مرضى السُّكري في تونس: معاناة يوميّة عمّقها قُصور السياسات الصحيّة

واحد من كلّ خمسة تونسيين مصاب بمرض السكري، وفق مصادر طبية مختلفة، فيما يجهل جزء كبير منهم إصابته بالمرض. وفي ظلّ هذا الواقع، يواجه عشرات الالاف من المرضى (الحالات المعلومة) يوميًا صعوبات في الحصول على العلاج، بين ارتفاع كلفته وضعف التغطية الصحية، في وقت تتصاعد فيه الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للمرض عامًا بعد آخر، وسط تساؤلات حول ماهية السياسة العمومية للدولة التونسية في علاقة بهذا الموضوع الحارق.

الكاتبة : جواهر بنصير

صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة

“في تونس أنت مجبر على شراء الدواء بنفسك أو تستجدي من يمنحك جرعة أنسولين لانقاذ حياتك “، بهذه الكلمات تختصر شيماء (27 عامًا) تجربتها مع مرض السكري.

قبل عام واحد فقط، لم تكن تعلم أنها مريضة سكري حتى ظهرت عليها فجأة بعض الأعراض على غرار وزنها الذي بدأ يتراجع بشكل كبير، ورغبتها المتزايدة في شرب كميات كبيرة من الماء لم تكن تعتاد على شربها ، إضافة إلى ارتفاع عدد المرات التي تقصد فيها الحمام في اليوم.

هذه الأعراض دفعتها إلى زيارة الطبيب بحثًا عن تفسير، لتكتشف فيما بعد إصابتها بمرض السكري من النوع الأول، مع ارتفاع حاد في مستوى السكري في الدم استوجب اقامتها مباشرة في المستشفى.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد معركتها تقتصر على تعلم التعايش مع المرض، بل تحوّلت إلى إجهاد نفسي واقتصادي يومي لتأمين العلاج الذي يضمن لها البقاء على قيد الحياة.

الكاتبة : جواهر بنصير

صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة

“في تونس أنت مجبر على شراء الدواء بنفسك أو تستجدي من يمنحك جرعة أنسولين لانقاذ حياتك “، بهذه الكلمات تختصر شيماء (27 عامًا) تجربتها مع مرض السكري.

قبل عام واحد فقط، لم تكن تعلم أنها مريضة سكري حتى ظهرت عليها فجأة بعض الأعراض على غرار وزنها الذي بدأ يتراجع بشكل كبير، ورغبتها المتزايدة في شرب كميات كبيرة من الماء لم تكن تعتاد على شربها ، إضافة إلى ارتفاع عدد المرات التي تقصد فيها الحمام في اليوم.

هذه الأعراض دفعتها إلى زيارة الطبيب بحثًا عن تفسير، لتكتشف فيما بعد إصابتها بمرض السكري من النوع الأول، مع ارتفاع حاد في مستوى السكري في الدم استوجب اقامتها مباشرة في المستشفى.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد معركتها تقتصر على تعلم التعايش مع المرض، بل تحوّلت إلى إجهاد نفسي واقتصادي يومي لتأمين العلاج الذي يضمن لها البقاء على قيد الحياة.

في البداية، اعتمدت شيماء على الأنسولين الذي توفره وزارة الصحة بمراكز الصحة الأساسية (المستوصفات)، غير أنها اكتشفت لاحقًا أنها تعاني من حساسية من الدرجة الثالثة تجاه الأنسولين العادي، فوصف لها طبيبها المباشر أقلام حقن الأنسولين.

لكن العقبة الجديدة لم تكن طبية هذه المرة بل ماديّة، على اعتبار أن أسعار أقلام حقن الأنسولين كانت أعلى بكثير من قدرتها الماديّة، خاصة وأنها تنضوي تحت نظام تغطية صحيّة يتيح لها فقط الانتفاع بالعلاج داخل المؤسسات الصحية العمومية بتسعيرة منخفضة وهذا النظام لا يخوّل لها الاستفادة من منظومة استرجاع المصاريف التي بموجبها يتكفل الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام) بكلفة العلاج.

خلال الأشهر الأولى، حاولت شيماء وعائلتها توفير ثمن أقلام الأنسولين، لكن الأمر سرعان ما أصبح يفوق حدود الإمكانيات المادية، خاصة بعد أن فقدت عملها بسبب تدهور حالتها الصحية، لتجد نفسها في كل مرة ينفد منها الدواء تتنقل بين المستشفيات و”الكنام” بحثا عن بصيص أمل، وأحيانًا أخرى تلجأ إلى مجموعات مرضى السكري على مواقع التواصل الاجتماعي علّ أحدهم يمتلك قلم أنسولين أو جرعة فائضة يمكن أن تساعدها على مواصلة العلاج.

لم تستسلم شيماء وتقدّمت في أكثر من مرّة بمطلب إلى وزارة الشؤون الاجتماعية وغيرها من الإدارت المعنية أملاً في إيجاد حلّ لوضعيتها، إلا أن طلبها قوبل بالرفض لأنها لا تندرج ضمن منظومة استرجاع المصاريف، وكان الحلّ الوحيد الذي قُدِّم لها هو منحة ظرفية بقيمة 100 دينار تُصرف مرة كل ستة أشهر، إذا توفرت الاعتمادات.

تضيف شيماء قائلة في حديثها مع الكتيبة: “أنا لا أريد الحصول على أموال فقط وفروا لي الدواء”.

