وجهة نظر : الاقتصاد أداةً للضبط السياسي .. هشاشة القطاع الخاص واعادة انتاج الصّمت في المجال العام

لا تقوم الأنظمة التسلطية الحديثة على القمع المباشر وحده، بل تعتمد أيضا على آليات غير مرئية وأكثر نجاعة في ضبط سلوك الأفراد وتوجيه مواقفهم داخل المجال العام. ومن بين هذه الآليات يبرز العامل الاقتصادي بوصفه أحد أهم أدوات التأثير غير المباشر في السلوك السياسي، حيث يتحول الخوف على لقمة العيش إلى معيار أساسي لرسم حدود الحرية السياسية.

الكاتب : ربيع قاسم

ناشط في الشأن السياسي وحقوق الانسان

في الحالة التونسية، تتجلى مفارقة لافتة في طبيعة الفئات الأكثر حضورا في الفعل السياسي والنقابي، حيث نجد أن موظفي القطاع العمومي وأصحاب المهن الحرة هم الأكثر انخراطا في الشأن العام، مقابل حضور ضعيف نسبيا لإطارات القطاع الخاص، رغم أن هذا الأخير يمثل الفضاء الأكبر لتشغيل اليد العاملة.

الكاتب : ربيع قاسم

ناشط في الشأن السياسي وحقوق الانسان

في الحالة التونسية، تتجلى مفارقة لافتة في طبيعة الفئات الأكثر حضورا في الفعل السياسي والنقابي، حيث نجد أن موظفي القطاع العمومي وأصحاب المهن الحرة هم الأكثر انخراطا في الشأن العام، مقابل حضور ضعيف نسبيا لإطارات القطاع الخاص، رغم أن هذا الأخير يمثل الفضاء الأكبر لتشغيل اليد العاملة.

فمنذ بدايات علم الاجتماع السياسي، أشار عدد من الباحثين إلى أن الحرية لا تُقاس فقط بوجود الحقوق القانونية، بل أيضا بقدرة الأفراد الفعلية على ممارستها دون خوف من فقدان شروط حياتهم الأساسية. لذلك لا يكفي أن يكون حق التعبير أو التنظيم السياسي مكفولا دستوريا إذا كانت الكلفة الاجتماعية أو الاقتصادية لممارسته مرتفعة إلى درجة تدفع الأفراد إلى الانسحاب من المجال العام.

وقد لاحظ عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الهشاشة المهنية لا تقتصر آثارها على الوضع الاقتصادي للأفراد، بل تمتد إلى تشكيل سلوكهم الاجتماعي والسياسي. فحين يصبح المستقبل المهني غير مضمون، تتراجع القدرة على الاعتراض والمطالبة بالحقوق، ويحل منطق المحافظة على المكتسبات الفردية محل المشاركة الجماعية في الشأن العام.

ويرى أن الهيمنة لا تُمارس فقط عبر القوة المباشرة، بل أيضا من خلال ما سماه “العنف الرمزي”، أي قبول الأفراد بالأوضاع المفروضة عليهم باعتبارها طبيعية.

في كتابه بؤس العالم في جزئه الأول، يبين بورديو كيف يؤدي انعدام الاستقرار المهني إلى تقليص قدرة الأفراد على المقاومة والاحتجاج. فالعامل الذي يعيش تحت تهديد البطالة يصبح أكثر ميلا لتجنب الصراع السياسي أو النقابي، لأن الأولوية تتحول من المطالبة بالحقوق إلى ضمان البقاء الاقتصادي.

اختلال بنية التمثيل بين القطاعين

يعمل القطاع الخاص في تونس، كما في العديد من السياقات المشابهة، وفق منطق الإنتاج والربح والاستمرارية، وهو ما يجعل العلاقة بين العامل ومصدر رزقه علاقة قائمة على التوازن الدقيق بين الأداء المهني والاستقرار الوظيفي. في هذا السياق، يصبح فقدان العمل احتمالا حاضرا دائما، خاصة في ظل ضعف منظومات الحماية الاجتماعية مقارنة بالقطاع العمومي.

