الكاتبة : جواهر بنصير
صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة
“ساعتان من الانتظار لمجرّد استلام الأمتعة والخروج من المطار، وقد تطول المدة أحيانا أكثر من ذلك، طوابير طويلة لختم جوازات السفر، تأخّر في وصول الحقائب التي تصل أحيانا في حالة رثّة، إجراءات بطيئة ومرهقة جدّا، وخدمات لا ترتقي إلى الحدّ الأدنى المعتمد في جلّ مطارات العالم الحديثة”.
بهذه المفردات، يلخّص أيمن الريحاني وهو مواطن تونسي مقيم بالخارج، تجربته وتجربة مئات الآلاف من المسافرين التونسيين والأجانب عبر مطار تونس قرطاج، حيث تحوّل السفر من تجربة ممتعة ومشوّقة إلى عبء مرهق واختبار حقيقي للصبر.
يضيف الريحاني:
“إنّ الفجوة أصبحت واضحة وكبيرة بين مطار تونس قرطاج ومطارات دولية أخرى، حيث أصبحت المطارات اليوم أكثر من مجرد نقاط عبور، بل هي واجهات تعكس صورة الدول ومدى تنظيمها وتطوّرها. في المقابل، لا يزال مطار تونس قرطاج متأخرا وغير مواكب للتحوّلات المتسارعة التي يعرفها قطاع النقل الجوي في العالم”.
ويستحضر الريحاني تجربته في مطارات دولية أخرى، على غرار مطار حمد الدولي في قطر، حيث يقيم حاليا، موضّحا أن “أغلب الإجراءات هناك تعتمد على التكنولوجيا الحديثة بما يختصر زمن الانتظار ويسهّل تنقلّ المسافرين. كما يتمّ العبور واستلام الأمتعة في وقت وجيز، مع الاهتمام بأدق التفاصيل لضمان راحة المسافر”. ويخلص إلى أنّ “أوّل وآخر انطباع يترسّخ في ذهن المسافر أو السائح عن أي دولة يمرّ حتما عبر المطار، باعتباره مرآة تعكس صورتها”.
الكاتبة : جواهر بنصير
صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة
“ساعتان من الانتظار لمجرّد استلام الأمتعة والخروج من المطار، وقد تطول المدة أحيانا أكثر من ذلك، طوابير طويلة لختم جوازات السفر، تأخّر في وصول الحقائب التي تصل أحيانا في حالة رثّة، إجراءات بطيئة ومرهقة جدّا، وخدمات لا ترتقي إلى الحدّ الأدنى المعتمد في جلّ مطارات العالم الحديثة”.
بهذه المفردات، يلخّص أيمن الريحاني وهو مواطن تونسي مقيم بالخارج، تجربته وتجربة مئات الآلاف من المسافرين التونسيين والأجانب عبر مطار تونس قرطاج، حيث تحوّل السفر من تجربة ممتعة ومشوّقة إلى عبء مرهق واختبار حقيقي للصبر.
يضيف الريحاني:
“إنّ الفجوة أصبحت واضحة وكبيرة بين مطار تونس قرطاج ومطارات دولية أخرى، حيث أصبحت المطارات اليوم أكثر من مجرد نقاط عبور، بل هي واجهات تعكس صورة الدول ومدى تنظيمها وتطوّرها. في المقابل، لا يزال مطار تونس قرطاج متأخرا وغير مواكب للتحوّلات المتسارعة التي يعرفها قطاع النقل الجوي في العالم”.
ويستحضر الريحاني تجربته في مطارات دولية أخرى، على غرار مطار حمد الدولي في قطر، حيث يقيم حاليا، موضّحا أن “أغلب الإجراءات هناك تعتمد على التكنولوجيا الحديثة بما يختصر زمن الانتظار ويسهّل تنقلّ المسافرين. كما يتمّ العبور واستلام الأمتعة في وقت وجيز، مع الاهتمام بأدق التفاصيل لضمان راحة المسافر”. ويخلص إلى أنّ “أوّل وآخر انطباع يترسّخ في ذهن المسافر أو السائح عن أي دولة يمرّ حتما عبر المطار، باعتباره مرآة تعكس صورتها”.


يُعدّ مطار تونس قرطاج الشريان الجوّي الرئيسي للدولة التونسيّة، وأحد أهمّ المرافق العمومية الاستراتيجية التي تعكس صورة تونس دوليا. وقد أُنشئ خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية لتونس سنة 1940، قبل أن يتحوّل بعد الاستقلال إلى محور مركزي لحركة النقل الجوي المدني، ويتم تسييره والإشراف عليه من قبل ديوان الطيران المدني والمطارات التابع لوزارة النقل.
ومنذ تأسيسه، شهد المطار سلسلة من أشغال التهيئة والتوّسعة بهدف مواكبة تطوّر حركة السفر واستيعاب أعداد المسافرين المتزايدة، إلا أنّ هذه التحسينات ظلّت محدودة مقارنة بالنسق المتسارع لحركة النقل الجوي في العالم.
ورغم أهمية الموقع الاستراتيجي لتونس الذي يجعل منها محطة وصل بين أوروبا وأفريقيا، فإن المطار الرئيسي للعاصمة يُواجه منذ سنوات تحديات متراكمة تتعلّق بتقادم بنيته التحتية، واهتراء بعض تجهيزاته، إلى جانب المشاكل المرتبطة بموقعه الجغرافي الحالي. وهي عوامل لا تقتصر تداعياتها على الجانب التقني فحسب، بل تمتد لتطرح تساؤلات أعمق حول خيارات التخطيط الاستراتيجي لقطاع النقل الجوي في تونس.
ففي وقت تحوّلت فيه المطارات الدوليّة إلى منصّات اقتصادية متكاملة، تجمع بين النقل والخدمات والتجارة واللوجستيك، لا يزال مطار تونس قرطاج يراوح مكانه بين محاولات إصلاح ظرفيّة وضغط متزايد ناجم عن تنامي عدد المسافرين وحاجيات البلاد.
انطلاقا من هذه المعطيات، يسعى هذا التحقيق إلى تفكيك جملة من الإشكالات المحورية، عبر طرح أسئلة أساسية من بينها:


مطار متهالك عمره أكثر من نصف قرن
يقع مطار تونس قرطاج في الضاحية الشمالية الشرقية للعاصمة تونس، على بعد نحو ثمانية كيلومترات من وسط المدينة. ويحيط به اليوم حزام عمراني كثيف تشكّل نتيجة التمدّد الحضري المتسارع، ليضّم مناطق مثل سكرة والشّرقية والعوينة والبحيرة والكرم وحلق الوادي، وهي مناطق لم تكن قائمة عند تشّييد المطار في أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول تدريجيا إلى فضاءات ذات كثافة سكانية مرتفعة و نشاط عمراني متسارع.
يمتدّ المطار على مساحة تُقدّر بحوالي 820 هكتارا بحسب معطيات رسميّة وشهادات للعديد من المسؤولين السابقين في قطاع النقل الذين التقاهم موقع الكتيبة خلال إنجاز هذا التحقيق، كما تحيط به مقرّات سيادية تابعة لوزارتيْ الدفاع والداخلية، ما يضفي على موقعه مزيدا من الخصوصية والتعقيد.
ويضمّ المطار مدرّجيْن رئيسيين لإقلاع الطائرات وهبوطها، ومحطّة رئيسيّة للمسافرين، إلى جانب فضاءات مخصصة للّوجستيك والشحن الجوي، وأخرى موجّهة لرحلات الحجيج، إضافة إلى جناح خاص بالتشريفات الرسميّة أو ما يُعرف بالجناح الرئاسي.
منذ دخوله حيّز الاستغلال خلال فترة الاستعمار، تعاقبت على المطار مراحل متعدّدة من التهيئة والتوّسعة، ففي السبعينيات أُعيد تدشينه من قبل الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بطاقة استيعاب قُدّرت بثلاثة ملايين مسافر سنويا، بالتوازي مع تدشين مركز للملاحة الجوية. ومع بداية الثمانينيات تم إنشاء محطة البضائع، وفق التقرير السنوي للديوان الوطني للطيران المدني والمطارات لسنة 2020. وفي منتصف التسعينيات أُحدث الجناح الرئاسي، قبل أن يشهد سنة 1998 توسعة جديدة رفعت طاقة استيعابه إلى نحو 4.5 ملايين مسافر سنويا. لاحقا، وفي سنة 2006، تم افتتاح المحطة الجوية الثانية المخصصة للرحلات غير المنتظمة بطاقة تناهز نصف مليون مسافر سنويا، ثم تلتها في 2016 إنشاء منظومة جديدة لاستغلال مآوي السيارات، قبل أن تُستكمل سنة 2017 أشغال إعادة تهيئة مدرج الطائرات 29/11، وفق المصدر ذاته.


أسفرت أشغال التهيئة والتوسعة التي عرفها مطار تونس قرطاج، على امتداد عدّة عقود، عن استقرار طاقته الاستيعابية النظرية في حدود خمسة ملايين مسافر سنويا. غير أنّ هذا السقف لم يعد يعكس فعليا حجم أعداد المسافرين المسجلة خلال السنوات الأخيرة، إذ سرعان ما بدأت الأرقام تتجاوز هذا الحد، خاصة بعد سنة 2011، مع تزايد نسق السفر وبلوغ فترات الذروة مستويات ضغط تفوق طاقة الاستيعاب.
وفي السياق ذاته، أعلن ديوان الطيران المدني والمطارات في ديسمبر من سنة 2024 عن بلوغ المطار عتبة سبعة ملايين مسافر، مقدّما هذا الرقم باعتباره “إنجازا قياسيا” تحقّق بفضل تضافر جهود مختلف المتدخّلين في قطاع الطيران المدني. غير أنّ هذا التوصيف الرسمي، الذي يحتفي بالمؤشّر العددي، يحجب واقعا أكثر تعقيدا، حيث لم تواكب البنية التحتية النسق نفسه من التطور الذي شهدته الحركة الجويّة.
فبين المؤشرات الرسمية والواقع اليومي يتّضح التباين جليا، حيث تتراكم جملة من الاختلالات التي يعاني منها المسافرون بشكل متكرّر، أبرزها الاكتظاظ، وطول فترات الانتظار عند نقاط التسجيل والمراقبة، إضافة إلى ضعف جودة الخدمات المقدمة داخل المطار، فضلا عن التأخيرات المتكررة في الرحلات وغيرها من المشاكل التقنية التي تنعكس بطريقة سلبية على نسق الحركة داخل المطار وتُؤثر بشكل مباشر على تجربة السفر.


بنية تحتيّة مُتخلّفة
في حديثه لموقع الكتيبة، يوضّح مسؤول سابق رفيع المستوى في وزارة النقل – فضّل عدم الكشف عن هويته – أنّ المطار يواجه العديد من المشاكل الجوهرية المتعلقة أوّلا بقدرته التشغيلية ذلك أنّه غير مؤّهل لاستقبال طائرات من الحجم الكبير مثل A380 وB777، باعتبار أن ممرّات الطائرات الحالية لا تستجيب لمعايير الطول والعرض المطلوبة، ما يجعل هبوط هذه الطائرات غير ممكن عمليّا، وهذا الأمر يعود إلى طبيعة تصميم المطار الذي يصفه بـ “المغلق”، معتبرا أنه “من غير المعقول أن يكون المطار الرئيسي للبلاد غير قادر على استقبال الطائرات الكبرى التي تعتمدها شركات الطيران العالمية في الرحلات بعيدة المدى وفي الترانزيت والشحن الجوي”.
كما يشير محدثنا إلى أنّ “مستوى الخدمات المُقّدمة داخل المطار ضعيفة جدا مقارنة بمطارات دوليّة أخرى، إضافة إلى تقادم منظومة الإعلاميّة التي تتعطل بصفة دوريّة”، وفق قوله.
على سبيل الذكر لا الحصر، أعلنت شركة الخطوط التونسية بتاريخ 15 أفريل من سنة 2026، عن تعطّل المنظومة الإعلامية للتسجيل في مختلف مطارات الجمهورية، ممّا تسبّب في تأخير على مستوى عملية تسجيل المسافرين وتذبذب في عملية سير الرحلات.
وفي السياق ذاته، اعتبر مسؤول سابق بالخطوط التونسية -رفض بدوره نشر اسمه- أن البنية التحتية للمطار “متآكلة وتجاوزها الزمن”، خصوصا على مستوى مركز فرز الأمتعة الذي وصفه بأنه “قديم وغير مطابق للمعايير الدولية في المطارات”، وهو ما ينعكس في شكل تأخيرات متكرّرة في تسليم الأمتعة وضياعها في بعض الحالات. ورغم المحاولات لإصلاحه إلاّ أنه من المستحيل القيام بذلك بشكل حاسم، مع العلم أنّ اقتناء منظومة جديدة ستكون كلفتها عالية جدا، وفق ذات المصدر.
ويشير المصدر الآنف ذكره، إلى “محدودية الموقف (parking) الخاص بالطائرات، حيث يمكن للمطار نظريا استيعاب 56 طائرة، بينما عمليا لا يمكن أن يتجاوز العدد 40 طائرة في أفضل الحالات. كما أن عدد البوابات الجويّة لا يتجاوز 14 بوابة، موضّحا أنه عند وصول الطائرات الكبيرة على غرار الطائرات التابعة لشركة الخطوط القطرية أو الإماراتية فإنه يتم تخصيص أكثر من بوابة لها نظرا لكبر حجمها”، بحسب ما جاء على لسانه.


