“السفساري”: تاريخ أثيل للتحوّلات الاجتماعيّة والذاكرة النسائيّة التونسيّة

بمقاربة قصصيّة صحفيّة تنهل من الأنتروبولوجيا التاريخية، تقدّم الصحفية والباحثة يسرى بلالي قراءة عميقة في علاقة "السفساري" بالمجتمع التونسي وثقافة اللباس النسائي من الفضاء العام إلى الفضاء الخاص ربطا بالتمثّلات الإجتماعيّة والثقافيّة والتقلّبات السياسيّة أيضا، مرتحلة بين مراحل تاريخية مختلفة كانت شاهدة على عديد التحوّلات والإعتمالات.

الكاتبة : د. يسرى بلالي

صحفية وباحثة في العلوم الاجتماعية

في تاريخ المجتمعات المتوسّطية، كان خروج النساء مشروطًا بجملة من القواعد الرمزية التي تنظّم الظهور الاجتماعي للجسد. ومن بين أبرز هذه القواعد، يبرز ارتداء “اللحاف” أو “الغطاء الخارجي”، وهو تقليد واسع الانتشار في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يأخذ أشكالًا متعدّدة، ووجد في تونس تمثّله الأكثر تميزًا في السفساري.

يتكوّن السفساري من قطعة قماش كبيرة تُلفّ حول الجسد لتُغطّيه بالكامل، وغالبًا ما تكون بيضاء اللون، في تعبير عن وظيفة مزدوجة: الحجب والزينة في الآن نفسه عبر إعادة صياغة الجسد بصريًّا، فيُصبح جسدًا اجتماعيًا منضبطًا، وفق ما تصفه الأنثروبولوجيا بـ”التقنيات الجسديّة”.

الكاتبة : د. يسرى بلالي

صحفية وباحثة في العلوم الاجتماعية

في تاريخ المجتمعات المتوسّطية، كان خروج النساء مشروطًا بجملة من القواعد الرمزية التي تنظّم الظهور الاجتماعي للجسد. ومن بين أبرز هذه القواعد، يبرز ارتداء “اللحاف” أو “الغطاء الخارجي”، وهو تقليد واسع الانتشار في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يأخذ أشكالًا متعدّدة، ووجد في تونس تمثّله الأكثر تميزًا في السفساري.

يتكوّن السفساري من قطعة قماش كبيرة تُلفّ حول الجسد لتُغطّيه بالكامل، وغالبًا ما تكون بيضاء اللون، في تعبير عن وظيفة مزدوجة: الحجب والزينة في الآن نفسه عبر إعادة صياغة الجسد بصريًّا، فيُصبح جسدًا اجتماعيًا منضبطًا، وفق ما تصفه الأنثروبولوجيا بـ”التقنيات الجسديّة”.

في تاريخ السفساري

تتعدّد الروايات حول أصول السفساري، فبعض الدراسات تُرجعه إلى جذور قرطاجية قديمة، بينما تربطه روايات أخرى بالموجات الأندلسيّة التي استقرّت في تونس منذ القرن السادس عشر، حيث حمل اللاجئون معهم أنماطًا حضرية من اللباس، من بينها هذا اللحاف الأبيض الذي سرعان ما أصبح لباس نساء المدن. وفي كلا الاحتمالين، يتشكّل السفساري في تقاطع طرق حضارية متوسّطية، بين قرطاج والأندلس والفضاء المغاربي.

وقد ارتبط هذا اللباس تاريخيًا بالمدينة (الحاضرة) أكثر من ارتباطه بالريف، حيث مثّل علامة على الانتماء إلى نمط حياة حضري قائم على الفصل الرمزي بين المجالين الخاصّ والعام. وكانت النساء ترتدينه عند الخروج لقضاء شؤونهنّ، بحيث يقوم مقام “الحجاب الاجتماعي” الذي يسمح بالحضور في الشارع دون خرق قواعد الاحتشام.