هذه الهشاشة تخلق نوعا من الرقابة الذاتية لدى العاملين داخل المؤسسات الخاصة، حيث يدرك الفرد أن أي موقف سياسي واضح أو انخراط في نشاط معارض قد ينعكس مباشرة على استقراره المهني. وهكذا يتحول الصمت السياسي إلى سلوك وقائي، لا يعبر بالضرورة عن غياب الوعي، بل عن محاولة مستمرة لتجنب المخاطر المعيشية.

إن الخوف هنا لا يأخذ شكلا سياسيا صرفا، بل يتداخل مع الخوف الاجتماعي والاقتصادي، حيث يصبح الحفاظ على مصدر الدخل أولوية تتقدم على أي اعتبار آخر، بما في ذلك المشاركة في الشأن العام.

هذا الواقع لا يقتصر على تونس فقط، بل ظهر في عدد من التجارب الأوروبية خلال العقود الأخيرة. ففي بريطانيا، رافقت التحولات الاقتصادية التي عرفتها البلاد منذ ثمانينيات القرن الماضي تراجعا ملحوظا في قوة النقابات العمالية، وهو ما انعكس على مستويات المشاركة السياسية للعديد من فئات العمال. كما بينت دراسات اجتماعية أن تزايد العقود المؤقتة والعمل غير المستقر دفع أعدادا متزايدة من العاملين إلى تجنب الانخراط في الأنشطة النقابية أو السياسية خوفا من تأثير ذلك على مسارهم المهني.

وفي ألمانيا أيضا، أثارت إصلاحات سوق العمل المعروفة بإصلاحات “هارتس” نقاشا واسعا حول العلاقة بين المرونة الاقتصادية والأمان الاجتماعي، حيث اعتبر عدد من الباحثين أن توسع أشكال التشغيل الهش أدى إلى تنامي الشعور بعدم اليقين لدى فئات واسعة من العمال، وهو ما انعكس على علاقتهم بالمجال العام ومؤسسات التمثيل السياسي.

الاقتصاد كآلية غير مباشرة للضبط السياسي

في الأنظمة المعاصرة، لا يُمارس الضبط الاجتماعي دائما عبر أدوات القمع المباشر أي الأجهزة الصلبة، بل عبر أجهزة اقتصادية تجعل الأفراد في حالة اعتماد دائم على مؤسسات العمل. فحين يكون استقرار الفرد المهني هشا، يصبح أقل استعدادا للمخاطرة بمستقبله عبر مواقف سياسية قد تُفهم كمعارضة أو خروج عن السياق العام.

بهذا المعنى، يتحول الاقتصاد إلى أداة ضبط غير معلنة، تعمل من خلال الحاجة اليومية لا من خلال القرار السياسي المباشر. فالفرد الذي يعيش تحت ضغط الالتزامات المادية المستمرة يصبح أكثر قابلية للامتثال وأقل ميْلا للاشتباك مع السياق العام.

وتكمن خطورة هذه الآلية في كونها غير مرئية تقريبا، إذ يبدو الصمت السياسي وكأنه خيار فردي حر، في حين أنه في كثير من الحالات نتيجة مباشرة لبُنية اقتصادية تنتج الخوف وتعيد توزيعه داخل المجتمع.

المؤسسة الخاصة كسلطة مصغرة

لا يقتصر هذا المنطق على علاقة الدولة بالمواطن، بل يمتد أيضا إلى داخل المؤسسات الاقتصادية نفسها، حيث يمكن أن تعيد بعض المؤسسات الخاصة إنتاج منطق السلطة في شكل مصغر. داخل هذه الفضاءات، قد يتحول الاستقرار المهني إلى أداة ضغط غير مباشرة، ويتم ربط الولاء المهني بالامتثال والصمت.

في مثل هذه السياقات، لا يحتاج القمع إلى أدوات أمنية، لأن آلية الضبط تعمل من داخل بنية العمل نفسها. فالعامل يراقب سلوكه وخطابه بشكل ذاتي، مدفوعا بالخوف من فقدان العمل أو تدهور وضعه المهني.

وهكذا تصبح المؤسسة الاقتصادية جزءا من منظومة أوسع لإنتاج الطاعة، حيث تتداخل الاعتبارات المهنية مع القيود السياسية بشكل يجعل الفصل بينهما شبه مستحيل في الواقع اليومي.

وقد تناول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو هذه الآليات في تحليله لأشكال السلطة الحديثة، معتبرا أن السيطرة لم تعد تُمارس فقط عبر العقاب المباشر أو الإكراه الظاهر، بل من خلال أنظمة انضباط تدفع الأفراد إلى مراقبة أنفسهم بأنفسهم. فداخل المؤسسات الحديثة، سواء كانت مدارس أو إدارات أو مصانع، يتحول الخوف من العقوبة أو الإقصاء إلى آلية داخلية تجعل الفرد يعدّل سلوكه تلقائيا دون الحاجة إلى تدخل مباشر من السلطة. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى بعض فضاءات العمل بوصفها مواقع لإعادة إنتاج الانضباط الاجتماعي، حيث يصبح الامتثال نتيجة للرقابة الذاتية أكثر منه نتيجة للإكراه المباشر.

السياسة كامتياز اجتماعي

في ظل هذا الوضع، لا تعود المشاركة السياسية حقا متساويا بين جميع الفئات، بل تتحول تدريجيا إلى امتياز اجتماعي مرتبط بمدى الاستقرار الاقتصادي.

فالفئات الأكثر أمانا مهنيا هي الأكثر قدرة على الانخراط في المجال العام، سواء عبر النقابات أو الأحزاب أو النشاط المدني.

أما الفئات الأكثر هشاشة، وخاصة داخل القطاع الخاص، فهي تجد نفسها في موقع دفاعي دائم، يجعلها تميل إلى الحياد أو الانسحاب من المجال السياسي، ليس نتيجة لغياب الاهتمام بالشأن العام، بل بسبب ارتفاع الكلفة المحتملة لأي انخراط علني.

وهكذا تصبح الديمقراطية، من الناحية العملية، مرتبطة بالبنية الاقتصادية للمجتمع، حيث يتفاوت الحق في التعبير والمشاركة بحسب مستوى الأمان المعيشي الذي يتمتع به كل فرد.

ولعل الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في إطار حركة السترات الصفراء تمثل مثالا دالا على هذا الترابط. فقد كشفت تلك الحركة أن الشعور بالتهميش الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى أزمة تمثيل سياسي، وأن الفئات التي تعاني من ضغوط معيشية متزايدة تصبح أكثر إحساسا بالابتعاد عن دوائر القرار، حتى داخل أنظمة ديمقراطية مستقرة.

إن فهم العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في السياق التونسي يقتضي تجاوز التصور التقليدي الذي يفصل بين المجالين، نحو إدراك أعمق لكيفية تداخلهما في إنتاج أنماط من السلوك السياسي والاجتماعي. فحين يصبح الخوف الاقتصادي عنصرا بُنيويا في حياة الأفراد، تتحول الحرية السياسية إلى ممارسة مشروطة وليست مطلقة.

وعليه، فإن أي مشروع ديمقراطي حقيقي لا يمكن أن يكتفي بضمان حرية التعبير قانونيا، بل يجب أن يعمل أيضا على تقليص هشاشة الوضع الاقتصادي للأفراد، بما يضمن لهم القدرة الفعلية على المشاركة في الشأن العام دون تهديد دائم لاستقرارهم المعيشي.

المصادر

– https://tafnied.com/news-34772
– Burhan ghalioun, اغتيال العقل
– Foucault, Michel Surveiller et punir, 1975
– Bourdieu, Pierre, La Misère du Monde,1993

الكاتب : ربيع قاسم

ناشط في الشأن السياسي وحقوق الانسان

تطوير تقني: بلال الشارني
تطوير تقني: بلال الشارني

الكاتب : ربيع قاسم

ناشط في الشأن السياسي وحقوق الانسان

cropped-img-7.png
Scroll to Top