في نفس المضمار، يؤكد قائد طائرة يعمل بشركة طيران خاصة للكتيبة أنّ “مطار تونس قرطاج لا يرتقي من الناحية التقنية إلى مستوى مطار دولي”، مضيفا أنّ “بعض شركات الطيران الكبرى لا تعتمد عليه في رحلاتها بسبب محدودية بنيته التحتية والتأخيرات المتواصلة رغم وجود الطلبات المتزايدة على الرحلات الدولية”.
كما أنّ من بين الإشكاليات التي يتم توثيقها دائما من قبل المسافرين هي “تكرار أعطال في بعض الأنظمة الحيوية داخل المطار مثل التكييف وغياب الأنترنت المجانية، إضافة إلى النقص الكبير في عدد قاعات الانتظار والمقاعد، حتى أنّ المسافر يعجز أحيانا عن إيجاد مكان لشحن هاتفه الجوال، إلى جانب غياب فضاءات كبيرة للتسوّق والأكل والراحة، بما يقلّص من امكانيات التخفيف من وطأة الانتظار، إضافة إلى غلاء المحلات التي تبيع المشروبات والمأكولات”، وهي مشاكل سبق أن أقرّت بها الهياكل الرسميّة والتي تتقاطع أيضا مع شهادة مسؤول سابق في وزارة النقل أدلى بها لموقع الكتيبة.
تجدر الإشارة إلى أنه وبحسب موقع “AirHelp” المختص في تقييم المطارات وحقوق المسافرين الجويين، فقد حلّ مطار تونس قرطاج في المرتبة الأخيرة عالميا لسنة 2025، أي في المرتبة 250 من أصل 250 مطار تمّ تقييمه، بمجموع نقاط لم يتجاوز 5.73 من أصل 10. ويتمّ التصنيف بناء على معايير منها جودة الخدمات وتجربة المسافرين داخل المطار ومدى الالتزام بمواعيد الرحلات والاكتظاظ.
بحسب الموقع ذاته، فإن تصنيف المطار في المرتبة الأخيرة جاء بسبب التأخير المتكرّر في الرحلات، حيث أن 54% فقط من الرحلات المنطلقة من مطار تونس قرطاج تصل في موعدها، وهذا يعود إلى الاكتظاظ وضعف التنسيق بين شركات الطيران وإدارة المطار، إضافة إلى سوء تجربة المسافرين داخل المطار وعدم رضاهم عن الخدمات المُقدمة، سواء التجارية أو المتعلّقة بالمطاعم، وأيضا ضعف التواصل من جهة إدارة المطار عند حدوث تأخير أو إشكال في الرحلات.
ويتصدّر مطار كيب تاون في جنوب إفريقيا الترتيب بمعدل 8.57 نقاط، يليه مطار حمد الدولي في الدوحة بـ8.52 نقاط.


وقد اعتبر مسؤول سابق بالخطوط التونسية في حديثه مع الكتيبة (المصدر نفسه) أن تعدّد الإشكاليات داخل مطار تونس قرطاج لم ينعكس فقط على جودة الخدمات، بل أثّر أيضا في نسق إصلاح الناقلة الوطنية وتطوير أدائها.
ولا تتوقف الإشكاليات في مطار تونس قرطاج عند البنية التحتية الداخلية والتجهيزات المتأخرة تقنيا فقط، بل تمتد إلى محيط المطار الخارجي، حيث يتمركز في قلب نسيج عمراني خانق ومكتظ بالسكان، وهو ما يطرح مخاطر كبيرة تهدّد سلامة السكان في حال وقوع حوادث جوية، بحسب المصدر ذاته، مستشهدا بواقعة الطائرة المصرية سنة 2002 التي اصطدمت بهضبة النحلي عند محاولة الهبوط بمطار تونس قرطاج. وقد أسفرت الحادثة عن مقتل حوالي 26 مسافرا. ويضيف: “لو وقعت الطائرة وسط المناطق العمرانية لكانت الكارثة أكبر”.
ويشير محدثّنا إلى أن هذا التموقع لا ينعكس فقط على الجوانب التقنية أو اعتبارات السلامة، بل يفرض أيضا قيودا واضحة على التطور العمراني في المناطق المجاورة، حيث تخضع بعض الأحياء المحيطة لقيود تتعلق بعلوّ البناء، إذ من غير المسموح أن تتجاوز البنايات ثلاثة أو أربعة طوابق، وهو ما يؤثر سلبا على ديناميكية التطوير العقاري في تلك المناطق.
وفي السياق نفسه، يلفت المصدر النظر إلى أنّ “السكان القاطنين بالقرب من المطار يواجهون بشكل يومي إزعاجا كبيرا بسبب الضجيج المتواصل الناتج عن حركة الطائرات ليلا نهارا، وهو ما يعكس مرة أخرى حجم التداخل بين نشاط المطار والحياة الحضرية المحيطة به”.