تُعرّف الباحثة في التراث منية الجويني، السفساري باعتباره جزءًا ممّا يُعرف بـ”اللباس الاشتمالي”. وتشرح أنّ اللباس، في هذا السياق، ينقسم إلى نوعين:

“لباس مخيّط يُفصّل وفق أعضاء الجسد، وآخر يقوم على قطعة قماش تُلفّ حوله. وهي تضع السفساري ضمن هذا الصنف الثاني، مذكّرة بأنّ هذا الشكل من اللباس عرفته حضارات عديدة، من الرومان والإغريق إلى الأمازيغ في شمال إفريقيا، حيث كان الرجال والنساء على حد سواء يلتفّون بالقماش. ومن هنا، نفهم أنّ السفساري لا يُختزل في خصوصية محلية ضيّقة، فهو ينتمي إلى تاريخ أوسع للّحاف بوصفه شكلًا إنسانيًا قديمًا لتنظيم العلاقة بين الجسد والفضاء.”

وعند انتقالها للحديث عن أصل التسميّة، تُشير الجويني إلى أنّ كلمة “السفساري” ليست عربيّة، وتستند في ذلك إلى الذاكرة الشعبيّة التي تربطها بعبارة “نصف الساري”، في إحالة مُحتملة إلى الساري الهندي (لباس تقليدي هندي). وتستحضر في هذا السياق، شبكات التبادل التجاري التي ربطت العالم العربي بالهند، لتُرجّح أن يكون المصطلح قد انتقل عبر هذه المسارات، خاصّة وأنّ طول السفساري يقارب نصف طول الساري الهندي.

تٌشير الجويني، إلى أنّ أول إشارة إليه تعود إلى عالم الخرائط محمد الإدريسي في القرن الثاني عشر، حين تحدّث عن “الأقمشة السفسارية”، ثمّ إلى المؤرّخ ابن فضل الله العمري في القرن الرابع عشر الذي ربطه بأقمشة فاخرة كانت تستعملها الطبقات الراقية وحتى السلاطين، وغالبًا ما كانت من الحرير أو مزيج الحرير والقطن. ومع القرن السادس عشر، يصفه الرحّالة الأندلسي الحسن الوزان كحجاب أو خمار تستعمله نساء تونس.

وحسب ما جاء في كتاب الأزياء التقليدية النسائية في تونس، وهو مؤلّف جماعي صدر عن دار الكتب الوطنية في تونس سنة 2021 فقد “ظلّ النسيج المحلّي مدّة طويلة يوفّر أكبر نصيب من الأقمشة التي منها تصنع الحرفيات وحرفيو الأسواق الملابس النسائيّة. وقد قال حسن الوزّان المعروف بليون الإفريقي الذي زار العاصمة في عهد السلطان أبي عبد الله محمد في مطلع القرن السادس عشر، إنّ أغلب سكّان مدينة تونس في ذلك العهد كانوا نسّاجين. ولا شكّ في أنّ الصوف ظلّ مدّة طويلة المادّة الأكثر استعمالا في صناعة اللّحاف الذي كانت ترتديه النسوة عند الخروج للفضاء العامّ، وفي أثوابهنّ العاديّة. ومع ذلك، يقول ر.برنشفيك إنّ تونس شهدت منذ القرن الرّابع عشر “صناعة أقمشة ممتازة من الكتان والقطن، ومن الحرير والقطن، ومن الحرير والصّوف تسمّى “سفساري”. “

و “لم تعُد كلمة “سفساري”، خلال القرن التاسع عشر، تعني نوعا من القماش بل لحافا للخروج. وكانت نساء الطّبقة الرّاقية في مدينة تونس لا يلتحفن إلاّ “السفساري” المصنوع من الحرير الطبيعي الذي مازال علامة على رفعة الذوق لدى بعض العائلات الغنيّة المتشبّثة بالتقاليد. ومازال حرفيو العاصمة ينسجون هذا الصنف من السفساري. لكن منذ المائة سنة الأخيرة التي نعلم عنها أكثر ممّا نعلم عن سواها، أصبحت الملابس النسائيّة الخاصّة بالطبقات البورجوازية الموسرة قلّما تُصنع من الأقمشة المحليّة”، وفق المصدر ذاته.

