاع خاصّة في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، حيث شهد مدّا وجزرا دفع الدولة والمهنيّين إلى التفكير في تنظيمه عبر إحداث مجمع مهني مشترك للدواجن، وكذلك إقرار نظام الحصص في توريد الأمّهات وذلك حفاظا على العملة الصعبة وحتّى يكون الانتاج متسقا بشكل متوازن مع الاستهلاك والحاجيات عموما.

وعلى الرغم من عديد الصعوبات التي عرفها القطاع خلال سنوات حكم الرئيس بن علي (1987-2011)، فإنّه حافظ على نوع من التوازن والمعادلة التي تضمّن حقوق جميع الفاعلين فيه. غير أنّ الصدمة الكبرى الأولى التي سيعرفها القطاع بعد الثورة التونسيّة كانت خلال الفترة التي تمّ فيها إقرار تحرير توريد الأمّهات بين 2012 و2016، حيث سيعرف القطاع العديد من الخسائر خاصة في صفوف صغار ومتوسطي المربين الذين لم يستطيعوا الصمود في وجه الشركات الكبرى التي عادة ما تكون كلفة الإنتاج فيها أقل باعتبارها تمثّل مشاريع اندماجية لجميع الحلقات من توريد الأعلاف والأمهات إلى التربية والذبح والبيع في نقاط البيع الخاصة التي تسوّق في إطار “الفرانشيز”.

يستذكر مربّي الدواجن محمد العفّاس تلك الفترة المريرة قائلا “كنّا نتحكّم في الإنتاج بنظام الكوتا وهو مقتبس تاريخيّا من النظام الكندي في قطاع الدواجن وذلك قبل مجيء وزير الفلاحة وقتها محمد بن سالم الذي تعنّت ومضى قدما في تحرير القطاع بدفع من لوبي معيّن (في إشارة إلى حاتم الشعبوني صاحب شركة شهيّة ورشاد الأحمر صاحب شركة مليحة التي ستصبح لاحقا على ملك كمال بلخيريّة) أوهمه أنّه من الممكن تصدير الفوائض للسوق الليبيّة لكن العكس هو الذي حصل حيث حلّت كارثة بالقطاع أدت إلى تزايد الكميّات المورّدة من الأمهات، فضلا عن تزايد عدد المفارخ وعدد المنشآت العشوائيّة ما تسبّب في فائض في الإنتاج وانهيار في الأسعار ما أدى، بدوره، إلى إفلاس العديد من صغار الفلاّحين مقابل صمود الشركات الكبرى التي كانت مدعومة من البنوك والتي كانت كلفة الإنتاج لديها أقل بكثير باعتبارها تتواجد في جميع الحلقات”، وفق ما ورد على لسان محمد العفّاس.

على الرغم من إقرار العودة إلى نظام الكوتا في سنة 2016، فإنّ آثار تحرير توريد الأمّهات الذي أدخل القطاع في فوضى عارمة و كارثة غير مسبوقة، ستبقى عالقة حتّى بعد ذلك بسنوات قليلة وذلك في ظلّ مساعي ستبذل لإعادة التوازن إلى السوق بهدف إنقاذ القطاع.

خلال تلك الفترة، وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه صغار الفلاّحين والمربّين تحسّن أوضاعهم وبداية تعافي القطاع، ستكون هناك أزمة جديدة لا تقّل خطورة عن الأزمة الآنف ذكرها.

تفيد عريضة وجّهها عدد من الفلّاحين إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد بتاريخ 23 أوت/ آب 2021، طالبوا فيها بالتدخّل لفائدة مربّي الدواجن والماشية أنّ “منظومة الأعلاف شهدت منذ أواخر سنة 2018 هيمنة 4 شركات على مسالك توريد الأعلاف (فيتورة الصوجا وحبوب الذرة) بمقتضى اتفاقات صريحة وضمنية ثابتة وبطريقة احتكارية مخلّة بقواعد المنافسة تسبّبت في عرقلة حريّة الأسعار حسب السير الطبيعي لقاعدة العرض والطلب حيث تعمّدت الترفيع في أسعار بيع المواد الأوّلية للأعلاف باعتماد نسبة هامش ربح مشطة تجاوزت 50% بعد أن كانت 7% سابقا، في ظلّ تخاذل وزارتي الفلاحة والتجارة وعدم اضطلاعهما بالمهامّ الرقابية والمجمع المهني المشترك للدواجن وتواطؤ المنظمة الفلاحية العضو القارّ في لجنة متابعة عمليات توريد فيتروة الصوجا وحبوب الذرة المحدثة بموجب قرار وزاري مشترك بين وزارات الفلاحة والتجارة والمالية منذ 1997 المناطة بعهدتها متابعة تطوّر أسعار مدخلات الأعلاف في السوق العالميّة والمحلّية ومتابعة المخزونات الاستراتيجيّة”، وفق نص العريضة.

كما يؤكد أصحاب نفس العريضة التي وجّهت إلى رئيس الجمهوريّة أنّ ما وصوفه بالوفاق بين الشركات الثلاث الكبرى للأعلاف وحبوب قرطاج أدّى إلى “استحواذ تلك الشركات على السوق حيث هيمنت بشكل كلّي عليها وعلى كلّ قيمة مضافة لمنظومات الإنتاج الحيواني وجعلت بقيّة الحلقات في وضعيّة تبعيّة وتسبّب في إفلاس الكثيرين وثانيا ارتفاع كلفة منتوجات التربية الحيوانيّة وهي المواد الأسياسيّة لمعيشة المواطن وإضعاف القدرة الشرائيّة للمستهلك بالرغم من الحوافز والامتيازات الجبائيّة والديوانيّة التي تمنحها الدولة لهذا القطاع والمتمثّلة في إيقاف العمل بالمعاليم الديوانيّة المستوجبة على مادتي فيتورة الصوجا وحبوب الذرة بصفة جزئية وإيقاف العمل بالأداء على القيمة المضافة الأمر الذي استوجب رفع دعوى قضائيّة أمام مجلس المنافسة بتاريخ 11 أوت/ آب 2020 تحت عدد 308.”

ويضيف ذات المصدر “لقد تواصلت الممارسات الاحتكاريّة في منظومة الأعلاف بالرغم من إصدار وزارة التجارة مقرّر أوّل بتاريخ 31 أوت 2020 يتضمّن تحديد نسبة هامش الربح المطلق الموظفة على شراء حبوب الذرة وفيتورة الصوجا في مستوى 20 % ومقرّر ثان بتاريخ 09 مارس 2021 يتضمن النزول بهامش الربح إلى 10% وذلك بتعمّد شركات توريد مدخلات الأعلاف الترفيع في أسعار الأعلاف المركبة التي لم تشملها القرارات الإدارية الصادرة عن وزارة التجارة بالرغم من المنحى التنازلي الذي تشهده أسعار مدخلات الأعلاف في السوق العالميّة.”

جدير بالإشارة إلى أنّ نفس هذه المجموعة من الفلّاحين في قطاع الدواجن قامت برفع قضّية في المحكمة الإداريّة التي أنصفتهم في أفريل/ نيسان 2021 بالنزول في هامش الربح إلى 10% عن استيراد المواد الأوليّة للأعلاف وإجبار حبوب قرطاج على بيع فيتورة الصوجا مباشرة للمربّين.

يُذكر أنّ مصنع حبوب قرطاج ينتج سنويّا حوالي 400 ألف طن من فيتورة الصوجا المعدّة للأعلاف، وفق تصريح لمديره العام ماهر العفاس. وتستحوذ هذه الشركة على قطاع توريد حبوب الصوجا التي تُستغل حوالي 83 % منها في فيتورة الصوجا أمّا البقيّة فهي تذهب لصناعة زيت الصوجا.

وتؤكد جلّ المصادر الرسميّة والمهنيّة أنّ الأعلاف المركّزة تمثّل ما لا يقلّ عن 70 % من كلفة إنتاج الدواجن. ويكشف رئيس الجمعية التونسيّة لمنتجي بيض الاستهلاك حسيب الفخفاخ في حواره مع موقع الكتيبة، أنّ تركيبة الأعلاف الموجّهة للدواجن تتوزّع أساسا بين حوالي 60 % من الذرّة و27 % من فيتورة الصوجا، بالإضافة إلى الكلسيوم والمكمّلات الغذائيّة المعدنيّة.