من جهة أخرى، يفتقر المطار إلى ربط جيّد بوسائل النقل الحديثة مثل المترو الخفيف، إضافة إلى الفوضى الكبيرة في تنظيم قطاع سيارات الأجرة الموجودة خارج المطار، وممارسات التحيّل في التسعيرة، حيث لا يلتزم عدد كبير من سائقي سيارات الأجرة التي تعمل في المطار بالتسعيرة الموجودة في العدّاد، بل يمارسون نوعا من السمسرة مع الحريف، بما يجعل السعر يتغيّر بحسب الوجهة المقصودة، في ظل غياب تنظيم محكم يضبط هذه العملية.
وفي هذا الإطار يقول رئيس الجمعية التونسية للنهوض بالنقل والنقل المهني معز البوزيدي، في حديثه إلى موقع الكتيبة، إنّ “المسافر يجد صعوبات كبيرة في الحصول على سيارة أجرة عند الخروج من بهو المطار ويضطر إلى التوجّه نحو الطريق الرئيسيّة للعثور على وسيلة نقل”، معتبرا أنه “من غير المقبول عدم التزام بعض السائقين بالتسعيرة الموجودة في العدّاد” مشدّدا على أنّ “هذه السلوكيات تعطي صورة سلبية عن تونس”.
منذ سنة 2011، لم يغادر ملف مطار تونس قرطاج الدولي دائرة الجدل، بل ظلّ يتأرجح بين مشاريع توسعة مؤجلة وافكار لبناء مطار جديد لم ترَ النور.
البداية كانت سنة 2014، حين أعلن وزير النقل آنذاك شهاب بن أحمد، عن مشروع لتوسعة المطار، مؤكدا أن الدراسات المعمّقة ستنطلق في جانفي 2015، على أن يتم الشروع في الإنجاز سنة 2016، بهدف رفع طاقة الاستيعاب إلى 7.5 ملايين مسافر في مرحلة أولى، ثم 10 ملايين مسافر سنويا في مرحلة ثانية، غير أن هذا المشروع بقي حبيس التصريحات ولم يدخل حيّز التنفيذ.
وفي سنة 2017، عاد الملف إلى الواجهة مع وزير النقل أنيس غديرة، حيث عُقد مجلس وزاري يوم 29 ماي للنظر في إمكانية توسعة المطار، إلى جانب طرح فرضية إحداث “مدينة المطار” (Airport City) بتونس الكبرى. وفي السياق ذاته، تحدّث الرئيس المدير العام لديوان الطيران المدني والمطارات آنذاك خالد الشلي عن إمكانية تحويل المطار الحالي وبناء مطار جديد في منطقة بوحنش شمال ولاية أريانة.
لكن في سنة 2018، اتخذ النقاش منحى مختلفا، إذ أكّد وزير النقل حينها رضوان عيّارة أنّه حتّى في صورة إنجاز مطار جديد في أفق 2030، فإن مطار تونس قرطاج لن يقع التخّلي عنه، مشيرا إلى أن كلفة بناء مطار جديد تُقدّر بحوالي 2740 مليون دينار.
هذا التوجه لم يصمد طويلا، ففي 2019، رجّح وزير النقل آنذاك هشام بن أحمد كفّة خيار التّوسعة، معتبرا أن بناء مطار جديد مكلف ماليا و يتطلّب مدّة زمنيّة طويلة قد تصل إلى 12 سنة لإتمام الأشغال، ما يجعل توسعة المطار الحالي الخيار الأنسب، وفق تعبيره.
و بحلول 2023، عاد الطرح المزدوج إلى الواجهة من جديد، فخلال مناقشة ميزانية وزارة النقل أمام البرلمان، شدّد الوزير ربيع المجيدي على ضرورة توّسعة المطار الحالي، بالتوازي مع التفكير الجدّي في إنشاء مطار جديد بمواصفات عالمية، في ظلّ الضغط المتزايد الذي لم يعد مطار تونس قرطاج قادرا على استيعابه.


ثم خفت النقاش مجددا، قبل أن يعود من جديد في سنة 2024، لكن هذه المرة على لسان وزيرة النقل بالنيابة سارة الزعفراني الزنزري -رئيسة الحكومة الحالية- خلال مؤتمر حول مستقبل الطيران المدني انعقد في الرياض في ماي 2024، حيث صرّحت الوزيرة أنّه ضمن برنامج الوزارة لآفاق سنة 2040 هناك مشروع توسعة لمطار تونس قرطاج يهدف إلى رفع طاقة استيعابه من 5 ملايين مسافر إلى 13 مليون مسافر سنويا، إلى جانب ربطه بشبكة السكك الحديدية، عبر مترو يربطه بوسط العاصمة، وخطّ آخر يربط بين مطاريْ قرطاج والنفيضة.
وفي أواخر شهر جانفي 2026، تسارعت وتيرة الخطاب الرسمي، إذ أعلن وزير النقل رشيد العامري في تصريح إعلامي، أن مشروع التوسعة بات في طور الإنجاز، مع اقتراب انطلاق الأشغال فور انتهاء الدراسات، بهدف رفع طاقة الاستيعاب إلى حدود 18 مليون مسافر سنويا، بالتوازي مع إعادة تشغيل المطارات الداخلية. وأكد الوزير وقتها أن خيار بناء مطار جديد لا يزال قائما.
غير أنّ الحسم الفعلي لم يأتِ عبر تصريح إعلامي هذه المرّة، بل من خلال ردّ رسمي لوزارة النقل على سؤال كتابي تقدّم به النائب في البرلمان حليم بوسمة. وقد أنهى هذا الردّ الجدل القائم منذ سنوات، إذ أكّد أنه “رسميا تم التخلي عن مشروع بناء مطار جديد في الوقت الراهن”، مقابل الانطلاق الفعلي في مشروع ضخم لتوسعة مطار تونس قرطاج بكلفة تقدّربـ 3000 مليون دينار.
المشروع كما تم تقديمه، يهدف إلى رفع طاقة الاستيعاب من 5 ملايين إلى 18.5 مليون مسافر سنويا في أفق 2031، بما يضمن استغلال المطار إلى ما بعد 2050. وقد تم إدراجه ضمن ميزانية وزارة النقل في قانون المالية لسنة 2026.
وتتمثّل مكونات المشروع في بناء محطة جويّة جديدة بطاقة استيعاب 11 مليون مسافر سنويا، إلى جانب إعادة تهيئة المحطة الحالية لرفع طاقتها إلى 7 ملايين مسافر. كما يتضمن إنشاء برج مراقبة ومبنى فني جديدين، ووحدة حديثة للحماية ومقاومة الحرائق، فضلا عن قاعات شرفية ومركز شرطة، وبناء محطّة جوية مخصّصة لكبار الشخصيات.
ويمتد المشروع كذلك إلى البنية التحتية الداعمة، من خلال إحداث محطة لإنتاج الكهرباء، وأخرى لضخ وتخزين المياه، إلى جانب تهيئة مربض الطائرات وتوسعته، وإعادة تهيئة الجسر المحاذي للمحطة الحالية.
كما تدرس وزارة النقل أيضا إمكانية استعادة مطار النفيضة-الحمامات بعد انتهاء مدة لزمته سنة 2047، وربطه عندها بمطار تونس قرطاج عبر القطار السريع، بحسب المصدر ذاته.