ومن خلال هذا التعريف، يُمكن قراءة السفساري، في ضوء الأدبيات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية الأوروبية، بوصفه أكثر من لباس، فهو يتمثّل كجهاز رمزي ينظّم العلاقة بين الجسد والفضاء. وبالعودة إلى مارسيل موس، فإنّ المجتمعات تُنتج ما يسمّيه تقنيات الجسد، أي الطرق التي يُدرَّب بها الأفراد على استخدام أجسادهم وفق معايير ثقافية محدّدة. وفي هذا الإطار، يُمكن فهم السفساري كأداة تُعيد تشكيل وضعية الجسد الأنثوي وحركته ونمط ظهوره في الفضاء العام.

يُصبح الجسد، في هذا السياق، “حاملاً للنظام الاجتماعي” وفق تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، حيث تتجسّد فيه القيم والمعايير التي يفرضها المجتمع. ولا يقتصر الأمر على الجسد في حدّ ذاته، بل يمتدّ إلى ما يُلبس عليه، إذ يرى السيميائي الفرنسي رولان بارت أنّ اللباس يُمثّل نظامًا دلاليًا قائمًا بذاته، أي لغة تحمل معاني ورموزًا قابلة للقراءة والتأويل. ومن هذا المنظور، فإنّ السفساري هو علامة ثقافية تُحيل إلى دلالات الاحتشام، والانتماء إلى المجال الحضري، فضلًا عن كونه أداة للتمييز الاجتماعي.

وفي امتداد لهذا التحليل، تُتيح أعمال عالم الأنثروبولوجيا البريطاني جاك غودي حول الثقافة المادية فهم اللباس باعتباره وسيطًا يربط بين البُنى الاجتماعية والممارسات اليومية، بما يجعل منه عنصرًا فاعلًا في تشكيل التجربة الاجتماعية وإعادة إنتاجها.

عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو

عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو

انطلاقًا من هذه المقاربات، يُمكن النظر إلى السفساري بوصفه وسيطًا بين ثلاثة مستويات مترابطة: مستوى الجسد، حيث يُعاد تشكيله وإخفاء تفاصيله. مستوى الفضاء، حيث يُنظّم الانتقال من الخاصّ إلى العام. ومستوى الهوية، حيث يتحوّل إلى علامة على الانتماء الحضري والثقافي.

ومع التحوّلات الاجتماعية التي عرفتها تونس خلال القرن العشرين، خاصّة مع صعود الدولة الوطنية وسياسات التحديث، بدأ السفساري يتراجع تدريجيًا من الفضاء العام، فتحوّل إلى رمز ثقافي وذاكرة اجتماعية. ومع ذلك، استمر في الحضور داخل المخيال الجماعي بدلالات مختلفة.

دلالات السفساري: بين تعدّد المعاني وتحوّلاتها

انطلقت سلسلة “باب البنات، صبرية في السبعينات” للمخرج زياد ليتيم، التي بُثّت على القناة الوطنية الأولى التونسية خلال شهر رمضان 2026، بمشهد افتتاحي دالّ، يتمثّل في القبض على شخصية صبرية (وجيهة الجندوبي) والزجّ بها في عربة الأمن بسبب ارتدائها للسفساري. ويُحيل هذا المشهد، بشكل رمزي، إلى صورة نمطية متداولة تربط بين السفساري وبعض العاملات في الجنس اللواتي كنّ يرتدينه عند دخولهن البيوت المرخّصة للجنس في نهج سيدي عبد الله قشّ، بالمدينة العتيقة بتونس العاصمة.

وبهذا المعنى، اشتغل المشهد على تعرية الدلالة الأخلاقية للسفساري، عبر تحويله من لباس يُحيل تقليديًا إلى الاحتشام إلى علامة ملتبسة قابلة لإنتاج الوصم ومعانٍ متناقضة.

