الكاتب : مختار الخلفاوي
اعلامي، كاتب، ودكتور في الحضارة واللغة العربية.
في الخامس عشر من شهر أكتوبر كلّ عام، يتكرّر المشهد ذاته. تتزيّن بنزرت. وتُطلى الأرصفة. وتُرفع الأعلام استعدادا لزيارة رئيس الدولة وكبار المسؤولين إلى مقبرة الشهداء في المدينة. مئات القبور البيض المصفّفة على أرضيّة من العشب يقف في الخلف منها نصب تذكاريّ مرتفع، وحوله لوحات تذكاريّة بأسماء الشهداء جنودا وحرسا ومدنيّين سقطوا في العدوان الفرنسيّ على بنزرت أيّام 19، 20، 21، 22 من جويلية 1961. تحوّل إحياء ذكرى الجلاء يوم 15 أكتوبر 1963 إلى عيد “أجوف”، وإلى مجرّد احتفال رسميّ، واستعراض شكليّ مفرغ من كلّ مضمون وطنيّ إنساني وأخلاقي. وعلى تفاوت في الاهتمام بين عهود بورقيبة ثمّ بن عليّ ثمّ رؤساء ما بعد ثورة 2011، تحوّلت المناسبة إلى احتفال سلطويّ بارد تغيب فيه المشاركة الشعبيّة، ويغيب فيه الاعتراف وردّ الاعتبار إلى الذين بذلوا أعمارهم في غفلة من التاريخ، وغابوا في طيّ النسيان.
الكاتب : مختار الخلفاوي
اعلامي، كاتب، ودكتور في الحضارة واللغة العربية.
في الخامس عشر من شهر أكتوبر كلّ عام، يتكرّر المشهد ذاته. تتزيّن بنزرت. وتُطلى الأرصفة. وتُرفع الأعلام استعدادا لزيارة رئيس الدولة وكبار المسؤولين إلى مقبرة الشهداء في المدينة. مئات القبور البيض المصفّفة على أرضيّة من العشب يقف في الخلف منها نصب تذكاريّ مرتفع، وحوله لوحات تذكاريّة بأسماء الشهداء جنودا وحرسا ومدنيّين سقطوا في العدوان الفرنسيّ على بنزرت أيّام 19، 20، 21، 22 من جويلية 1961. تحوّل إحياء ذكرى الجلاء يوم 15 أكتوبر 1963 إلى عيد “أجوف”، وإلى مجرّد احتفال رسميّ، واستعراض شكليّ مفرغ من كلّ مضمون وطنيّ إنساني وأخلاقي. وعلى تفاوت في الاهتمام بين عهود بورقيبة ثمّ بن عليّ ثمّ رؤساء ما بعد ثورة 2011، تحوّلت المناسبة إلى احتفال سلطويّ بارد تغيب فيه المشاركة الشعبيّة، ويغيب فيه الاعتراف وردّ الاعتبار إلى الذين بذلوا أعمارهم في غفلة من التاريخ، وغابوا في طيّ النسيان.
تكثّفت ذروة التصعيد الديبلوماسي والإعلاميّ بين تونس وفرنسا شهورا قبل المواجهة والعدوان أيّام 19، 20، 21، 22 جويلية 1961. كان للزعيم بورقيبة في مفاوضاته مع الجنرال شارل ديغول (Charles de Gaulle) مطلبان متكاملان، أوّلهما ترسيم الحدود الصحراويّة في الجنوب التونسيّ مع “الجزائر الفرنسيّة”، وثانيهما الجلاء التامّ والفوريّ عن القاعدة العسكريّة الفرنسيّة في بنزرت. هذان المطلبان تستحثّهما السيادة الوطنيّة لبلاد مستقلّة منذ خمس سنوات، وتقتضيهما ظروف وإحداثيات وطنيّة وإقليميّة ودوليّة. فمن جهة، وصل الصراع بخصوص طبيعة الاستقلال إلى حالة عداء بين الزعيميْن الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف. ومن جهة ثانية، ألقت حرب التحرير الجزائريّة بظلالها، وهي تجد مجالها الحيويّ في التراب التونسيّ. ومن جهة ثالثة، كانت العلاقات مع الجمهوريّة العربيّة المتّحدة بقيادة جمال عبد الناصر متوتّرة، فيما “حمِيت” الحرب “الباردة” بين المعسكريْن الغربيّ والشرقيّ. وكانت القاعدة العسكريّة ببنزرت قاعدة استراتيجيّة لفرنسا وللحلف الأطلسيّ، لأنّها القاعدة المهمّة جنوب المتوسّط.

