الكاتبة : جواهر بنصير
صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة
في كلمة مطوّلة غلب عليها خطاب الفخر والتفاؤل، ألقتها وزيرة التجهيز والإسكان السابقة – رئيسة الحكومة الحالية – سارة زعفراني الزنزري، يوم 9 ديسمبر 2024، خلال إشرافها على يوم إعلامي انتظم بمناسبة مرور الذكرى 50 على تأسيس الوكالة العقارية للسكنى، أكّدت خلالها الوزيرة أنّ الوكالة مثّلت طوال هذه السنوات إحدى أهم ركائز الدولة التونسية في مجال السّكن والاسكان، وذلك من خلال توفيرها لمقاسم سكنية وتجارية فردية وجماعية مهيأة ومجهزة للبناء، بأسعار وصفتها بالتفاضلية في إطار تنفيذ سياسة الدولة لتيسير السكن للتونسيين.
لكن ما بين الخطاب الرسمي و المبالغة في تضخيم الإنجازات فجوة عميقة، حيث يقف آلاف التونسيين.ـات عالقين منذ سنوات في قائمات انتظار طويلة جدّا، ينتظرون حلما يكاد يكون مستحيلا، ألا وهو الحصول على قطعة أرض مهيأة لبناء منزل بسعر يتماشى – ولو نسبيّا – مع ضعف الأجور وغلاء المعيشة في تونس. بيد أنّه مع مرور السنوات، يتبدّد حلم “منزل العُمر” شيئا فشيئا.
فهل تقوم الوكالة العقارية للسكنى فعلًا بدورها في خدمة المصلحة العامة، أم أنها تحوّلت تدريجيا إلى أداة بيروقراطية مثقلة بسوء الحوكمة وتراكم الفساد منذ زمن حكم بن علي وصولا إلى ما بعد الثورة؟ و هل تحمل المرحلة القادمة حلاّ جذريا يعيد الثقة في مؤسسة كان يفترض أن تكون جزءا من الحل لا عنوانا إضافيا للأزمة؟
الكاتبة : جواهر بنصير
صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة
في كلمة مطوّلة غلب عليها خطاب الفخر والتفاؤل، ألقتها وزيرة التجهيز والإسكان السابقة – رئيسة الحكومة الحالية – سارة زعفراني الزنزري، يوم 9 ديسمبر 2024، خلال إشرافها على يوم إعلامي انتظم بمناسبة مرور الذكرى 50 على تأسيس الوكالة العقارية للسكنى، أكّدت خلالها الوزيرة أنّ الوكالة مثّلت طوال هذه السنوات إحدى أهم ركائز الدولة التونسية في مجال السّكن والاسكان، وذلك من خلال توفيرها لمقاسم سكنية وتجارية فردية وجماعية مهيأة ومجهزة للبناء، بأسعار وصفتها بالتفاضلية في إطار تنفيذ سياسة الدولة لتيسير السكن للتونسيين.
لكن ما بين الخطاب الرسمي و المبالغة في تضخيم الإنجازات فجوة عميقة، حيث يقف آلاف التونسيين.ـات عالقين منذ سنوات في قائمات انتظار طويلة جدّا، ينتظرون حلما يكاد يكون مستحيلا، ألا وهو الحصول على قطعة أرض مهيأة لبناء منزل بسعر يتماشى – ولو نسبيّا – مع ضعف الأجور وغلاء المعيشة في تونس. بيد أنّه مع مرور السنوات، يتبدّد حلم “منزل العُمر” شيئا فشيئا.
فهل تقوم الوكالة العقارية للسكنى فعلًا بدورها في خدمة المصلحة العامة، أم أنها تحوّلت تدريجيا إلى أداة بيروقراطية مثقلة بسوء الحوكمة وتراكم الفساد منذ زمن حكم بن علي وصولا إلى ما بعد الثورة؟ و هل تحمل المرحلة القادمة حلاّ جذريا يعيد الثقة في مؤسسة كان يفترض أن تكون جزءا من الحل لا عنوانا إضافيا للأزمة؟
“منذ أكثر من ثلاثين سنة وأنا مسجّل في الوكالة العقارية للسكنى”، يقول محمود (مواطن تونسي ستيني) في حديث مع الكتيبة، لقد “تقدمت بمطلب إلى الوكالة العقارية للسكنى منذ سنة 1994 ومنذ ذلك الحين وأنا أقوم بتحيين مطلبي بصفة دورية وأنتظر، لكن لم أحصل إلى اليوم على أيّ مقسم. وكلّما سألت، يقال لي انتظر دورك لم يحن بعد، لكن لديك الأولوية بحكم أقدمية المطلب… ثلاثون عامًا من الانتظار ولا شيء تغيّر غير أنّني اكتشفت منذ بضعة أشهر أنه وقع شطب اسمي من القائمة مثل الآلاف من التونسيين.ـات على خلفية القرار الصادر عن وزارة التجهيز والإسكان بتاريخ 28 جانفي 2025، والذي وقع فيه تغيير بعض شروط الحصول على المقاسم، ومنها عدم ملكية الطالب وقرينه بصفة فردية لعقّار مخصّص للسكن وقابل للاستغلال السكني في كامل تراب الجمهورية”.
شهادة محمود ليست حالة معزولة، بل هي صورة تختزل معاناة الآلاف من التونسيين.ـات الذين سجّلوا مطالبهم منذ عقود في قوائم الوكالة العقارية للسكنى على أمل الحصول على مقسم أرض مهيأة وصالحة للبناء. ورغم تحيين المطالب بانتظام والالتزام بالإجراءات الإدارية، يبقى الانتظار أو الرفض سيّد الموقف. هنا يطرح السؤال نفسه كيف لوكالة تحتفل بمرور 50 سنة من التأسيس أن تعجز عن تمكين مواطنين.ـات ينتظرون منذ سنوات حقّهم في قطعة أرض.


من هي الوكالة العقارية للسكنى؟
الوكالة العقارية للسكنى (AFH) هي منشأة عمومية تتمتّع بالشخصية المدنية والاستقلال المالي. وقد تأسست في أفريل 1973 بمقتضى القانون عدد 21 لسنة 1973 المتعلق بتهيئة المناطق السياحية والصناعية والسكنية، لتكون واحدة من المنشآت العمومية المكلّفة بتنفيذ سياسة الدولة التونسية وبرامجها في مجال السكن والإسكان. وبحسب القانون تتمثّل مهمة الوكالة في إنجاز المقاسم المهيّأة والإسهام في خلق محيط عمراني سليم ومتناغم، وإحداث مدن عصرية تتماشى مع التحولات الثقافية والاقتصادية التي تعيشها البلاد التونسية مع التقيّد بخصوصيات الواقع الاجتماعي للبلاد.