خيار خاطئ قد يقود إلى إهدار المال العام
أثار هذا الردّ القطعي حالة من الصدمة لدى العديد من المسؤولين السابقين والخبراء في مجال الطيران واللوجستيك، حول خلفيات هذا القرار ومدى عقلانيته، خاصة بالنظر إلى الوضعية الحالية المتدهورة لمطار تونس قرطاج، حيث اعتبره العديد من المختصين الذين التقاهم موقع الكتيبة خلال إنجاز هذا التحقيق، أنّه “حلّ ترقيعي” يُؤجّل معالجة إشكال هيكلي عميق.
في حديثه إلى موقع الكتيبة، اعتبر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسيّة والخبير الدولي عبد الرحمان اللاحقة، أنّ قرار توسعة مطار تونس قرطاج “غامض ولا يعكس رؤية استراتيجية استشرافية للدولة”، مشيرا إلى أنّ هذا التوجه “يفتقر إلى وضوح كافٍ ولا يستند إلى تصوّر طويل المدى لقطاع النقل الجوي في تونس”.
وأضاف أن المساحة الحالية للمطار، المقدّرة بـ820 هكتارا، “لا تسمح حتى في حال التوسعة بتحويله إلى مركز للتجارة العالمية أو منصة لوجستية كبرى”، معتبرا أنها “مساحة محدودة لا تستجيب لمتطلبات تطوير قطاع طيران ذا بعد إقليمي ودولي”.
وأوضح أنّ “الرفع في طاقة الاستيعاب إلى حدود 15 أو 18 مليون مسافر سنويا قد يؤدي إلى مزيد من الاختناق داخل المطار والمناطق المحيطة به، بدل التخفيف من الضغط القائم”، مؤكدا في السياق ذاته أنّ “زيادة طاقة الاستيعاب في الموقع الحالي ستساهم في تفاقم مشاكل الاكتظاظ المروري، في وقت تُقدَّر فيه الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الازدحام في تونس بنحو 600 مليون دينار سنويا حسب بعض التقديرات الرسميّة”.
وفي سياق متصل، أشار محدثنا إلى أنّ “كلفة التوسعة مرتفعة وتقارب كُلفة بناء مطار جديد”، لافتا النظر إلى “عدم وضوح المخططات والدراسات المعتمدة التي أدت لاتخاذ قرار التوسعة، وهو ما يُثير تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية الحقيقية للمشروع”، مشددا على أنّ “قرار التخلّي عن خيار بناء مطار جديد لصالح التوسعة يستوجب المراجعة”. ودعا إلى “ضرورة الكشف عن كل الدراسات والسيناريوهات التي تم اعتمادها لتبرير هذا التوجّه، خاصة في ظل صعوبة تعبئة التمويلات وارتفاع كلفة المشروع، وما قد يثير ذلك من نقاشات حول نجاعته ويطرح فرضية سوء الحوكمة وإهدار المال العام”.


تجدر الإشارة إلى أنّ موقع الكتيبة كان قد توجّه بمطلب نفاذ إلى المعلومة إلى وزارة النقل بتاريخ 03 جوان 2025، أي قبل الإعلان الرسمي عن التخلي عن مشروع بناء مطار جديد، طالبنا فيه بنسخة من الدراسات التي أنجزت على امتداد السنوات الماضية، المتعلقة ببناء مطار جديد وأيضا الدراسات المتعلقة بفرضية توسعة مطار تونس قرطاج، وأيضا السياسات العامة لوزارة النقل في علاقة بمستقبل المطار إلى جانب وضعية مطار النفيضة ومصير مشروع السماوات المفتوحة في تونس، إلاّ أنّ الصمت المطبق للوزارة كان سيد الموقف.


بدوره، اعتبر مسؤول سابق رفيع المستوى في وزارة النقل أنّ التوجه نحو توسعة مطار تونس قرطاج بكلفة تُقدّر بنحو 3 آلاف مليون دينار يمثل حسب رأيه، “سوء تقدير من سلطة الإشراف” خاصة وأن مطار النفيضة الحمامات تمّ بناؤه بكلفة مالية أقل من ذلك بكثير.
وأوضح أنّ “هذه التوسعة تُعدّ عمليا هي الأخيرة على مستوى المطار الحالي”، مضيفا أنّه “بعد نحو 10 سنوات ستجد الدولة نفسها أمام الإشكال ذاته، باعتبار أن المطار لن يكون قابلا لأيّ توسعة إضافية في المستقبل”.
كما أشار إلى أنّ الترويج لرفع طاقة الاستيعاب إلى حدود 18 مليون مسافر سنويا يظل، في تقديره، “هدفا غير واقعي في ظل القيود التقنية والجغرافية للموقع”، معتبرا أنّ المشروع، في حال إنجازه، سيبقى محدود الأثر على المدى البعيد. ويضيف أنّ فترة الأشغال، التي قد تمتد بين سنتين وثلاث سنوات، ستؤدي إلى اضطرابات تشغيلية داخل المطار قبل عودة النشاط إلى نسقه الطبيعي.
وخلُص إلى أن الدولة “تستثمر في حلّ مؤقت يستهلك المال العام دون أفق استشرافي واضح”، معتبرا أن التوسعة تمثّل خسارة في المال والوقت، تليها فترة استقرار قصيرة، قبل أن تتكرّر الأزمة ذاتها خلال أقل من عشر سنوات”.