ومن المعلوم أنّ سوق الأعلاف في تونس تهيمن عليها 3 شركات كبرى تابعة لمجموعات اقتصادية اندماجيّة وهي “ألفا” لتغذية الحيوانات التابعة لحاتم الشعبوني و”ألكو” للأعلاف المركبة التابعة لمجموعة الوردة البيضاء لصاحبها كمال بلخيريّة وشركة تغذية الحيوانات “أس أن أ” التابعة لمجموعة بولينا القابضة التي أسّسها عبد الوهاب بن عيّاد، وهو ما دفع رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى إحداث ديوان للأعلاف في محاولة منه لكسر هذا الاحتكار للقطاع الذي تضرّر منه أيّما تضرّر صغار الفلاّحين.

على الرغم من التراجع النسبي لأسعار الأعلاف في الفترة الأخيرة محلّيا خاصّة مع تراجع الأسعار على الصعيد الدولي بعد الأزمة الخانقة التي تسبّبت فيها الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، فإنّ مشاكل قطاع الدواجن الهيكليّة لم تُحلّ، وفق تأكيد المهنيين.

طيلة السنوات الأخيرة، شهد قطاع الدواجن ارتباكا كبيرا في علاقة بمدى توفر الفراخ (الفلّوس) بالنسبة الى المربين وهو ما أثّر في دورة الإنتاج في علاقة بدجاج اللحم على وجه الخصوص، زيادة على نقص في لحم الديك الرومي في السوق وهو ما خلق نوعا من المضاربة، كما غذّى السوق السوداء.

تاريخيّا، وبعد أن كان يقوم قطاع الدواجن على توريد فراخ اليوم الأوّل خاصة من أوروبا، أخذ القطاع منحى آخر منذ عقود من خلال توريد أمّهات الدجاج التي تكون مصدرا للفراخ لاحقا.

ويقوم توريد الأمّهات (سواء دجاج البيض أو دجاج اللحم) على نظام الحصص حسب طاقة الإنتاج، وقد تمكنت الشركات الكبرى من التوسع خلال السنوات الماضية من خلال الاستحواذ على العديد من منشآت الدواجن والمفارخ والمذابح، وهو ما مكّنها من توسيع نسبة الاستحواذ على حصص الأمّهات ما يعني حجم إنتاج “الفَلّوس”.

تتوزّع حصص توريد أمّهات الدجاج بين المفارخ التي تتحصّل على 73% والمذابح التي تتحصّل على 17% والتعاونيات التي يقدّر نصيبها بـ 10%. وقع هذا التقسيم سنة 2016 عندما تقرّر العودة للعمل بنظام الحصص “الكوتا”.

ظاهريا، قد تبدو الأمور للوهلة الأولى على ما يرام، بيد أنّ الواقع مختلف تماما حيث تحوّلت “الكوتا” من أداة لتنظيم القطاع ومحاولة لوضع حدّ للأزمات المتكرّرة التي يعاني منها، إلى وسيلة للهيمنة الخفيّة في يد من يملك الموارد المالية ويسيطر على جميع حلقات الإنتاج من أعلاف ومفارخ ومذابح ونقاط بيع، إذ أنه خلف أرقام توزيع الحصص التي تبدو متوازنة، تتوارى مظاهر احتكار وهيمنة مُحكمة في يد الشركات الكبرى وهو ما كشفته لنا شهادات ووقائع قمنا بتجميعها ضمن هذا التحقيق.

في السنوات بين 2012 و2016 (وهي الفترة التي أُلغي خلالها نظام الكوتا)، كانت المفارخ تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية حيث تجاوز حجم توريد أمّهات الدواجن سنويًا ما يفوق 1.4 مليون أمّ وهو ما أدّى إلى إغراق السوق بالإنتاج وانهارت معه الأسعار، غير أنّ العودة إلى نظام الحصص أدّت إلى التحكّم أكثر في كمية الأمهات المورّدة وإعادة توزيع الكوتا بين المفارخ والمذابح والتعاونيات.

هذا التقسيم لم “يُبنَ على أيّ دراسة علمية أو مسح ميداني، بل جاء نتيجة اختيارات مُبهمة تتحمّل مسؤوليتها الهياكل المهنية وعلى رأسها الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري”، وفق ما صرّح به حاتم بكّار مربي أمّهات دواجن وصاحب شركة مفارخ وعضو بالجمعية الوطنيّة للمفارخ، حيث اعتبر أنّ “إسناد حصص توريد أمّهات الدواجن للتعاونيات والمذابح يفتقد إلى المنطق وليس له أي تفسير خاصة وأنّ هذه الأطراف لا تمتلك مفارخ خاصة ولا التجهيزات ولا الخبرة اللازمة لتربية أمّهات الدواجن”.

وتُعدّ المفارخ العصب الرئيسي في حلقة الإنتاج إذ تتكفّل بتوريد أمّهات الدواجن من دجاج اللحم ودجاج البيض وتربيتها، ثم إنتاج فراخ اليوم الأول وتسليم الفراخ للمربين. كما تتولّى في إطار عقود “المناولة” (sous-traitance) توريد حصص المذابح والتعاونيات من أمّهات الدواجن مع متابعة عملية التربية إلى غاية التفقيس وتسليم فراخ اليوم الأول اليها.

هذا الواقع يبرز مفارقة جوهرية في منظومة الكوتا إذ تُمنح حصص توريد لأطراف لا تشارك فعليًا في إنتاج فراخ اليوم الأوّل. ويرى مهنيون في القطاع أنّه كان من الأجدر أن تتركّز الكوتا بالكامل لدى المفارخ مع الذهاب إلى تنظيم العلاقة بين المربّين والمذابح عبر عقود إنتاج واضحة تضمن لكلّ الأطراف حقوقهم غير أنّ عدم اعتماد هذا الخيار فتح الباب أمام حالة من الفوضى جعلت نحو 50% من الدجاج الحيّ يسوّق خارج مسالك التوزيع المنظّمة ويباع في الأسواق والمذابح عشوائية.

عمليّا، تمرّ عملية إنتاج فراخ اليوم الأول “الفلّوس” بعدّة مراحل، في البداية يتمّ توريد أمهات الدواجن (دجاج بيض ودجاج لحم) ثم يتمّ إخضاعها لفترة تربية تمتدّ إلى نحو 23 أسبوعا (تربّى الإناث منفصلة عن الذكور)، قبل أن تدخل مرحلة إنتاج بيض التفريخ (في هذه المرحلة يتم دمج الإناث مع الذكور للحصول على بيض مخصّب)، لتتواصل مرحلة إنتاج البيض بين 66 إلى 70 أسبوعا، وتعطي كل أمّ حوالي 180 بيضة تفريخ، تُنتج بدورها ما بين 140 و150 فرخًا من فراخ اليوم الأول.

أمّا على مستوى التفريخ، فيتمّ تجميع البيض في أجل لا يتجاوز ثلاثة أيّام كحدّ أقصى، قبل إدخاله إلى المحاضن لمدة 18 يومًا وبعد ذلك يُنقل البيض إلى آلات التفقيس (éclosoirs) لمدّة ثلاثة أيام ليتمّ في النهاية الحصول على فرخ اليوم الأول.

ثمّ تتمّ تربية فرخ اليوم الأول من دجاج اللحم في المداجن لمدة بين 30 و35 يوما حتى يصل إلى وزن يقارب 2 كلغ من اللحم ثم يتمّ بيع المُنتج للمذابح، ما يعني أنّ الأمّ الواحدة قادرة في نهاية السلسلة على توفير ما يقارب 300 كلغ من اللحم وتعرف هذه العملية بـ “pouvoir de multiplication” وهي الآلية الأساسيّة التي تقوم عليها منظومة إنتاج الدواجن.

تعاونيّات فلاحيّة أم تعاونيّات وهميّة؟

رغم وجود عدد من التعاونيات التي تشتغل ضمن عقود منظمة مع المفارخ وتقوم بتربية الحصص الخاصة بها من الفراخ، إلا أنّ العديد من المعطيات المتقاطعة تشير إلى أنّ البعض الآخر منها تحوّل إلى ما بات يُعرف في القطاع بـ”التعاونيات الواجهة”، ذلك أنها لم تعد تمثّل صغار الفلاحين والمربّين الذين دفعتهم الأزمات المتتالية إلى الخروج من المجال، بل وقع اختراقها وتحوّلت إلى هياكل مغلقة تقتصر على عدد محدود من كبار الفلاحين والشركات الكبرى بهدف الحصول على قدر أكبر من “الكوتا”.