في هذا الإطار، قدّم المؤرخ الجامعي لطفي عيسى المتخصّص في الأنثروبولوجيا التاريخية وتاريخ الذهنيات قراءة تُعمّق هذا الالتباس، إذ يرى أنّ السفساري، “شأنه شأن الملاية في مصر أو في بلدان الخليج، يُحيل ظاهريًا إلى التحفّظ والحشمة، غير أنّ طريقة ارتدائه قد تنطوي على قصدية جمالية أو إغرائية. فبحكم كونه مصنوعًا من الحرير، يُمكن أن ينزلق ليُبرز ملامح الجسد مثل الوجه والبشرة والصدر، كما أنّ أنماط ارتداء الملاية في المشرق قد تُبرز الخصر والأرداف. ومن ثمّ، لا ينبغي الوقوع في ثنائية سطحية تُقابل بين العفّة ونقيضها، بل يتعيّن فهم هذه التحوّلات في ضوء تغيّر علاقة النوع الاجتماعي بالفضاء العام، وما يرافقها من إعادة إنتاج مستمرّة لدلالات اللباس ووظائفه”.

المؤرخ التونسي لطفي عيسى

المؤرخ التونسي لطفي عيسى

يعكس السفساري “تراتبية طبقية واضحة”، حسب الباحثة في التراث منية الجويني، “فالحجاب عمومًا تعدّدت تسمياته كالرداء، الملحفة، السفساري، وكان حاضرًا إلى حدود منتصف القرن العشرين، مع تمركزه الأساسي في مدينة تونس قبل أن ينتشر إلى بقية الجهات”. ووفق ما تنقله عن الباحثة عليّة بيرم، وما تكشفه المجموعات المتحفية في دار بن عبد الله، فإنّ “السفساري لم يكن واحدًا، بل تعددت أنواعه: تصنعه الطبقات الأرستقراطية من الحرير وتزيّنه بخيوط فضية وبألوان مختلفة، في حين تعتمد الطبقات المتوسّطة والفقيرة الصوف، خاصّة عند الخروج، مرفقًا بغطاء للرأس مثل العصابة أو الرداء”.

ومع بداية القرن العشرين، تُضيف الجويني، “دخلت الخيوط الاصطناعية مثل النايلون والحرير الصناعي، بتأثير من الاستعمار الأوروبي، ما يعكس مرّة أخرى قابلية هذا اللباس للتكيّف مع التحولات الاقتصادية والتقنية. وهنا، يبدو السفساري ككائن حيّ يتغير مع المواد، دون أن يفقد بنيته الأساسية”.

أمّا من حيث الدلالات الأخلاقية، فتُشير الباحثة نفسها إلى أنّ “السفساري ارتبط في بعض الذهنيات بالحياء والحشمة، بل وبالامتثال الديني، غير أنّ الدراسات التاريخية تُظهر أنّ النساء التونسيات، على اختلاف توجّهاتهن، ارتدينه لأسباب متعدّدة: دينية، اجتماعية، أو ثقافية. وتُضيف أنّ مغنيات وراقصات في بداية القرن العشرين استعملنه للتخفّي وتفادي الإحراج، كما ارتدته نساء يعملن في فضاءات مهمّشة للاندماج دون لفت الانتباه. بل حتى نساء متعلّمات، مثل الأستاذة والباحثة هند شلبي، واصلن ارتداءه داخل الجامعة في الثمانينات”.

وتلفت الباحثة أيضًا إلى استعمالاته السياقية، مثل ارتدائه أمام القاضي في المحاكم كنوع من الستر الرمزي، وهو ما يكشف امتداد معناه إلى الفضاءات الرسمية. وفي الزمن الراهن، تلاحظ أنّه لم يعد لباسًا يوميًا، بل صار مرتبطًا بالمناسبات كالأعراس أو بالممارسات الفولكلورية، نتيجة تغيّر نمط حياة النساء وخروجهن للعمل والتنقّل. ومع ذلك، لم يختفِ، بل أعيد استثماره كقماش لصناعة ملابس حديثة، مثل الجبة، في عودة لافتة إلى معناه الأصلي كمادة خام.