مقبرة الشهداء ببنزرت

مقبرة الشهداء ببنزرت
قدّر بورقيبة أن يقطع مؤقّتا مع سياسته القديمة”سياسة المراحل”، و”خذ وطالب”. ورأى أن يفرض على الجنرال شارل ديغول الإخلاء الفوري للقاعدة العسكريّة. فنشطت، من أجل ذلك، حملات ديبلوماسيّة وشعبيّة وصحفيّة للمطالبة برحيل آخر الجنود الفرنسيّين عن بنزرت. هبّ مئات المتطوّعين من مختلف جهات الجمهوريّة إلى المدينة. وتمركزت النواة الأولى للجيش التونسيّ وتشكيلات الحرس الوطنيّ في خنادقها حول القاعدة العسكريّة. وحَدّد الإنذار النهائيّ قبل الاقتحام موعد التاسع عشر من جويلية مع منتصف اللّيل. على أنّ الردّ الفرنسيّ كان بلا حدّ. كان الطرفان يخوضان معركة غير متكافئة. كان هناك جيش فرنسيّ مدرّب مسلّح يسانده الطيران والمظلّيون في مواجهة جنود ومسلّحين ومدنيّين ومتطوّعين بتسليح بسيط وبدائي أحيانا. النتيجة المنتظرة كانت المجزرة.
بنزرت “رهينة” الاستقلال
كان يبدو غريبا أن يتكلّم الرصاص بعد استقلال البلاد بخمسة أعوام. وكان العدوان الفرنسيّ واضحا فاضحا. استعملت القوّات الفرنسيّة ما توفّر لدى دولة استعماريّة من قوّة وجبروت ضدّ شعب شبه أعزل، ودولة خارجة لتوّها من استعمار دام ثلاثة أرباع القرن، وتبعيّة للدول الأجنبيّة دامت قرونا.
احتفظت فرنسا، عند إمضاء بروتوكول الاستقلال في 20 مارس 1956، بعدد من الامتيازات. كان لها وجود عسكريّ في الجنوب التونسيّ في مناطق متفرّقة من ولاية تطاوين أهمّها رمادة. وفي سنة 1958، ينتهي هذا الوجود العسكريّ الفرنسيّ في الجنوب التونسيّ. ولكنْ تحافظ فرنسا على وجودها في بنزرت وخاصّة في أهمّ قاعدة عسكريّة تطلّ على البحر الأبيض المتوسّط. ولن يتمّ الجلاء العسكريّ النهائيّ إلاّ بتاريخ 15 أكتوبر 1963. في هذه الأثناء، سيبقى المعمّرون الفرنسيّون ضمن التركة التي خلّفتها فرنسا بعد الاستقلال مع من كانت له مصالح في تونس. ولن يكون الجلاء الزراعي إلاّ في شهر ماي سنة 1964.