الأخطر، وفق عدد من المصادر المهنيّة المطلّعة، أنّ “بعض هذه التعاونيات لا تنشط فعليًا وإنما تمارس نوعا من أنواع السمسرة، حيث تتحصّل على حصّتها من الكوتا وتقوم لاحقًا بالتفويت فيها بالكراء السنوي لفائدة شركات كبرى مقابل مبلغ مالي محدّد لتستحوذ هذه الأخيرة على حصص أكبر من الفراخ وبالتالي نسبة أكبر من الإنتاج والسوق عموما”.

هذا الوضع الذي يصفه حاتم بكّار بـ”غير العادل” كان أحد الدوافع الأساسيّة وراء تأسيس جمعية المفارخ سنة 2018 (هي جمعية تضمّ 27 مفرخا وتمثّل حوالي 40 بالمائة من الحصّة الجمليّة لأمهات الدواجن الموزعة على المفارخ)، في خطوة اعتبرها ردًّا مباشرًا على ما يرونه “اختلالًا هيكليًا في منظومة الكوتا التي تخدم فاعلين محدّدين وتقصي بقية المتدخلين في سلسلة الإنتاج، خاصة أنّ منظومة الكوتا قبل سنة 2011 كانت أكثر وضوحًا وتنظيمًا”، أمّا اليوم، فيشير محدثنا إلى غياب شبه تامّ للشفافية قائلًا “حتّى أنا كصاحب مفرخ لا أعرف كيف تُقسّم الكوتا ولا كم نصيب كل مفرخ وهو ما يدلّ على وجود إشكال حقيقي”.

رغم وجود ما يقارب 51 مفرخًا، تفيد المعطيات أنّ الغالبية الساحقة منها تعمل كواجهة للشركات الكبرى، وهو ما ينطبق أيضًا على عدد من التعاونيات والمذابح. هذه السيطرة على نصيب الأسد من “الكوتا” مكّنت الشركات الكبرى من التحكّم في فراخ اليوم الأول، وبالتالي التحكم في من يواصل النشاط ويربي ومن يُقصى منه. وهو ما جعل صغار المربين الذين لا تتجاوز طاقة إنتاجهم بين 5 و10 آلاف “فلّوس” يجدون صعوبات كبيرة في التزوّد بالفراخ في ظلّ ما يصفه المهنيون بحالة احتكار فعلي تتحكّم من خلالها الشركات الكبرى في مفاتيح الإنتاج وكلّ حلقاته.

في السياق ذاته، يروي شكيب التريكي، وهو مربي دواجن ورئيس الجامعة التونسية للمنظومات الفلاحية والصيد البحري، أنّه طلب كمية تقدّر بـ5 آلاف “فلّوس” من الشركة التونسية للدواجن ومن شركة أخرى خاصّة، إلا أنه لم يستطع أن يتحصلّ عليها رغم أقدميته وخبرته التي تمتد لأكثر من خمسة عقود في المجال.

ويضيف محدثنا “قال لي أحد الأشخاص إنّ المخدرات يمكن توفيرها، أمّا فراخ اليوم الأول فمستحيل. تخيّل إذا كنتُ أنا المعروف في القطاع لم أتحصّل على (الفلّوس) فما بالك بصغار المربّين من حديثي العهد في المهنة”.

تكشف العديد من المعطيات أنّ الشركات الكبرى المُهيمنة، وهي (بولينا/المزرعة، مليحة، شهية) استحوذت بشكل مباشر وغير مباشر على قرابة 70% من الحصص، وفرضت حينئذ سياسة تقوم على إغراق المربّين بالديون عبر توفير الأعلاف ومستلزمات الإنتاج دون خلاص مسبق ومع أوّل أزمة في القطاع تتحوّل هذه التسهيلات إلى أداة ضغط حيث تتمّ مطالبة المربّين بخلاص ديونهم ليجدوا أنفسهم مهدّدين بالسجن أو في السجن بسبب صكوك دون رصيد، ثم تقوم هذه الشركات بالاستيلاء على المداجن والمذابح والمفارخ الخاصة بهم.

وكردّ فعل على هذه السياسات الاحتكارية، توجّه عدد من الفلاّحين بجهة صفاقس بمراسلة إلى رئيس الجمهورية بتاريخ 09 ديسمبر 2024، وقد ضمّت المراسلة قائمة في المداجن التي وقع الاستيلاء عليها والتفويت فيها من المربين لصالح حاتم الشعبوني صاحب شركة “شهية” وأعوانه، ومضاعفة إنتاجه خارج نظام الحصص والبرمجة وبناء مداجن دون رخصة، وفق الوثيقة نفسها.

ويفيد المصدر ذاته أنّ “الشعبوني قام بالاستيلاء على 16 مدجنة، وتمّ شراء 3 مداجن باسم حسام الغرياني، أمّا لطفي الشتيوي صاحب ما يعرف بشركة (مسعودة) فقد قام بمضاعفة طاقة إنتاج مدجنته من 30 ألف إلى 420 ألف دجاجة في صفاقس وأحدث مدجنة ثانية بطاقة إنتاج 400 ألف دجاجة في سنة 2022 وقام بشراء ممتلكات شركة المستقبل من مفرخ وبيوت تربية دجاج و2 مداجن آخرى ومضاعفة طاقة الإنتاج من 45 ألف إلى 400 ألف في واحدة منها. كما تمّ إحداث مداجن دون رخصة باسم كل من شهاب دمق وأمين المرابط بين سنة 2023 و2024″، بحسب ما ذكر في ذات المراسلة التي وجهت إلى رئيس الجمهورية وتسنى لموقع “الكتيبة” الحصول على نسخة منها.

ورغم اختلاف أسماء الأشخاص والشركات، إلاّ أن عديد المصادر تشير إلى أنّ هؤلاء لا يمثّلون في الواقع سوى واجهات لشركات كبرى وخاصّة شركة “شهيّة” التي كانت تملك قبل الثورة “كوتا” ضعيفة جدّا. ويُستخدم هذا الأسلوب كآليّة غير مباشرة لرفع الحصص وتعزيز السيطرة على السوق والتحكّم في مساراته.

كما تساعد هذه العمليّة الشركات الكبرى على التحيّل على قانون المنافسة الذي يمنع الشركات من الاستحواذ على أكثر من 30% من السوق بهدف مكافحة التركيز الاقتصادي. فتعمد الشركات الكبرى إلى جلب أشخاص يبدون في الظاهر مستقلّين وتمنحهم تمويلات وتسهيلات تشمل الأعلاف وفراخ اليوم الأول ومستلزمات الإنتاج، وفي المقابل يلتزم هؤلاء ببيع إنتاجهم حصريًا لتلك الشركات أو للمذابح التابعة لها ما يجعلهم جزءًا من منظومة إنتاج واحدة رغم اختلاف الأسماء. وهكذا تمكّنت الشركات الكبرى من توسيع نفوذها الفعلي داخل السوق دون الظهور رسميّا كطرف مهيمن، وفق تقدير حسام سعد، عضو منظمة “آلرت” المتخصّصة في مكافحة الاقتصاد الريعي.

في المقابل، تُعدّ الشركة التونسية للدواجن (SOTAVI) المؤسسة العمومية الوحيدة في القطاع منذ تأسيسها سنة 1981، وهي مكلّفة بتوريد أمهات دجاج اللحم والبيض. رغم ذلك، لا تتجاوز حصّتها من دجاج اللحم 7%، أي ما بين 60 و75 ألف أمّ سنويًا، فيما تتراوح حصّتها من أمهات دجاج البيض بين 28 و30%، أي حوالي 20 ألف أمّ.

وتبقى هذه الحصّة محدودة مقارنة بالطاقة الإنتاجيّة للشركة التي تصل إلى 20 مليون بيضة و150 ألف أمّ دجاج سنويًا، وفق ما أفاد به منجي العسكري الرئيس المدير العام للشركة. ورغم ذلك، لا تتمتّع الشركة بعضوية مجلس إدارة المجمع المهني المشترك للدواجن ولا بعضوية قارة في اللجنة الاستشارية للدواجن صلب وزارة الفلاحة.