قصة شيماء هي انعكاس لواقع يعيشه عشرات الآلاف من مرضى السكري في تونس الذين لا يواجهون مرضا مزمنًا فحسب بل يواجهون أيضًا تحديات متزايدة في الحصول على العلاج، وسط ارتفاع كلفة أقلام حقن الأنسولين وعدم توفرها أحيانا ومستلزمات متابعة المرض، إضافة إلى إمكانيات التكفل بالمرض الذي لم يعد يمثل تحديًا صحيًا فقط، بل أصبح أيضا قضية اجتماعية واقتصادية تفرض نفسها على المرضى والدولة على حد سواء، اضافة إلى غياب الوعي بالمرض و النظرة المجتمعية الدونية لمريض السكري.

ما الذي يجب أن نعرفه حول مرض السكري؟

تعرّف منظمة الصحة العالمية مرض السكري بأنه مرض مزمن يصاب به الإنسان عندما يعجز البنكرياس عن إنتاج كميات كافية من الإنسولين، أو عندما يصبح الجسم غير قادر على استخدام الأنسولين الذي ينتجه بشكل فعّال، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الغلوكوز في الدم، أو ما يعرف بفرط سكر الدم.

يُقسم السّكري أساسًا إلى نوعين رئيسيين، السكري من النوع الأول أو ما يعرف بسكري الأطفال و يتمثل في عجز البنكرياس عن إنتاج الإنسولين أو إنتاجه بكميات غير كافية ويصنف ضمن الأمراض المناعية، وهو ما يجعل المصابين به في حاجة إلى أخذ الإنسولين يوميًا.

أما السكري من النوع الثاني فينتج عن عدم قدرة الجسم على استخدام الأنسولين بفاعلية، ويكون سببه عادة مرتبط بأمراض السمنة و الخمول البدني وعوامل أخرى وراثية، و يعدّ السكري من النوع الثاني الأكثر انتشارا في العالم.

بماذا تخبرنا الأرقام في تونس؟

في تونس، أصبح السكري خلال العقود الأخيرة أحد أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا، بعد أن سجّل منحى تصاعديا مستمرا، ذلك أنه بحسب المسح الوطني الشامل للصحة الذي أعدته وزارة الصحة بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية سنة 2016، وشمل 5079 عائلة موزّعة على مختلف جهات الجمهورية، وتم خلاله تقصي الوضع الصحي لـ 9212 شخص تبلغ أعمارهم 15 سنة فما فوق. فقد أظهرت نتائجه أن نسبة انتشار مرض السكري بين التونسيين البالغين قدّرت بـ 15.5 % ، في حين كانت النسبة تقدر بـ 7.5% سنة 1997، وأظهرت النتائج أن انتشار المرض كان متقاربًا بين الرجال والنساء، حيث بلغت النسبة 16.1 % لدى الرجال مقابل 14.8 % لدى النساء، وفقا لذات المصدر.

وبحسب ذات المسح فقد بلغت نسبة انتشار السكري 3.4 % لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، فيما أخذت منحى تصاعديا ملحوظا لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و64 سنة لتصل إلى 17.4بالمائة، وسُجلت أعلى نسب انتشار للمرض في إقليم تونس الكبرى بنسبة 18.7%، يليه إقليم الوسط الشرقي بنسبة 16.1% .

ورغم أن نتائج المسح الوطني الشامل للصحة تستند إلى عينة تمثيلية للسكان ولا تشمل جميع التونسيين، فإنها قدمت مؤشرات علمية تكشف أن مرض السكري اتخذ منحى تصاعديًا خلال العقود الأخيرة، رغم غياب مسوحات وطنية دورية لرصد تطور انتشار المرض.

ووفقا لذات المصدر المذكور فإن المعطيات تشير إلى أن نسبة انتشار السكري في تونس قد تبلغ 26.6% لدى البالغين الذين تفوق أعمارهم 25 سنة بحلول سنة 2027، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن العبء الذي قد يفرضه المرض على المنظومة الصحية، في ظل ارتفاع كلفة العلاج وتزايد الحاجة إلى خدمات الرعاية والمتابعة طويلة الأمد.

تجدر الإشارة إلى أن المسح الوطني الشامل للصحة في تونس تم إجراؤه سنة 2016 لكن التقرير النهائي تم نشره سنة 2020 وهو ما يطرح أسئلة حارقة حول ضرورة متابعة مؤسسات الدولة لهذه المعضلة بشكل دوري خاصة في ظل نسقها التصاعدي.

في ذات الإطار، تشير تقديرات الاتحاد الدولي للسكري (IDF)، وهو منظمة عالمية تضم أكثر من 230 جمعية وطنية لمرضى السكري موزّعة في أكثر من 160 دولة، وتُعنى بتحسين حياة المصابين والوقاية من المرض من خلال التوعية والتعليم ودعم الأبحاث، إلى أن المنحى التصاعدي للسكري في تونس ما يزال مستمرا. إذ بلغ عدد المصابين من الفئة العمرية بين 20 و79 سنة نحو 1.4 مليون شخص سنة 2024، مقابل 176.3 ألف مصاب سنة 2000 و 629.6 ألف سنة 2011، فيما تشير التوقعات إلى ارتفاع العدد إلى نحو 1.9 مليون بحلول سنة 2050.

ولا تقتصر التحديات على الارتفاع المتواصل في عدد المصابين فقط بل أيضًا بمدى اكتشافه والتكفل به، ذلك أن تقديرات الاتحاد الدولي للسكري تشير إلى أن نحو 31.7% من المصابين بالسكري في تونس لم يُشخَّصوا بعد، أي ما يعادل حوالي 441.4 ألف شخص. وهو ما يعني أن قرابة ثلث المصابين يعيشون مع المرض دون علمهم، ممّا يؤدي إلى تقليص فرص التشخيص المبكر والعلاج في الوقت المناسب، ويزيد من احتمالات التعرض إلى مضاعفات صحية خطيرة.