المطالبة بالجلاء عن بنزرت

المطالبة بالجلاء عن بنزرت
لقد ترافقت هذه النزعة السياديّة لاستكمال عناصر الاستقلال مع علاقات مزدوجة بين تونس وفرنسا، من الصداقة إلى العداوة. ففي 8 فيفري 1958، قصف الطيران الفرنسيّ مدينة ساقية سيدي يوسف بولاية الكاف على الحدود التونسيّة الجزائريّة. وسقط في القصف نحوُ 70 شهيدا تونسيّين وجزائريّين، منهم 12 طفلا قتلوا في مدرستهم. وأُصيب نحو 148 مدنيّا إصابات مزمنة. وفي 25 ماي 1958، اندلعت بالجنوب التونسي معركة رمادة التي خاضها المقاومون ضدّ بقايا الجيش الفرنسي في المنطقة. ولجأت فرنسا كعادتها إلى القصف الجوّي لفكّ الحصار المضروب من الوطنيين المقاومين على ثكنتها العسكريّة في رمادة. فسقط عشرات الشهداء، بين 30 و33 شهيدا من جنود وحرس وطني ومقاومين مدنيين. وفي الجانب الفرنسي، سقط خمسة جنود، وتم إتلاف وإعطاب عدد من التجهيزات والعربات العسكريّة في محيط الثكنة.

مجزرة ساقية سيدي يوسف (8 فيفري 1958)

مجزرة ساقية سيدي يوسف (8 فيفري 1958)
وكانت زيارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور (Dwight D. Eisenhower) إلى تونس يوميْ 16 و17 ديسمبر 1959 قادما من زيارة إلى المغرب حيث قام بإخلاء القواعد العسكريّة الأمريكيّة هناك – كانت حافزا شجّع بورقيبة على طرح قضيّة إجلاء الفرنسيين من قاعدة بنزرت العسكريّة. وللتدقيق ما كانت قاعدة بنزرت موضوع الخلاف التونسي الفرنسي فقط، ربّما كانت بنزرت رأس جبل الجليد. كانت هناك مشاكل أخرى مع فرنسا، منها قضيّة الجزائر وحرب التحرير الوطنيّة، وأراضي المعمّرين وموضوع الجلاء الزراعي، فضلا عن موضوع الحدود التونسيّة الجزائريّة، وخاصّة في مستوى الحدود الصحراويّة، والخلاف على مناطق تحتوي مخزونا مهمّا من البترول.
ربّما كانت معركة بنزرت أو العدوان على بنزرت- وهذا هو الأصوب- معركة ضروريّة بالنسبة إلى بورقيبة أيضا. هو في حاجة، يومئذ، إلى تنشيط زعامته الوطنيّة، وبثّ دماء جديدة تحتاج إليها دولة الاستقلال مثلما احتاجت إليها مرحلة الحركة التحريريّة والكفاح السياسي والمسلّح.

الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور

الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور
قبل أشهر من المعركة، عقد الزعيمان الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف يوم 3 مارس 1961 لقاء بعد الجفاء والعداء في زوريخ السويسريّة. لكنّه كان لقاء عاصفا متوتّرا أسهم في تعميق الجرح بينهما، وأسفر عن مصالحة فاشلة. وبعد عشرين يوما من انتهاء معركة بنزرت، اُغتيل صالح بن يوسف يوم 12 أوت 1961 في فرنكفورت الألمانيّة. وهذا تأطيرٌ لا بدّ منه لإحداثيّات المعركة أيضا.
أقدم بورقيبة على تهديد فرنسا. وأرسل إنذارا نهائيّا لها بالخروج من القاعدة قبل منتصف ليلة 19 جويلية 1961. وفي الأثناء، حوصرت القاعدة العسكريّة، وحُفرت الخنادق في محيطها، وأُعلنت التعبئة العامّة، وأُطلقت حملة لتعبئة قوّات الجيش والحرس، وتجنيد المتطوّعين. خاضت الصحف الوطنيّة والحزبيّة حملات صحفيّة. وأطلق جهاز الحزب الحرّ الدستوري لهذا الغرض حملة اتّصال مباشر بالشعب. صرّح الجينرال شارل ديغول أنّه يرفض التهديد، ويرفض التعاطي مع مطالب بورقيبة. كانت عين ديغول على الجزائر، وعين بورقيبة على تعزيز الشرعيّة من خلال استكمال الاستقلال وبسط السيادة على الأراضي التونسيّة.
في 27 فيفري 1961، اجتمع بورقيبة وديغول في رومبوييه بفرنسا (Rambouillet). وعد ديغول بأنّ فرنسا ستغادر قاعدة بنزرت في الوقت المناسب، أي في الوقت الذي تراه هي مناسبا. أمّا بورقيبة فكان يطلب الجلاء على الفور. في شهر جوان 1961، ينعقد، مرة أخرى، لقاء تونسي فرنسي في إيفيان بفرنسا (Evian). رفض ديغول التفاوض تحت ما يسمّيه تهديدا. وفي خطوة لتحدّي المطالب التونسيّة، أرسل الوزير الأوّل الفرنسيّ ميشال دوبريه (Michel DEBRE) يوم11 جويلية 1961 مذكّرة إلى الأميرال الفرنسي قائد القاعدة العسكريّة في بنزرت يُعلمه فيها أنّ الحكومة الفرنسيّة ترفض “تهديدات” بورقيبة، وحملات التعبئة والتجييش ضدّ الوجود الفرنسيّ في تونس. وكانت التعليمات واضحة: الضرب بقوّة وبسرعة.
ومن جهته، أسدى بورقيبة تعليماته منذ شهر جوان بالاستعداد لليوم الموعود. بدأت “حملة الاسترداد”. وتكوّنت الحواجز حول القاعدة. واستمرّ حفر الخنادق. وتزايدت أعداد العسكريّين والمسلّحين والمدنيّين والمتطوّعين.

بورقيبة – شارل ديغول.. من التواصل إلى القطيعة

بورقيبة – شارل ديغول.. من التواصل إلى القطيعة
يوميّات المعركة
يوم الأربعاء 19 جويلية 1961، قامت قوّات الجيش التونسي مع آلاف من المتطوّعين بمحاصرة القاعدة العسكريّة في بنزرت. ووصلت الأوامر من السلطات التونسيّة “بقصف كلّ مروحيّة تحلّق في المجال الجوّي التونسيّ ” .
كانت المعركة في البداية لصالح التونسيين. تمّ اقتحام مركز التموين الفرنسي. ونجحت المدفعيّة التونسيّة في تحطيم سبع طائرات فرنسيّة، وانجرّ عنها مقتل وجرح عدد من المظلّيين الفرنسيّين الذين جاؤوا من وهران والجزائر العاصمة.
كان ردّ القوّات الفرنسيّة عنيفا. انطلق الردّ من حاملة الطائرات المتمركزة بالقنال لتسقط طائراتها حمما من القذائف والقنابل وحتّى النابالم الحارق. كان القصف عشوائيّا على الأهداف المدنيّة والشيوخ والأطفال ومقرّات الحرس الوطني التونسي وسيّارات الهلال الأحمر حتّى وهي تنقل وتسعف المصابين والجرحى. سقط العشرات بين شهيد وجريح بين المسلّحين من الجيش والحرس الوطني والمتطوّعين من المدنيّين.