بعد عام واحد فقط من تأسيسها، صدر الأمر عدد 33 لسنة 1974 الذي ضبط طرق تسييرها وتنظيمها، قبل أن تعاد هيكلتها لاحقا عبر سلسلة من التنقيحات، أبرزها الأمر عدد 986 لسنة 2001 ثم الأمر الحكومي عدد 327 لسنة 2021 المتعلّق بضبط مهام الوكالة العقارية للسكنى وتنظيمها الإداري والمالي وقواعد سيرها، وصولًا إلى الأمر عدد 584 لسنة 2023 المتعلّق بتنقيح وإتمام الأمر الحكومي عدد 327 لسنة 2021 المتعلّق بضبط مهام الوكالة العقارية للسكنى وتنظيمها الإداري والمالي وقواعد سيرها.


أنيطت بعهدة الوكالة العقارية للسكنى جملة من المهامّ التي تهدف إلى تنظيم قطاع السكن والإسكان، مثل التكفّل بتوفير الأراضي المهيّأة لفائدة القطاعين العمومي والخاصّ مع العمل على تقليص كلفة الإنتاج، كما تلتزم بضوابط الجودة والحفاظ على المحيط في إطار مقاربة التنمية المستدامة.
وتشمل أدوارها أيضا تمكين الأسر محدودة ومتوسّطة الدخل من النفاذ إلى السكن في إطار الدور الاجتماعي للدولة، ومساندة الجماعات المحلّية في إنجاز مشاريعها الحضرية عبر توفير البنية التحتية الأساسية. كما تسهم في جهود الدولة الرامية إلى تثبيت السكان في مناطقهم الأصلية من خلال بعث مشاريع تعتمد اللامركزية والضغط على الكلفة، إلى جانب مشاركتها في الخطة الوطنية للتصدي للبناء الفوضوي عبر برامج سكنية مهيكلة وفق نفس الأمر.
أما على المستوى الإداري تخضع الوكالة إلى إشراف وزارة التجهيز والإسكان، ويديرها رئيس مدير عام يعيّن بمقتضى أمر حكومي بالإضافة إلى مجموعة من الأعضاء ممثلين عن بقية الوزارات الأخرى. ويتولّى مجلس الإدارة تحديد التوجهات الاستراتيجية للوكالة العقارية للسكنى. وتمتدّ أنشطتها عبر شبكة من الفروع الجهوية المنتشرة في مختلف الولايات.


تقوم الوكالة العقارية للسكنى بتوفير وتهيئة عدة أنواع من المقاسم حسب طبيعة الاستعمال والطرف المستفيد منها، وذلك بهدف تنظيم عمليّات البناء وتطوير الأراضي بما يتماشى مع السياسات السكنية للدولة.
ومن أبرز هذه المقاسم نذكر المقاسم الفردية، وتكون هذه الأخيرة مخصّصة للأفراد الراغبين في بناء مسكن فردي، ويتمّ إسناد هذا النوع وفق شروط محدّدة أهمها عدم امتلاك المستفيد وقرينه لأيّ عقار مخصّص للسكن، والالتزام بالشروع في البناء في أجل لا يتجاوز السنة من تاريخ التحويز وإنهاء البناء في أجل أقصاه سنتين، فضلا عن الالتزام بمواصفات التصميم العمراني المعمول بها.
توفّر الوكالة أيضا مقاسم تجارية وتكون عادة ذات استعمال مزدوج أي أنها تجمع بين السكن والتجارة والخدمات وتباع هذه المقاسم عن طريق المزاد العلني بحضور عدل منفذ. ويقع لاحقا إشهار عملية البيع عن طريق الصحف وكذلك عبر الموقع الالكتروني للوكالة، ويدفع ثمن المقسم مباشرة عند إرساء المزاد. ويفرض على المقتني التقيّد بمقتضيات كراس الشروط وعقد البيع وفي حال المخالفة يقع تجريده من المقسم من قبل وزارة التجهيز والاسكان.
كما توفّر الوكالة أيضا مقاسم موجهة للسكن الجماعي وشبه الجماعي، وتكون مخصّصة للباعثين العقاريين العموميين والخواص لبناء مشاريع سكنية جماعية. ويتمّ بيع هذا الصنف من المقاسم طبقا لكرّاس شروط ويقع إشهار عملية البيع عن طريق الصحف وكذلك عبر الموقع الالكتروني الخاص بالوكالة، كما يمكن لعمليّة البيع أن تتم عن طريق مطلب كتابي يرسل إلى الرئيس المدير العام مباشرة بالنسبة إلى الباعثين العقاريين العموميين، مع ضرورة احترام مخططات التهيئة العمرانية والمعايير البيئية واحترام مقتضيات كرّاس الشروط وكل مخالف يقع انتزاع المقسم منه.


خمسون سنة من “الإنجازات”..وأكثر من 300 ألف من “العالقين” في قائمة الانتظار
صرّحت وزيرة التجهيز والإسكان – رئيسة الحكومة الحالية – سارة الزعفراني الزنزري، خلال اليوم الإعلامي الذي انتظم بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الوكالة العقارية للسكنى، أنّ حوالي 10% من المواطنين في تونس استفادوا من منتجات الوكالة. كما تمكّنت المؤسسة من تهيئة أكثر من 8 آلاف هكتار وإحداث ما يزيد عن 240 ألف وحدة سكنية موزعة على أكثر من 430 تقسيما، إضافة إلى تخصيص مقاسم لبرنامج السكن الاجتماعي وساهمت في إحداث ديناميكية عمرانية بمختلف المناطق.
إضافة إلى أنّها وضعت على ذمة الدولة في إطار البرنامج الخصوصي للسكن الاجتماعي، أراض بمساحة تقارب 35 هكتارا لتهيئة 749 مقسما موزّعا على ولايات الجمهورية. كما وفرت خلال السنوات الخمس الأخيرة (2019-2024) حوالي 117 هكتارا بقيمة تقديرية تناهز 508 مليون دينار، هيأت بها نحو 2700 مقسم بمعدل 500 مقسم سنويا، تنوعت بين السكن الفردي والجماعي وشبه الجماعي والتجهيزات التجارية والإدارية.