من جانبه، يرى ليث الأخوة، وهو خبير في اللوجستيك، أنّ السؤال المركزي في ملف مطار تونس قرطاج يتمثل “في ما إذا كانت التوسعة تمثل حلا حقيقيا أم مجرد حلّ ظرفي لا يعالج جذور الإشكال، فالمطار لا يقتصر على قاعة مسافرين أو رفع في طاقة الاستيعاب، بل هو منظومة اقتصادية متكاملة تشمل المدارج والممرات ومواقف الطائرات، إلى جانب تنظيم دقيق للحركة الجوية”.
ويعتبر المصدر ذاته أنّ هذا التصوّر يصطدم بطبيعة الموقع الجغرافي لمطار تونس قرطاج، الذي وصفه بـ “المختنق حضريا”، ما يجعل تنفيذ توسعات كبرى ومشاريع مهيكلة حوله أمرا صعبا جدا إن لم يكن شبه مستحيل، بحسب تقديره.
ويضيف أنّ المطارات الحديثة تُبنى عادة ضمن فضاءات مفتوحة تسمح بتطوير منصات لوجستية ومراكز شحن ومناطق خدمات وأقطاب اقتصادية متكاملة، إضافة إلى ربطها بشبكات نقل سريعة وكثيفة. غير أنّ هذا النموذج، كما يوضح، لا يمكن تطبيقه في حالة مطار تونس قرطاج إلا في حال اللجوء إلى حلول جذرية على غرار إزالة مناطق سكنية محيطة به، وهو ما يعتبره “خيارا غير واقعي”.
ويؤكد الأخوة أنّ تمركز المطار داخل نسيج عمراني كثيف يحول دون تطويره إلى قطب لوجستي أو مركز توزيع إقليمي، بما قد يؤدي، وفق تقديره، إلى ضياع فرص اقتصادية مهمة على تونس.
من جهة أخرى، وبخصوص ربط مطار تونس قرطاج بمطار النفيضة، فإنّ هذا الأخير يطرح بدوره جملة من الإشكاليات، سواء على مستوى الحوكمة والإدارة، في ظلّ الخلافات المتكرّرة بين شركة “التاف” والدولة التونسية، وأيضا على مستوى الربط بوسائل النقل، إذ يقع المطار في منطقة شبه معزولة، وفق عديد الخبراء والمسؤولين السابقين الذين التقاهم موقع “الكتيبة” ضمن هذا التحقيق.
وعلى الرغم من أنّ مطار النفيضة يُصنّف ضمن المشاريع الكبرى من حيث البنية التحتية، إذ تبلغ طاقته الاستيعابية الحالية حوالي 7 ملايين مسافر سنويا، مع إمكانية الترفيع فيها تدريجيا لتصل إلى 22 مليون مسافر عبر التوسعة، فإنّ الواقع التشغيلي الفعلي يظلّ ضعيفا ودون التوقعات بسبب عزلة المطار.


وفي هذا السياق، يوضّح مسؤول سابق رفيع المستوى في وزارة النقل “أنّه في السابق وقع طرح تصوّر لربط مطار النفيضة بمطار تونس قرطاج عبر تحويل جزء من الرحلات القادمة من الدول الإفريقية نحو مطار النفيضة، على أن يتم تأمين رحلات الربط (transit) عبر التنقل إلى مطار تونس قرطاج لمواصلة السفر نحو وجهات أوروبية أو غيرها، مثل فرنسا أو المملكة المتحدة. غير أن هذا الخيار تعثّر بسبب عدم توفر ربط بشبكات النقل بين المطاريْن، وهو ما يعني الحاجة إلى مشروع سكك حديدية سريعة (TGV) بكلفة مرتفعة جدا، قد تعادل تقريبا كلفة إنشاء مطار جديد”.
ويضيف المصدر ذاته أنّ “البعد الجغرافي بين المطاريْن يجعل فكرة الربط المباشر مسألة غير عملية وصعبة التنفيذ، خاصة في ظل غياب بنية نقل متكاملة”.
ومن جهة أخرى، اعتبر مسؤول سابق في شركة الخطوط التونسية في حديثه مع الكتيبة أنّ “مطار النفيضة يطرح بدوره عدة نقاط استفهام، خاصة من حيث طبيعة تسييره، باعتبار أنه لا يزال خاضعا لتصرف الشركة المستغلة وفي إطار عقد لزمة يمتد إلى 40 سنة”، مؤكدا “وجود ديون كبيرة متخلدة بذمة الدولة التونسية لصالح شركة التاف”.
أما فيما يتعلّق بالتركيز على تنشيط المطارات الداخلية وربطها بمطار تونس قرطاج، فإن هذا التوجّه لا يبدو عمليّا، خاصة وأن التقديرات الرسمية تشير إلى أن “حوالي 70% من المسافرين يتمركزون في تونس الكبرى وليس في المناطق الداخلية. إضافة إلى أن قرابة 70% من المسافرين القادمين من الدول الإفريقية يعتمدون على مطار تونس قرطاج كمحطة عبور (ترانزيت) نحو وجهات أوروبية ودولية أخرى، وهو ما يزيد من حدة الضغط التشغيلي عليه ويبرز أهمية وجود مطار كبير وعصري بالعاصمة”، وفق ما صرّح به للكتيبة وزير سابق للنقل رفض نشر اسمه.
تجدر الإشارة إلى أنّ تونس تضمّ شبكة من المطارات المدنية يبلغ عددها ثمانية مطارات رئيسية موزّعة على مناطق مختلفة من الجمهورية، غير أن جزءا كبيرا من هذه المطارات يظل نشاطه محدودا أو موسميا، ما يجعل مساهمتها في تخفيف الضغط عن العاصمة محدودة.