ويطرح هذا الوضع تساؤلات حول موقع الدولة داخل منظومة إنتاج استراتيجية تمسّ الأمن الغذائي للتونسيين.ـات، حيث يعتبر تمثيلها محدودا مقابل هيمنة واضحة للقطاع الخاص على بقية الحصص، ذلك أنّ العديد من الأرقام شبه الرسمية استقاها موقع “الكتيبة” من مصادر متدخّلة في القطاع، تبرز أنّ ما يعرف بـ “كبار القوم”، أي الشركات الثلاث الكبرى، استحوذت على النصيب الأكبر من الحصص، حيث تستأثر شركة “بولينا” بما يتجاوز 35% من الحصص، تليها شركة “شهية” في حدود 17% وشركة “مليحة” أيضا ما يقارب 17% من الكوتا.

في ذات الإطار، تقدّم موقع “الكتيبة” خلال اشتغاله على هذا التحقيق، بمطلب نفاذ إلى المعلومة بتاريخ 3 ديسمبر 2024، إلى المجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب. وتضمّن المطلب استفسارًا حول كيفية توزيع حصص توريد أمهات الدواجن خلال الفترة الممتدة بين 2016 و 2024.

غير أنّ المجمع في ردّه على مطلب النفاذ اكتفى بمدّنا بنِسَب توزيع “الكوتا” بصفة عامة ورفض تمكيننا من قائمة اسمية بالمتحصّلين على هذه الحصص، معتبرًا أنّ المعلومات المطلوبة تندرج ضمن المعطيات الشخصية. على الرغم من هذا التعليل، إلا أنه قام في إطار الردّ ذاته بمدّنا بقائمات اسمية لكلّ من مفارخ دجاج اللحم، ومذابح الدواجن، والشركات التعاونية للخدمات الفلاحية، وهو ما جعل هذا الرفض يعزّز جملة الشكوك المطروحة حول مدى شفافية منظومة توزيع الحصص في قطاع الدواجن، مع العلم أنّ عملية توريد حصص الأمهات تخضع لإمتيازات جبائيّة وهو ما يعزّز الحقّ في النفاذ إلى معلومات تهمّ الصالح العام.

وبسؤالنا عن القيمة الحقيقية لسعر “الفلّوس” المخصص للتسمين (دجاج اللحم) فإنّ المجمع المهني المشّترك لمنتوجات الدواجن والأرانب أفادنا أنّ السعر يتراوح بين 1685 مليم و 1720 مليم للفرخ الواحد، بحسب فاتورات بيع الفراخ للمفارخ التونسية، وفقا لذات الرد على مطلب النفاذ الذي تحصل عليه موقع الكتيبة.

احتكار “الفلُّوس” يغذّي السوق الموازية

أدّى تركّز الحصص (الكوتا) لدى عدد محدود من الشركات الكبرى، “بولينا” و”شهية و”مليحة”، وفق ما أكدته العديد من المصادر، إلى اختلال عميق في توازن السوق مكّن هذه الأطراف من التحكّم في نسق الإنتاج وحجم العرض والأسعار، وانعكس ذلك مباشرة على التزوّد بفراخ اليوم الأوّل “الفلوس” باعتبارها الحلقة الأكثر حساسيّة في المنظومة.

ففي فترات فائض الإنتاج ووفرة أمّهات الدواجن، تُضخّ كمّيات كبيرة من الفراخ في السوق، ما يؤدي إلى بيعها بأسعار الكلفة الحقيقية وهو ما يؤكّده الرئيس المدير العام للشركة التونسية للدواجن منجي العسكري، ذلك أنّ سعر “الفلّوس” خلال السنوات الستّ الأخيرة يتراوح في أغلب الأحيان بين 1800/1900 مليم. وتختلف هذه التسعيرة حسب أنواع التلاقيح التي يتلّقاها “الفرخ” ليصل السّعر كحدّ أقصى إلى 2000 ملّيم (هناك تلقيح ضروري وعامّ يعطى لكلّ الفراخ وتلاقيح أخرى إضافية تعطى بناء على طلب المربي)، موضّحًا أنّ السعر “يُحدَّد باتفاق بين المفارخ وهو مرتبط ارتباطًا كلّيًا بسعر الأعلاف فإذا ارتفع سعر العلف يرتفع سعر الفلّوس والعكس صحيح”.

في المقابل، عند حدوث نقص في أمهات الدواجن سواء بسبب الأمراض أو أزمة ما، يتراجع عدد فراخ اليوم الأول بشكل حاد ويصبح وجودها نادرا في الأسواق، وهنا تُفتح الأبواب أمام المضاربة والاحتكار ويقفز سعر الفرخ الواحد إلى ما بين 3 و3.5 دينارات، وهو ما حدث فعلا في السنوات الأخيرة، بحسب تأكيد العديد من المربين.

تجدُر الإشارة إلى أنّنا في إطار إنجاز هذا التحقيق، توجّهنا بسؤال كتابي إلى المجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب حول الحلول التي يقترحها المجمع لمجابهة غلاء “الفلّوس” الذي بلغ سعره في بعض المناطق 3 دينارات إلاّ أن المجمع في ردّه قال إنّه “لا توجد لديه معطيات تفيد بلوغ ثمن الفرخ مستوى 3 دينارات في المفارخ ووجب التأكّد من أنّ الفراخ التي تُباع بهذا السعر متأتية من السوق الموازية”، وهو ما يعزّز ضمنيا المعطيات المتوفرة لدينا بأنّ أسعار الفراخ فعلاً تُباع بالسعر الآنف ذكره في كثير من الحالات والوضعيات، لكن خارج المسالك المُنظّمة وبطرق ملتوية ما يعني أنّ هذه المنظومة غير الشفّافة وغير المتكافئة خلقت عمليّا مُضاربة غير مشروعة أضرّت بالقطاع.

يصف محمد العفاس صاحب شركة مفارخ ورئيس مدير عام تعاونية فلاحية ومربّي دجاج بيض ولحم، هذا الوضع بـ”غير المعقول”، مشيرًا إلى أنّ “الأزمة لا تقتصر فقط على تقلّبات في العرض والطلب بل تتغذّى أيضًا من وجود سمسرة واضحة في الفلّوس وتوسّع السوق السوداء خاصّة أنّ العديد من صغار المربيّن في الفترات التي تشهد نقصا لا يجدون الفراخ فيضطرّون إلى التوجّه للسوق السوداء وشراء “الفلّوس” بأسعار خيالية، أما الشركات الكبرى ففي الأزمات تمارس الاحتكار وترفض بيع فراخ اليوم الأوّل للمربين حتى تحافظ على نسق إنتاجها”.

وتأخذ الأزمة منحى أكثر خطورة مع تفشّي التهريب الذي يصفه العفاس بـ”الإجرام الكبير” الذي دمّر القطاع، إذ يؤكّد وجود تهريب لبيض التفقيس وأمّهات الدواجن من القطر الجزائري إلى تونس، مشيرًا إلى أنّه تلقّى عروضًا مباشرة للتزوّد ببيض تفقيس مُهرّب.

ويضيف العفّاس أنّ “هناك مفارخ وشركات كبرى تستعمل الفلّوس المُهرّب حيث يتمّ تهريب فراخ الديك الرومي (الذي هو على ملك 3 شركات كبرى وغير خاضع لنظام الكوتا) إلى الجزائر مقابل إدخال فراخ الدجاج إلى تونس، ما يؤدّي إلى ضرب توازنات السّوق من جهة ويؤثر سلبا على المعطيات الرسمية من جهة أخرى، لأنّ الإنتاج يتم خارج المنظومة الرسميّة ودون علم مؤسسات الدولة وبالتالي تصبح هذه الأخيرة غير قادرة على تحديد حجم الاستهلاك الحقيقي أو الحاجيات الفعلية للسوق.

يقول العفّاس “اليوم أصبحنا لا نعلم كم نستهلك بالتحديد”، مضيفا أنّه “سبق أن نبّهنا السلطات منذ سنة 2016 إلى وجود أمّهات دواجن ومفارخ عشوائية خاصة في جهة نابل تربّي الفلّوس المهرّب لكنّها لم تتعامل بجدية مع الموضوع”، حسب ذات المصدر.