وقد أكدت هذه التقديرات نتائج المسح الوطني الشامل للصحة لسنة 2016 ، التي أظهرت أن نسبة المصابين الذين كانوا على علم بإصابتهم بلغت 53.8 % فقط، أي أن قرابة نصف المرضى هم حالات غير معلومة وغير مشخّصة. ومن بين الحالات المعروفة 91.8 % يتلقون علاجا دوائيا أو يتبعون نظامًا غذائيًا، غير أن نسبة المصابين الذين كانوا يتلقون علاجًا من إجمالي مرضى السكري لم تتجاوز 49.4%.

ولا يقتصر العبء الذي يفرضه السكري في تونس على الارتفاع المتواصل في عدد المصابين، بل يمتد إلى مضاعفات صحّية وأمراض مزمنة مرافقة له تزيد من تعقيد العلاج وترفع كلفة الرعاية الصحية.

فبحسب المسح الوطني الشامل للصّحة، فإن مرض السكري غالبا ما ترافقه أمراض مزمنة أخرى، في مقدمتها ارتفاع ضغط الدم، إذ أظهرت نتائج المسح أن 8.9% من السكان البالغين من العمر 15 سنة فأكثر يعانون في الوقت نفسه من داء السكري وارتفاع ضغط الدم.

كما أظهر المسح أن الإصابة المتزامنة بالسكري وارتفاع ضغط الدم كانت أعلى بثلاث مرات تقريبًا لدى الأشخاص البالغين 65 سنة فأكثر مقارنة بالفئة العمرية بين 30 و64 سنة.

ولم تقتصر الأمراض المصاحبة للسكري على ارتفاع ضغط الدم فقط، ذلك أن نتائج المسح بينت أن 3% من السكان المشمولين بالدراسة كانوا يعانون في الوقت نفسه من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون في الدم والسمنة.

وتثبت هذه المؤشرات ما أعلنت عنه الجمعية التونسية لأمراض وجراحة القلب والشرايين بمناسبة اليوم العالمي للسكري في سنة 2023، حيث أفادت بأن تونسيًا من كل خمسة يعاني من مرض السكري، وأن 75% من المرضى لا يحافظون على توازن نسبة السكر في الدم، كما يعاني 50% من مرضى القلب في تونس من مرض السكري.

في المقابل، تذهب بعض التقديرات الأخرى لمتخصصين في هذا المرض إلى أن نسبة المصابين في تونس قد تصل إلى ⅙ من التونسيين قد يكونوا يعانون من السكري وأغلبهم حالات غير مكتشفة بشكل مبكر.

ولا تتوقف مضاعفات السكري عند الأمراض المصاحبة، بل تمتد إلى أعضاء حيوية في الجسم، وفي مقدمتها الكلى.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة تونسية وطنية أعدّها فريق من الباحثين بقيادة الدكتورة جنات العبيدي، ونُشرت في سنة 2024 في مجلة BMC Nephrology، تحت عنوان “انتشار مرض الكلى المزمن بين المصابين بالسكري في تونس” أن 38.7 % من مرضى السكري في تونس يعانون من مرض الكلى المزمن، وذلك بعد دراسة شملت 10145 مريضًا من مختلف جهات البلاد.

وأظهرت نفس الدراسة أن مرض الكلى المزمن كان أكثر انتشارًا لدى الرجال مقارنة بالنساء (43 % مقابل 35.1 %)، وأن خطر الإصابة به يزداد مع التقدم في العمر وطول مدة الإصابة بالسكري.

كما سجلت منطقة الوسط الشرقي، وفق نفس الدراسة، أعلى نسبة انتشار للمرض بـ 49.9 %. وخلص الباحثون إلى أن معدّل انتشار مرض الكلى المزمن بين مرضى السكري في تونس بات يقترب من المستويات المسجلة في الدول الأوروبية، وأكدّت على ضرورة تعزيز الكشف المبكر واعتماد معايير تشخيص موحّدة للحد من مضاعفات المرض، وفقا لذات المصدر.

وفي سياق متصل، يقول وجيه ذكّار، رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان، في حديثه مع موقع الكتيبة، “إن الإشكال الأساسي في تونس يتمثل في أن عددا كبيرا من مرضى السكري لا يكتشفون إصابتهم إلا في مراحل متقدمة، بعد ظهور مضاعفات خطيرة مثل الفشل الكلوي أو غيبوبة”.

وأضاف “أن من أخطر هذه المضاعفات هي القدم السكري، اذ قد يتحول جرح بسيط أو التهاب في القدم أو الأوعية الدموية إلى بتر أحد الأصابع أو أجزاء من الساق، وصولا في بعض الحالات إلى بتر الساق كاملة”.

كما أشار إلى “أن هذه الحالات تتكرر في ظل غياب مراكز متخصصة للعناية بالقدم السكري في تونس، على خلاف عدد من الدول التي توفر وحدات صحية متخصصة للحد من هذه المضاعفات”.

وأوضح ذكّار “أن مرضى القدم السكري في تونس يقضّون فترات طويلة في أقسام الطوارئ (الاستعجالي) في انتظار تحديد الاختصاص الطبي الذي سيتولى إجراء العملية، وإثر عملية البتر يغادرون المستشفى بعد فترة وجيزة دون الحصول على الرعاية والمتابعة اللازمتين، حتى أن بعضهم يغادرون رغم استمرار ارتفاع مستويات السكر في الدم، ليعودوا بعد أشهر قليلة مع تعفن جديد يستوجب عملية بتر أخرى”.