لماذا تحتاج تونس العاصمة إلى مطار جديد؟
طُرحت فكرة بناء مطار جديد بعد الثورة في تونس بشكل قوّي خاصة في سنة 2017، حيث أُنجزت آنذاك عدّة دراسات شملت مختلف الجوانب المتعلقة بمطار تونس قرطاج، ومجال النقل الجوي في تونس، إضافة إلى دراسات تتعلق بتوسعة المطار الحالي وإمكانية ربطه بمطار النفيضة، وأيضا دراسات أوليّة في علاقة بالسيناريوهات الممكنة لبناء مطار جديد، بحسب العديد من المصادر المطلّعة التي التقاها موقع الكتيبة.
وفيما يتعلّق بمشروع بناء مطار جديد، يوضّح مسؤول سابق في وزارة النقل أنه تمّت دراسة ثلاث فرضيات كبرى حول موقع المطار، إما أن يكون في منطقة بين أريانة الشمالية أو بنزرت (أوتيك)، أو في برج العامري قرب المطار العسكري، أو في منطقة سليمان، ليتم لاحقا استبعاد فرضية برج العامري لأسباب أمنية، في حين تبيّن أن منطقة سليمان غير ملائمة تقنيا بسبب إشكاليات مرتبطة بهبوط الطائرات والرياح، أما منطقة أوتيك، هي الأخرى بها إشكاليات تتعلق بملكية الأراضي.
وفي الأخير وقع الاختيار على منطقة بوحنش الواقعة شمال ولاية أريانة في الطريق المؤدية إلى ولاية بنزرت، باعتبارها الخيار الأنسب من جهة أن الجزء الأكبر من الأراضي هناك على ملك الدولة، فضلا عن مساحتها الواسعة التي تسمح بإنجاز مطار ضخم بمواصفات عالمية، مع إمكانية تطوير فضاءات ومرافق محيطة به في إطار مشروع متكامل يعكس حاجيات تونس في مجال النقل الجوي في أفق سنة 2050 وأكثر، وفق مصادر متطابقة تولت مسؤوليات سابقا في وزارة النقل.
في هذا الإطار، يرى الخبير في الاقتصاد عبد الرحمان اللاحقة، أنّ “إنشاء مطار عصري وكبير يتطلب على الأقل مساحة تُقدّر بـ3 آلاف هكتار”، معتبرا أن “مصلحة تونس تكمن في بناء مطار جديد خارج العاصمة”.
ويضيف محدثنا “أنّه إذا كانت الدولة تراهن على إنشاء مركز للتجارة الدولية أو منطقة لوجستية كبرى، فإن التعويل على مطار تونس قرطاج يبقى غير ممكن ولا يحقق أي جدوى اقتصادية في مساحته الحالية”، مشدّدا على أنّ “تطوير النمو الاقتصادي والتجارة مرتبط أساسا بإحداث مطار جديد، وفق ما هو معمول به في العديد من التجارب الدولية”.
وفي الاتجاه ذاته، يعتبر مسؤول سابق في الخطوط التونسية أنّ “عدّة دول اختارت نقل مطاراتها إلى خارج المدن لتخفيف الضغط والمشاكل المتعلقة بالاكتظاظ والسلامة، على غرار المغرب التي قامت ببناء مطار الدار البيضاء الذي يبعد بين 20 و 30 كيلومترا عن العاصمة، إضافة إلى تجارب أخرى مثل موريتانيا وأنغولا وإثيوبيا”.


ويؤكد المصدر ذاته في حديثه مع موقع الكتيبة، أنّ “بناء مطار جديد في تونس سيتيح استغلال موقعها الاستراتيجي بين إفريقيا وأوروبا وآسيا بشكل أفضل، خاصة عبر تطوير منظومة الترانزيت، ومراكز الشحن الجوي، والمنصات اللوجستية، بما يحوّل المطار إلى محرّك اقتصادي حقيقي بدل الاكتفاء بوظيفة الإقلاع والهبوط ونقل المسافرين”.
من جانبه يرى ليث الأخوة، خبير اللوجستيك، أنّ “الاكتفاء بتوسعة مطار تونس قرطاج بكلفة تُقدّر بنحو 3000 مليون دينار لا يمثل خيارا استراتيجيا، مقارنة ببناء مطار جديد بطاقة استيعاب تصل إلى 15 مليون مسافر مع قابلية التوسعة. مُعتبرا أن تونس اليوم “ليست في حاجة إلى حلول ظرفية، بل إلى مشاريع استراتيجية تمتد آثارها على مدى 50 إلى 100 سنة في المستقبل”.
أما بخصوص مصير مطار تونس قرطاج، يقترح ليث الأخوة في حديثه مع موقع الكتيبة، “إعادة النظر في دوره بعد إنشاء مطار جديد، عبر تحويل جزء منه إلى فضاءات لوجستية أو تخصيصه لوظائف محدودة مثل رحلات الحجيج أو التشريفات الرسمية، مع التقليص في مساحته”.
أما فيما يتعلّق بالتمويل لإنشاء، يقدّم الهاشمي الملياني، عضو الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين، مقاربة تقوم على “استثمار عقاري ضخم يتمثل في تقسيم أراضي المطار – التي هي على ملك ديوان الطيران المدني- وبيعها في شكل تقسيمات، ذلك أنّ 820 هكتارا وهي مساحة المطار الحالي توفّر ما لا يقلّ عن 16000 مليون دينار في حال تم بيعها، أي ما يعادل قرابة 25 بالمائة من ميزانية الدولة التونسيّة لسنة 2026.
ويرى محدثّنا أنّ “كلفة تهيئة المطار الحالي قد تفوق كلفة بناء مطار جديد بالكامل، لأنّ الترميم مكلف أكثر من البناء الجديد”، مؤكّدا “أنّ قيمة الأرض يمكن أن تموّل ثلاثة مطارات عصرية، مع إمكانية تحقيق فائض مالي في حال أحكمت الدولة تقسيم الأراضي وبيعها بالسعر المناسب”.