كما أطلقت مشاريع نوعيّة، على غرار الأحياء الإيكولوجية في تقسيم مشروع “حدائق تونس” الذي يقع بين مدينتي تونس ومنوبة ويمتد على مساحة 303 هكتارا، وخصصت 74 هكتارا منها لحي إيكولوجي يتضمن 38.7 هكتارا مخصّصة لمنتزه حضري، في تجربة يُنتظر أن تمثل نقلة نوعية في مجال الإسكان، حسب تعبيرها.


وبحسب تصريح الوزيرة وقتها فإنّه من المنتظر أن ترتفع حاجيات السكن في تونس إلى ما لا يقل عن 17 ألف هكتار بحلول سنة 2030، وقد برمجت الوكالة مشاريع تغطي 11.360 هكتارا أي ما يعادل 65% من تلك الحاجيات.
لكن وبالرغم من الإنجازات التي ذكرتها وزيرة التجهيز والإسكان آنذاك، إلا أنّ الأرقام التي كشفت عنها الوكالة العقارية للسكنى في ردّها على مطلب نفاذ إلى المعلومة كان قد تقدم به موقع الكتيبة أظهرت وجها آخرا للواقع، فقد أقرّت الوكالة أنّ عدد الحرفاء المسجّلين على قائمات الانتظار قد بلغ إلى حدود شهر فيفري 2025 حوالي 337.700 حريف.
وبرّرت الوكالة أنّ هذا الرقم الكبير جدّا يعود بالأساس إلى “ندرة الأراضي وصعوبة الاقتناء بعد تنقيح قانون الانتزاع، فضلا عن الضغط الهائل على التقسيمات خاصة الموجودة في تونس الكبرى بسبب الكمّ الكبير من المطالب”.


وفي محاولة للحدّ من الانتقادات المتزايدة على القائمات وطول مدة الانتظار، لجأت الوكالة العقارية للسكنى ووزارة الإشراف إلى ما اعتبره الكثير من المواطنين “الحلّ الأسهل” ألا وهو تغيير شروط الحصول على مقسم، ذلك أنّه في 28 جانفي 2025، أصدرت وزارة التجهيز والإسكان قرارا يقضي بحرمان كلّ من يملك عقارا فرديا مخصّصا للسكن هو أو قرينه في أي ولاية من ولايات الجمهورية من الحق في الانتفاع بمقسم من الوكالة، في حين أن القوانين السابقة كانت تسمح لأي مواطن يملك عقارا في ولاية معيّنة بالتقدّم بمطلب للوكالة والحصول على مقسم شرط أن يكون في ولاية أخرى.
وهو ما نتج عنه شطب عدد كبير من الأسماء من قائمات الانتظار، حتّى وإن كان أصحابها قد انتظروا لعقود. وقد حاول موقع الكتيبة التواصل مع الرئيس المدير العام ومع المكلف بالإعلام بالوكالة العقارية للسكنى للاستفسار حول عدد الأشخاص الذين وقع شطبهم من قائمة الانتظار وتفاصيل القرار الصادر عن وزارة التجهيز والإسكان إلا أن الصمت كان هو الردّ الوحيد الذي تحصلنا عليه.
محمود واحد من هؤلاء المواطنين الذين انتظروا سنوات، ليتفاجأ في الأخير بحذف اسمه “بجرّة قلم”. يقول متحسّرا:
“انتظرت ثلاثين سنة، ثمّ شُطب اسمي دون سابق إعلام، ما ذنبي أنني اضطررت لشراء منزل خلال هذه السنوات الطويلة؟ هذا القرار تعسّفي وغير مدروس، لم يجتمعوا بنا ولم يخبرونا به، بل سمعته بالصدفة، أليس من حقي أن تمنح أقدمية مطلبي لأحد أبنائي ليستفيد منها في المستقبل على الأقلّ؟”
في حديثه مع موقع الكتيبة، اعتبر فخر الدين تليش وهو مدير مركزي متقاعد من الوكالة العقارية للسكنى، أنّ تراجع دور الوكالة خلال السنوات الأخيرة لا يرتبط بعامل واحد، بل يعود إلى جملة من الأسباب المتداخلة، من بينها غياب “إرادة واضحة” من الدولة لدعم الوكالة والمحافظة على نسق إنتاجها في مستويات تستجيب للطلب المتزايد على السكن.
“ذلك أنّ الدولة قبل تسعينات القرن الماضي، كانت تعتبر السكن جزءًا من “المصلحة العامة”، وهو ما انعكس على السياسات المعتمدة آنذاك في توفير العقار السّكني”، موضحا أنّ “الوكالة كانت تنجز مشاريعها بالاعتماد على آلية الانتزاع للمصلحة العامة والدولة كانت تدعم الوكالة فيما يتعلق بعمليات الانتزاع والسيطرة العقارية غير أنّ هذا التوجه تراجع بشكل كبير بعد سنوات الألفين”، وفق قوله.
ويضيف محدثنا أنّ “الإجراءات الإدارية والقانونية المعقدة والطويلة ساهمت بدورها في تعطيل المشاريع السكنية للوكالة”، موضحًا أنّ “إنجاز تقسيم سكني قد يستغرق اليوم ما بين 10 سنوات و15 سنة، بداية من اقتناء الأراضي وصولًا إلى تهيئتها واستكمال مختلف التراخيص والإجراءات الضرورية”.
كما يشير – تليش- إلى أنّ “ندرة الأراضي وتقلّص الرصيد العقاري المتاح أثّرا بشكل مباشر على نشاط الوكالة، إلى جانب تصاعد المنافسة مع الباعثين العقاريين الخواص وحتى مع بعض الباعثين العقاريين العموميين، وهو ما ساهم، بحسب تقديره، في تراجع حضور الوكالة داخل سوق العقارية”.


أما في علاقة بقائمات الانتظار، يوضّح تليش أنّ الأرقام المتداولة لا تعكس دائمًا الحجم الحقيقي للطلبات، باعتبار أنّ جزءًا من المسجلين “توفوا أو أصبحوا مالكين لمساكن أو تخلّوا عن مطالبهم ولم يلتزموا بإجراءات التحيين، وهو ما دفع السلطات إلى إصدار أمر ترتيبي يفرض تحيين مطالب التسجيل كل ثلاث سنوات، مع إسقاط المطالب التي لا يتم تجديدها”.
من جهة أخرى، يؤكد محدّثنا أنّ “فترات الانتظار تختلف من منطقة إلى أخرى، إذ لا تتجاوز في بعض التقسيمات 3 سنوات، بينما تمتدّ لسنوات طويلة في المشاريع الواقعة بالمناطق الراقية (خاصة في تونس العاصمة) التي تشهد ضغطًا مرتفعًا على الطلب”.