غير “أن وزارة الصحة و أمام هذه الحالات الصعبة لم يكن تدخلها متناسقا مع حجم ألم هؤلاء بل اقتصر على إصدار منشور يحدد الاختصاص الطبي المخول له إجراء عمليات بتر القدم السكري، دون وضع استراتيجية متكاملة للوقاية أو تحسين التكفل بالمرضى”، وفقا لذات المصدر.

ماذا وراء تنامي عدد الإصابات؟

لم تعد زيادة أعداد المصابين بالسكري مرتبطة فقط بعامل طبي أو وراثي، بل أصبحت انعكاسًا لتحولات عميقة في نمط الحياة وتغير العادات الغذائية و تراجع النشاط البدني خلال العقود الأخيرة.

وفي هذا الإطار، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن غالبية الأمراض غير السارية، ومنها السكري، ترتبط بأربعة عوامل سلوكية رئيسية تتمثل في النظام الغذائي غير الصحي، وقلّة النشاط البدني، والتدخين، والاستهلاك الضار للكحول. وتؤدي هذه العوامل إلى تغيرات بيولوجية تزيد من خطر الإصابة مثل زيادة الوزن والسمنة، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع مستويات السكر في الدم واضطرابات الدهون.

كما يرجّح التقرير الآنف ذكره أن التغيرات التي طرأت على العادات الغذائية وارتفاع استهلاك الأغذية المصنعة والغنية بالدهون والسكريات مقابل تراجع الاعتماد على التغذية المتوازنة زاد من اضطرابات السكر في الدم و السمنة.

من جهة أخرى صنف التقرير قلة النشاط البدني ضمن أحد العوامل الرئيسية التي تفسر ارتفاع معدلات السكري، ذلك أن نمط الحياة اليومية الحديثة أصبحت تعتمد أكثر على الجلوس والعمل المكتبي واستعمال وسائل النقل، وهو ما قلل من الحركة البدنية اليومية.

تكلفة اقتصادية واجتماعية عالية

بالنسبة إلى كثير من مرضى السكري في تونس، لا تتوقف المعركة عند تشخيص المرض، بل تبدأ مع رحلة لا تنتهي لتوفير العلاج، خاصة في ظل المشاكل والصعوبات التي تعيشها تونس والتونسيون خلال السنوات الأخيرة في علاقة بمدى توفر الأدوية، وكذلك ضعف الرعاية الصحية ومشاكل الصناديق الاجتماعية. ذلك أن السكري، باعتباره مرضًا مزمنًا، يحتاج كغيره من الأمراض المزمنة إلى متابعة مستمرة وأدوية وتجهيزات طبية ونمط غذائي خاص، وهو ما يفرض أعباء مالية متواصلة على المرضى وعائلاتهم، كما يُحمّل الأنظمة الصحية تكاليف متزايدة مرتبطة بالعلاج والمتابعة.

في حديثها مع “الكتيبة”، تقول شيماء – مريضة سكري من النوع الأول-، إنها تعاني الأمرّين للحصول على الدواء. فمن جهة تعاني من حساسية من الدرجة الثالثة تجاه الأنسولين المتوفر في مراكز الصحة الأساسية، والذي يُفقد أحيانًا، وهي مجبرة على استعمال أقلام حقن الأنسولين. ومن جهة أخرى، تملك بطاقة علاج منخفضة التعريفة، أو ما يُعرف في تونس بـ”الكرني الأبيض” والذي لا يخول لها الانتفاع بمنظومة استرجاع المصاريف.

تضيف شيماء:

“علبة الدواء فيها ثلاث أقلام، سعرها في حدود 160 دينارًا، و لأني أستعمل جرعة قوية من الأنسولين بسبب عدم استقرار معدل السكري في دمي، فأنا في حاجة إلى حوالي ثلاث علب في شهر ونصف، أي ما يعني أني في حاجة إلى أكثر من 400 دينار شهريًا لتوفير العلاج، الذي أدفعه على نفقتي الخاصة لأنني لا أنتمي إلى منظومة استرجاع المصاريف. هذا إضافة إلى حاجتي لجهاز قياس السكري (Glucomètre) وشرائط القياس (bandelettes de glycémie)، التي يتراوح سعر العلبة الواحدة منها (فيها 100 شريط) في حدود 55 دينارًا، ويجب أن أقيس معدل السكري قبل كل وجبة طعام وبعدها، أي أن العلبة تكفيني لمدة 15 يومًا فقط”.

وتضيف شيماء أنها، “إلى جانب كلفة الأدوية، فهي مطالبة أيضًا بالخضوع لحمية غذائية خاصة غنية بالبروتين والدهون الصحية، وتجنب الدقيق الأبيض والمعجنات، لكنها غير قادرة على الالتزام بذلك بسبب ارتفاع كلفة المعيشة وكلفة الأدوية، خاصة وأنها أصبحت عاطلة عن العمل”.

كما تسبب لها المرض في “الإصابة بأمراض مزمنة أخرى، من بينها أمراض الغدة الدرقية و القصور الكضري، إضافة إلى العديد من الأمراض المناعية الأخرى”.

بحسب ما جاء على لسانها في حديثها مع الكتيبة، فإن الحل الوحيد الذي وجدته شيماء، بعد مراسلات عديدة، هو أن الوزارة فتحت لها ملفًا لدى الشؤون الاجتماعية باعتبارها حالة خاصة.