تشير معطيات ميدانيّة إلى أنّ عددا من المداجن الكبرى التابعة للقطاع الخاصّ والتي تتحصّل على أكبر الحصص، تتمركز في مناطق قريبة من الحدود الجزائرية، وقد اعتبر حسام سعد عضو منظمة آلرت أنّه “لم يقع اختيار هذه المواقع بسبب ارتفاع الاستهلاك المحلّي للدواجن في تلك المناطق الداخليّة إنّما لأنّ الموقع الجغرافي يعدّ منفذًا يُستغل في عمليات التهريب من وإلى الجزائر سواء عبر شراء فراخ مهرّبة أو توريد اللحوم المجمّدة أو تصدير اللحوم”، وفقا لما جاء على لسانه.

ولا يقتصر هذا التمشّي، بحسب المصدر ذاته، على شركة واحدة إذ اعتمدته أطراف أخرى مهيمنة على القطاع.

يُعدّ تهريب “الفلّوس” خطرًا حقيقيًا يهدّد استمرارية قطاع الدواجن في تونس، بالنظر إلى ما يمكن أن تحمله هذه الفراخ من أمراض وفيروسات معدية. وفي هذا السياق، يحذّر الرئيس المدير العام للشركة التونسية للدواجن منجي العسكري، من أنّ الدجاج المهرّب فيه العديد من المخاطر خاصة الفيروسات والأمراض المنقولة والمعدية إلاّ أن البعض من المربين يعتبرونه عملية تجارية مربحة، مشدّدًا على ضرورة أن ” تكون الرقابة على الحدود كبيرة لأنّ هذه الأمراض قد تتسبّب في انهيار تامّ لمنظومة الإنتاج”.

تشير بيانات رسميّة إلى أنّ قطاع الدواجن في الجزائر لا يخضع لنظام الكوتا، وأيضا منظومة الإنتاج فيها غير منظّمة ولا تخضع لرقابة صحية صارمة على عكس تونس.

من جهته، يشير حاتم بكّار أمين مال جمعية المفارخ الانتباه، إلى أنّ تهريب “الفلّوس” لا يقتصر تأثيره على الجانب الصحّي فحسب بل يتسبّب أيضًا في ضرب توازن السوق في تونس، موضّحًا أنّ منظومة توريد الأمهّات مبنية على طاقة الاستهلاك، إذ يقدّر الاستهلاك الشهري بنحو 13 ألف طن من دجاج اللحم وهو ما يحتاج لتحقيقه ما يقارب 1.5 مليون أمّ دجاج لإنتاج العدد الكافي من الفراخ، وبالتالي فإنّ تهريب الفراخ عوض تربيتها داخل المداجن التونسية يؤدي مباشرة إلى نقص في كميات اللحم واختلال بين العرض والطلب وارتفاع الأسعار بالنسبة إلى المستهلك. وفي المقابل، فإنّ تهريب الفراخ من الجزائر إلى تونس يفضي إلى إغراق السوق وبالتالي تسجيل فائض في الإنتاج يفوق حاجيات الاستهلاك ما يتسبّب في انهيار الأسعار.

“دجاج القصعة” نتيجة مُباشرة لقطاع مُشوّه

ساهم تهريب فراخ اليوم الأوّل “الفلّوس” من وإلى الجزائر، إلى جانب تفاقم أزمة عدم الثقة بين الفلّاحين والمذابح لا سيما فيما يتعلّق بعدم الخلاص في الآجال المتفق عليها، في إرباك المسالك الرسمية للإنتاج والتوزيع، وقد زاد من حدّة هذا الوضع انتشار مربّين عشوائيين (غير حاملين لبطاقة مهنية) وغير خاضعين لأي رقابة ما أدّى وفق تقديرات العديد من المهنيين إلى خروج ما يقارب 50% من الإنتاج عن المسارات المنظّمة وترويجه في الأسواق الموازية.

هذا الواقع أفرز ما يُعرف بـ”دجاج القصعة” أين يسوّق حوالي 50% من المنتوج، حيث يتمّ بيع الدجاج حيّ وذبحه خارج المذابح المرخّصة ودون احترام شروط السلامة الصحيّة ودون إخضاعه للمراقبة البيطرية.

الجدير بالذكر أنّ بيع الدجاج حيّا أو ما يعرف بـ “دجاج القصعة” ممنوع بموجب قرار صادر عن وزير التجارة في 09 ديسمبر 2005 ينصّ على أنّ:

يحجّر ذبح الدواجن داخل محلّات البيع بالتفصيل ويجب أن يتمّ الذبح في منشآت ذبح الدواجن وتجزئة لحومها مصادق عليها. وتقع مراقبة الدواجن وعمليات الذبح من طرف الطبيب البيطري المختص ترابيا والمؤهل قانونا أو المفوض من قبل السلط العمومية للقيام بهذه المهام.

وقد حذّر العديد من المهنيين في القطاع من أنّ هذا النوع من الدواجن يحمل مخاطر صحّية وبيئية عالية تهدّد صحّة المُستهلك خاصة أنّه مجهول المصدر وغير مراقب ويتمّ نقله في ظروف غير ملائمة صحيّا، كما يمكن أن يتسبّب في نقل العديد من الفيروسات والبكتريا مثل “السالمونيلا” إلى الإنسان.

ولا تقتصر تداعيات “دجاج القصعة” على الجانب الصحّي، بل تمتدّ إلى ضرب التوازنات الاقتصادية للقطاع حيث يساهم هذا النشاط الموازي في إحداث اختلالات حادةّ في السوق والأسعار ويخلق منافسة غير مشروعة، ذلك أنّ تاجر “دجاج القصعة” لا يلتزم بالتسعيرة التي تحدّدها وزارة التجارة لأنّه خارج مسالك التوزيع القانونية، بحسب بعض الفاعلين.

في المقابل، يرى البعض الآخر أنّ ما يُعرف بـ”دجاج القصعة” المنتشر في عدد من مناطق الجمهورية يمثّل الحلّ الوحيد المتبقّي لفئات واسعة من التونسيين، والمتنفّس الذي ساهم ولو جزئيًّا في تعديل السوق وكسر الحلقة المُغلقة التي فرضتها الشركات الكبرى عبر إحكام سيطرتها على مسارات الإنتاج والتوزيع والبيع. إذ ساهمت نقاط بيع الدجاج الحيّ في كسر حلقة الاحتكار من جهة وخلقت الآلاف من مواطن الشغل من صغار مربّين وتجّار الجملة وتجار التفصيل في ظلّ صعوبة الاندماج داخل المنظومة الرسميّة التي يهمين عليها كارتال الدواجن.

في هذا السياق، يعتبر رئيس الجمعية التونسية لمنتجي بيض الاستهلاك وعضو اللجنة الاستشارية للبرمجة بوزارة الفلاحة حسيب الفخفاخ، أنّ الدجاج الذي يُباع حيًا على عكس ما يتم ترويجه يخضع لنفس منظومة المراقبة الصحيّة البيطرية التي يخضع لها الدجاج الموجّه للمذابح، موضّحا أنّ مسار الإنتاج برمّته في تونس مراقب منذ مرحلة توريد أمهات الدواجن مرورًا بإنتاج الفلّوس ثمّ التربية لدى الفلاحين قائلا إنّ “الدجاج الحيّ هو نفسه الذي يُذبح داخل المذابح”، مشدّدا على أنّ جزءا كبيرا من الدجاج الحيّ “دجاج القصعة” متأت من مداجن الشركات الكبرى، وفق تصريحه.

في ذات الإطار، التقى موقع “الكتيبة” خلال إنجازه التحقيق مع “علي”، وهو بائع دجاج حيّ “دجاج القصعة” يعمل بالقطاع منذ سنة 1997، حيث اعتبر أن باعة الدجاج الحيّ بدورهم تأثروا بالأزمة التي عرفها القطاع في السنوات الأخيرة وأنّ الشركات الكبرى تسعى إلى إقصائهم من السوق حتى تتمكّن من بسط هيمنتها عبر نقاط البيع التابعة لها “les franchises”، مؤكّدا أنّ هامش الربح في “دجاج القصعة” محدود ولا يتجاوز في بعض الأحيان دينارا واحدا متأت من عمليّة “الترييش”.