كما اعتبر المصدر الآنف ذكره أنّ “الأمر الوزاري الصادر في مطلع سنة 2025 أقرّ شروطًا جديدة للحصول على مقسم من الوكالة العقارية للسكنى، أهمّها عدم ملكية الطالب لأي عقار سكني في كامل تراب الجمهورية، وهو ما ساهم -وفق تقديره-، في تقليص عدد المطالب بشكل كبير”، مرجّحًا أن “تتراجع قائمات الانتظار إلى حدود النصف بعد تطبيق هذه الإجراءات. غير أنّ هذه الإجراءات تبقى غير كافية في غياب تدخل أكبر للدولة، خاصة عبر التكفل بالبنية التحتية والتهيئة الأولية للمشاريع السكنية، بما يسمح بتقليص الكلفة وتحسين قدرة الوكالة على توفير السكن لفائدة الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل”، حسب تعبيره.
بدوره، اعتبر لطفي الرياحي رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، في حواره مع موقع الكتيبة، أنّ “الوكالة العقارية للسكنى فقدت تدريجيًا دورها كآلية لتعديل السوق العقارية وتمكين التونسيين من النفاذ إلى السكن بأسعار معقولة، وذلك بالتوازي مع تصاعد نفوذ الباعثين العقاريين الخواص داخل القطاع”.
ويضيف محدثنا أنّ الوكالة “لم تعد قادرة على فرض توازن داخل السوق كالسابق”، وذلك بسبب “نقص مخزونها العقاري من جهة وبطء الإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة باقتناء الأراضي وتهيئتها من جهة أخرى”.
كما يرى المصدر ذاته أنّ “طول آجال إنجاز المشاريع وتعقّد المسارات الإدارية ساهم بدوره في إضعاف دور المؤسسة، خاصة في ظل سرعة إنجاز المشاريع التابعة للباعثين العقاريين الخواص. وهو ما ساهم في ارتفاع عدد المسجلين إلى مئات الآلاف، ومدة الانتظار قد تتراوح بين عشرين وثلاثين سنة”، وفق تقدير الرياحي.
وقد اعتبر المصدر نفسه أنّ “الإجراءات الجديدة المتعلقة بتحيين المطالب واعتماد شرط عدم الملكية على كامل تراب الجمهورية ساهمت في تقليص عدد المطالب والحد من بعض الإخلالات، غير أنّ المشكل المفصلي يبقى مرتبطًا أساسًا بنقص المخزون العقاري، وهو ما يستدعي تدخل الدولة لتوفير أراضٍ لفائدة الوكالة حتى تستعيد دورها الاجتماعي الذي تأسست من أجله”.
إرث طويل من البيروقراطية وسوء الحوكمة وشبهات الفساد
على الرغم من الدور الذي لعبته الوكالة العقارية للسكنى في تهيئة المقاسم وتوفير حلول سكنيّة لعدد من التونسيين.ـات، إلّا أن سيرتها لم تخلُ من الإخلالات ومظاهر التلاعب. حيث رافقت إنجازاتها مظاهر فساد وممارسات غير شفافة تعود جذورها إلى فترة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وعائلته، أين استُغلّت الوكالة كأداة لخدمة مصالح ضيّقة عبر التلاعب بملفات الأراضي والمقاسم وتوزيعها بعيدا عن المعايير التي يضبطها القانون. وقد وثق تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد لسنة 2011، الذي ترأسه عبد الفتاح عمر، جملة من هذه الإخلالات والوقائع التي كشفت حجم الانحرافات في تلك المرحلة.
على سبيل الإشارة، نذكر أنه في سنة 2005 كان على ملك الدولة العام ( الملك العمومي الأثري والملك العمومي للمياه) عقار كائن بسيدي بوسعيد، و باقتراح من وزيري الثقافة والمحافظة على التراث والفلاحة والموارد المائية، تمّ إصدار أمر يقضي بإخراج العقار من الملك العمومي للدولة وإلحاقه بملك الدولة الخاص، وتمّ لاحقا إصدار رسم عقاري جديد للعقار من قبل وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية تحت عدد 119984 تونس وسمي بـ”بيت الخير”. ومن ثم قامت وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية بالتفويت في كامل العقار والذي تبلغ مساحته 10485 متر مربع إلى الوكالة العقارية للسكنى في شخص ممثلها القانوني الرئيس المدير العام آنذاك بمبلغ قدره 104.5 مليون دينار وذلك بعد موافقة اللجنة الاستشارية العقارية التابعة لوزارة أملاك الدولة. وقد تمّ الاتفاق على أن تتعهد الوكالة بتهيئة العقار وتخصيصه إلى السكنى وعدم تغيير صيغته إلا بترخيص مسبق من وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية – مع العلم أن التفويت في العقارات على ملك الدولة الخاصّ لا يتمّ إلا للمصلحة العامة وهو ما لن يتوفر في هذه الحالة، بحسب ما ذكر في تقرير لجنة تقصي الحقائق.
ولم ينته الأمر عند هذا الحدّ، إذ قامت الوكالة العقارية للسكنى في شخص ممثلها القانوني الرئيس المدير العام آنذاك بالتفويت في كامل العقار إلى كل من صهر الرئيس الأسبق صخر الماطري وزوجته ابنة الرئيس نسرين بن علي لغرض استعمالها للسكنى بمبلغ قدره 114.6مليون دينار أي إضافة 9.8 مليون دينار عن ثمن شرائها من الدولة، وهذا المبلغ المضاف يمثل معلوم تسجيل انتقال الملكية من الدولة إلى الوكالة العقارية و قدره 5.2 د ومعلوم الملكية العقارية 105.6مليون دينار والمصاريف التي تكفلت بها الوكالة لربط قطعة الأرض بشبكة التطهير بقيمة 3.5مليون دينار، دون احتساب تكاليف التصرّف التي تعود إلى الوكالة. وبالتالي فوّتت الوكالة في العقار لصالح أشخاص معينين دون احترام الأهداف التي حدّدها القانون الخاصّ بالوكالة العقارية للسكنى، حسب ما أوردته لجنة تقصي الحقائق في تقريرها.