تقول شيماء في هذا السياق:

“في البداية أعطوني أملًا، لكن تبيّن أن هذا الأمل يتمثل في منحة ظرفية قيمتها 100 دينار كل 6 أشهر، في حال توفرت أصلًا… أنا لا أريد أموالًا، لا أريد شيئًا فقط أعطوني الدواء…إحدى المسؤولات بالوزارة أخبرتني بأن البروتوكول لا ينص على إعطاء دواء لأي مريض، وقد نصحتني أن أبحث عن جمعيات تساعدني، كما طلبت مني إثارة تعاطف الناس معي لكي يعطوني الدواء بوصفي حالة اجتماعية”.

بدورها، تروي صفاء (32 عامًا)، وهي أيضًا مريضة سكري من النوع الأول، تفاصيل تجربتها مع المرض في حديثها مع الكتيبة:

“إن أصعب ما يواجهه مريض السكري من النوع الأول ليس فقط المرض، بل المجهود الذهني المتواصل الذي يفرضه، فالمريض مطالب على مدار الساعة بمراقبة نفسه والقيام بدور البنكرياس لتعديل نسبة السكر في الدم… فعندما أتناول أي وجبة، لا بد أن أحسب كم تحتوي من غرام من السكر، حتى أستطيع تعديل جرعة الأنسولين المناسبة وذلك تفاديا لارتفاع أو انخفاض معدل السكري في الدم”.

كما ترى صفاء أن نظرة المجتمع لمريض السكري “مزعجة وغير مريحة” خاصة عند رؤيته يستعمل حقنة الأنسولين، إضافة إلى الأفكار المغلوطة عن المرض والتعليقات السلبية من المحيط الاجتماعي مثل “مسكينة تعاني من مرض السكري، كيف ستكمل حياتها؟ مسكينة، لن تنجب أطفالاً، أو مسكين مريض السكري، سيأتي يوم يُبتر فيه رجله بسبب المرض”.

تشير محدثتنا، إلى “أن بعض المرضى أيضا يتعرضون لمشاكل في العمل، بل إن بعضهم لا يُقبل أصلاً في وظائف معينة بحجة عدم القدرة الصحيّة على تحمل ظروف العمل”.

أما في علاقة بالعلاج، تقول صفاء إن “الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام) يتكفل بنسبة 100 بالمائة من ثمن أقلام حقن الأنسولين بالنسبة للأشخاص المنضوين تحت منظومة استرجاع المصاريف، رغم حدوث تأخيرات أحيانًا وفقدان الدواء في أحيان أخرى. أما المرضى غير المتمتعين بهذه التغطية، فهم مطالبون بدفع ثمن الدواء كاملاً في الصيدليات”.

تجدر الإشارة إلى أن “هذا التكفل لا يخلو من النقاط السلبية، أبرزها أن المريض مطالب كل ثلاثة أشهر بتقديم مطلب جديد ممضى من طبيبه المباشر إلى الكنام، وهي عملية تستغرق وقتًا وجهدًا إضافيين، ذلك أن المريض يبقى بين شهر وشهر ونصف في انتظار رد الصندوق، وفي حال حدوث تأخير في الإجابة على المطلب، يضطر لشراء الدواء على نفقته الخاصة”، وفقا لذات المصدر.

من جهة أخرى، تشير صفاء إلى أن “هناك تجهيزات أخرى ضرورية لمريض السكري لا تتكفل بها منظومة استرجاع المصاريف، مثل جهاز قياس السكري وشرائط القياس، وهي أدوات أساسية في حياة المريض رغم كونها تندرج ضمن التقنيات القديمة جدًا في عالم مرض السكري. إضافة إلى أن مريض السكري مطالب بالتوجه كل ثلاثة أشهر على الأقل إلى الطبيب، لإجراء تحاليل خاصة بالسكري وتحاليل أخرى للكلى والكبد وغيرها، باعتبار أن السكري يؤثر على بقية أعضاء الجسم، وهي عملية مكلفة جدًا”.

وبحسب صفاء، فإن “عالم مرض السكري شهد تطورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، مع ظهور تقنيات جديدة تُعتبر ثورة تكنولوجية تساعد المريض على مراقبة نسبة السكر في الدم، دون الحاجة إلى القياس اليدوي مع كل وجبة طعام. ومن أبرز هذه التقنيات “جهاز المراقبة المستمرة للغلوكوز” (Capteur de diabète)، وهو جهاز يُركّب في الجسم ويُربط بتطبيقة على الهاتف الجوال، ويراقب معدلات السكري على مدار 24 ساعة، ويقدّم ملاحظات إشعارات فورية في حال ارتفاع السكر أو انخفاضه، ما يسهّل على المريض متابعة حالته الصحية بشكل مستمر”.

“غير أن هذا الجهاز تكلفته مرتفعة، إذ يتراوح سعره بين 130 و150 دينارًا، وهو صالح للاستخدام لمدة 14 يومًا فقط، ما يعني أن المريض يحتاج شهريًا إلى جهازين، أي ما يقارب 300 دينار شهريًا ما يجعل اقتناءه على الحساب الخاص أمرًا غير ممكن، وهو مبلغ لا يتكفل به الكنام، رغم أنه ضروري جدًا لمريض السكري حتى يكون قادرًا على التحكم في معدلات السكر في جسده”. وفق ذات المتحدثة.

تضيف صفاء:

“يوجد أيضا جهاز آخر يعتبر ثورة في عالم السكري لأنه متطور جدا، يُعرف بـ”pompe à insuline” (مضخة الأنسولين)، وهو جهاز يُغني المريض عن حقن نفسه يدويًا بالانسولين. و يتكون من مضخة صغيرة تُركّب في الجسم وترتبط بجهاز المراقبة المستمرة للغلوكوز، و تقوم أوتوماتيكيًا، عند ارتفاع أو انخفاض نسبة السكر، بضخ الكمية المناسبة من الأنسولين في الجسم. ويتراوح سعر هذا الجهاز في تونس بين 8 آلاف و20 ألف دينار”.