القصف على مواقع الجنود التونسيين

القصف على مواقع الجنود التونسيين
يوم الخميس 20 جويلية1961، قدّمت الحكومة التونسيّة منذ الصباح شكوى إلى مجلس الأمن، وأعلنت قطع العلاقات الديبلوماسيّة مع فرنسا. صعّدت فرنسا عدوانها بالقصف على معظم أنحاء الجهة. وسقط نحو مائتيْ شهيد، وأصيب نحو خمسمائة جريح.
توسّع القصف حتّى بلغ بنزرت المدينة، والناظور، وسيدي أحمد، ومنزل بورقيبة، ومنزل جميل. ووصلت الاعتداءات حتى إلى سواحل رفراف التي سقط فيها القتلى بسبب زرع الألغام من قبل المظلّيين الفرنسيّين. عجز المستشفى الجهوي ببنزرت عن استيعاب الجرحى ومعالجتهم، فتمّ تركيز وحدة إسعاف وعلاج بالملعب الرياضي. وتحوّلت بنزرت إلى مدينة أشباح محاصرة، قُطع عنها الماء والكهرباء، وتكدّست فيها الجثث والأشلاء، وانقطع المدد من الماء والغذاء والدواء إلى المقاتلين.
يوم الجمعة 21 جويلية، تواصلت المعارك متقطّعة. وسقط المزيد من الشهداء من الجيش والحرس والمدنيّين والمتطوّعين المقادمين من مختلف أنحاء الجمهوريّة. ليل الجمعة، عرفت المدينة معارك شرسة وحرب شوارع حقيقيّة حتى فجر السبت. صمد المقاتلون والأهالي رغم تسليحهم البسيط والبدائي أمام نيران المعتدين القادمة من البرّ والبحر والجوّ.
كانت ظروف المقاتلين شديدة القسوة. في شهادات عدد من المتطوّعين في معركة بنزرت صور من هذه القسوة في الحصول على الغذاء والماء والدواء. ولكن يجمع هؤلاء على أنّ أهالي بنزرت كانوا يخاطرون بأنفسهم ليوصلوا إليهم الطعام والماء في ميدان المعارك.

مسلحون من الجيش والحرس الوطني في محيط القاعدة العسكرية ببنزرت

مسلحون من الجيش والحرس الوطني في محيط القاعدة العسكرية ببنزرت
يوم السبت 22 جويلية، كان يوما شديد الحرارة. أفاق السكّان على مشهد عشرات الجثث المتعفّنة تحت الشمس. كانت القوّات الفرنسيّة تمنع الأهالي من انتشالها لكسر معنوياتهم وترهيبهم.
فجر الأحد 23 جويلية، صدر قرار مجلس الأمن الدوليّ بوقف إطلاق النار.
حصيلة العدوان
تكشف الأرقام الرسميّة عن سقوط 669 شهيد، منهم 439 بين جنود وحرس وطني، و230 بين المدنيّين والمتطوّعين. وتذكر إصابة نحو الألف جريح. في الجانب الفرنسيّ، تذكر الأرقام مقتل 27 عسكريّا.
أمّا المؤرّخون والشهود فيقولون إنّ عدد الشهداء فاق الألفيْن، ووصل عدد الجرحى إلى نحو ألف وخمسمائة جريح.
على بعد مئات الأميال من بنزرت نحو الجنوب التونسيّ، اقتحمت فرقة عسكريّة تابعة للجيش التونسي الحدود التونسية الجزائرية نقطة “الناظور 233” بقرعة الهامل المحروسة من الجيش الفرنسيّ. كانت السلطات التونسيّة تطالب بأحقّية الجانب التونسيّ في ضمّ هذه النقطة الكيلومتريّة (233) فيما رفضت فرنسا التفاوض على الترسيم النهائيّ للحدود. قامت القوّات الفرنسيّة القادمة من الأراضي الجزائريّة بقصف مواقع الجنود التونسيّين بالدبّابات والطائرات. وردّت المدفعيّة العسكريّة التونسيّة، وصمدت في مواقعها، وأسقطت طائرة للمعتدين. وأسفر الاشتباك عن استشهاد ثلاثة عشر جنديّا تونسيّا مقابل خسائر غير محدّدة في صفوف القوّات الفرنسيّة. وبقيت النقطة الكيومترية 233 جزائرية في أثناء الاستعمار الفرنسيّ بل وبعد استقلال الجزائر.