من جهة أخرى، و في علاقة بفكرة إحداث مطار جديد لتونس العاصمة، قام الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، بإنجاز دراسة معمّقة حول الجدوى الاقتصادية من بناء مطار جديد في منطقة أوتيك، تسنّى لموقع الكتيبة الحصول على نسخة من تقريرها التأليفي.
وقد كشفت الدراسة عن مشروع ضخم لبناء مطار عصري وكبير في منطقة أوتيك التابعة لولاية بنزرت تتراوح كلفته بين 2.5 و3.5 مليار دولار أمريكي (أي ما بين 7.5 و 10.5 مليار دينار)، حيث قدّمت الدراسة المشروع كتحوّل جذري لتصوّر البنية التحتية للنقل الجوي في تونس. ووفقا اللمصدر ذاته فإن هذا المشروع “لا يقتصر على على كونه بديلا جغرافيا للمطار الحالي، بل يمثّل خيارا استراتيجيا من شأنه تحويل تونس إلى منصة عبور اقليمية ودولية عبر إنشاء Mega-Hub يربط أوروبا وأفريقيا وآسيا، بما سيُسهم في إعادة تموقع تونس عالميا”.
يقوم المشروع على إحداث مطار من الجيل الرابع بطاقة استيعاب أوليّة تتراوح بين 10 و15 مليون مسافر قابلة للترفيع إلى 25 مليون مسافر سنويا على المدى الطويل.
أما في علاقة بكلفة المشروع، توضح الدراسة ذاتها أنّ توزيع هذه الكلفة يعتمد على هندسة مالية دقيقة، حيث تُخصّص حوالي 60% للبنية التحتية الجوية (مدارج، محطات، أنظمة ملاحة)، و25% لمشاريع الربط والنقل (سكك حديدية سريعة وطرقات)، و15% لتطوير المنظومة اللوجستية وإحداث مناطق نشاط اقتصادي محيطة بالمطار.


أمّا على مستوى التمويل، فتقترح الدراسة نموذجا تتداخل فيه عدة أطراف، يقوم أساسا على تثمين أراضي مطار تونس قرطاج وبيعها، والتي قد توفّر ما بين 40 و50% من الكلفة الجملية للمشروع، إلى جانب قروض ميسّرة تقدّر بحوالي 30% من كلفة المشروع من مؤسسات دولية مثل البنك الإفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار، إضافة إلى شراكات بين القطاعين العام والخاص لتغطية النسبة المتبقيّة، وفق المصدر ذاته .
وتربط الدراسة هذا الاستثمار بالتحولات العميقة المنتظرة في قطاع الطيران في العالم، حيث تشير تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) إلى أن حركة المسافرين نحو إفريقيا ستتضاعف بحلول سنة 2040، وهو ما يفتح المجال أمام تونس للتموقع كمحطة عبور رئيسية إقليمية بين أوروبا وإفريقيا وآسيا.
وفي الإطار ذاته، تراهن الدراسة حول مشروع أوتيك على استقطاب الرحلات طويلة المدى عبر طائرات من طراز B787 وA350، بما يسمح بفتح خطوط مباشرة نحو أسواق جديدة مثل الصين واليابان وأمريكا الشمالية.
كما تركز الدراسة على البعد اللوجستي للمشروع من خلال تطوير نموذج العبور البحري-الجوي (Sea-Air)، عبر الاستفادة من القرب من موانئ بنزرت والنفيضة، بما يمكّن من تحويل تونس إلى منصة إقليمية للشحن والتوزيع قادرة على استقطاب شركات عالمية مثل DHL و FedEx.
وتشير الدراسة السابق ذكرها إلى أنّ مشروع المطار الجديد في أوتيك لا يقتصر على تطوير النقل الجوّي فقط، بل يمتد ليشمل إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، حيث يُنتظر أن يساهم في دعم الصادرات، إضافة إلى خلق ما يقارب 30 ألف موطن شغل، إضافة إلى أنه سيساهم في نمو الاقتصاد الوطني بنحو 7%. كما يفتح المشروع المجال لإحداث قطب اقتصادي جديد شمال البلاد قائم على بناء ما سمّي “مدينة المطار” (Airport City)، بما يعزز جاذبية الاستثمار ويعيد توزيع النشاط الاقتصادي خارج العاصمة.


في المحصّلة، يكشف مسار التصريحات الرسمية وتقلّب الخيارات بين التوسعة وبناء مطار جديد عن غياب رؤية استراتيجية مستقرة في إدارة أحد أهم المرافق الحيوية في البلاد. فمنذ أكثر من عقد، ظلّ مطار تونس قرطاج محور قرارات متردّدة بين حلول ترقيعية قصيرة المدى ومشاريع كبرى لم ولن تنجز ربما، في وقت تشير فيه كل المؤشرات التقنية والاقتصادية إلى بلوغ المطار الحالي حدوده القصوى، سواء من حيث الطاقة الاستيعابية أو موقعه داخل نسيج عمراني مُختنق.
وفي مقابل هذا الواقع، تطرح الدراسات وآراء الخبراء المتخصّصين خيار بناء مطار جديد كحلّ هيكلي قادر على استيعاب التحولات العميقة في قطاع الطيران في العالم، كما يفتح هذا الخيار آفاقا أوسع لتحويل تونس إلى منصة لوجستية وتجارية إقليمية، بدل الاكتفاء بدور مطار محدود الوظيفة والتأثير.
غير أن القرار الرسمي الأخير بالتخلي عن فكرة المطار الجديد والاكتفاء بالتوسعة، يطرح بدوره تساؤلات جوهرية حول جدوى هذا التوجه وكلفته الحقيقية ومردوديته الاقتصادية ومدى قدرته على حل الإشكاليات المطروحة، في ظل تعتيم تام وغياب معطيات منشورة للعموم أو الدراسات التي استند إليها القرار، وهو ما يحيلنا مثل كل مرة إلى مسألة الشفافية والحق في المعلومة كحق دستوري يكفله القانون.
يندرج هذا التحقيق، ضمن سلسلة تحقيقات تشتغل عليها هيئة التحرير في موقع الكتيبة في علاقة بملف المشاريع الكبرى في تونس والفرص المتاحة للنهوض بالاقتصاد الوطني وتطوير البنية التحتية للبلاد.
يندرج هذا التحقيق، ضمن سلسلة تحقيقات تشتغل عليها هيئة التحرير في موقع الكتيبة في علاقة بملف المشاريع الكبرى في تونس والفرص المتاحة للنهوض بالاقتصاد الوطني وتطوير البنية التحتية للبلاد.

الكاتبة: جواهر بنصير
صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة
الكاتبة : جواهر بنصير
صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة


