وفي سياق ارتفاع كلفة العلاج التي تثقل كاهل مرضى السكري في تونس، تم في شهر ماي 2026 الإعلان عن تسويق دواء جديد لفائدة مرضى السكري من النوع الثاني، يساهم في خفض مستويات السكر في الدم، ويساعد في الحد من مخاطر المضاعفات التي تصيب القلب والأوعية الدموية والكلى.

هذا الدواء هو عبارة عن قلم واحد أنسولين يكفي لمدة شهر، حيث يأخذ المريض جرعة واحدة أسبوعيا، يبلغ سعر العلبة الواحدة نحو 355 دينارًا. ورغم ما يمثله هذا العلاج من تطور فإنه الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام) لم يتكفل بعد بتغطية تكلفته، وفق تصريح الدكتور مهدي كلثوم لوكالة تونس إفريقيا للأنباء.

وهو ما يجعل الاستفادة منه رهين القدرة المادية للمرضى، ويضيف عبئًا ماليًا جديدًا على المصابين الذين يحتاجون إلى علاجات حديثة، وفقا للدكتور كلثوم.

تختزل تجربة شيماء وصفاء وجه المعاناة الفردية اليومية مع كلفة العلاج، لكن هذه الكلفة لا تتوقف عند حدود الإمكانيات المالية للمريض وحده، بل تمتد لتشكل عبئًا أوسع على المنظومة الصحية بأكملها، خاصة في ظل ما تعيشه هذه المنظومة من اضطرابات متتالية في السنوات الأخيرة في تونس، سواء المتعلقة بأزمات الصناديق الاجتماعية، أو بأزمة فقدان الأدوية والصيدلية المركزية.

لا تتوقف تداعيات مرض السكري عند المريض فقط، بل تحوّلت إلى كلفة اقتصادية عالمية متصاعدة تثقل كاهل الأنظمة الصحية والاقتصادات الوطنية على حد سواء. فبحسب أطلس السكري الصادر عن الاتحاد الدولي للسكري (IDF Diabetes Atlas)، بلغ عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و79 سنة والمصابين بالسكري حول العالم نحو 589 مليون شخص سنة 2024، أي ما يعادل شخصًا واحدًا من كل تسعة بالغين، فيما يتوقع الاتحاد أن يرتفع هذا العدد إلى 853 مليون شخص بحلول سنة 2050 في حال لم تُتخذ إجراءات فعالة لوضع حد لهذا الانتشار.ويشير الاتحاد أيضًا إلى أن المرض تسبب في نحو 3.4 مليون حالة وفاة خلال سنة 2024 وحدها، أي ما يعادل حالة وفاة كل 3 ثوانٍ، فيما تجاوز الإنفاق الصحي المرتبط بالسكري 1 تريليون دولار أمريكي، وهو ما يعكس حجم الضغط المتزايد الذي يفرضه المرض على الأنظمة الصحية والاقتصادات في مختلف أنحاء العالم.

غير أن هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تعكس سوى جزء من الصورة، إذ لا تقتصر خسائر السكري على النفقات الطبية المباشرة. فقد كشفت دراسة دولية أعدها فريق بحثي من المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA) وجامعة فيينا للاقتصاد والأعمال (WU Vienna)، في مطلع سنة 2026 في مجلة Nature Medicine، تحت عنوان ” العبء الاقتصادي الكلي العالمي لداء السكري”، أن الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عن مرض السكري قد تبلغ نحو 10.2 تريليون دولار دولي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2050، وهو ما يعادل نحو 0.22% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنويًا، وذلك دون احتساب قيمة الرعاية غير المدفوعة التي يقدمها أفراد الأسرة ومقدمي الرعاية.

أما في تونس، وفي محاولة لتخفيف جزء من هذا العبء عن كاهل بعض العائلات، صادق مجلس نواب الشعب، ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026، على فصل إضافي يقضي بمنح أطفال العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل المصابين بالسكري منحة شهرية بقيمة 150 دينارًا، للمساهمة في اقتناء آلة قياس السكري دون الحاجة إلى الوخز، على أن يُضبط شروط وإجراءات الانتفاع بها قرار مشترك بين وزارات الشؤون الاجتماعية والصحة والمالية.

تجدر الإشارة إلى أن فريق الكتيبة كان قد تواصل مع وزارة الصحة لتوجيه بعض الأسئلة حول الميزانية التي توفرها الوزارة للتكفل بالمرضى تكلفته الاقتصادية سنويا، فضلا عن محاولة استجلاء ماهية السياسة العمومية للدولة في مواجهة هذا المرض المتفشي والذي له كلفة عالية على المجتمع والأفراد و الاقتصاد والمالية العمومية، إلا أننا لم نتلق أي ردّ رسمي في إطار التفاعل مع هذا التحقيق قبل نشره.

غموض يكتنف استراتيجية الدولة التونسية

لم يكن التعامل مع مرض السكري في تونس وليد السنوات الأخيرة، إذ تعود جذوره إلى سنة 1993، حين أحدثت وزارة الصحة البرنامج الوطني لرعاية مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم، وفق ما ورد في التقرير السنوي لإدارة الرعاية الصحية الأساسية لسنة 2023. وقد انطلق هذا البرنامج في مرحلة أولى بشكل تجريبي في سبع جهات، قبل أن يتم تعميمه على كامل جهات الجمهورية سنة 1998.