في ذات السياق، يشير محدثنا إلى أنه قبل عشر سنوات كان سعر الكيلوغرام الواحد من “الاسكالوب” في حدود 7 دنانير، بينما بلغ اليوم نحو 20 دينارا “تحت الطاولة” وفق تعبيره. أمّا الدجاج الحيّ فهو يشتريه من الفلاح بسعر يتراوح بين 7.5 دينار و7.8 دينار للكيلوغرام الواحد، لكنّ هذا الأخير يسجّله في الفاتورة بسعر 5.3 دينارا، وفق تسعيرة وزارة التجارة حمايةً لنفسه في حال الخضوع للرقابة خاصة من الحرس والشرطة في الطرقات العامّة.

تجدر الإشارة إلى أنّ وزارة التجارة وتنمية الصادرات كانت قد قامت -لوضع حدّ لارتفاع الأسعار- بتسعير بيع الدجاج الحيّ في 31 أكتوبر 2024 بـ 5.3 دينارا، أما بالنسبة إلى المذابح فالسّعر الأقصى للبيع هو 7.5د، أمّا الدجاج الجاهز للطبخ فلا يتجاوز سعره 8.5 دينارا، وشرائح الديك الرومي والدجاج “اسكالوب” بـ 14.5 دينارا للكيلوغرام الواحد في المذابح و 16 دينارا للعموم.

ويؤكّد “علي” أنّه خلال فترة الأزمة بلغ سعر الدجاج الحيّ لدى الفلاحين ما بين 8.5 و9 دنانير للكيلوغرام الواحد، ما يجعل سعره يصل إلى حوالي 14 دينارا للمستهلك، وهو ما دفعه إلى التوقف عن العمل لمدة شهر ونصف تقريبًا.

كردّ فعل على تسقيف وزارة التجارة وتنمية الصادرات لأسعار بيع الدواجن من الفلّاح مرورا بالمذابح وصولا إلى نقاط البيع، انتشرت في تونس ظاهرة ما أصبح يُعرف بـ”الدجاج المقطّع”، فعند التوجّه إلى نقطة بيع ما لا يجد المستهلك دجاجة كاملة (التي تُقدَّر كلفتها في حدود 16د) في المقابل يجد الدجاج المقطّع (أفخاذ وأجنحة وصدور) ليصل السعر إلى 25د أو أكثر.

وقد اعتبر عدد من المهنيين أنّ هذه الممارسات غير أخلاقية وتعدّ شكلا من أشكال الالتفاف على التسعيرة الرسمية وتساهم في اثقال كاهل المستهلك، وهي طريقة اعتمدتها المذابح التابعة للشركات الكبرى للزيادة في هامش الربح واستغلال نقطة أنّ الدجاج المقطّع غير مسعّر من قبل وزارة التجارة، وبالتالي من السهل البيع بأسعار حرّة دون التعرض لمخالفات من مصالح المراقبة التابعة لوزارة التجارة وتنمية الصادرات ودون مراعاة المقدرة الشرائية للمواطن.

بين الاستحواذ على سلاسل الإنتاج والتحكّم في كواليس صناعة القرار

بعد إحكام سيطرتها على نظام الحصص في توريد أمهات الدواجن ثم على المداجن والمذابح، انتقلت الشركات الكبرى إلى مرحلة جديدة من الهيمنة تمثّلت في السيطرة على نقاط البيع والتحكّم في المنتوج الذي يصل إلى المستهلك. وتمّ ذلك عبر اعتماد نموذج الامتياز التجاري (franchise)، الذي بدأت به شركة بولينا من خلال إحداث شركة “المزرعة” وحذت حذوها كل من شركتي “مليحة” و “شهية”.

وبهذه الطريقة لم تعد هذه الشركات تكتفي بتربية الدواجن وبيعها بل أصبحت تسيطر كذلك على شبكات التوزيع بالتفصيل عبر محلّات تحمل اسم علاماتها التجارية. وأصبح يُفرض على كلّ من يرغب في دخول مجال بيع الدواجن اقتناء اسم واحدة من العلامات التجارية الكبرى مقابل كُلفة ماليّة ما، والالتزام بالتزوّد الحصري من منتجاتها.

الجدير بالذكر أنّ علامة “المزرعة” تملك أكثر من 1500 نقطة بيع، أما علامة “شهية” فتملك أكثر من 400 نقطة بيع موزعة على كامل تراب الجمهورية بحسب ما هو منشور على مواقع الشركات، فيما تمتلك علامة “مليحة” قرابة 200 نقطة بيع.

من جهة أخرى، قامت الشركات الكبرى أيضا بالتحكّم في التوزيع، فبدل تولّيها مباشرة توصيل المنتجات إلى نقاط البيع التابعة لها، لجأت إلى استغلال صفة (patente) بائع متجول عبر أشخاص يتمّ تشغيلهم شكليًا كموزّعين للاستفادة من الامتيازات الجبائية المرتبطة بهذه الصفة.

وتقوم هذه الشركات، بحسب ما ورد على لسان عضو منظمة آلرت حسام سعد، بتكليف هؤلاء بتوزيع منتوجاتها وتسجيل الأرباح بأسمائهم، وفي المقابل توفّر الشركة لهؤلاء الموزّعين سيارات للعمل غير أنّ أقساط الخلاص تقع على عاتقهم (السيارة مسجلة باسم الشركة)، كما تقوم بفتح حسابات بنكية بأسمائهم، مع احتفاظها بحقّ التصرّف الكامل في هذه الحسابات وتحويل الأموال.

وبهذه الطريقة، يتحوّل الشخص الذي يُفترض أن تكون مهمّته مقتصرة على إيصال المنتوج إلى نقاط البيع، إلى تاجر يشتري المنتوج من الشركة ويبيعه بالتفصيل، ما ساهم في خلق علاقة لا تخدم المستهلك بين الموزّع و البائع بالتفصيل.

في الواقع، لم تكن الأزمات المتكرّرة التي عرفها قطاع الدواجن في تونس خصوصًا خلال السنوات الأخيرة نتيجة اختلالات ظرفية أو تقلّبات عابرة في السوق، بل كانت نتيجة مسارات طويلة من القرارات السياسية والإدارية غير المدروسة راعت مصالح ضيّقة لأطراف بعينها على حساب بقية الفاعلين في القطاع، وفق شهادات متقاطعة للعديد من المهنيين.

بداية القرارات الخاطئة كانت مع تسعينات القرن الماضي عندما قرّرت الدولة أن تسلّم مشروعا وطنيّا استراتيجيا كقطاع تربية الدواجن الى القطاع الخاص وتحديدا الى عبد الوهاب بن عياد مؤسس شركة “بولينا”، الذي استفاد من المنظومة الجبائية للدولة آنذاك وتوسّع بشكل مكثف إلى أن أصبح مهيمنا تقريبا على كلّ حلقات الإنتاج وتحولت وقتها “بولينا” من شركة صغيرة إلى هولدينغ يضم العديد من الشركات، وفق حسام سعد عضو منظمة آلرت.

لكنّ الضرر الأكبر الذي لحق بقطاع الدواجن وقع في مرحلة ما بعد الثورة، عندما اتخذ وزير الفلاحة آنذاك محمد بن سالم قرارًا يقضي بإلغاء نظام الحصص في توريد أمهات الدواجن وتحرير القطاع في أواخر سنة 2011، وقد أجمع العديد من المهنيين أنّ القرار لم يكن مدروسا وساهم في خلق حالة من الفوضى لم تخدم سوى مصلحة الشركات الكبرى المدعومة من البنوك.

وقد تواصلت الآثار السلبية لهذا القرار لسنوات لاحقة وواصل القطاع دفع ثمنه إلى حدود سنة 2019 وما تزال تداعياته قائمة إلى اليوم، في ظل غياب إصلاحات هيكلية حقيقية تعالج الاختلالات التي خلّفها إلغاء نظام الحصص، بحسب ما جاء على لسان الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للدواجن (منشأة عموميّة) منجي العسكري.

تعمّقت الأزمة أكثر بسبب طريقة تعامل الدولة مع ارتفاع كلفة مستلزمات الإنتاج خاصة الأعلاف وفرضها تسعيرات لا تعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج. فبعد أن كانت تقوم بتسعير المنتوج النهائي أي الدجاج حاولت الدولة التدخل في تسعير الأعلاف بعد تكرر شكاوى الفلاحين، غير أنّ هذا التدخل تمّ بشكل غير مدروس ما ساهم في تعقيد الوضع بدل معالجته، بحسب عدد من المهنيين.