ومن الجدير أن نُذكّر، بأنّ دلالات السفساري شملت دورة الحياة والموت، إذ هناك العديد من النساء اللواتي يتركنه ككفن ليوم وفاتهنّ، وذلك بغرض سترهنّ عند الموت ودرء فضيحة الجسد الميّت.

السفساري وصورة النزع: تحرّر أم هيمنة؟

كان للسفساري أدوارا سياسية ونضالية في مقاومة الاستعمار، فقد استُخدم لإخفاء الرسائل والمناشير والأسلحة، وشاركت به النساء في المظاهرات. ومع حركات الإصلاح الوطني، أصبح السفساري موضوع جدل، حسب الباحثة منية الجويني، من خلال موقف الرئيس السابق الحبيب بورقيبة الذي دافع عنه زمن الاستعمار باعتباره رمزًا للهوية، ثمّ دعا بعد الاستقلال إلى التخلّي عنه ضمن مشروع التحديث، دون فرض قانوني.

يُعدّ مشهد نزع بورقيبة لسفساري صلوحة بوزقرو في أواخر الخمسينات، حين أزال الغطاء عن رأسها في الفضاء العام، واحدة من أكثر الصور رمزية في تاريخ تونس الحديث. غير أنّ هذه الصورة، كما تُشيرالمديرة العامّة السّابقة للمكتبة الوطنيّة يجب أن تنزّل في سياقها، وقد أوصى بورقيبة نفسه بضرورة فهم أقواله وأفعاله ضمن سياقها. فهي ترى أنّ هذه الحركة يُمكن تُفهم على أنّها من باب ما يُعرف بـ”نسوية الدولة”، أي تلك السياسات التي تتبنّاها السلطة باسم تحرير النساء، لكنّها تُمارس في الآن نفسه شكلًا من أشكال الوصاية على اختياراتهن.

ولكنّنا إذا نزّلنا الحركة في سياقها المخصوص، بعيد الاستقلال، وإذا ما ربطناها بذاتيّة النّساء، وإذا بحثنا في ما تقوله نساء تلك الفترة عن بورقيبة وعن نزع الحجاب، أمكن اعتبارها حركة تحرّريّة لا “تحريريّة” مسلّطة من الخارج، لدى الكثير من النّساء، لكن دون أن نعمّم.

تقول رجاء بن سلامة بنبرة حذرة إنّها ليست مؤرّخة ولم تقم بدراسة إحصائيّة حول الموضوع، لكنّها كانت تُنصت إلى النّساء من الجيل السّابق، وسجّلت الكثير من الشّهادات. ومن هذا المنطلق، تقول إنّ الكثير من النساء آنذاك استحسنّ هذه الحركة، بل نظرن إلى بورقيبة بوصفه “مخلّصًا”. نفهم من هذا المنطلق أنّ المسألة لا تُختزل في خطاب رسمي، بل تتقاطع مع تجارب ذاتية متباينة. كما تقدّم مثالًا ذاتيا، فوالدتها المولودة سنة 1928، قد تخلّت عن السفساري بعد تلك المرحلة، لا بدافع الإكراه، بل لأنّها كانت قد عاشت تجربة مؤلمة مع ما تسميه “الخامة المصرية” (رداء للوجه)، حيث كانت مجبرة على ارتدائها في سنّ مبكّرة، إلى حدّ أنّها لم تكُن ترى الطريق أمامها. بالنسبة إليها، لم يكُن التخلّص من السفساري خسارة، بل تحرّرًا من عبء ثقيل، وفق تأكيد محدثتنا.