أيضا قامت الوكالة العقارية للسكنى بالتفويت في في قطعة أرض تمسح 20 ألف متر مربع بعين زغوان لصالح وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية في 27 سبتمبر 2005. وقد قامت هذه الأخيرة لاحقا بالتفويت في قطعة الأرض التي أصبحت على ملك الدولة الخاص لصالح شركة “المدرسة العالمية لتونس”. ولم تكتف الوكالة بذلك فقط بل قامت في 2007 بالتفويت بالبيع لفائدة “المدرسة العالمية لتونس” في مقسم منفرد مساحته 717 متر مربع لبناء مسكن وظيفي لمدير المدرسة وبلغ ثمن البيع 71.7 ألف دينار أي بحساب 100 د ثمن المتر المربع الواحد، وفق نصّ نفس التقرير.
وفي مناسبة أخرى، تخلّت الوكالة العقارية للسكنى عن حقها في أولوية الشراء بإذن من الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وذلك لتمكين رجل الأعمال (خ.ق) من شراء عقار كائن بمنطقة البحر الأزرق وفقا لذات التقرير.
فضلا عن هذا، استفادت عديد الشخصيات العامة من سياسيين ونقابيين ومسؤولين في الدولة من مقاسم في مناطق راقية مثل حدائق قرطاج دون المرور عبر الاجراءات القانونية التي تفرض المساواة وتكافئ الفرص مع عموم المواطنين.
إن ما تضمنه تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد لم يكن سوى الشجرة التي تخفي خلفها الغابة، ذلك أن سقوط نظام بن علي لم يضع على ما يبدو حدّا لمثل هذه الممارسات داخل الوكالة العقارية للسكنى.


بعد الثورة، تزايدت التشكيات من الإخلالات وسوء خدمات الوكالة العقارية للسكنى. وتمكّنت التقارير الرقابية الرسمية من تأكيد ما كان يتم تداوله في الخفاء. على غرار التقرير السنوي الثامن والعشرون للهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية لسنة 2022 التابعة لرئاسة الحكومة، فقد سجّل عددا كبيرا من المخالفات المالية والإدارية داخل الوكالة العقارية للسكنى خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2017. حيث توزّعت هذه الإخلالات على محاور متعدّدة منها أخطاء في التصرّف، وانتدابات خارج الإطار القانوني، ومنح دراسية لأبناء الأعوان غير مبرّرة، وتوزيع غير شفاف للمقاسم.
كما كشف التقرير عن تقاضي رؤساء مديرين عامين للوكالة العقارية للسكنى مبالغ مالية تحت مسمّى “منح تأجير مناظرات” تراوحت بين 378 دينارا و15.8 ألف دينار، وهو أمر يعدّ مخالفة صريحة للأوامر التي تضبط نظام تأجير رؤساء المؤسسات والمنشآت العمومية، إضافة إلى إحداث وحدات غير منصوص عليها في الهيكل التنظيمي للوكالة.
تجدر الإشارة إلى أن موقع الكتيبة كان قد تواصل مع الرئيس المدير العام السابق للوكالة العقارية للسكنى المعني بهذا الأمر للاستفسار حول ما جاء في التقرير الرقابي والتعليق عليه، إلا أنه رفض قطعيّا الخوض في الموضوع وتعلّل بأنّ الملف ككلّ هو الآن أمام أنظار القضاء وليس من حقه الخوض فيه قبل البتّ فيه.
من جهة أخرى، قامت الوكالة بإجراء انتدابات مباشرة خلال سنتي 2016 و2017 بلغت 100% من إجمالي الانتدابات خلال سنة 2017، وهو ما يعدّ منافيا لمبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص وضمان حد أدنى من الكفاءة المطلوبة للأعوان المنتدبين ومخالفة صريحة لمقتضيات النظام الأساسي الخاص بأعوان الوكالة العقارية للسكنى ومقتضيات الأمر عدد 567 لسنة 1997 المؤرخ في 31 مارس 1997 المتعلق بضبط شروط وصيغ الانتداب المباشر بالمنشآت العمومية والمؤسسات التي تكتسي صبغة إدارية، وفقا لما جاء في ذات التقرير.
كما أشار التقرير إلى تسوية عديد الوضعيات الإدارية والمالية لبعض الأعوان دون سند قانوني أو ترتيبي. وقد تمثلت أساسا في احتساب شهائد علمية تمّ التحصّل عليها بعد تاريخ الانتداب وأخرى قبله و احتساب الأقدمية خارج الوكالة و بفترات التربّص دون تبرير أو تفصيل.
وفي سلسلة من المدفوعات المشبوهة، صرفت الوكالة مبلغا قدره 280.5 ألف دينار بعنوان تأجير لجان المناظرات في غياب تامّ لأي سند قانوني أو ترتيبي يجيز للمؤسسات والمنشآت العمومية تأجير أعمال المناظرات التي تنظّمها.
إضافة إلى أنّ ممثل النقابة الأساسية للوكالة تحصّل بصفته “ملاحظا” في المناظرات على مبلغ قدره 15.8 ألف دينار رغم أن هذا الموقع لا يخوّل له القيام بمهام اللجان، وهو ما يعدّ خرقا صريحا للأطر القانونية المعمول بها.
وتواصلت الخروقات لتشمل التصرّف في الصندوق الاجتماعي للوكالة، حيث منحت الإدارة مبالغ مالية بعنوان “دراسة الأبناء” تصرف سنويّا في شهر سبتمبر لفائدة أعوان الوكالة، وفقا لذات المصدر.


ذكر التقرير أيضا أنّه تم تخصيص نسبة من النتيجة المحاسبية حسب احتياجات الصندوق وليس بنسبة محدّدة يتمّ ضبطها بصفة معقولة كما جاء ذلك بمنشور الوزير الأول عدد 23 لسنة 1988 خلافا للتراتيب، مما أدى إلى تحميل الوكالة مبالغ كبيرة، حيث بلغ الفارق بين موارد الصندوق واستعمالاته سنة 2016 حوالي ( 920.8 ألف دينار)، وقد أثر ذلك احتراز مراجع الحسابات المدوّن في محضر اجتماع مجلس الإدارة بتاريخ 21 أوت 2017، وتكرّر نفس الوضع في 2017 كما ورد بمحضر اجتماع مجلس الإدارة في 26 جويلية 2018.
أما في مجال توزيع المقاسم، فقد سجّل فريق الرقابة العامة الإدارية والمالية جملة من النقائص والإشكاليات العميقة في منظومة التصرف داخل الوكالة العقارية للسكنى. إذ تبيّن أن المنظومة المعلوماتية المعتمدة حصريا في ترتيب طالبي المقاسم، حسب الترتيب الزمني لمطالبهم تعاني من قصور واضح، إذ لا تتيح متابعة دقيقة لوضعية المقاسم الإدارية ولا تتضمن خانة توضح ما إذا كان المقسم في طور إجراءات البيع أو في طور الخلاص.