في سنة 2022، أقدمت الشركات الكبرى المهيمنة على سوق الأعلاف وهي SNA التابعة إلى شركة “بولينا” وALFA التابعة إلى شركة “شهية” و ALCO التابعة إلى شركة “مليحة”، على الترفيع في سعر الطن من العلف بنحو 300 دينار، مبرّرة ذلك بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة، وهو ما فجّر احتجاجات في صفوف الفلاحين. وأمام هذا التصعيد، رفضت الدولة الزيادة وقرّرت وزارة التجارة و تنمية الصادرات تجميد أسعار الأعلاف. غير أنّ هذه الشركات، ورغم امتثالها الظاهري لقرار وزارة التجارة، لجأت إلى تغيير تركيبة الأعلاف بما أثّر وفق عديد الشهادات في جودتها.

وفي هذا السياق، يوضّح عضو منظمة آلرت حسام سعد، أنّ هذا التغيير في التركيبة كانت له انعكاسات مباشرة على منظومة الإنتاج إذ ارتفعت مدّة تسمين الدجاج من حوالي 35 يومًا إلى قرابة 45 يومًا، حتّى بات المربّي يشتري الأعلاف بالسعر نفسه لكن بكمّيات أكبر وعلى فترة أطول، ما أدى إلى ارتفاع الكلفة بشكل غير مباشر وساهم في إقصاء عدد آخر من صغار المربّين.

كما انعكس تغيير تركيبة الأعلاف أيضا على جودة اللحوم، إذ أنّ التقليص من نسبة البروتينات مقابل الترفيع في مكوّنات أخرى أدّى إلى زيادة كمية الدهون “الشحم” في الدجاج وهو ما أثر على جودة المنتوج.

بدوره، يشير الرئيس المنتهية عهدته للجنة الفلاحة بالبرلمان (2024-2025) النائب بلال المشري، إلى أنّ الشركات الكبرى المهيمنة على الأعلاف لجأت أيضًا إلى إدماج مواد غذائية أولية مدعّمة مثل الكسكسي والمقرونة ضمن تركيبة الأعلاف للتقليل من كلفة المواد الأولية (الذرة وفيتورة الصوجا)، مستفيدة من امتلاكها في الوقت نفسه مصانع للمواد الغذائية وهو ما ساهم في تفاقم أزمة فقدان المواد الاستهلاكية في تونس في تلك الفترة.

ساهمت التدخلات العشوائية لوزارة التجارة في تعميق الأزمة بدل احتوائها وتحوّلت قراراتها وفق عدد من الفاعلين إلى عامل اضطراب إضافي في القطاع. ويؤكد هؤلاء أنّه “كلّما تدخلت وزارة التجارة في السوق، يحدث نقص في المنتوج أو فقدان له”، بسبب غياب تشخيص واقعي ودقيق للمشكل.

وتُرجع مصادر مطلّعة ذلك إلى جملة من الإشكاليات من بينها أن تدخّل الوزارة أحيانًا يكون سطحيّا ودون الإحاطة الكافية بخصوصيات القطاع ومشاكله، أو عدم الذهاب إلى جوهر الأزمة وأسبابها الحقيقية.

ويرى النائب المشري أنّ جلّ قرارات وزارتي الفلاحة والتجارة هي عبارة عن “ذرّ رماد على العيون” حسب تعبيره، منبّها من خطورة تبعات “غياب الرقابة الدورية ما يجعل نتائج القرارات إما محدودة أو عكسية”.

كما يحمّل جزء كبير من الفاعلين والمهنيين المسؤولية بشكل خاص إلى وزارة الفلاحة نتيجة “غيابها عن أداء دورها الرقابي والتنظيمي وعدم قيامها بتشخيص حقيقي لأسباب الأزمات المتكرّرة التي عرفها القطاع، كما أنّها تمارس نوعا من التعتيم على ملف الدواجن وتذهب إلى الحلول الترقيعية بدل إعادة هيكلة قطاع يمسّ السلم والأمن القومي الغذائي للمواطنين”.
وقد اعتبر النائب بلال المشري أنّه “لولا تواطئ بعض المسؤولين فإنه من المستحيل أن تستطيع هذه الشركات الهيمنة على السوق بهذا الشكل”.

في مقابل ذلك، علّق الفلاحون والمربّون آمالًا كبيرة إثر صدور الأمر المتعلّق بإحداث الديوان الوطني للأعلاف في جانفي 2024، لتنظيم قطاع الأعلاف والحد من الأزمة الخانقة التي يعيشها المربون. غير أنّ هذه الآمال سرعان ما تلاشت إذ يؤكد عدد من الفاعلين أن الديوان لم يقم بالدور الذي بعث من أجله.

وفي هذا الإطار، يقول النائب بلال المشري إن “ميزانية ديوان الأعلاف خلال السنة الماضية بلغت 54 مليون دينار لم يُصرف منها سوى 10 ملايين دينار”، معتبرًا أنّ الإشكال “لا يكمن في نقص الموارد الماليّة بل في غياب الفعل”.

ويضيف أنّ “الديوان من الناحية النظرية يمتلك القدرة على كسر احتكار الأعلاف وتعديل السوق بما من شأنه التخفيف من الضغط على كلفة الإنتاج وحماية القدرة الشرائية للمواطن لكن عمليا لم يقم بهذا الدور”.

إضافة إلى ما سبق ذكره، تعالت أصوات المهنيين في انتقاد المجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب واعتبروا أنّ مجلس إدارته خاضع لهيمنة “الكارتال” ولم يعد يمثل صغار ومتوسّطي الفلاحين والمربّين، خاصّة أنّ أكثر من 4 أشخاص من أعضائه ممثّلون عن الشركات الكبرى.

وتجدر الإشارة إلى أنّ المجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب تأسّس في أفريل 1985، وتمّ بعثه أساسًا للإحاطة بصغار الفلاحين والمربين، والعمل على توازن السوق وتنظيم القطاع. وينصّ الإطار القانوني المنظم له على أنّ مجلس الادارة يتكوّن من ممثلين عن الوزارات المعنية مثل وزارة الفلاحة وزارة التجارة وممثلين عن المهنيين الناشطين في القطاع.

إلاّ أنّ ما هو موجود في تركيبة مجلس إدارة المجمع مخالف لما جاء في نصّ القانون حيث تمّ اختصار الفاعلين في القطاع على الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (4 مقاعد للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة و4 مقاعد للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري و4 مقاعد للإدارة). وتمّ التغافل عن بقية الأطراف الأخرى مثل النقابة التونسية للفلاحين، وجمعية مربي ومنتجي بيض الاستهلاك، والجمعية الوطنية للمفارخ والجامعة الوطنية للمنظومات الفلاحية والصيد البحري وأيضا الشركة التونسية للدواجن (منشأة عموميّة).

في ذات السياق، يشير شكيب التريكي رئيس مجلس إدارة سابق في المجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب، إلى أنّ المشكلة الأساسيّة التي يعاني منها المجمع هو سيطرة ممثّلين عن الشركات الكبرى وأطراف لها مصالح معها (في إشارة إلى الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري) على مجلس الإدارة الذي من المفترض أن يقف على الإشكاليات ويجد حلولا مما أفقده استقلاليّته. وقد أكّد ذات المصدر أنّه طلب أكثر من مرّة من وزير الفلاحة تغيير تركيبة المجلس لكن دون جدوى، مذكّرا أنّ المجمع قبل الثورة كان أكثر توازنا وفيه ممثلين عن كل الأطراف.
ويتساءل التركي قائلا:

هل من المعقول أنّ مجلس إدارة المجمع تمت الهيمنة عليه من الكبار فقط؟ هل هؤلاء سيدافعون عن مصالح صغار ومتوسطي المربين؟

أكّدت شهادات متقاطعة أنّ تركيبة مجلس إدارة المجمع ساهمت في إضعاف دوره الرقابي وتحويله إلى هيكل شكلي يتخذ قرارات تصب في مصلحة “الكارتال” رغم أن مهمّته الأصليّة تتمثل في الإحاطة بصغار ومتوسطى المربيين والتدخل لضمان توازن السوق عبر امتصاص فوائض الإنتاج وتخزينها أو تزويد السوق عند النقص.