الباحثة الجامعية رجاء بن سلامة

الباحثة الجامعية رجاء بن سلامة

في هذا المضمار، “نستنتج أنّ الذاكرة الفردية تُعيد تشكيل معنى اللباس، ذلك أنّ، ما قد يُرى كرمز هويّة في زمن، قد يُستعاد كقيد في زمن آخر”، وفق تصريح بن سلامة. وتُضيف أنّ “هناك نساء أخريات تمسّكن بالحجاب، ما يعني أنّ التجربة لم تكن موحّدة. فبين من رأت في تلك الحركة تحريرًا، ومن اعتبرتها اعتداءً، يتشكّل طيف واسع من المواقف. لكنّها تؤكّد أنّ نساء جيل والدتها كنّ قادرات على فهم هذه التعقيدات، ووضعها ضمن سياقها اليومي والتاريخي”.

كما تربط بن سلامة بين مشهد “نزع السّفساري وموقف بورقيبة من التّراث اللّباسيّ بصفة عامّة. فهو يرى أنّ اللباس التقليدي عمومًا، رجاليًا ونسائيًا يحمل قيمة فولكلورية ويُمكن الاحتفاظ به في المناسبات، لكنّه لا يصلح للحياة اليومية. فمشروعه لم يكُن تحرير النساء فقط، بل إعادة تنظيم المظهر الاجتماعي ككلّ وفق تصوّر حداثي معيّن ليس فيه إفراط التّحديث اﻷتاتوركي القائم على الإكراه والاستئصال التّامّ”.

وتدعو رجاء بن سلامة كذلك إلى “تنزيل هذه الحركة في سياقها التّاريخيّ العربي” فتستحضر أيضًا اسم الكاتبة اللبنانية نظيرة زين الدين، التي كتبت في 1928 عن الحجاب والسفور، ووصفت معاناة النساء اللواتي كنّ مجبرات على ارتداء أغطية تحجب الرؤية والنور. ومن خلال هذا الاستدعاء، يبدو أنّ مسألة السفساري لا تنفصل عن نقاش أوسع في العالم العربي حول الحجاب، بدأ منذ مطلع القرن العشرين.

والخلاصة، هي أنّ قراءة حركة بورقيبة على أنّها “حركة تسلّطيّة تبقى قراءة منقوصة إذا لم نعُد إلى لحظتها الأصليّة”. وفي مستوى آخر، ترى بن سلامة أنّ “العودة إلى الماضي غير ممكنة. فالسفساري الذي عارضه بورقيبة بعد الاستقلال لا يُمكن استعادته اليوم بوصفه لباسًا يوميًا، لأنّه كان جزءًا من منظومة اجتماعية تغيّرت جذريًا”، حسب قولها.

“يُمكن استلهام السفساري في أشكال لباسيّة جديدة، ولكن تصعب العودة إليه كما كان، وبصفة جماعيّة.”

الباحثة الجامعية رجاء بن سلامة

من خلال هذه القراءة، يتّضح أنّ السفساري ولباس العبور بشكل عام حمل صراعات تحوّلات المجتمع التونسي، والتغيّرات الاجتماعية والثقافية، من الاستعمار إلى الدولة الوطنية، وصولًا إلى دوره كبديل للحجاب جابهت به المُنتميات للاتّجاه الإسلامي في الثمانينات والتسعينات تضييقات السلطة.

من المنع إلى الالتفاف: السفساري في زمن التضييق

في تونس أواخر الثمانينات وبداية التسعينات، كانت ثنائية الحجاب والسفساري تحمل صراعا سياسيّا وصداما لم ينته إلاّ في بداية الألفينات، اتّسم هذا الصراع بتصاعد المواجهة بين الدولة والتيار الإسلامي. فبعد صدور المنشور 108 سنة 1981 في عهد الحبيب بورقيبة، والذي منع ما اعتُبر “زيًّا طائفيًا” داخل المؤسّسات العمومية، جاء عهد زين العابدين بن علي ليُحوّل هذا النصّ الإداري إلى أداة ضبط يومية، في إطار سياسة أوسع استهدفت ما سُمّي بـ”الظاهرة الإسلامية”.