كما سجّل التقرير أنّ بعض المقاسم المخصّصة لتجهيزات إدارية، مثل (مراكز الشرطة والمدارس…)، لم يقع التنصيص على أثمانها بالمنظومة التجارية، رغم أن بعضها أسند منذ أكثر من 15 سنة دون أي تسوية لوضعيتها إلى حدود مباشرة الهيئة متابعة الملف. أشار أيضا إلى أن دليل الإجراءات لا يتضمّن أي إشارة إلى المذكّرة المتعلّقة بتوزيع المقاسم بين الفئات المنتفعة، ولا أيّ إجراء يحدّد بدقة كيفية تخصيص المقاسم بين العموم وبقية الفئات. وهذا القصور انعكس على الحرفاء، الذين لم يكن بإمكانهم معرفة ترتيبهم في التقسيم، ممّا أدى إلى حرمانهم من فرصة تحويل مطالبهم إلى تقسيمات أخرى قد تكون حظوظهم فيها أوفر.
كما رصد فريق الرقابة خروقات جسيمة تتعلّق بملفات الحرفاء الذين تحصلوا على مقاسم، على غرار غياب الوثائق التي تثبت عدم الملكية سواء بالنسبة إلى الحرفاء أو أزواجهم أو أبنائهم، كما تبيّن أن بعض حرفاء الوكالة قد تحصّلوا على مقاسم رغم امتلاكهم لعقارات سكنية.
ذكر التقرير أيضا أن مصالح الوكالة العقارية للسكنى قبلت شهائد خطّية من وزارة المالية عوضا عن الكشوفات المستخرجة من المنظومة الإعلامية في العقود المسجلة لدى القباضة المالية، وعندما قام فريق الرقابة بالتثبت في المنظومة الإعلامية المشار إليها ومقارنتها ببعض الكشوفات الخطية المقدمة من قبل بعض الحرفاء تبين وجود شبهات تدليس في بعض هذه الوثائق.
وأشار التقرير إلى إخلالات تتعلّق بعدم احترام آجال خلاص المقاسم، في خرق صريح لأحكام الأمر عدد 33 لسنة 1974 المنظم للوكالة. كما تمّ تسجيل فراغ إجرائي بخصوص المقاسم المخصّصة للطلبات الجماعية للمؤسسات الوطنية، ممّا جعل طرق التصرّف فيها غير واضحة خاصّة في ظلّ غياب تطبيقة إعلامية أو سجلّ خاصّ يجمع كل الطلبات وعدم توفر المعلومات لكافة هذه الهياكل، وقد اعتبر فريق الرقابة أنّ هذا الأمر يُعتبر خرقا لمبدأ المساواة والشفافية إضافة إلى ثبوت بعض الحالات التي يمكن أن ترتقي إلى مستوى تضارب المصالح.
يبيّن ذات التقرير أيضا غياب إطار واضح لإسناد المقاسم التي تُمنح وفق السلطة التقديرية للإدارة العامة بنسبة 10 % والتي تمّ تحديدها بموجب قرار مجلس الإدارة المؤرخ في 21 أفريل 1988، علاوة على غياب أيّ معطيات أو إحصائيات مجمّعة حول المستفيدين. وقد اعتبر فريق الرقابة أنّ هذا الأمر يتضمّن مخاطر تتعلّق أساسا بتضارب المصالح والمحاباة والمحسوبية ويضعف الدور الاجتماعي الذي أنشئت من أجله الوكالة، ويغذّي شكوك الرأي العام حول نزاهة عمليات الإسناد. وقد أوصى التقرير بضرورة ضبط إطار ترتيبي وإجرائي للتصرّف في هذه النسبة من المقاسم وتقييد السلطة التقديرية للإدارة العامّة.


كما لم يسلم ملف المقاسم الموجّهة للأعوان من التجاوزات، حيث ثبت أن نسبة الـ5 % التي ينتفعون بها لم يقع التنصيص عليها في بالنظام الأساسي للأعوان الذي أقرّ هذا الامتياز، ولم يتحصّل فريق الرقابة على ما يفيد أنه تمّ عرض الموضوع على مجلس الإدارة للمصادقة، فضلًا عن تجاوز هذه النسبة في عدّة تقسيمات على غرار تقسيم مشروع حدائق تونس. فضلا عن خرق شرط “عدم الملكية” الذي يفرضه قرار مجلس الإدارة المتخذ بتاريخ 21 افريل 1988 عند إسناد مقاسم لفائدة بعض الأعوان.
يبرز ذات التقرير أنّ الوكالة لا تعتمد إجراءات واضحة في عمليّات البيع في إطار “المعاوضة”، إذ يخلو دليل الإجراءات من أيّ تفاصيل حول كيفية التفويت في المقاسم المعدّة للسكن الجماعي أو شبه الجماعي في إطار المعاوضة، ممّا فتح المجال للاجتهادات الفردية ولحالات تمييز بين المالكين الذين فوّتوا في أراضيهم لفائدة الوكالة. كما لاحظ فريق الرقابة أنّ بعض الملفات تفتقر إلى الوثائق القانونية التي تثبت عملية المعاوضة.
أما على مستوى التصرّف في النفقات، فقد تبيّن لفريق الرقابة أنّ الوكالة العقارية للسكنى قد تحمّلت مصاريف كراء مساكن وظيفية لفائدة النواب الجهويين دون توفّر سند قانوني أو ترتيبي لذلك. وقد بلغت قيمة المصاريف المترتّبة عن هذا الإجراء والتي تحمّلتها الوكالة ما يزيد عن 64 ألف دينار سنويّا حسب ما تضمّنته الدفاتر المحاسبية للوكالة لسنتي 2018 و2019.
وتبيّن أيضا أنّ أعوان الوكالة العقارية للسكنى قد انتفعوا بمبالغ من الأموال الذاتية للوكالة بعنوان منحة دراسية لفائدة أبناء الأعوان المباشرين وأزواج الأعوان الذين يعملون بدورهم بالوكالة والأعوان المتوفين قبل بلوغهم سنّ التقاعد. وتصرف هذه المبالغ خلال شهر سبتمبر من كل سنة. وقد بلغت هذه المبالغ ما قدره 244.9 ألف دينار في السنوات ما بين 2014-2018 ، علما وأنّ إسناد هذه المنحة لا يخضع إلى أي مرجع قانوني أو ترتيبي وبالتالي حمّل ميزانية الوكالة مبالغ هامة غير مبرّرة ودون وجه حق.