أيّ حلول لإنقاذ القطاع؟

أمام تكرّر الأزمات واندثار النصيب الأكبر من صغار ومتوسطي المربّين، قدّمت الجمعية الوطنية للمفارخ جملة من المقترحات التي ترى أنّها تمثّل حلولا عملية لإنقاذ قطاع الدواجن في تونس. وتتمحور هذه المقترحات أساسًا حول اعتماد مبدأ الاختصاص في إسناد حصص توريد أمهات الدواجن “الكوتا”، توزيعها على أساس موضوعي وشفاف، حيث تتحصّل المفارخ على حصص الأمهات وتتكفل بإنتاج “الفلّوس”، بينما تتولى الشركات التعاونية والمربين إنتاج دجاج اللحم ثم يتم تزويد المذابح بالدجاج وتتكفل هذه الأخيرة بعمليّات الذبح والبيع لتاجر الجملة أو التفصيل، مع إقرار العمل بعقود إنتاج تنظّم العلاقات بين مختلف حلقات الإنتاج من مفارخ وشركات تعاونية ومذابح.

كما تقترح الجمعية تحديد سعر موحّد للفلّوس لدى جميع المفارخ، مع إمكانية اعتماد أسعار تفاضلية لفائدة منخرطي الشركات التعاونية للحدّ من المضاربة فيه. ومن بين الحلول المطروحة أيضًا، تفعيل الخطة العملية للنهوض بقطاع الدواجن التي تم إعدادها والاتفاق حولها سنة 2017، مع التشديد على مقاومة التهريب. كما تدعو الجمعية إلى إحداث صندوق لتنمية القدرة التنافسية والتشجيع على التصدير يموّل بمساهمة مختلف المتدخلين ويُخصّص لتأهيل المنشآت.

وتشمل المقترحات كذلك تسوية وضعية المداجن غير المرخصة والبحث عن حلول لمعالجة مديونية القطاع. كما تشدد الجمعية وعديد الفاعلين على ضرورة مراجعة تركيبة مجلس إدارة المجمع المهني المشترك بما يضمن تمثيل بقية المنظمّات المهنية وكل المتدخلين في حلقات الإنتاج.

في السياق ذاته، يؤكد النائب بلال المشري، أنّ الديوان الوطني للأعلاف مطالب باستعادة زمام المبادرة وبسط سيطرته على ملف الأعلاف، باعتباره الهيكل القادر على تعديل الأسعار والتحكم فيها وإعادة التوازن إلى السوق. ويعتبر أن تحمّل الديوان لخسائر محدودة إن وُجدت، يبقى أقلّ كلفة على الدولة من مواصلة نزيف “المليارات” المخصصة لاستيراد الحليب واللحوم وغيرها من المواد الأساسيّة.

ويرى المشري أنّ استعادة الديوان لدوره من شأنه تمكين الفلاحين من التزود بالأعلاف بأسعار معقولة وجودة مقبولة فضلًا عن قدرته على لعب دور إيجابي بحكم تبعيته لوزارة الفلاحة. ويشير في هذا الإطار إلى أن الوزارة تشرف على ديوان الأراضي الدولية والمركبات الفلاحية الكبرى، ما يتيح توجيه هذه المساحات لزراعة الأعلاف بدل التمادي في زراعات لا تخدم الحاجيات الوطنية.

واعتبر المشري أنّه “لا يوجد مبرّر لتفويت الدولة في قطاع استراتيجي إلى الشركات الكبرى”، ولا توجد، بحسب تعبيره، أي دولة في العالم تتخلّى عن السيطرة على قطاع يمسّ السيادة الغذائية لفائدة فاعل واحد أو مجموعة محدودة. كما يدعو مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارتا الفلاحة والتجارة، لإستعادة دورها في مراقبة الأعلاف وضمان السلامة الصحية وجودة المواد الغذائية خاصة في ظل توفر ميزانيات مخصّصة لهذه المهام.

من جانبه، يرى حسام سعد أنّ إنقاذ قطاع الدواجن ممكن في حال قامت الدولة بتبنّي سياسة الإدماج الأفقي الذي اعتمدته شركة بولينا ولحقتها فيه شركات أخرى، وذلك من خلال السيطرة على مختلف حلقات الإنتاج لا سيما توريد وصناعة الأعلاف.

ويؤكّد ضرورة العمل على تقليص التبعية للخارج، خاصة أنّ نحو 85% من كلفة إنتاج الدواجن موردة من الأعلاف والتلاقيح والتجهيزات، وهو ما يستوجب على الدولة مراجعة تركيبة الأعلاف المعتمدة حاليًا والاستثمار في زراعة مواد علفية محلية تتلاءم مع الإمكانيات الوطنية والمواد الأولية المتوفرة في تونس مثل الخرّوب والفول السوداني.

في ذات الإطار الذي يدعو فيه البعض للتقليل من التبعية إلى الخارج خاصة أنّ الأحداث الدولية متسارعة ومتغيرة دائما والأوبئة والأمراض تنتشران من حين لآخر على حين غرّة، يقترح الرئيس المدير العام للشركة التونسية للدواجن منجي العسكري المضيّ قدما في مشروع تربية الأجداد للمحافظة على تواصل القطاع.

والمشروع يتمثل في إضافة حلقة انتاج جديدة وهي “الأجداد”، فعوض توريد مليون من أمهات الدواجن، نقوم بتوريد من 25 الى 30 ألف من الأجداد وهذا العدد يمكّن من إنتاج مليون أو أكثر من الأمهات، ومن شأن هذه الطريقة المساهمة في تقليص تكلفة الإنتاج، وضمان توفر المنتوج لمدة سنة أو أكثر (مخزون استراتيجي احتياطي) وتخفيض تكاليف الشحن والتوريد، وبالتالي تضمن الدولة التونسية تواصل الإنتاج حتى في حال حدوث أزمة ما في العالم، وفق المصدر ذاته.

يُعتبر قطاع الدواجن في تونس قطاعا استراتيجيّا وحسّاسا، يوفر الغذاء للسواد الأعظم من الشعب التونسي الذي لم يعد قادرا على استهلاك اللحوم الحمراء والأسماك التي ارتفعت أسعارها في السنوات الأخيرة بطريقة جنونية، تزامنا مع انخفاض الأجور وانهيار القدرة الشرائية، لذلك لا بدّ اليوم من جلوس جميع الأطراف على مائدة الحوار وإيجاد حلول جذرية تعيد تشكيل المشهد وتفرض الدولة من خلالها عينا رقيبة ودور بيضة القبّان على جميع حلقات الإنتاج عبر مكافحة المضاربة والاحتكار ودعم صغار ومتوسطي المربيين حفاظا على السلم الاجتماعي والأمن الغذائي للتونسيين.ـات.

كلمة الكتيبة:

خلال فترة إنجاز هذا التحقيق الذي استغرق أشهرا من العمل حاولنا التواصل مع ممثلين عن الشركات الكبرى الثلاث (بولينا و شهيّة ومليحة)، فضلا عن وزارتي الفلاحة والتجارة، بيد أنّنا لم نتمكن من الحصول على إجابات أو مقابلات حول مختلف النقاط التي أثيرت في هذا العمل الصحفي.

كلمة الكتيبة:

خلال فترة إنجاز هذا التحقيق الذي استغرق أشهرا من العمل حاولنا التواصل مع ممثلين عن الشركات الكبرى الثلاث (بولينا و شهيّة ومليحة)، فضلا عن وزارتي الفلاحة والتجارة، بيد أنّنا لم نتمكن من الحصول على إجابات أو مقابلات حول مختلف النقاط التي أثيرت في هذا العمل الصحفي.

الكاتبة : جواهر بنصير

صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة

تدقيق: وليد الماجري
تصوير : سامي شويّخ
مونتاج: بسّام حشّاني
غرافيك: منال بن رجب
تطوير تقني : بلال الشارني
مونتاج: بسّام حشّاني
غرافيك: منال بن رجب
تطوير تقني: بلال الشارني
تدقيق : وليد الماجري
تصوير : سامي شويّخ

الكاتبة : جواهر بنصير

صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة

jawaher
Scroll to Top