وقد تزامن ذلك، مع موجة من المحاكمات السياسية الواسعة في بداية التسعينات، خاصّة سنة 1991، حين تمّت محاكمة مئات المنتمين إلى حركة النهضة في قضايا جماعية، وصدرت في حقهم أحكام قاسية بالسجن لسنوات طويلة. وتُشير الأدبيات الأكاديمية، مثل تقارير هيومن رايتس ووتش ودراسات مجموعة الأزمات الدولية، إلى أنّ تلك المرحلة اتّسمت بتوسيع دائرة القمع لتشمل النشاط السياسي، ومظاهر التديّن الفردي بما في ذلك اللباس، والصلاة في الفضاء العامّ.

في هذا السياق، أصبح التحكّم في لباس النساء وخاصّة الحجاب، جزءًا من سياسة أشمل لضبط المجال العام، حيث تحوّل الجسد إلى مساحة مراقبة، وأُعيد تعريف ما هو “مقبول” و”مرفوض” بقرارات وقراءات سياسية لا اجتماعية أو ثقافية.

محاكمة النهضة 1992 من قبل القضاء العسكري

محاكمة النهضة 1992 من قبل القضاء العسكري

ترى النائب سابقا في البرلمان والناشطة في حركة النهضة يمينة الزغلامي، أنّ “ما قُدّم في مرحلة ما بوصفه تحريرًا للمرأة، خاصّة في ما يتعلّق بالتخلّي عن السفساري، لم يكُن دائمًا نابعًا من إرادة النساء، بل كان في كثير من الأحيان نتيجة دفع اجتماعي وسياسي. وهي تميّز هنا بين مستويين: مستوى الخطاب الذي يربط اللباس بالتحضّر، ومستوى أعمق تعتبر فيه أنّ التحضّر لا علاقة له بالهندام، بل بما يحمله الإنسان من فكر”.

وعندما تستعيد -الزغلامي- تجربتها الشخصية، تؤكّد أنّها “لم تكتفِ بملاحظة تلك السياسات، بل عايشتها بالكامل”. وتشرح أنّ “المنشور 108 الذي طُبّق على الإدارات، توسّع ليشمل المدارس والمعاهد والجامعات، بل وحتى الفضاءات اليومية مثل الأسواق والمستشفيات والشارع”. وتلفت إلى أنّ “هذا التوسّع جرى في سياق تماهٍ بين الحزب الحاكم والدولة، حيث أصبح “الحزب هو الدولة”، ما سمح بتطبيق واسع للمنع تحت عنوان مكافحة الظاهرة الإسلامية”.

وتشدّد الزغلامي على أنّ “الحجاب آنذاك لم يكُن حكرًا على المنتميات إلى التيارات الإسلامية فحسب، بل كان بالنسبة إلى كثير من النساء تعبيرًا عن تديّن شخصي”. كما تروي تفاصيل الملاحقة اليومية، من تجنّب المرور قُرب مراكز الأمن، إلى الخوف من الإيقاف في الشارع، أو حتى أمام المعهد.

تستحضر الزغلامي، تجربة شخصية في معهد “نهج الباشا”، حيث “كانت ترتدي وشاحا بسيطا، ومع ذلك تعرّضت للملاحقة والطرد من الأقسام والساحات”. وتذكر أنّ “سنة 1987 شهدت حملة كبيرة أدّت إلى منع المحجّبات من دخول المؤسّسات التربوية ومن الترسيم، وهو ما دفعها إلى استكمال دراستها في معهد خاصّ”.