واستنادا إلى هذا التقرير، قامت هيئة الرقابة العامة بمراسلة وزارة التجهيز والإسكان بخصوص الإخلالات والإشكاليات التي سجّلتها وتمّ تكييفها من قبل الفريق الرقابي على أنها أخطاء في التصرّف وأخطاء تكتسي شبهات فساد جدّية.
إنّ ما ذكر في تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد وتقرير هيئة الرقابة العامة الادارية والمالية، يؤكد أن المشكل لم يكن ظرفيا ومرتبطا بمرحلة سياسية بعينها أو فترة زمنية محددة، بل هو انعكاس لمنظومة حوكمة معتلّة دأبت على إنتاج نفس التجاوزات والأخطاء رغم تغيّر الواقع السياسي أكثر من مرّة.
في تعليقه على هذا الموضوع، يعتبر فخر الدين تليش مدير مركزي متقاعد من الوكالة العقارية للسكنى، في حديثه مع الكتيبة أنّ “ما يقال بخصوص شبهات الفساد في علاقة بإسناد المقاسم لأعوان الوكالة العقارية للسكنى فيه الكثير من المغالطات و مجانب للحقيقة”، ذلك أنه “منذ تأسيس الوكالة في سنة 1975 إلى اليوم تحصّل الأعوان على نسبة تعتبر ضعيفة”، وفق تعبيره.
ويؤكد محدثنا أن “مسألة تجاوز الأعوان لنسبة 5 بالمائة من كل تقسيم حدثت في تقسيمان فقط والتجاوز كان بمقسم واحد، أي أنه على كل 100 تقسيم يحق للأعوان الحصول على 5 مقاسم”. مشددا على أن “الأعوان في كل المؤسسات العمومية تتحصل على امتيازات على غرار أعوان الشركة التونسية للكهرباء و الغاز وأعوان مؤسسات البعث العقاري العمومية”، ويشير المصدر ذاته إلى أنه “بحسب القرارات الأخيرة تم إلغاء هذا الإمتياز مبدئيا وهناك مساعي مع سلطة الإشراف لتقنين العملية أكثر في المستقبل”، وفق تصريحه.


عندما تترك الدولة مواطنيها فريسة للمضاربين والبنوك والسماسرة
لم تعد الإخلالات المسجلة في الوكالة العقارية للسكنى (AFH) أو تلك التي تعاني منها كلّ من الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية (SNIT) وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية (SPROLS)، مجرّد مشاكل إدارية بسيطة بل تحوّلت إلى أزمة عميقة ساهمت بشكل مباشر في تفاقم أزمة السكن الخانقة التي تعيشها تونس اليوم.
ووفقا لنشرية المعهد الوطني للإحصاء حول مؤشر أسعار العقارات خلال الثلاثي الأول من سنة 2024، فقد ارتفع مؤشر أسعار العقارات بنسبة 3.5% بحساب الانزلاق الثلاثي خلال الثلاثي الأول من السنة. كما سجّلت أسعار الأراضي السكنية ارتفاعا سنويا بنسبة 4.9% على المستوى الوطني، وبنسبة 3.4% في المدن الساحلية و5.8% في بقية المناطق وفقا لذات التقرير.
كما كشف تقرير أعدّه موقع المبوب المختصّ في مجال العقارات، حول أبرز ملامح سوق العقارات في تونس خلال السداسي الأول من سنة 2025، أنّ أسعار الشقق السكنية المعروضة للبيع قد سجّلت منحى تصاعديا في الأسعار حيث ارتفع متوسط سعر المتر مربع بنسبة 4% مقارنة بالسداسي السابق، وارتفع بنسبة 7% مقارنة بالسداسي الأول من سنة 2024. كما سجّلت أسعار الشقق الجديدة ارتفاعا في متوسط السعر بنسبة 2 % على أساس السداسي و بنسبة 5% على أساس سنوي.
أما فيما يتعلق بالعرض والطلب فقد تم تسجيل تراجع طفيف بنسبة 1% في الطلب على الشقق مقارنة بسنة 2024، و ارتفاع بنسبة 3% في العرض، وفق التقرير ذاته.


لكن المفارقة الأكبر تكشفها أرقام التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء، حيث بلغ عدد المساكن الشاغرة في تونس حوالي 826 ألف مسكن، هذا الرقم لا يعبر عن فائض في العرض، بل يكشف عن عمق الأزمة في السوق العقارية ومجال السكن الذي تحوّل إلى نظام مترهل تغلب عليه المضاربة ويغيب عنه التدخل الفعّال من الدولة.
فبدل أن تضطلع مؤسسات الدولة بدورها في تطوير السّكن الاجتماعي وضمان الحق في المسكن اللائق المكفول بالدستور، تراجعت سياساتها إلى مجرّد دور المتفرج، تاركة السوق رهينة الباعثين العقاريين والمضاربين والقطاع البنكي وقروضه المشطة على مستوى الفوائد المالية.
في هذا الإطار، قال الهاشمي الملياني عضو الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين، في مقابلة مع الكتيبة، إنّ “بنك الإسكان حاد عن دوره في تمويل المساكن وتحوّل كغيره من البنوك إلى بنك تجاري”، ذلك أنه في السابق “كان اسمه الصندوق الوطني للادخار السكني ونجح في سبعينيات القرن الماضي في تمكين 70 بالمائة من التونسيين من قروض لشراء مسكن، لكن اليوم أصبح جزء منه تجاري و جزء آخر للإسكان ولكنه لم ينجح في كلايهما”، وفق تعبيره.
وشدّد الملياني على أنّ “الأموال التي يقدمها بنك الإسكان في إطار القروض السكنية هي في الأصل أموال تابعة إلى برنامج “الفوبرولوس” وليست من الأموال الخاصة به”، معتبرا أنّ ” الإدارة التونسية أخطأت في إيداع هذه الأموال و التي تقدّر بـ 380 مليون دينار سنويا لدى بنك الإسكان، وكان من الأجدر أنّ توضع هذه الأخيرة في صندوق الودائع والأمانات حتى يكون لكل مواطن الحق في الحصول على تمويل لشراء مسكن مرة في حياته بشروط ميسرة ونسبة فائدة لا تتجاوز 3 بالمائة”، حسب ما جاء على لسانه.