ويشمل البرنامج، وفق المصدر ذاته، عدة محاور أساسية، من بينها الوقاية عبر التحسيس والتثقيف الصحي، والتقصي المبكر، إضافة إلى رعاية المرضى ومتابعتهم بالاعتماد على خدمات الخط الأول للصحة، إلى جانب تكوين مهنيي الصحة للتعامل مع هذه الأمراض المزمنة.

لكن بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على إطلاق هذا البرنامج، تكشف المؤشرات الصحية أن مواجهة السكري لا تزال تمثل تحديًا كبيرًا أمام المنظومة الصحية التونسية. حيث يشير التقرير الآنف ذكره إلى أن “نسب الأمراض المزمنة شهدت ارتفاعًا تدريجيًا في العقود الأخيرة على غرار أغلب البلدان التي هي في طريق النمو”، موضحًا أن ذلك يعود إلى “التغيرات العديدة في نمط العيش كالتغذية غير المتوازنة وغير السليمة، والركود البدني، والتدخين والعوامل البيئية”.

وتؤكد نتائج آخر مسح صحي وطني شامل (2016) حجم التحدي الذي تواجهه تونس في علاقة بمرض السكري، خاصة و أن حوالي نصف المرضى لا يعلمون باصابتهم بالمرض.

وفي محاولة للحد من توسع المرض، أعلنت وزارة الصحة خلال سنة 2025 عن جملة من الإجراءات الجديدة التي تهدف إلى تعزيز الوقاية والكشف المبكر عن السكري من النوع الثاني. ففي 5 سبتمبر 2025، أشرف وزير الصحة مصطفى الفرجاني على جلسة عمل مع ممثلي الجمعية التونسية لأمراض الغدد والسكري والهياكل المعنية بالوزارة، تم خلالها الاتفاق على وضع خطة عملية للوقاية والكشف المبكر عن المرض.

وتتضمن الإجراءات المعلنة، وفق وزارة الصحة، إطلاق خطة وطنية للتوعية والوقاية من السكري من النوع الثاني، وتكوين لجنة علمية لإعداد بروتوكول مسح وطني جديد بهدف تقدير نسبة انتشار المرض، إضافة إلى إحداث سجل وطني لمرضى السكري لتحسين المتابعة والعلاج.
كما تشمل الخطة برمجة حملات دورية للكشف المبكر والتثقيف الصحي في مختلف الولايات، وتطوير منصة رقمية تساعد على تحديد درجة خطر الإصابة وتوجيه المواطنين نحو الخدمات الصحية الأقرب.

غير أن استمرار ارتفاع عدد المصابين، وتسجيل نسب مرتفعة من الحالات غير المشخصة، يكشف أن التحدي لا يرتبط فقط بوجود البرامج الصحية، بل أيضًا بمدى فاعليتها في تغيير السلوكيات الصحيةّ وضمان وصول خدمات الرعاية إلى جميع المرضى، خاصة في ظل ارتفاع عوامل الخطر المرتبطة بنمط الحياة.

تعليقا على سياسات وزارة الصحة في علاقة بمرض السكري، أكد وجيه ذكّار رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان، في حواره مع الكتيبة، “أن الوقاية والكشف المبكر عن المرض لا يزالان دون المستوى المطلوب، خاصة مع غياب برامج كافية لتوعية المرضى بكيفية تجنب المضاعفات”، مضيفا “أن طول مواعيد المتابعة الطبية، التي قد تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر يساهم في تدهور الحالة الصحية للمرضى”.

وأشار ذكار إلى أن “نقص أطباء الاختصاص والاكتظاظ في المستشفيات العمومية يعقدان التكفل بمرضى السكري”، معتبرا “أنه لا توجد رؤية واضحة أو خطة متكاملة مدرجة ضمن مخطط التنمية 2026-2030 للحدّ من تفاقم المرض”.

من جهة أخرى، انتقد محدثنا صمت وزارة الصحة تجاه ما يعرف بـ”نظام الطيّبات”، الذي انتشر بشكل واسع في تونس عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين مرضى السكري، مشيرا إلى أن “بعض المرضى أصبحوا يتخلون عن أدويتهم و يتبعون حميات غذائية تتعارض مع الثوابت الطبية، ما ساهم في تدهور حالاتهم الصحية”.

وأوضح ذكّار أنه “عاين عددا من هذه الحالات خلال عمله في قسم الطوارئ، في وقت اكتفت فيه الوزارة فقط بنشر بلاغ عبر صفحتها على فيسبوك للتحذير من اتباع أنظمة غذائية غير صحية، دون إطلاق حملات توعوية واسعة”، مشددا “على ضرورة تعزيز التواصل بين وزارة الصحة والمرضى وتقديم التوعية العلمية اللازمة”.

هل من حلول ممكنة لمواجهة هذا الغول؟

يرى الدكتور رفيق بوجدارية أن “مواجهة الانتشار المتزايد لمرض السكري في تونس تتطلب مراجعة طريقة التعامل مع المرض، والانتقال من الاعتماد على العلاج فقط إلى الاستثمار في الوقاية وتعزيز السيادة الدوائية”.

ويقول بوجدارية في حديثه مع الكتيبة “إن مرض السكري، وخاصة النوع الثاني، أصبح واسع الانتشار في تونس، كما أن الأرقام المسجلة أصبحت مخيفة، خاصة مع تسجيل إصابات لدى فئات عمرية مختلفة تشمل الكبار والأطفال”.