في خضم هذه الضغوط، يظهر السفساري كحلّ عملي. تروي يمينة الزغلامي أنّها اضطرّت إلى ارتدائه حتى تتمكّن من التنقّل مستحضرة نموذج الأستاذة هند شلبي، التي واصلت ارتداء السفساري حتى داخل الجامعة، رغم الحملات، مُعتبرة أنّ ذلك كان بمثابة “شكل من أشكال الصمود”، مُشيرة إلى أنّ السفساري كان فعلًا “ملاذًا” في تلك المرحلة، وأنّ “معاناة النساء معه سواء في ارتدائه أو في الدفاع عن الحقّ في الحجاب، تعكس حجم القيود التي فُرضت على أجسادهنّ”. كما تستعيد زمنًا سابقًا للاستقلال، حيث لم يكُن اللباس عائقًا أمام تعليم الفتيات، بل كانت الجامعة والمدرسة فضاء يجمعهن على اختلاف مظاهرهنّ.

وفي مستوى آخر، تربط الزغلامي بين تلك السياسات وما سمّتها سياسة “تجفيف المنابع”، حيث أدّى التضييق على التديّن المحلّي إلى توجّه بعض التونسيين نحو نماذج دينية ولباسية مستوردة، مثل العباءة، “غير أنّ هذا التضييق، بدل أن يُنهي الظاهرة الدينية، ساهم في إعادة تشكيلها. فمنذ مطلع الألفينات، وخاصّة بعد سنة 2004، ومع الانفتاح المتزايد على القنوات الفضائية والإنترنت، بدأ يتشكّل حضور لافت لأنماط تديّن تستمدّ مرجعياتها من المشرق، سواء في الخطاب أو في المظهر”، وفق رأيها.

في هذا السياق، وبالعودة إلى اللباس الديني، نجد أنّه أصبح جزءًا من منظومة رمزية تتأثّر بخطابات دعوية عابرة للحدود، كثير منها يستند إلى قراءات سلفية ذات جذور في المدرسة الحنبلية، وإن كانت تُقدَّم بصيغ مبسّطة ومُعاصرة. وهنا، يُمكن فهم انتشار لباس مثل العباءة أو النقاب، كعلامة تحوّل في مصادر التديّن نفسها، من المحلي إلى العابر للفضاءات.

غير أنّ هذا التحوُّل، لا يُمكن فصله عن السياق السياسي الذي سبقه. فسياسات المنع والرقابة التي استهدفت التعبيرات الدينية المحليّة، خلقت فراغًا رمزيًا، سرعان ما تمّ ملؤه بنماذج جاهزة ومستوردة، أكثر صرامة في تمثّلها للدين والجسد. بذلك، تبدو “المشرقة” في اللباس الديني، إلى حدّ ما، نتيجة غير مباشرة لسياسات الدولة ذاتها، التي سعت إلى ضبط المجال العام، فانتهت إلى إعادة تشكيله بطرق لم تكن متوقّعة.

تلخيصا لما سبق، يكشف مسار السفساري والحجاب، تموقعهما في صلب الصراع السياسي والثقافي حول هويّة المجتمع وحدود تدخّل الدولة في الحياة الخاصّة. فمن تراتبية طبقية إلى أداة للتكيّف الاجتماعي، ثمّ إلى موضوع صراع سياسي في تسعينات القرن الماضي، وصولًا إلى تحوّلات ما بعد الألفينات حيث برزت أنماط تديّن عابرة للحدود، يتّضح أنّ اللباس النسائي في تونس كان دومًا مرآة لتحوّلات تتقاطع فيها السلطة، والدين، والهويّة، والجسد.

الكاتبة : د. يسرى بلالي

صحفية وباحثة في العلوم الاجتماعية

اشراف: محمد اليوسفي
تدقيق: وليد الماجري
تصوير: سامي شويخ
مونتاج: بسام حشاني
غرافيك: منال بالرجب
تطوير تقني: بلال الشارني
تصوير : سامي شويخ
مونتاج : بسام حشاني
تطوير تقني: بلال الشارني
إشراف : محمد اليوسفي
تدقيق : وليد الماجري
غرافيك: منال بالرجب

الكاتبة : د. يسرى بلالي

صحفية وباحثة في العلوم الاجتماعية

YosraUpdated
Scroll to Top