حرب التحرير الجزائرية

حرب التحرير الجزائرية
الذاكرة المنسيّة
جرت مياه كثيرة تحت قنال بنزرت. بعد سنة من قطع العلاقات الديبلوماسيّة بين البلديْن، تُستأنَف العلاقات بين تونس وفرنسا في شهر جويلية1961. ولكنّ فرنسا لم تجلُ عن القاعدة العسكريّة ببنزرت إلاّ بتاريخ 15 أكتوبر 1963 أي بعد سنتيِن من ذلك العدوان الغاشم، وبعد عام من استقلال الجزائر. واحتفل الرئيس بورقيبة بالحدث، حدث الجلاء عن بنزرت ورحيل آخر جنديّ فرنسيّ عنها. ونظّم مهرجانا شعبيّا يوم 15 ديسمبر1963 بحضور الرئيسيْن المصريّ جمال عبد الناصر، والجزائري أحمد بن بلّة، ووليّ عهد الملك اللّيبي إدريس السنوسي، وأمير الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح، ومبعوث عن الملك المغربيّ الحسن الثاني.
بعد أشهر من ذلك، وبالتحديد يوم 12 ماي 1964، يتمّ الجلاء الزراعيّ، وتسترجَع الأراضي المنهوبة من المعمّرين الذين خلّفتهم فرنسا وراءها. ولكن، من المفيد التذكير أنّ بعض هؤلاء الفلاّحين المعمّرين قدّمت لهم الدولة التونسيّة تعويضات عن المغادرة لـ”جبر الضرر”. ومن عبث الأمور أنّ مبالغ التعويضات كانت قرضا من فرنسا نفسها!

بورقيبة يتوسط جمال عبد الناصر وأحمد بن بله في الاحتفال بالجلاء عن بنزرت (ديسمبر 1963)

بورقيبة يتوسط جمال عبد الناصر وأحمد بن بله في الاحتفال بالجلاء عن بنزرت (ديسمبر 1963)
في هذه الأيّام من شهر جويلية، تمرّ خمسة وستّون سنة عن معركة بنزرت التي نُسيت لفائدة يوم الجلاء الذي صار عيد الجلاء يوم 15 أكتوبر 1963. يقول من شهد هذا العدوان، ومن لهم ذاكرة عن هذه المجزرة الاستعماريّة الفرنسيّة في حقّ شعب وبلاد مستقلّة إنّ هذا هو الإفلات من العقاب. ويقولون لا بدّ أنْ نذكر لا فقط الجلاء والنصر، بل وجب أن نذكر المعركة و هول المأساة.
أين أيّام المجزرة في بنزرت 19 و20 و21 و22 جويلية 1961 من ذاكرة التونسيّين؟ هل كُرِّم الشهداء والمفقودون وذووهم، وهل تمّت رعاية المصابين في معركة هبّوا لها جميعا من كلّ فجّ عميق؟ أغلب هؤلاء كانوا شبّانا فيهم من مات، ومن أصيب، وفيهم من ضمّه قبر معلوم، ومن دُفن في قبر جماعيّ بلا هويّة.
معركة بنزرت أو قل العدوان على بنزرت هي ذاكرة نُسيت مرّتيْن. فهي ذاكرة نسيتها الدولة الوطنيّة في بحثها عن الملحمة لا عن المأساة، وعن يوم النصر والجلاء لا عن أيّام التقتيل والتدمير والترويع وإرهاب الدولة الذي مارسته فرنسا أمام سمع العالم وبصره. وهي ذاكرة منسيّة من جهة المعتدين بعنوان البناء على الصداقة الفرنسيّة التونسيّة، وعدم إثارة الجراح عبر النبش في ملفّات الماضي.

الكاتب الصحفي جان دانيال (1920- 2020)

الكاتب الصحفي جان دانيال (1920- 2020)
كان جان دانيال الكاتب والصحفي الفرنسيّ والمراسل الحربيّ لمجلّة الأكسبرس في سنة 1961، ومؤسّس مجلّةLe nouvel observateur فيما بعد – كان قد أُصيب أثناء تغطيته معركة بنزرت بشظيّة قذيفة أطلقتها القوّات الفرنسيّة. وكتب بعد ذلك: كلّ الحروب قذرة، ولكنّ حرب بنزرت كانت أكثرها عبثيّة!