ويعتبر محدثنا “أن هذا الوضع يفرض التوجه نحو تطوير صناعة الأدوية محليًا بهدف تقليص الكلفة وضمان توفر العلاج”، مشيرًا إلى أن “جزءًا من أدوية السكري مثل الأقراص، يتم تصنيعه حاليًا في تونس، وهو ما يمثل خطوة مهمة، غير أن الإشكال الأساسي يبقى مرتبطًا بالأنسولين الذي لا يزال يتم توريده من الخارج ولم يدخل بعد مرحلة التصنيع محليًا”.

ويؤكد الدكتور بوجدارية: “أن تصنيع الأنسولين في تونس أصبح خيارًا يجب التفكير فيه، خاصة بالنظر إلى أهمية هذا العلاج بالنسبة لشريحة واسعة من المرضى، ولما يمكن أن يوفره ذلك من تقليص للكلفة وضمان استمرارية التزويد”.

من جهة أخرى، ينتقد بوجدارية “تركيز المنظومة الصحية على العلاج مقابل محدودية الاستثمار في الوقاية”، معتبرًا أن “الجزء الأكبر من الموارد المالية يذهب إلى التكفل بالمرضى بعد الإصابة، في حين تحصل الوقاية على حصة أقل بكثير”.

ويضيف قائلا:

“إن الأولوية اليوم يجب أن تكون لتعزيز التوعية والوقاية، ليس فقط بالنسبة لمرض السكري، بل أيضًا بالنسبة لمختلف الأمراض المزمنة مثل السرطان، وذلك من خلال نشر الثقافة الصحية، وتشجيع الكشف المبكر، بما يسمح بتقليل عدد الإصابات والحد من المضاعفات وبالتالي تخفيض كلفة العلاج على المريض والمنظومة الصحية”.

من جانبها، ترى صفاء، وهي مريضة بالسكري من النوع الأول، أن “تحسين التكفل بالمرضى يجب أن يبدأ منذ لحظة اكتشاف الإصابة، وليس فقط عبر توفير الدواء”، مشددة في حديثها مع الكتيبة على أن “مرضى السكري يحتاجون إلى مرافقة وتثقيف صحي يساعدهم على فهم المرض وكيفية التعامل معه يوميًا، خاصة في المراحل الأولى من التشخيص”.

كما تدعو صفاء “الصندوق الوطني للتأمين على المرض إلى توسيع مفهوم التكفل بالسكري، وعدم الاقتصار على توفير الأنسولين فقط، باعتبار أن متابعة المرض تحتاج أيضًا إلى تجهيزات وتقنيات حديثة تساعد المريض على التحكم في مستوى السكر في الدم”.

زيادة عن ذلك، شددت محدثتنا على أن “التطور الذي شهده العالم في مجال علاج السكري، وخاصة التقنيات الجديدة التي سهلت حياة المرضى، لم ينعكس بالشكل الكافي في تونس، حيث ما يزال التعامل مع المرض يتم بوسائل تقليدية مقارنة بما هو متوفر في دول أخرى، وهو أمر يتطلب العديد من المراجعات في السياسات العمومية الصحية للدولة”.

وتختصر صفاء رؤيتها للحل بالقول إن “مرض السكري يمكن السيطرة عليه والتعامل معه بسهولة في حال توفرت الإمكانيات المادية المناسبة”، معتبرة أن “توفير العلاج والتقنيات الحديثة، والمعلومة الصحية، تمثل عناصر أساسية لتحسين حياة المرضى وتقليل مضاعفات المرض”.

في المحصلة، يمكن الجزم بأنه في ظل الارتفاع المتواصل في أعداد المصابين وتزايد كلفة العلاج، لم يعد التحدي الحقيقي يقتصر على توفير تمويل ظرفي أو توسيع التغطية الصحية، بل أصبح اختبارًا لقدرة الدولة على الوفاء بالتزامها الدستوري في ضمان الحق في الصحة، وذلك من خلال منظومة صحية قادرة على الوقاية والتشخيص المبكر وتأمين العلاج المستمر. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل الإصابة بالسكري بالنسبة إلى آلاف التونسيين ليست مجرد مشكل صحي، بل معاناة يومية تتقاطع فيها الأعباء الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية.

كلمة الكتيبة:

يندرج هذا التحقيق ضمن سلسلة تحقيقات ومقالات تفسيرية تعنى بمساءلة سياسات الدولة التونسية في مجال الصحة العمومية والأمن الصحي والدوائي خاصة في ظل غياب نقاش عمومي وطني حول مثل هذه القضايا الاستراتيجية التي لها وقع كبير على الدولة والمجتمع على حد سواء.

كلمة الكتيبة:
يندرج هذا التحقيق ضمن سلسلة تحقيقات ومقالات تفسيرية تعنى بمساءلة سياسات الدولة التونسية في مجال الصحة العمومية والأمن الصحي والدوائي خاصة في ظل غياب نقاش عمومي وطني حول مثل هذه القضايا الاستراتيجية التي لها وقع كبير على الدولة والمجتمع على حد سواء.

الكاتبة: جواهر بنصير

صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة

اشراف: محمد اليوسفي
تدقيق: وليد الماجري
تصوير: سامي شويّخ
مونتاج: بسّام الحشاني
غرافيك وتطوير تقنيبلال الشارني
غرافيك منال بن رجب
تصوير: سامي شويّخ
مونتاج: بسّام الحشاني
تطوير تقني بلال الشارني
إشراف : محمد اليوسفي
تدقيق : وليد الماجري
غرافيك : منال بن رجب

الكاتبة : جواهر بنصير

صحفيّة و وباحثة متخصّصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائيّة

sameeeeeh
Scroll to Top