وأضاف المتحدث نفسه أنّ “عائلة تونسية من الطبقة الوسطى تحتاج على الأقل اليوم إلى دخل شهري في حدود 6500 دينار شهريا لكي تتمكن من اقتناء شقّة في تونس الكبرى (السميغ حاليا في تونس 554 دينار)، من بينها 2250 دينار تذهب لخلاص القسط الشهري من القرض السكني” منبها من كلفة القروض السكنية على جيوب المواطنين حيث أنّ “كلفة قرض بقيمة 200 ألف دينار يمكن تصل بالفوائد إلى حوالي 500 ألف دينار”،محذّرا من المضاربة في القطاع العقاري التي قال إنّها ” فعلا موجودة وهي تمارس حتّى من قبل الوكالة العقاريّة للسكنى”.
في المحصّلة، النتيجة كانت مفارقة كبيرة، مئات الآلاف من المساكن الجاهزة بلا سكّان، في المقابل نجد طوابير انتظار طويلة من المواطنين العاجزين عن اقتناء مقسم بسعر يراعي ولو نسبيّا هشاشتهم الاقتصادية. هذا الخلل تفاقم بفعل الارتفاع الجنوني لأسعار الأراضي وتضخّم كلفة مواد البناء، ما جعل كلفة إنجاز المشاريع السكنية تثقل كاهل الباعثين العقاريين وتنعكس مباشرة على أسعار البيع.
ومع تدهور القدرة الشرائية وغياب سياسات ناجعة لضبط السوق أو دعم الفئات المتوسطة والضعيفة، تحوّلت أزمة السكن من مشكلة ظرفية إلى أزمة حقيقية تهدد التماسك الاجتماعي وتعمّق الهوّة بين السكن كحق أساسي والسكن كسلعة استثمارية محصورة في متناول الفئات الميسورة.


ما الحلّ؟
في حديثه مع موقع الكتيبة، يرى فخر الدين تليش المدير المركزي المتقاعد من الوكالة العقارية للسكنى، أنّ “معالجة أزمة السكن في تونس لا يمكن أن تقتصر على إنجاز مشاريع سكنية جديدة، بل تستوجب مراجعة شاملة لمنوال التنمية والسياسات العمرانية المعتمدة منذ عقود”. ويعتبر محدثنا أنّ “أحد أبرز الحلول تتمثل في إعادة التوازن التنموي بين الساحل والجهات الداخلية، عبر توفير البنية التحتية والخدمات الأساسية ومقومات العيش الكريم داخل المناطق الداخلية، بما يسمح بالتقليص من الضغط السكاني المتواصل على المدن الكبرى والعاصمة”. كما يدعو إلى “مراجعة أمثلة التهيئة العمرانية واعتماد تخطيط عمراني استباقي يحدّ من التوسع والبناء الفوضوي”.
ويؤكد المصدر الآنف ذكره أنّ “تعدّد مؤسسات البعث العقاري العمومي يطرح إشكالًا هيكليًا”، معتبرا أنّ “تجميع هذه المؤسسات ضمن هيكل موحد يعد أكثر نجاعة ويساهم أكثر في تنفيذ سياسات الدولة في السكن”. ومن بين الحلول التي يقترحها كذلك، “مراجعة الأداءات الموظفة على المقاسم الاجتماعية، خاصة الأداء على القيمة المضافة بنسبة 19 بالمائة”، معتبرًا أنّها تزيد في تعقيد النفاذ إلى السكن بالنسبة للفئات المتوسطة ومحدودة الدخل”.
كما يدعو محدثنا إلى “الاستفادة من تجارب دولية في مجال السكن، على غرار كوريا الجنوبية والنمسا وسنغافورة، خاصة في ما يتعلق بالكراء المملّك وتمويل السكن على المدى الطويل”.
من جهته، يعتبر لطفي الرياحي، رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، أنّ “استعادة الوكالة العقارية للسكنى لدورها الأصلي يمرّ أساسًا عبر تمكينها من مخزون عقاري كافٍ يسمح لها بالتدخل الفعلي داخل السوق العقارية وتعديل الأسعار”.
كما يشدّد الرياحي على “ضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية والفنية المتعلقة بتهيئة المقاسم وتسريع إنجاز المشاريع السكنية”. ويرى أيضًا أنّ “السياسة الاجتماعية في مجال السكن يجب أن تكون أكثر وضوحًا وأن تراعي القدرة الشرائية للمواطنين في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الأراضي والعقارات”.
وفي السياق ذاته، يقول محدثنا “إن الوكالة يجب أن تلعب دور تعديلي فعلي داخل السوق، بحيث تصبح مرجعًا في تحديد أسعار المقاسم والسكن، بدل الاكتفاء بمواكبة الأسعار التي يفرضها الباعثون العقاريون الخواص. كما يؤكد على ضرورة وضع آليات تضمن المنافسة الشفافة والحد من المضاربة العقارية التي ساهمت في تعميق أزمة السكن،” وفق تقديره.
ويطرح رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك كذلك فكرة “ضرورة التوجه نحو إنشاء مدن جديدة وذكية وصديقة للبيئة، ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى لقطاع السكن، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف مؤسسات الباعث العقاري العمومي لتنفيذ سياسة سكنية أكثر نجاعة لضمان العدالة الاجتماعية”.
ختاما، في ظلّ هذه التحديات التي يعيشها قطاع السكن في تونس ، تبرز الحاجة اليوم إلى عودة الدور الاجتماعي للدولة وتبنّي سياسات سكنية شاملة وفعّالة ومدروسة تراعي ضعف الأجور وانهيار القدرة الشرائية للمواطن، وتركز على توفير سكن اجتماعي مناسب، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية خاصة العمومية، لضمان حقّ كل مواطن تونسي في الحصول على سكن لائق.
يندرج هذا التحقيق ضمن ملف صحفي يشتغل عليه موقع الكتيبة في علاقة بسياسات الدولة التونسية في مجال السكن والإسكان والمنشآت العموميّة التابعة لها في هذا المجال، فضلا عن قطاع البعث العقاري ربطا بالتمويل البنكي، انطلاقا من مقاربة اجتماعية تقوم أساسا على الحقّ في السكن اللائق لكل عائلة.
يندرج هذا التحقيق ضمن ملف صحفي يشتغل عليه موقع الكتيبة في علاقة بسياسات الدولة التونسية في مجال السكن والإسكان والمنشآت العموميّة التابعة لها في هذا المجال، فضلا عن قطاع البعث العقاري ربطا بالتمويل البنكي، انطلاقا من مقاربة اجتماعية تقوم أساسا على الحقّ في السكن اللائق لكل عائلة.

الكاتبة: جواهر بنصير
صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة
الكاتبة : جواهر بنصير
صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة




