الكاتب : أمير عمّار
باحث دكتوراه في القانون العام بكليّة الحقوق بصفاقس
تشكّل سيادة الدولة إحدى ركائز القانون الدستوري والقانون الدولي منذ نشأة الدولة الحديثة.
تقليديًا، اعتُبرت السيادة بمعناها المطلق السلطة العليا للدولة في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية دون أي تدخّل خارجي. وقد ارتبط هذا المفهوم تاريخيًا بمبدأ وستفاليا الذي يؤكّد استقلال كلّ دولة داخل حدودها وعدم خضوعها لأي سلطة فوق وطنية.
بيد أن هذا التصوّر المطلق للسيادة تعرّض إلى تطوّر جوهري بعد الحرب العالمية الثانية مع نشوء الأمم المتّحدة ونظام قانوني دولي قائم على التعاون والمواثيق. لقد أصبح واضحًا أنّ سيادة الدولة لم تعد سلطة مطلقة بمعزل عن القانون الدولي؛ فقد ظهرت مفاهيم السيادة النسبية أو المقيّدة التي تقرّ بإمكان فرض قيود قانونية على سيادة الدولة عبر التزامات دولية طوعية. فعلى سبيل المثال، ميثاق الأمم المتحدة كرّس مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، لكنّه في الوقت ذاته وضع إطارًا يفرض على الدول احترام حقوق الإنسان والسلم والأمن الدوليين، ممّا يعني تقييدًا ضمنيًا للسيادة المطلقة.
الكاتب : أمير عمّار
باحث دكتوراه في القانون العام بكليّة الحقوق بصفاقس
تشكّل سيادة الدولة إحدى ركائز القانون الدستوري والقانون الدولي منذ نشأة الدولة الحديثة.
تقليديًا، اعتُبرت السيادة بمعناها المطلق السلطة العليا للدولة في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية دون أي تدخّل خارجي. وقد ارتبط هذا المفهوم تاريخيًا بمبدأ وستفاليا الذي يؤكّد استقلال كلّ دولة داخل حدودها وعدم خضوعها لأي سلطة فوق وطنية.
بيد أن هذا التصوّر المطلق للسيادة تعرّض إلى تطوّر جوهري بعد الحرب العالمية الثانية مع نشوء الأمم المتّحدة ونظام قانوني دولي قائم على التعاون والمواثيق. لقد أصبح واضحًا أنّ سيادة الدولة لم تعد سلطة مطلقة بمعزل عن القانون الدولي؛ فقد ظهرت مفاهيم السيادة النسبية أو المقيّدة التي تقرّ بإمكان فرض قيود قانونية على سيادة الدولة عبر التزامات دولية طوعية. فعلى سبيل المثال، ميثاق الأمم المتحدة كرّس مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، لكنّه في الوقت ذاته وضع إطارًا يفرض على الدول احترام حقوق الإنسان والسلم والأمن الدوليين، ممّا يعني تقييدًا ضمنيًا للسيادة المطلقة.
في الفكر الدستوري الحديث، بات يُنظر إلى السيادة كمسؤولية أكثر منها امتيازًا مطلقًا؛ أي أنّ مشروعية السلطة وسيادة الدولة تقاسان بمدى التزامها بسيادة القانون داخليًا واحترامها لتعهداتها الدولية خارجيًا.
وقد أكّدت العديد من الدساتير الوطنية هذا التوجّه من خلال إدراج الالتزامات الدولية كجزء من المنظومة القانونية الداخلية.
وفي الحالة التونسية بالذات، نصّ دستور 2022 صراحة في الفصل 74 على أنّ ”المعاهدات المصادق عليها من قبل رئيس الجمهورية والموافق عليها من قبل مجلس نواب الشعب، أعلى من القوانين وأدنى من الدستور.”
هذا التأكيد الدستوري يعني أن الدولة ارتضت طوعًا تقييد سيادتها بنصوص الاتفاقيات الدولية التي تصادق عليها، وأنّ تلك الاتفاقيات تسمو على التشريعات العادية الوطنية. ومن ثمّ لم تعد السيادة تعني الانعزال أو التنكّر للمعايير الدولية، بل التفاعل الإيجابي معها في إطار الدولة القانونية.
بناء على ذلك، يمكن التمييز بين مفهوم السيادة الوطنية المطلق الذي ساد في القرون الماضية، ومفهوم السيادة المقيّدة بالشرعية الدولية الذي يُلزم الدولة باحترام قواعد فوق وطنية خاصة في ميدان حقوق الإنسان. ووفق هذا المفهوم الأخير، لا تنتقص مساهمة الدولة في المنظومة الحقوقية الدولية من سيادتها، بل تعزّز السيادة الشرعية القائمة على حكم القانون.
وكما عبّر فقهاء القانون الدولي أنّ سيادة الدولة مقيّدة بأحكام القانون الدولي وخاصّة فيما يتعلّق بحقوق الإنسان. فالدولة ليست مطلقة التصرّف في ميدان العلاقات الدولية، إذ هي تخضع للقانون الدولي المفروض على الدول بناءً على اعتبارات تعلو على إرادتها والذي يورد قيودًا على تصرفات الدول. لذلك يغدو الوفاء بالتزامات حقوق الإنسان الدولية مؤشرًا على سيادة رشيدة ومسؤولة لا مجرد شعار نظري.
وفي نفس هذا الإطار، يشهد السياق التونسي الرّاهن تناقضاً جوهرياً بين الخطاب السياسي الرسمي وممارسات السلطة الفعلية. ففي حين ترفع السلطة شعار “السيادة الوطنية” كمبدأ سيادي مطلق ودرع في مواجهة ما تسميه تدخلات خارجية وانتقادات دولية، تمضي في الوقت نفسه إلى فرض قيود صارمة على الحقوق والحرّيات الأساسية باسم حماية هذه السيادة.
هذا التباين الصارخ بين الشعارات والممارسات يُثير إشكالية مركزية حول ماهيّة السيادة الوطنية في دولة يُفترض أن تقوم على سيادة القانون واحترام الحقوق. فكيف يمكن لسلطة أن تدّعي صون السيادة الوطنية بينما تنتهك المقومات الجوهرية لدولة القانون، وتخلّ بالتزاماتها الدستورية والدولية إزاء الحقوق الأساسية؟


ولا يمكن فهم هذا التناقض بمعزل عن سياق تفكّك دولة القانون وتراجع المشروعية الديمقراطية في البلاد. وحين تضعف المؤسسات الضامنة لسيادة القانون، ويتراجع احترام السلطة لأحكام الدستور ولمواثيق حقوق الإنسان الدولية، يتحوّل خطاب “السيادة الوطنية” إلى أداة تُسخَّر لتبرير الهيمنة الفردية وقمع المعارضة، بدلاً من أن يكون إطاراً ضابطاً لسلطة الدولة.
إنّ المفهوم المعاصر للسيادة الوطنية لا ينفصل عن مسؤوليات الدولة تجاه مواطنيها واحترامها لالتزاماتها الدولية؛ إذ أنّ احترام الحقوق الأساسية وصون الحريات العامة يشكّلان شرطاً جوهرياً لتحقيق سيادة وطنية شرعية ومستدامة. وعليه، فإنّ استعادة دولة القانون وتفعيل المشروعية الديمقراطية هما السبيل لإعادة الاعتبار لمبدأ السيادة الوطنية بمعناه الحقيقي، حيث تغدو السيادة تجسيداً لإرادة شعبية حرّة ضمن نظام قانوني يوازن بين سلطة الدولة وحقوق الأفراد.


التزامات تونس التعاهدية: العهد الدولي والميثاق الأفريقي كنموذجين
تونس دولة طرف في عدد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية الأساسية التي تُعنى بحماية الحقوق والحرّيات. وأبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه تونس سنة 1969، وكذلك الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي انضمت إليه سنة 1983. هذه المصادقات تجعل أحكام تلك المعاهدات جزءًا من المنظومة القانونية الملزمة للدولة، بموجب الفصل 74 من دستور 2022 سالف الذكر. وعليه، فإن تونس ملتزمة باحترام وضمان الحقوق المنصوص عليها في تلك المعاهدات لجميع الأفراد الخاضعين لولايتها دون تمييز.
فعلى الصعيد الدولي، تلتزم الدولة التونسية بحماية جملة من الحقوق الأساسية، منها حرّية التعبير بمفهومها الواسع. وتنصّ المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على حق كل إنسان في اعتناق الآراء دون مضايقة، وحقّه في حرّية التعبير بما يشمل “حرّية التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود”.
هذه العبارة الأخيرة، تؤكّد بوضوح أنّ حرية التعبير مكفولة حتى عبر الحدود الوطنية، بما في ذلك نقل المعلومات والآراء إلى جهات أو منظمات خارج البلاد. وبعبارة أخرى، يقرّ العهد الدولي بحق الأفراد في مخاطبة الرأي العام العالمي والمنظمات الدولية والإقليمية والتواصل عبر الحدود للدفاع عن حقوقهم وقضاياهم. ولا يجوز فرض قيود على هذا الحقّ إلّا في حالات ضيقة جدًا تقتضيها ضرورات مشروعة كالأمن القومي والنظام العام، على أن تكون محددة بالقانون ومتوافقة مع معايير المجتمعات الديمقراطية.
كذلك يضمن العهد الدولي الحقّ في التقاضي والإنصاف الفعّال عند انتهاك الحقوق المكفولة؛ إذ تفرض المادة 2 منه على الدول توفير سبيل تظلم فعّال لأي شخص تُنتهك حقوقه، بما في ذلك حقه في اللجوء إلى سلطة قضائية أو هيئة مستقلة للفصل في ادعاءاته. وقد عزّزت تونس هذا الالتزام بانضمامها إلى البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد عام 2011، ممّا أتاح للأفراد التونسيين حق تقديم شكاوى فردية إلى لجنة حقوق الإنسان الأممية بعد استنفاد وسائل الانتصاف الداخلية. وهذا الانضمام يُعدّ اعترافًا صريحًا من الدولة بحق الأفراد في التظلم أمام هيئة دولية والسعي لإنصافهم دوليًا عندما تعجز الآليات الوطنية عن ذلك.


أما على الصعيد الإقليمي، فإنّ الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب المعروف أيضًا بميثاق بانجول يُلزم تونس بجملة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية التي تضمن كرامة الإنسان في أفريقيا. ومن بين هذه الحقوق حرّية التعبير وتلقي المعلومات، حيث تنصّ المادة 9 من الميثاق على حق كل فرد في الحصول على المعلومات وحقه في التعبير عن أفكاره ونشرها في إطار القانون. ورغم أن الميثاق يسمح للدول بتنظيم ممارسة هذا الحق عبر القانون الوطني، إلا أن ذلك ينبغي ألا يؤدي إلى تقويض جوهر الحقّ.
كما يكفل الميثاق في المادة 7 حقّ التقاضي، بما في ذلك حقّ اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصّة لإنصاف أيّ انتهاك للحقوق الأساسية المعترف بها. وتعزّز هذه المادة مبدأ وجوب إتاحة سبل الإنصاف القضائي على المستوى الوطني كخطوة أولى. وإقليميًا، أنشأ الميثاق اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب لرصد احترام الدول الأطراف لالتزاماتها، ونصّ في مادّته الأولى على تعهّد الدول باتخاذ التدابير التشريعية وغيرها لتطبيق الحقوق والحريات الواردة فيه.
والأهم أنّه فتح الباب لتلقّي شكاوى ليس فقط من الدّول ضدّ بعضها، بل أيضًا من الأفراد والمنظمات غير الحكومية بشأن انتهاكات مزعومة. وقد قبلت تونس ولاية هذه اللجنة منذ الثمانينات، ممّا يعني موافقتها الضمنية على حق الأفراد التونسيين في تقديم بلاغات أو شكاوى إلى اللجنة الأفريقية. وإضافة إلى ذلك، كانت تونس من بين الدول التي اعترفت لاحقًا باختصاص المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في القضايا الحقوقية، وهو ما يعزّز أكثر إمكانية التقاضي الدولي. ورغم بعض اللغط السياسي مؤخرًا حول العلاقة مع هذه المحكمة، إلا أنّ تونس رسمياً ما تزال عضوًا فيها وتنفي أي انسحاب منها، ممّا يبقي باب التقاضي الإقليمي مفتوحًا أمام التونسيين.
باختصار، تونس ملتزمة بتعهّدات دولية وإقليمية صريحة لحماية الحقوق والحرّيات، ومن ضمنها حرّية التعبير وحق التقاضي. هذه التعهدات ليست صورية، بل لها قوة إلزامية على الصعيدين الدولي والداخلي. وبالتالي فإنّ أي سياسة أو خطاب رسمي يناقض هذه الالتزامات يضع الدولة في موضع انتهاك لتعهداتها ويقوّض سيادة القانون التي ارتضتها. ومن هنا تبرز الإشكالية الحالية في تونس: هل يمكن استخدام شعار السيادة الوطنية للتنصل من تلك الالتزامات، أم أن السيادة الحقيقية للدولة تتجلى في احترامها لتعهّداتها الدولية وحماية حقوق مواطنيها؟


سياسة توظيف السيادة لقمع المعارضة
في خضمّ الأزمة السياسية التي عرفتها تونس بعد 25 جويلية 2021، تصاعد في الخطاب الرسمي لبعض السلطات التونسية توظيف مفهوم “السيادة الوطنية” كذريعة لإسكات الأصوات الناقدة وقمع الحرّيات. برز ذلك من خلال وصم المعارضين والنشطاء الذين ينتقدون السلطات أو يلجؤون إلى المنظمات الخارجية بصفات التخوين والعمالة، واتهامهم بتهديد أمن الدولة والتآمر مع جهات أجنبية.
هذا التوجّه يمثّل استعادة لنهج قديم استُخدم تاريخيًا في تونس، وفي غيرها من الدول العربية، إذ دأبت الأنظمة السلطوية على شيطنة خصومها عبر نعوت من قبيل “عملاء الخارج” أو “خونة الوطن” لتبرير إجراءات قمعية ضدهم. وبحسب الدراسات التاريخية، ليست تهمة الخيانة لصالح الأجنبي بجديدة في المشهد التونسي، فقد استُخدمت منذ عهد الرئيس بورقيبة ثم بن علي ضدّ المعارضين بمختلف توجّهاتهم عندما يتجاوز نقدهم حدود المقبول لدى السلطة. الجديد اليوم أن هذه التهمة أعيد إنتاجها بحدة أكبر في الخطاب السياسي منذ 2021، في سياق أزمة الحكم وتدهور الوضع الديمقراطي.
لقد دأب الرئيس الحالي وبعض أنصاره على وصف خصومه السياسيين بأوصاف مثل “الخونة” و”البائعين للوطن” واتهامهم بالتآمر مع عواصم أجنبية. فعلى سبيل المثال، في مطلع سنة 2023 وبعد حملة اعتقالات طالت شخصيات معارضة بارزة، جرى تسريب أنّ من بين “جرائمهم” لقاءاتهم بدبلوماسيين أجانب والتواصل مع سفارات غربية. وعلى إثر ذلك انهالت على هؤلاء سيول من الاتهامات العلنية بالخيانة الوطنية، سواء عبر التصريحات الرسمية أو على لسان إعلاميين مقربين من السلطة، متهمةً إياهم بالاستقواء بالخارج والمساس بسيادة تونس. يُلاحظ هنا تشكيل سردية مفادها أنّ مجرّد الاتصال بجهة أجنبية أو نقل الوقائع المحلية إلى الخارج يُعد عملًا عدائيًا ضد الوطن. وقد أصبحت مفردة “التخوين” جزءًا ثابتًا من قاموس الخطاب السياسي والإعلامي خلال الفترة الأخيرة في تونس.
يُبيّن الرصد الموضوعي للخطاب الرسمي منذ 2021 أنّ شعار “السيادة” كثيرًا ما استُخدم لاستهداف مكوّنات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأحزاب المعارضة. حيث جرى تصوير هذه الأطراف على أنها عقبة أمام الإرادة الشعبية وسيادة الدولة، وتمّ اتهام العديد منها بالولاء لقوى أجنبية أو تنفيذ أجندات خارجية.
في هذا السياق، تم الزجّ بمفهوم “الشعبوية السيادية” التي تصوّر أيّ نقد للسلطة أو أي مسعى لاستجلاب دعم دولي للديمقراطية على أنه تهديد للوطن يستدعي العقاب. ووفق تحليل نشرته منصة نواة، فإن السلطة التنفيذية التونسية بعد 25 جويلية 2021 انتهجت منهجية ممنهجة في شيطنة الخصوم عبر إطار خطاب يعتبر الأحزاب والمنظمات غير الحكومية والصحفيين عقبة أمام السيادة الشعبية، ووسمت المنتقدين بأنهم إمّا نخب فاسدة أو عملاء للخارج. ضمن هذه الرواية، جرى تمرير إجراءات قانونية وأمنية مشدّدة، كالمراسيم المتعلّقة بجرائم المعلومات والاتصالات أو تهم التآمر على أمن الدولة ضمن قانون مكافحة الإرهاب، بهدف تجريم التعبير والمعارضة السياسية تحت لافتة حماية الأمن القومي.


ومن تجلّيات هذا الخطاب أيضًا التصعيد ضدّ أي محاولات من النشطاء أو السياسيين لطلب العون أو التضامن الدولي. فعبارات مثل “الاستقواء بالأجنبي” و”التدخل في الشأن الداخلي” تردّدت في البيانات والتصريحات لتجريم لجوء معارضين إلى المنظمات الحقوقية الدولية أو مخاطبة الرأي العام الدولي. على سبيل المثال، حين توجّه وفد من الشخصيات التونسية إلى الخارج لطرح تطوّرات الوضع الديمقراطي، صدرت عن مسؤولين وإعلاميين تصريحات تتهمهم ببيع الوطن والاستنجاد بجهات أجنبية ضدّ المصلحة الوطنية. ومؤخرًا، عندما أثار نواب في البرلمان الأوروبي والأمم المتحدة قضايا الانتهاكات في تونس، وُصف ذلك في الإعلام الموالي بأنه نتيجة تحريض عملاء الداخل الذين “لم يتحملوا إرادة الشعب فلجأوا للخارج”.
اللافت أنّ هذا النهج في استعداء المعارضين وتخوينهم بحجة السيادة قد خلق مناخًا من الترهيب، وأدى عمليًا إلى تقييد غير مسبوق للحريات. فقد بات كثير من النشطاء والصحفيين يحجمون عن المجاهرة بانتقاداتهم أو عن الاتصال بالمنظمات الدولية خوفًا من الملاحقة بتهمة التآمر.


وتفيد تقارير حقوقية أنّ السلطات فتحت تحقيقات عديدة ضد معارضين وسياسيين بتهم خطيرة مثل “الاعتداء على أمن الدولة الخارجي” استنادًا إلى الفصل 61 مكرر من المجلة الجزائية، الذي يجرّم الاتصالات غير المشروعة بجهات أجنبية بقصد الإضرار بالدولة. ومن أبرز تلك القضايا ما يُعرف بـقضية التآمر على أمن الدولة التي طالت عشرات الشخصيات نهاية 2022 وبداية 2023، حيث روّج الخطاب الرسمي أنها مؤامرة دبّرها معارضون بالتعاون مع أطراف أجنبية لإسقاط الدولة. وقد صوّر الإعلام العمومي وبعض المسؤولين تلك القضية على أنها معركة سيادية ضد أعداء الداخل المتعاونين مع الخارج، وغُيّبت في الأثناء أبسط ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة بحق المتهمين. حتى أن الرئيس نفسه في خطاباته ألمح مرارًا إلى وجود مخططات خارجية يتم تنفيذها بأيادٍ تونسية مأجورة، مؤكدًا أنه “لا تسامح مع من يتآمر مع الخارج”.
إذن، نرى أنّ مفهوم الدفاع عن السيادة استُغل في الفترة الراهنة كأداة خطابية قوية لتعبئة الرأي العام ضدّ الخصوم السياسيين. إنها إستراتيجية تقوم على خلق عدو داخلي، متمثّل في المعارض الخائن لتبرير التضييق على الحرّيات. وممّا ساعد على فعالية هذا الخطاب أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتأزم في تونس جعل شريحة من المواطنين أكثر تقبلًا لفكرة وجود مؤامرات خارجية تبرّر تدهور الأوضاع. فتمّ بذلك صرف الأنظار عن المشكلات الحقيقية كالفشل الاقتصادي والفساد عبر شماعة الخونة والعملاء، ممّا سمح للسلطة بتعزيز قبضتها تحت ستار حماية الوطن وسيادته. لكن هذه المقاربة تختزل السيادة في بعد أحادي هو سيادة السلطة، وتتناسى البعد الأهم وهو سيادة الشعب والقانون.


الخطاب الرسمي والإعلامي: التخوين في الممارسة
منذ قرارات 25 جويلية 2021 الاستثنائية، اتّسمت خطابات الرئيس قيس سعيّد بنبرة حادّة تجاه خصومه. فكثيرًا ما استخدم عبارات مثل “أعداء الوطن” و “العملاء” و”المتمسّحين على أعتاب السفارات” لوصف معارضيه. في فيفري 2023، وبعد حملة توقيفات شملت سياسيين بارزين، صرّح الرئيس علنًا أنّ “هناك من تآمر مع الخارج لطعن بلادنا في الظهر”، مؤكدًا أن “السيادة خطّ أحمر ولن نترك الخونة يرتعون”.
هذه التصريحات جاءت متزامنة مع تسريب لقاءات بعض المعتقلين بدبلوماسيين من سفارات غربية، ما اعتُبر دليلًا، في نظر السلطة على تورّطهم في التآمر مع الخارج. لاحقًا، وفي أكثر من مناسبة، أشار الرئيس إلى “مؤامرات لبيع السيادة الوطنية”، وربط بينها وبين دعوات بعض المعارضين لفرض عقوبات دولية أو تجميد مساعدات لتونس احتجاجًا على الانقلاب الدستوري. هكذا تمّ دمغ أيّ تحرّك أو تصريح في المحافل الدولية من قبل تونسيين معارضين بأنّه خيانة عظمى للوطن.
في نفس هذا السياق، لعبت وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية دورًا كبيرًا في ترسيخ صورة المعارض الخائن. فعلى مدار الأشهر التالية لإجراءات 2021، خصّصت بعض القنوات الإذاعية والتلفزية مساحات لتشويه منتقدي الرئيس. على سبيل المثال، في نشرة الأخبار الرئيسية للتلفزة الوطنية يوم 15 ماي 2022، ورد تقرير إخباري يهاجم “أطرافًا تستنجد بالبرلمان الأوروبي ضد إرادة الشعب التونسي”، معتبرًا ذلك اصطفافًا مع الأجنبي ضد المصلحة الوطنية. وفي صحيفة يوميّة قريبة من الحكومة، نُشر مقال بعنوان “لا سيادة مع العملاء… تونس ليست للبيع”، استهدف شخصيات حقوقية تواصلت مع الأمم المتحدة ووصمهم بأنهم “طابور خامس يهدّد الأمن القومي”.


ومع تزايد الاهتمام الدولي بالوضع التونسي، لوحظ انتشار صفحات فايسبوك تشنّ حملات ممنهجة ضدّ نشطاء حقوق الإنسان والصحفيين. وقد وثّقت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في تقريرها لسنة 2023 بعض هذه الصفحات التي تتهم الصحفيين بالعمالة لتلقيهم دعوات تدريب أو سفرات إلى الخارج. كما تعرّض قضاة معزولون رفعوا شكوى للأمم المتحدة إلى حملات مشابهة وصفتهم بـ”الخونة الذين يسيئون إلى صورة تونس دوليًا”. هذه الحملات تعدّ مثالًا صارخًا على استخدام الترهيب المعنوي لمنع الأفراد من ممارسة حقهم في التشكّي والتظلّم دوليًا.
في خضمّ كلّ، هذا برزت قضيّة التآمر على أمن الدولة والتي تُعتبر تحديدًا مرآة عاكسة للخطاب الرسمي بشأن السيادة والمعارضة. فمع أنها قضية قضائية، إلا أنّ التعامل الإعلامي والرسمي معها كان سياسيًا بامتياز. اتُهمت في هذه القضية عشرات الشخصيات من تيّارات مختلفة بالتخطيط للإطاحة بالنظام بالتنسيق مع جهات أجنبية وتمويل خارجي.


وقد رافق التحقيقات قرار من قاضي التعليمات بمنع النشر والتداول الإعلامي حول القضية، وهو قرار علّلته السلطة بحماية أسرار أمن الدولة. لكن عمليًا، أدى ذلك إلى تعتيم ومنع المتهمين ودفاعهم من إسماع روايتهم. وفي المقابل، استمرت آلة الدعاية الرسمية في تقديم سردية أحاديّة تؤكّد أنّ المتهمين متورّطون حتمًا في مؤامرة مع الخارج لتجويع الشعب وضرب الاستقرار، وأي محاولة لتبرئتهم هي اشتراك في المؤامرة. بما مثّل ضغطًا صريحًا على المحاكم وتغليبًا لإدانة سياسية مسبقة على الاعتبارات القانونية. في المحصلة، أصبحت تهمة التآمر مع الخارج شماعة جاهزة تعلّق عليها السلطة كلّ معارضة، وغدا كل معارض مشبوها حتى يثبت ولاؤه. وهذا الأمر شكّل تحولًا خطيرًا نقل الخصومة السياسية إلى ملاحقة جزائية بتهم تقع تحت طائلة الخيانة العظمى.
إن هذه الأمثلة وغيرها كثير تؤكّد المنحى الخطير للخطاب السائد في تونس مؤخرًا. فهو خطاب يختزل الوطنية في تأييد السلطة الحالية، ويخوّن كلّ صوت مخالف بوصفه خطرًا سياديا. وهي مقاربة تذكّرنا بأنظمة شمولية سابقة كانت ترفع شعار السيادة والكرامة الوطنية لتبرير قمع الداخل، بينما تنتهك فعليًا كرامة مواطنيها وحقوقهم.
ولعلّ المفارقة المريرة أنّ توظيف تهمة “تهديد السيادة” ضدّ المعارضين ترافق في نفس الفترة مع ارتهان سيادي فعليّ تمثّل في تفاقم التبعية الاقتصادية للخارج وعزلة سياسية متزايدة. أي أنّ السيادة التي يُزعم الدفاع عنها بالكلام قد تتآكل على أرض الواقع نتيجة سياسات أحاديّة أضعفت موقف الدولة التفاوضي خارجيًا. وهذا يطرح تساؤلاً جديًا: هل خدمة السيادة تكون بإسكات أصوات الداخل الناقدة أم بتحصين الجبهة الداخلية عبر احترام الحقوق ووحدة الصف الوطني لمواجهة التحديات؟


الحقّ في اللجوء إلى الهيئات الدولية: بين المشروعية القانونية والتشويه السياسي
في ظلّ الانسداد الذي عرفته مؤسسات الدولة التونسية بعد 2021، من حلّ للبرلمان وتعطيل لهيئات الرقابة وانتهاك لاستقلال القضاء، وجد كثير من التونسيين أنفسهم محرومين من سبل الانتصاف المحلّية. فعندما تُغلق أبواب القضاء الوطني أمام الضحايا، أو يصبح الخصم والحكم جهة واحدة، يبرز اللجوء إلى الآليات الدولية كخيار مشروع وأحيانًا كملاذ أخير لطلب الإنصاف. وهنا تُطرح المسألة الجوهرية، هل يعتبر طرق أبواب الهيئات الدولية انتقاصًا من سيادة الدولة أم تكريسًا لسيادة القانون وحق التظلم؟
قانونيًا، الإجابة تميل بوضوح إلى الجانب الثاني. فكما أسلفنا، تونس منخرطة في منظومة دولية وإقليمية تعترف صراحة بحقّ الأفراد في التظلّم أمام هيئات دولية. انضمامها إلى البروتوكول الاختياري الأول للعهد الدولي عام 2011 يعني قبولها أن تنظر اللجنة الأممية لحقوق الإنسان في شكاوى يقدّمها تونسيون يدّعون انتهاك حقوقهم. وبالمثل، اعترافها باختصاص اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب يفتح المجال لتقديم بلاغات ضد الدولة التونسية بدعوى خرق الميثاق الأفريقي. هذه الإجراءات ليست تدخلاً أجنبيًا فرضته قوى كبرى، بل هي نتيجة تعهدات سيادية طوعية اتخذتها تونس حين ارتضت التصديق على تلك الاتفاقيات. فالدولة حينما تصادق على اتفاقية دولية، فإنها بمحض إرادتها تسمح بمستوى معيّن من الرقابة الخارجية على مدى وفائها بالتزاماتها، وهذا لا ينتقص من سيادتها بشيء لأن السيادة هنا مورست فعليًا عبر قرار التصديق.
من منظور حقوقي، يعتبر اللجوء إلى الهيئات الدولية حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، مرتبطًا بحرية التعبير وحق التقاضي وحق المشاركة في الشأن العام. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 أكد حقّ كلّ فرد في التماس الإنصاف من المحاكم الوطنية المختصة عند انتهاك حقوقه في المادة 8، كما أرسى في ديباجته ومبادئه التعاون الدولي لتحقيق احترام الحقوق.


أما إعلان المدافعين عن حقوق الإنسان الذي اعتمدته الأمم المتحدة سنة 1998، فقد جاء أكثر وضوحًا في حماية التواصل مع المنظمات الدولية. إذ نص في المادة 5 على حق كل شخص، “بمفرده وبالاشتراك مع غيره، على الصعيدين الوطني والدولي، في الالتقاء أو التجمع سلميًا، وفي تشكيل منظمات غير حكومية أو الانضمام إليها، والاتصال بالمنظمات غير الحكومية أو بالمنظمات الحكومية الدولية”. هذا النصّ يكرّس بلا لبس شرعية التواصل مع الآليات الدولية الحكومية وغير الحكومية. وبالتالي فإن مخاطبة مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أو اللجنة الأفريقية أو المنظمات الدولية غير الحكومية يقع ضمن نطاق الحقوق المكفولة للفرد، ولا يجوز قانونًا تجريمها أو اعتبارها فعلًا معاديًا للدولة.
علاوة على ذلك، فإنّ المعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس تلزمها بتوفير وسائل تظلّم فعّالة، وفي حال الإخفاق على المستوى الداخلي، يكون من حقّ الفرد التصعيد إلى المستوى الدولي. بل إن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته الثانية فقرة 3 لم يكتفِ بالتأكيد على حق التقاضي، بل أوجب على الدول التي انضمّت إليه تطوير إمكانيات التظلم القضائي وضمان إنفاذ الأحكام الصادرة لصالح المتظلمين.
فإذا عجزت الدولة عن إنصاف المظلوم داخليًا، سواء بسبب غياب استقلال القضاء أو انعدام فعالية مؤسسات الإنصاف، فلا حرج ولا مخالفة في أن يلجأ الفرد إلى آليّة دولية أنشئت خصيصًا لهذا الغرض. وفي السياق التونسي الراهن، نجد أمثلة واضحة، حيث تقدمت مجموعة من القضاة المعزولين بشكوى إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ضد الإجراءات التي طالتهم بعد 2022، نظرًا لعدم توفر محاكمة عادلة لهم داخليًا.


كما قدّم نشطاء تونسيون شكاوى إلى مجلس حقوق الإنسان الأممي وإلى المحكمة الأفريقية بشأن الانتهاكات المتزايدة وفق ما تداولته مصادر إعلامية وحقوقية عام 2023، معتبرين أنّ الانسداد الداخلي يبرّر هذا المسار الخارجي. هذه الخطوات على أهميتها ووجاهتها قانونيًا، قوبلت في الداخل الرسمي بسيل من الانتقادات والتخوين، واعتُبرت دليل إدانة ضد من قاموا بها بدل النظر إلى مضمون الشكاوى نفسها.
الواقع أنّ حقّ التظلم الدولي يتكامل مع مبدأ تكاملية الاختصاصات بين القضاء الوطني والدولي. فالقضاء الدولي سواء الأممي أو الإقليمي لا يتدخل عادة إلا حين يُظهر القضاء الوطني قصورًا أو عجزًا عن تحقيق العدالة. لذلك، يمكن القول إنّ لجوء مواطنين تونسيين إلى الهيئات الدولية هو عرض من أعراض أزمة القضاء والإنصاف في تونس، وليس سببها. فلو حظي هؤلاء بمحاكمات عادلة وقرارات منصفة محلّيًا، لما احتاجوا لتدويل قضاياهم.
وبالتالي فإنّ الحلّ الأمثل من منظور سيادي هو إصلاح الداخل وضمان استقلال القضاء وتمكين المؤسسات الوطنية كهيئة حقوق الإنسان وهيئة الوقاية من التعذيب وغيرها من أداء دورها. بذلك فقط يمكن تقليل الحاجة إلى الشكاوى الخارجية. أما تجريم الشكاوى الدولية واعتبارها خيانة، فهو يضع الدولة في تناقض مع التزاماتها، وقد يعطي انطباعًا بأنها تخشى الرقابة الدولية لأنها ربما متورطة في انتهاكات. ومن زاوية أخرى، إذا نظرنا لصورة تونس الخارجية، سنجد أن سمعة الدولة تتضرّر أكثر من انتقادات المنظمات الدولية لها عندما تقدم نفسها كسلطة تضطهد مواطنيها لمجرد مطالبتهم بحقوقهم دوليًا. إن الدول التي تحترم نفسها فعلاً ترحب بالملاحظات الدولية كفرصة لتحسين أوضاعها، ولا تعتبرها مؤامرة إلا حين تفتقد الردّ الموضوعي.
خلاصة القول، الحق في اللجوء إلى الهيئات الدولية مكفول قانونًا، واعتباره تهديدًا للسيادة هو ضرب من المغالطة. فالشخص أو المجموعة التي ترفع مظلمة إلى منظمة أممية أو إفريقية إنّما تمارس حقًا أقرّته الدولة ذاتها. وسيادة تونس لا تُنتقص عندما ينصف هيكل دولي أحد مواطنيها؛ بل على العكس، تتعزّز سمعة الدولة حين تُظهر احترامًا لقرارات الهيئات الدولية والتزامًا بتنفيذها. وقد شهدنا دولاً عديدة بما فيها عربية وإفريقية امتثلت طوعًا لأحكام وقرارات لجان أممية ومحاكم إقليمية كجزء من وفائها بتعهداتها. فتونس مثلاً سبق أن رضخت لقرارات لجنة حقوق الإنسان في قضايا تعذيب وتسويات ماليّة خلال العقد الماضي، ولم يُنظر لذلك كمساس بالسيادة، بل كتصحيح لمسار العدالة. من هذا المنطلق، مشروعية اللجوء الدولي راسخة قانونًا، وأي محاولة لإضفاء طابع الخيانة عليها تفتقد السند الدستوري والقانوني.


حظر الانتقام من المتظلّمين دوليًا: تأصيل القاعدة القانونية دوليًا
إذا كان من حقّ الأفراد التظلّم والترافع أمام الهيئات الدولية، فإنّ حمايتهم من أي إجراءات انتقامية بسبب ممارستهم لهذا الحقّ تندرج كذلك ضمن التزامات الدولة. فالقانون الدولي لحقوق الإنسان لا يكتفي بمنح الحقوق، بل يحرّم صراحة التعرّض بالضرر أو الترهيب لكلّ من يمارسها، بما في ذلك حالات التعاون مع الآليات الدولية.
وقد تزايد الاهتمام الدولي خلال السنوات الأخيرة بظاهرة الانتقام ضدّ المدافعين عن حقوق الإنسان أو الضحايا الذين يتعاونون مع الأمم المتحدة أو الآليات الإقليمية، إلى درجة دفع مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة إلى تخصيص قرارات دورية لمعالجتها مثل القرار 12/2 لعام 2009 والقرار 24/24 لعام 2013.
كما يصدر الأمين العام للأمم المتحدة تقريرًا سنويًا يوثّق حالات الانتقام حول العالم ويدينها، ويتمّ فيه ذكر الدول التي حصلت بها انتهاكات من هذا النوع. هذه التطوّرات أرست ما يمكن اعتباره قاعدة عرفية دولية مفادها أنّ أيّ ترهيب أو إجراء عقابي ضدّ شخص لتعاونه مع آلية حقوقية دولية هو أمر مرفوض ومدان، وعلى الدول منعه ومحاسبة مرتكبيه.
الأمم المتحدة عبر هيئاتها المختلفة شدّدت على هذا المبدأ. وقد جاء في موقع المفوضية السامية لحقوق الإنسان أنه من أولويات الأمم المتحدة الثابتة التصدي لأعمال الترهيب والانتقام التي تُمارس ضد أفراد أو جماعات يسعون إلى التعاون مع الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، ومنعها.


وأكّدت الأمم المتحدة بشكل خاصّ أنّ على الدول مسؤولية أساسية في هذا الصدد؛ حيث نصّت مبادئها على أنّ “لكلّ فرد الحقّ في الوصول دون عوائق إلى الهيئات الدولية والتواصل معها… بمنأى عن أيّ شكل من أشكال الترهيب والأعمال الانتقامية. وتتحمّل الدول المسؤولية الأساسية عن منع أعمال الترهيب والانتقام والامتناع عنها، كما يقع على كاهلها واجب حماية الأفراد من الأعمال الانتقامية والتحقيق فيها وتوفير سبل انتصاف فعالة لضحاياها”.
هذا النصّ الأممي الجامع يبلور القاعدة القانونية بوضوح: يجب على الدولة أن تمتنع عن معاقبة أو مضايقة أيّ شخص تعاون مع آلية حقوق إنسان دولية، بل وعليها حمايته من أي جهة قد تحاول الانتقام منه، وضمان وجود مسار شكاوى ومحاسبة في حال حصول ذلك.
في السياق الأفريقي، أنشأت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان منصب مقرّر خاصّ معني بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والذي وسّع ولايته عام 2014 ليشمل قضايا الانتقام. وأصدر الاتحاد الأفريقي توجيهات مماثلة تؤكد أن أي أعمال ثأرية ضد أفراد لجأوا إلى اللجنة أو المحكمة الأفريقية هي انتهاك لالتزامات الدولة الأفريقية. كذلك أشار إعلان الاتحاد الأفريقي لعام 2017 حول حماية حقوق الإنسان إلى ضرورة عدم التعرّض للناشطين الذين يلجؤون لآليات حقوق الإنسان الإقليمية.
على المستوى الوطني، العديد من الدول أدرجت في تشريعاتها حمايات للمدافعين والشهود والمبلّغين عن الانتهاكات. هذه التشريعات تهدف لضمان أنه لا يجوز فصل موظف أو اعتقال ناشط أو مضايقة فرد لأنه كشف انتهاكًا أو اشتكى أمام هيئة دولية.
في تونس، ورغم غياب قانون خاصّ بالمدافعين عن حقوق الإنسان، فإنّ الدستور والقوانين العامّة تكفل حرّية التعبير والتقاضي. فالفصل 37 من دستور 2022 يكفل حرّية التعبير والإعلام صراحة، كما يضمن الفصل 38 الحق في الوصول إلى المعلومة.
ويمكن استنباط حماية المشتكين دوليًا من هذه الضمانات العامة، إذ إن الشكوى للهيئات الدولية هي شكل من أشكال التعبير عن الرأي وطلب الانتصاف، فينبغي أن تحميها نفس الحريات الدستورية. أضف إلى ذلك أنّ أي إجراء عقابي يتخذ ضدّ شخص بسبب لجوئه المشروع إلى آلية دولية يمكن أن يشكل انتهاكًا لحرية التنقل مثل منع السفر أو الأمن الشخصي في حال توقيفه تعسفيًا، وهي حقوق أساسية مصونة دستوريًا.
من ناحية أخرى، يمكن اعتبار الانتقام من المشتكين نوعًا من “سوء استعمال السلطة” يعاقب عليه القانون الإداري والجزائي. فلو ثبت أنّ موظفًا عموميًا اتخذ قرارًا تعسفيًا نكايةً بشخص اشتكى دوليًا، فإن ذلك القرار معيب بالشطط في استعمال السلطة. كذلك فإن التهديد أو العنف ضد من تظلم خارج البلاد يمكن أن يجرّم بوصفه اعتداءً على حرية الغير وربما يقع تحت طائلة الفصل 103 من المجلة أو فصول التهديد. أي أن المنظومة القانونية تحتوي بالفعل على أدوات لمعاقبة المرتكبين إذا توفرت الإرادة لتطبيقها بحزم.
على صعيد الممارسات، رُصدت للأسف حالات انتقام أو ترهيب في تونس ضدّ أفراد بسبب تواصلهم مع منظمات أو فعاليات حقوقية. من ذلك ما حدث مع بعض الصحفيين الذين شاركوا في فعاليات حقوقية دولية، ثم وجدوا أنفسهم مستهدفين بحملات تشهير وحتّى بإحالات قضائية بموجب المرسوم 54 بدعوى “نشر أخبار كاذبة”.


أيضًا، اشتكى محامون مدافعون عن حقوق الإنسان من توقيفهم تعسفيًا أو منعهم من السفر بعد عودتهم من مؤتمرات دولية انتقدوا فيها الأوضاع في تونس. هذه التصرّفات تضع الدولة التونسية سواء تورطت بها أجهزة رسمية أو تواطأت بالصمت عليها في موضع انتقاد دولي حاد. وقد تمّ التنبيه إلى بعضها في تقارير أممية؛ إذ جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لسنة 2023 ذكرٌ لحالة ناشط تونسي تعرّض إلى حملة مضايقات أمنية إثر تواصله مع خبراء أمميين. إنّ استمرار مثل هذه الممارسات يشكّل خرقًا للقانون الدولي ويعطي صورة سلبية عن التزام تونس بتعهداتها. ومن مصلحة الدولة نفسها التحقيق في أي ادعاء انتقام ومحاسبة الضالعين فيه، لئلّا تواجه إجراءات أو إدانات في المحافل الأممية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأعمال الانتقامية قد تتّخذ أشكالاً متعدّدة تتجاوز الإجراءات الرسمية لتشمل أساليب غير مباشرة. فقد تكون في صورة حملات تشهير إعلامية ممنهجة لتشويه سمعة المشتكي وجعله عبرة لغيره، وهذا شهدناه في تونس كما أسلفنا، أو في صورة حظر سفر ومنع من المشاركة في مؤتمرات خارجية، أو حتى ملاحقات قضائية بتهم كالتحريض أو تقويض أمن الدولة. وكلّ هذه الأشكال مُجرّمة دوليًا بشدة. وقد ذكّرت مبادئ سان خوسيه التوجيهية بأن على الدول اتخاذ تدابير محددة لمنع أعمال الانتقام والتصدي لها وتعزيز حماية من يتعاونون مع الهيئات الدولية.
في ضوء ما سبق، فإنّ القاعدة القانونية الدولية واضحة، يحظر حظرًا باتًا الانتقام من الأشخاص بسبب لجوئهم المشروع إلى الآليات الدولية أو تعاونهم معها. هذه القاعدة ليست مجرد مبدأ أخلاقي، بل هي جزء من منظومة الالتزامات التي قبلتها تونس. وكل إخلال بها لا يمثّل فقط انتهاكًا لحقوق الفرد المتضرّر، وإنما يخلّ أيضًا بالتزامات الدولة بموجب المعاهدات الدولية. لذا، يكون على تونس وغيرها من الدول واجب تجريم أفعال الانتقام هذه في قوانينها وملاحقة مرتكبيها، لضمان عدم إفلات أي مسؤول أو جهة تتورّط في ترهيب المتقاضين دوليًا من المحاسبة. فسيادة القانون تعني أن لا أحد فوق المساءلة، حتى لو تخفى وراء قناع حماية السيادة الوطنية.
خاتمة: السيادة الحقيقية والدولة القانونية، استعادة الشرعية الحقوقية والمؤسسيّة
لقد كشف التحليل أعلاه تناقضًا جوهريًا في المشهد التونسي الرّاهن حيث يُرفع شعار السيادة الوطنية لتبرير انتهاك الحقوق والحرّيات، في حين أنّ احترام تلك الحقوق هو عين ما يعزّز السيادة ويصون هيبة الدولة. إنّ السيادة الحقة لا تُقاس بمدى قدرة الدولة على قمع معارضيها وإخراس أصواتهم، بل بمدى التزامها بالقانون ووفائها بتعهداتها الدولية واحترامها لإرادة شعبها وصونها لكرامته. ففي عالم اليوم، لم تعد سيادة الدول تُستمدّ من فائض القوّة أو الخطاب الشعبوي، بل من شرعية الحكم القائم على الديمقراطية وحكم القانون ومن سمعة الدولة كعضو مسؤول في المجتمع الدولي.
تاريخيًا وحاضرًا، لم يبلغ أي بلد مراتب التقدّم والاحترام الدولي عبر كبت حرّيات مواطنيه بحجّة السيادة. على العكس، تخبرنا دروس التاريخ القريب والبعيد وكذلك تجارب الشعوب الأخرى حقيقة واضحة وهي، ما من وطن حقّق سيادته وفرض احترامه من دون حرية وديمقراطية وعدل.
هذه الكلمات تلخّص ببساطة أنّ سيادة الوطن ترتبط ارتباطًا عضويًا بتمتّع شعبه بالحرّية والعدالة وعيشه في ظلّ مؤسسات ديمقراطية فعالة. وفي الحالة التونسية، يعني ذلك أنّ العودة إلى دولة المؤسسات واستعادة الشرعية الدستورية واحترام الحقوق والحرّيات هي الطريق لإعادة بناء السيادة الوطنية على أسس صلبة.
فسيادة تونس لن تتعزّز بإسكات صوت صحفي أو سجن معارض أو تخويف ناشط حقوقي؛ بل على العكس تمامًا، مثل هذه الأفعال تضعف مكانة تونس الدولية وتزلزل ثقة شعبها في دولته، ممّا يخلق بيئة داخلية هشّة قابلة للاختراق فعلاً من القوى الخارجية.
إن الشرعية الحقوقية والمؤسسية ليست ترفًا أو مجرّد مطلب نخبوي، بل هي حجر الأساس لأي سيادة وطنية مستدامة. فالدولة التي تحترم دستورها وقوانينها وتكفل لمواطنيها حق التعبير والتقاضي، هي دولة منيعة من الداخل، متماسكة الجبهة الوطنية، عصية على الضغوط الخارجية لأنها تحظى بشرعية شعبية ودولية. وفي المقابل، الدولة التي تستأثر فيها السلطة التنفيذية بكل الصلاحيات وتعطل الضوابط والتوازنات وتطارد المعارضين، هي دولة تضع نفسها في موضع ضعف وعزلة وتفتح الأبواب للتدخلات الأجنبية بحكم سوء إدارتها وليس بفعل مؤامرات المتظاهرين.
من المهم التأكيد ختامًا أنّ السيادة الوطنية واحترام حقوق الإنسان ليسا قيمتين متعارضتين، بل متكاملتان ومتلازمتان. فاحترام حقوق المواطنين وحرّياتهم يعزّز شرعية الحكم ويقوي اللحمة الوطنية، مما يشكّل حصانة حقيقية لسيادة الدولة ضدّ أي ابتزاز أو ضغط خارجي.
وقد أثبتت التجربة أنّ الدول الأكثر احترامًا لحقوق الإنسان داخليًا هي الأكثر قدرة على فرض احترامها خارجيًا. وفي الحالة التونسية، طالما كانت تونس رائدة إقليميًا في الانخراط بالمواثيق الدولية وتعزيز دولة القانون، حازت صورة إيجابية ومكانة دبلوماسية محترمة رغم صغر حجمها. ولاستعادة تلك الصورة والمكانة، ينبغي اليوم إعادة الاعتبار للمنظومة الحقوقية والمؤسسية عبر عودة القضاء المستقل، وإطلاق حوار وطني جامع يضم مختلف الأطياف، والكفّ عن تخوين المخالفين في الرأي، وضمان مناخ حرية يسمح بالنقد البنّاء والمساءلة. فهذه الخطوات ليست مهمة فقط لأجل الوفاء بالتزامات تونس الدولية، وإنما أولًا وأساسًا لصيانة العقد الاجتماعي الداخلي.
في النهاية، يبقى شعار “سيادة الشعب” المكتوب في ديباجة دستور 2022 هو المعيار: الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية. وسيادة الشعب تُمارس عبر حرّياته ومشاركته الفاعلة ورقابته على حكامه، لا عبر تكميم فمه أو تخوينه. السيادة الحقيقية هي سيادة القانون التي يخضع لها الحاكم والمحكوم، وهي الولاء للوطن لا للنظام، وهي احترام العهود لا النكوص عنها. بهذا المعنى تكون الدولة سيدة فعلاً بقرارها الحرّ النابع من إرادة شعبها والمتطابق مع التزاماتها ومعايير العدالة. وكل مسعى للتوفيق بين حماية الحقوق ومتطلبات السيادة ليس انتقاصًا من الدولة، بل هو ضمانة أن تظل الدولة بيتنا الآمن الذي لا يُظلم فيه أحد ولا يُخذل فيه صاحب حق، في الداخل أو على الصعيد الدولي.
المصادر
Textes constitutionnels et législatifs :
– Constitution de la République tunisienne du 25 juillet 2022.
– Décret-loi n° 2022-54 du 13 septembre 2022 relatif à la lutte contre les infractions se rapportant aux systèmes d’information et de communication.
– Code pénal tunisien, notamment les dispositions relatives à l’atteinte à la sûreté de l’État.
– Notification du retrait de la déclaration prévue à l’article 34 du Protocole relatif à la Cour africaine des droits de l’homme et des peuples.
Instruments internationaux et régionaux :
-Organisation des Nations Unies, Pacte international relatif aux droits civils et politiques.
-Comité des droits de l’homme, Observation générale n° 34 relative à la liberté d’opinion et d’expression, article 19, CCPR/C/GC/34.
-Organisation des Nations Unies, Déclaration sur les défenseurs des droits de l’homme, Résolution 53/144.
-Organisation de l’Unité africaine, Charte africaine des droits de l’homme et des peuples.
-Union africaine, Protocole relatif à la Charte africaine portant création de la Cour africaine des droits de l’homme et des peuples.
-Haut-Commissariat des Nations Unies aux droits de l’homme, Rapports annuels sur les actes d’intimidation et de représailles à l’encontre des personnes coopérant avec les Nations Unies, différentes éditions.
-Conseil de l’Europe, Convention pour la protection des personnes à l’égard du traitement automatisé des données à caractère personnel, convention 108, et Convention 108+.
Doctrine juridique et analyses académiques
-Ben Achour, Yadh, « Le mal tunisien : une conception erronée de la démocratie et de la souveraineté », Business News, 28 décembre 2025.
-Corten, Olivier, Le droit contre la guerre : L’interdiction du recours à la force en droit international contemporain, Pedone, Paris.
-Cassese, Antonio, International Law, Oxford University Press.
-Chemillier-Gendreau, Monique, La souveraineté à l’épreuve du droit international, La Découverte.
-Duguit, Léon, L’État, le droit objectif et la loi positive, Dalloz.
-Habermas, Jürgen, La constellation postnationale, Fayard.
Rapports d’organisations internationales et ONG
-Reporters sans Frontières (RSF), Tunisie : mobilisation pour l’abrogation des dispositions répressives du décret 54, 31 janvier 2023.
-Human Rights Watch, Tunisie : poursuites contre des opposants et journalistes en vertu du décret-loi 54, rapports 2023–2025.
-Amnesty International, Tunisie : poursuites judiciaires contre des journalistes et défenseurs des droits humains, 2024.
-Comité pour le Respect des Libertés et des Droits de l’Homme en Tunisie (CRLDHT), Tunisie : un peuple privé d’air, Rapport, 5 décembre 2025.
-International Commission of Jurists (ICJ), Tunisia: Silencing Free Voices – Enforcement of Decree 54, 2024.
Articles de presse :
-Nasri, Jihen, « Le danger ne se limite pas aux journalistes : pourquoi est-il temps de modifier le décret 54 ? », Inkyfada, 10 février 2025.
-Amara, Tarek, « Tunisians escalate protests against Saied, demanding return of democracy », Reuters, 23 novembre 2025.




