يأتي من الغرب ما يُهيّج أشجان القلب ..عن الموروث الغنائي والموسيقي في الغرب التونسي

صوت جبليّ قويّ منغّم، يدوّي في هذه الفجاج والهضاب، ويتردّد صداه بين لجرد والشعانبي وسمّامة ومغيلة والسلّوم. يرتفع وينخفض، يعلو ويهبط، يحنّ ويقسو، يرقّ ويشتدّ مع تعرّجات الطريق التي تتلوّى بين التلال والأودية والسهول. اليكم/اليكن رحلة في رحاب الموروث الغنائيّ والموسيقيّ في الغرب التونسي.

الكاتب : مختار الخلفاوي

اعلامي، كاتب، ودكتور في الحضارة واللغة العربية.

الطريق إلى عاصمة جرجير محفوفة بالتواريخ والحكايات عامرة بالقصص والأشجان. شقّت رحلتنا الهجير إلى “سفيطلة” أرض الظهريّة والسباسب عبر التلال الجبليّة والسهوب والأودية والهضاب. على جانبيْ الطريق، كانت تمرّ سِراعا طوابي الهندي وأشجار الصنوبر والزياتين. وفي مسيرنا كان يرافقنا صوت “الركروكي” و”الملاليا” و”النجع العاڤب” لعبد السلام بوغرّة الذي اختار أن ينزوي بعيدا عن ضجّة المدن، ومشاريعها المستحكمة في “تهذيب التراث”. صوت جبليّ قويّ منغّم، يدوّي في هذه الفجاج والهضاب، ويتردّد صداه بين لجرد والشعانبي وسمّامة ومغيلة والسلّوم. يرتفع وينخفض، يعلو ويهبط، يحنّ ويقسو، يرقّ ويشتدّ مع تعرّجات الطريق التي تتلوّى بين التلال والأودية والسهول.

“حْمام الغابة حالف لا يحدّر بكري ** حقروني على ولفي العكري” “النجع العاڨب .. ساري بالله وإلاّ مصبّح.. سلملي على أحبابي تربح” “عمري تعدّى وجاب على دشرة نبّر.. وَخْذي الأيّام مغارق”.

الكاتب : مختار الخلفاوي

اعلامي، كاتب، ودكتور في الحضارة واللغة العربية.

الطريق إلى عاصمة جرجير محفوفة بالتواريخ والحكايات عامرة بالقصص والأشجان. شقّت رحلتنا الهجير إلى “سفيطلة” أرض الظهريّة والسباسب عبر التلال الجبليّة والسهوب والأودية والهضاب. على جانبيْ الطريق، كانت تمرّ سِراعا طوابي الهندي وأشجار الصنوبر والزياتين. وفي مسيرنا كان يرافقنا صوت “الركروكي” و”الملاليا” و”النجع العاڤب” لعبد السلام بوغرّة الذي اختار أن ينزوي بعيدا عن ضجّة المدن، ومشاريعها المستحكمة في “تهذيب التراث”. صوت جبليّ قويّ منغّم، يدوّي في هذه الفجاج والهضاب، ويتردّد صداه بين لجرد والشعانبي وسمّامة ومغيلة والسلّوم. يرتفع وينخفض، يعلو ويهبط، يحنّ ويقسو، يرقّ ويشتدّ مع تعرّجات الطريق التي تتلوّى بين التلال والأودية والسهول.

“حْمام الغابة حالف لا يحدّر بكري ** حقروني على ولفي العكري” “النجع العاڨب .. ساري بالله وإلاّ مصبّح.. سلملي على أحبابي تربح” “عمري تعدّى وجاب على دشرة نبّر.. وَخْذي الأيّام مغارق”.

الأرض تتكلّم طرڤ وركروكي وملاليا !

نتحدّث عن الغرب التونسيّ، ونحن نعني ذلك المجال الذي يمتدّ على طول حدود تونس والجزائر من الشمال إلى الوسط إلى الجنوب، من جبال خمير إلى جبال الفايجة والدير ومائدة يوغرطة وجبل بوجابر حتّى جبال لجرد والشعانبي وسمّامة ومغيلة والسلّوم وصولا إلى عرباطة.

مناطق الغرب التونسيّ متباينة في الجغرافيا متقاربة في التاريخ، ومتجانسة في المزاج والرصيد السوسيوثقافي، الغنائيّ منه والموسيقيّ على وجه الخصوص. تجانس لا ينفي التنوّع في اللّهجات والإيقاعات والأصوات بين “وطن فريڤا” من جهة، وجوارها على الوسط الغربيّ من منحدرات التلّ الأوسط إلى تخوم المرتفعات في الجنوب الغربيّ من جهة ثانية.

مثّلت خارطة المناجم المنتصبة في هذه الجهات عاملا للانتقال والاختلاط والاستقرار من منجم “جبل لجرد” في القصرين إلى مناجم القلعة الخصبة والجريصة وسلاطة وبوجابر وسرا ورتان في الكاف إلى مناجم الأخوات وفج الهدوم بسليانة إلى منجم جبل الحلّوف بوعوان في جندوبة وغيرها. بل ربّما كانت حركة “الهطّاية” والانتجاع من الجنوب والوسط الغربي نحو “فريڤا” قد صهرت سكّان هذه المناطق بحكم المعايشة والمصاهرة. فعلى سبيل المثال، نزل بعض سكّان القصرين بمناطق من “فريڤا” طوعا أو كرها، وبها أقاموا مثل “فراشيش الكراشون” بالكاف، و”أولاد عسكر ” في جهة الزوارين بالدهماني، و”أولاد بوغانم” الموزّعين بين قلعة سنان (الكاف) وفوسانة (القصرين) وتبسّة وسوق هراس (الجزائر). ثمّ، إنّ الغرب التونسيّ هو نفسه امتداد للشرق الجزائريّ مثلما الشرق الجزائريّ هو امتداد للغرب التونسيّ. بين جبال الغرب التونسيّ وجبال الأوراس والقبايل في الشرق الجزائريّ تتمدّد السهول، وتجري الأودية من سوق أهراس وتبسّة إلى مجردة وملاّق وسرّاط وحيدرة والوادي الكبير

تبدأ الطريق بنبت الزان والفرنان والصنوبر والعرعار والكشريد والشوك والذرو، وبسهول القمح والشعير. ثمّ تتحوّل إلى التلال والهضاب والغابات والسهوب والسباخ حيث تنبت الطرفاء والكلبتوس والسدر والإكليل والحلفاء والدغفّت والتّين الشوكيّ والشيح والزعتر. هنا، الاعتدال غير مرغوب فيه. إمّا أبيض وإمّا أسود. لا محلّ للرماديّ. لعلّ ذلك بأثر من المناخ الحادّ أيضا. برودة إلى حدّ التجمّد في ليالي الشتاء، وحرارة قد تدرك الخمسين درجة في هجير الصيف. الحيوان والبشر، الحجر والشجر، جميعا تأقلموا مع هذه البيئة والتضاريس والمناخ. يقول أهالي القصرين بنبرة من الفخر: هذه “البلاد الحرشة!”

هناك تنبت، أيضا، حكايات محبّة ووجع، وحكايات بَوح وأسرار وعاها “الغناء بالطويل”، وحفظتها نغمات “الملاليا” و”الطرق” و”الركروكي”، وترجمتها عن الأشعار، وأضافت إليها الارتجال. فالشعر على ارتباط وثيق بالغناء، و”ال۫ڤوال” و”الغنّاي” واحد. ولكنّ جِياد الأغاني من جِياد الأشعار، وخاصّة تلك المنظومة في أغراض الفخر والنسيب والغزل “الأخضر”، وهو يخبر عن لواعج العشق والوجد والحرمان، ويغوص في باطن العواطف والأشواق، يشبّب بالمحبوب ويمثّل مفاتنه: “الوجه ڤمر”، و”الرڤبة رڤبة غزال”، و”العين سَهْم”، والشعر داكن كاللّيل، وتلك النهود من “مْسدّس” العرف أحمد ملاّك:”بزازيل حكّرتهم بالنظر فوق الصدَرْ** مَماليك لِبسوا شْواشي حْمُر”.

تغيّر العالم من حول هذه البقعة من الأرض، وبقيت الأشعار والأغاني تردّدها الأصوات في الجبال والفيافي والأودية والسهول الممتدّة، صامدة من فَم لفَم، ومن أذن لأذن، ومن صْدِر لصدر، بعيدا عن المدرسة والجامعة والثقافة العالمة. صمدت “مهاوي الركروكي” و”العبيدي” و”الطرخاني” و”الريش”، وما يرافقها من إيقاعات “فزّاني”، “خيل”، و”درّازي”، وما نظم فيها من أشعار: أخضر، ضحضاح، برق، وحفّالي..

في هذه الأرض بيئة محافظة، ولكنّها تسمح أنْ يكون للنساء صوت. تغنّي المرأة، وتحبّ، وتموت من أجل من تحبّ. وعلى هذا الحدّ بين الغرب التونسيّ والشرق الجزائريّ تعيش في الأعماق قوالب غنائيّة شعبيّة، ونسويّة أيضا،”ملاليا” و”ركروكي”. تتنوّع من منطقة إلى أخرى، وتتلوّن مع الذات واللّهجة والنبرة والأرض والناس والعرف والعادات والمعيش اليوميّ. قد تبدأ أغاني المحفل بالبرولوغ الكلاسيكيّ “سبّقناك ولا سبّقنا حدْ معاك يا ربّي”. لكن، وقبل أن تنطفئ “النجمة”، تنعطف السهرة إلى الاسترفاد من أغاني “الجواجي” و”الغناء بالطويل” عبر مخزون غنائيّ وموسيقيّ يُؤدَّى فرديّا اعتمادا على الأصوات الحرّة المعبّرة أو جماعيّا بمصاحبة الطبل والڤصبة والزكرة.

قد يكون من الملائم أنْ نقول بلا غلوّ: إذا كان للتراب لسانٌ على طول هذا الحدّ، فلن يكون غير “الملاليا” و”الركروكي”. لغةٌ هي، بعبارة الجاحظ مع بعض التصرّف، “متقادمة الميلاد دُهريّة الصَّنْعة “!

من القوالب الغنائيّة في الغرب التونسيّ

رغم عمق التحوّلات التي أصابت معيش الناس في منطقة الغرب التونسيّ كسائر مناطق البلاد، فقد صمدت الذاكرة الغنائيّة والموسيقيّة الشفويّة أمام هذه التحوّلات الثقافيّة والموسيقيّة المتّسمة بالانفتاح على ضروب جديدة من القوالب الغنائيّة. وكما كان الغناء والأصوات الموسيقيّة مرآة للممارسات الاجتماعيّة، فقد كانت، أيضا، تعبيرا عن أشواق تلك المجموعات البشريّة وغالبها ريفيّ جبليّ أو زراعيّ أو رعويّ وبدويّ. وكلّما كانت العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعيّة والثقافيّة راسخة كان توارث الغناء أوْفَى لمواردها الأولى، وأكثرَ صمودا أمام التحوّلات الاجتماعيّة والثقافيّة. وفي كلّ ذلك، كان للنساء، فضلا عن تشكّل دوائر “الأُدْبا” و”القوّالين” والشعراء والمغنّين، دور مقاوم في حفظ هذه الذاكرة عبر الشحذ المستمرّ لهذه الذاكرة الغنائيّة والموسيقيّة الممتدّة من الغرب التونسيّ إلى الشرق الجزائريّ.

إنّ الجغرافيا تنشئ نغمها. فبينما يرتفع الصوت صادحا بـ”الجْمال إللّي يهدّر” في الصحراء، هادئًا منسابًا مع الرمال والكثبان، فإنّ صوت المغنّي في الشمال والوسط الغربيّ يرتفع حادًّا سريع الإيقاع في محاكاة للتلال والجبال والأودية والغابات. وهذا ما يثبته الباحث في أنتربولوجيا الموسيقى محمّد المصمودي في دراسته «إثنوموسيقولوجيا-أنثروبولوجيا الموسيقى، الموسيقى أوّلا أم الإنسان؟». يقول: “إنّ الموسيقى البدويّة والعمل الإيقاعي في المجال الريفيّ والجبليّ ليسا ترفًا فنّيًا، بل هما تنظيم متكامل للحياة اليوميّة، حيث تترجم الحنجرة الجبليّة تضاريس الأرض، فيأتي الغناء حادًّا مرتفعًا متموّجًا ليحاكي قمم الجبال والوديان السحيقة، وكأنّ الإنسان يفرض وجوده الصوتيّ على الطبيعة القاسية”.

ولعلّ بناء هذه القوالب الغنائيّة والشعريّة على البساطة والارتجال مع الحرص على التنغيم وإثارة الشجن من خلال التعويل على القدرات الصوتيّة ممّا يزيد في قاعدة الإقبال عليها بين سكّان هذه المناطق والمنحدرين منها والواقعين في هواها. بل ليس من المبالغة إذا قلنا إنّ الشعر الشعبيّ والغناء على القوالب الموسيقيّة البدويّة والريفيّة أو الإنشاد في المدحات الطُّرُقيّة أثناء “الزردة” خاصّة هي، في مناطق الغرب التونسيّ عامّة والقصرين على وجه الخصوص، من الفنون الجماهيريّة بامتياز.

الغناء بالطويل.. مطلع و”غُنّاية”

“الغناء بالطويل” أو هو ما يقال له “الغُنّاية”. هذا قالب يتيح هامشا واسعا من حرّية التصرّف والأداء. فهو كما يؤدَّى صحبة عازفين على الطبل أو البندير والقصبة أو الزرنة، وبمرافقة “السُّعْفة” أو “الردّادة” يمكن للمغنّي أن يتخفّف من جميع ذلك فيه، ويكون أداء فرديّا. والمعوّل على جودة الصوت وتنغيمه وتلوينه. وقد تستعين المغنّية من النساء بآنية فارغة لتكثيف الصوت وتصريفه. ويُمَهّد لـ”الغناء بالطويل” بمقدّمة قصيرة تسمّى “المطلع”. والغالب أنْ يكون كاشفا عن غرض “الغنّاية”. ثمّ يشرع “الغنّاي” على نحو:

هزّي حرامك وخمريك ** على وشمتك هبّلتني
لا مال لا بواش نشريك ** غير كلمتك حصّلتني

أو على نحو:

لاَ مِنْ يجِينِي مريّض الدلالة  **  يَا نَاسْ ڤُولُوا لحَمَةَ ارحل بِالسِلاَمَا

يا ڤصّاب وخَيْ.. هِزْ الطرڤ شويْ

من أهازيج الصبا، كنّا ننشد: “يا ڤصّاب وخَيْ** هِزْ الطرڤ شويْ”. فالطرڤ في بادئ أمره متعلّق بالعازف الذي ينفخ في “الڤصبة” لا المغنّي. و”الڤصبة” في الغرب التونسيّ خاصّة ليست مجرّد آلة نفخ، بل هي زفرة “الأرض الحرشة” تخرج من حنجرة بدويّة، وتقول ما لا تقوله الكلمات من أنّات وحشرجات وآهات تحكي عذاب الحبّ والغربة والفراق.

ولقد استُمدّت تسمية هذا القالب من “طرڤ الصيد”. ومدار هذا “الطرڤ” قصّة حبّ جمعت بين رجل وامرأة. واتّفق العاشقان على الهروب معا. وفي الماضي، كان الهروب ثابتا من ثوابت قصص الحبّ في بيئة محافظة لا تقبل بالاختيار الحرّ للشريك. وفي الطريق، صادفهما أسد يريد افتراسهما. فاحتالا لنفسيهما، وشرع الرجل في العزف على “الڤصبة”، وأطلقت المرأة صوتها بالزغاريد. نجحا في ترويضه زمنا حتّى أُرْهِق الرجل من النفخ. وكاد يتوقّف ليهجم عليهما الأسد لولا أنّ خيلا مرّت بالمكان، وأنقذتهما. ثمّ بعد ذلك، امتزج الغناء بالنغمة البدويّة على “الڤصبة”، وما فيها من شجون وأشجان، وحذر وإقدام، وفقدان ووجدان – واتّخذ تسمية “الطرڤ” (ج. طروڤ). هذا، على الأقلّ، ما يُتداول من الروايات الشعبيّة لتسمية “الطرڤ”. وفي عقود سابقة، يُذْكر المكّي “الڤصّاب” من فرقة الجريصة كواحد من أفضل من أبدع في أداء “طرڤ الصيد”. ثمّ، صار “الطرڤ” عبر الامتزاج بين العزف والغناء يقوم على الصوت ومساحته في القرار والجواب، وفي التلوين والتنويع والتنغيم، والمدّ والقصر، والوصل والفصل. يتموّج الصوت ويرجّع صداه بالتوقيع والتطريب. ويصير الاثنان في واحد. صوت المغنّي وآلة النفخ (الڤصبة)، كلاهما ترجمان أمين لصوت الريح في شعاب الجبال.

الركروكي .. الترحال والفروسيّة والحبّ

“الركروكي” من المهاوي الموسيقيّة المشتركة بين الغرب التونسيّ والشرق الجزائريّ مع تنويعات محلّية.

ولعلّ تسميته تعود إلى بطن “الركاركة” من قبيلة أولاد سيدي عبيد على الحدود التونسيّة الجزائريّة. ويقول الباحث في الأدب الشعبي علي سعيدان في مدوّنته (خيل وليل) إنّ “الركروكي” بالغناء والڤصبة “يتميّز بانتقالات واسعة بين القرار والجواب. ويعتمد على مقاطع شعريّة من بيتين أو ثلاثة كما هو الشأن في المواليا والعروبي أو الصالحي”. ويؤدّي الرجال “الركروكي” بأصوات قويّة شجيّة في أغراض يغلب عليها الغزل والشكوى، ولكن ضمن موضوعات كبرى ترتبط بحياة الترحال والفروسية والحبّ بين قبائل الغرب التونسيّ والشرق الجزائريّ.

“الملاليا” صوت العزلة والغراميّات المكتومة

تطلق تسمية «الملاليا» بجهة الكاف، بينما تطلق تسمية «الملُولية» أو «اللُّولاَية» بجهة القصرين للدّلالة على نفس الشكل الغنائيّ. وقد تُستعمل في الكاف تسمية “النسمة” أو “النمّة” لإفادة معنى “الملاليا”. ويقال النسمة الكافيّة لإفادة معنى النسيم الجبليّ المنعش من جهة، وللدلالة على “الملاليا” من جهة أخرى. وإنّ طلب سماع هذا القالب في جهة الكاف قد يُعبّر عنه بجملة “نسّم لينا” أي أسمعنا “الملاليا”. وعلى هذا فأغنية “صغيّر وريڤه شاح جابتّه النسمة الكافية” تحتمل النسمة فيها معنى النسيم كما تحتمل النسمة فيها معنى “الملاليا” الكافيّة. تنتشر “الملاليا” في الغرب التونسيّ (من الشمال الغربيّ إلى الوسط الغربيّ) انتشارها في الشرق الجزائريّ، وخصوصا في المناطق الحدوديّة مع تونس وهي المعروفة بالشاوية من تبسّة إلى سوق أهراس إلى ڤالمة وباتنة وبسكرة وغيرها. والشاويّة هم المنسوبون إلى الشاء (م. شاة) بعبارة ابن خلدون “كما أنّ الشاويّة أهل القيام على الشاة والبقر”. والمعنى أنّهم من وسط رعويّ، وما يقتضيه هذا النمط المعاشيّ من ترحّل خلف الكلإ والماء. وهذه علّة ذيوع “الملاليا” في مناطق شاسعة على طرفيْ الحدود التونسيّة الجزائريّة.

وبحسب الباحث أحمد الخصخوصي في مقالته (أغاني الملالية – مجلّة الحياة الثقافيّة)، يقال فلان “يلالي” وفلانة “تلالي” بمعنى أنّها ترفع صوتها بالغناء مع ترديد مقاطع طويلة ومنفتحة. هي، في الغالب، على نحو (لا لا يا). و”الملاليا” في الأصل قالب غنائي نسائيّ يعبّر عن وضعيّات وعواطف وشواغل شخصيّة وأسريّة وقبليّة واجتماعيّة. هي وليدة العزلة واليوميّات المنزليّة والفلاحيّة للمرأة في الأرياف. كانت النسوة يغنّين “الملاليا” أثناء أعمال الجَنْي والحصاد، وأثناء رحْي الحبوب وأشغال النسيج، أو عند غسيل الصوف في العيون والأنهار للتعبير عن مشاعرهن بحرّية بعيداً عن الرقابة الاجتماعيّة.

ترد “الملاليا” في الأصل بلا مرافقة موسيقيّة أو صوتيّة. ولكنّها، مع التطوير الحاصل وأدائها بأصوات رجاليّة، احتاجت إلى مرافقة بآلة “الڤصبة”. وصارت تغنّى في الفرادة كما تُغنّي في المحفل. وتتّسم كلماتها ببساطة النظم، وتواتر التركيبة اللّحنيّة. وتذكر روضة بن عبد الله في دراستها “الملالية نمط غنائي نسائيّ، أغراضها ومواضيعها” (مجلّة الثقافة الشعبيّة) أنّ المنوال الغالب أنْ تكون “الملاليا” من “المثلّث”. و”المثلّث” نوعيّة من الشعر الشعبيّ البسيط يتكوّن من ثلاثة أغصان أي من بيت بمصراعيْه وشطر. وإذا بُنيت المقطوعة على قفلة كانت من أربعة أغصان.

من النوع الأوّل:

يا لالا هاوينُه ماشي *** والريح يذرّي على ساڤُه
ريڤُه عسل لا مِن ضاڤُه

ومن النوع الثاني:

يا لالا يا ڤمرة ربّي *** بجاه الله برّي غيبي
وخلّي الظلمة لحبيبي *** رُدّوا على حْبابي رُدّوا

وفي أثناء ذلك، ينغّم المغنّي الكلمات بالغُنّة للتزيين والتورية أحيانا، فـ”الظَّلْمة” تصير “الظانَلْمة” و”حْبابي” تصير “حْبانابي”. وهذا تصريف للكلام معروف في هذا القالب من الغناء مع الغنّة.

وعلى اختزالها وبساطتها وتواترها النغمي، تمثّل “الملاليا” بأصوات النساء والرجال خرقا للضوابط الاجتماعيّة. ففي كلماتها ذمٌّ للوشاة والرّقباء، ورسائل في طلب الوصال، وتحدّي الصعاب للفوز باللّقاء. ومن طريف ما تتمنّاه المرأة العاشقة أن يعاقبوها على شرب الخمر بترحيلها إلى “العسكر” المقتصر على الذكور. لعلّها هناك ترى المحبوب الذي كنّت عنه بالخال:

يا لا لا هاتولـي نُشرب ** نُشرب دبّوزة ونِسكر
نلحق خالي في العسكر

وتتّجه رسائل “الملاليا” وجْهات اجتماعيّة وسياسيّة أيضا. ولا يخفى دور النساء في إبلاغ رسائل تحريضيّة أو سرّية بين المقاومين ضدّ الاحتلال الفرنسيّ، وضدّ تمدّد الحضور الإيطالي في البلاد، وفي مناطق المناجم على وجه الخصوص. والمثال على هذا:

يا لا لا قولوا لزهر *** لوّح المرا شوف المينا
راهو الطليان يُحْكم فينا

ومدار الرسالة على استبعاد التونسيّين المحلّيين من العمل بسبب مزاحمة الأوروبّيين عامّة وأفراد الجالية الإيطاليّة خاصّة في (المينا) وهي منجم الفسفاط في مناجم الشمال الغربيّ أو مناجم الجنوب الغربيّ. المعنى ذاته عبّرت عنه عميدة الأغنية البدويّة الأوراسية الفنّانة الجزائريّة حدّة الخنشة المشهورة ببقّار حدّة في “جبل بوخضرة” بمنطقة “ونزة” ولاية تبسّة:

يا جبل بوخضرة ** جاك الطليان ڤلّب حجرك

وقد تنصرف “الملاليا” إلى الرثاء، فتتداخل مع النواح والمناحة حتّى أنّ النائحات في بكائهنّ الميّت يقلن:

ثنيتك لا جابها جلاّب لا مِسّوّڤ *** كان الغيم وحْشُه توّڤ
روّح يا سيدي روّح

تجارب جديدة في استدعاء الذاكرة الغنائيّة الشعبيّة

تشترك القوالب الغنائيّة والموسيقيّة المنتمية إلى الغرب التونسيّ في بعض الخصائص، فهي، عموما، لا تُنسب إلى مؤلّف بعينه بقدر ما تُنسَب إلى جهة من الجهات، فيقال أغاني الشمال الغربيّ، وأغاني الوسط الغربيّ. ثمّ إنّ هذا الرصيد الموروث يُتداول ويُتناقل شفويّا من جيل إلى جيل، فيصطبغ بالعفويّة والارتجال والتلقائيّة. وفي غياب مؤلِّف حُجّة، ونصٍّ مغلق، يصير أداء هذا الرصيد ممارسة حرّة متاحة أمام من يأنس في نفسه القدرة على الإجادة في الغناء. وتترحّل الأغاني وتهيم من فضاء إلى فضاء. وتتغيّر، في أثناء ذلك، إحداثيّات المكان والشخصيّات لتستقرّ في دائرة الرصيد الغنائيّ لجهة من الجهات.

لقد كانت الأغنية الشعبيّة في مناطق الغرب التونسيّ تنشيطا لأواصر الهويّة والانتماء. فخلف السماع والفرجة، تستحيل مادّة لفهم البنى الرمزيّة التي تشكّل الوجدان الجمعيّ داخل هذه المجتمعات المحلّية، ومرآة للعلاقات الاجتماعيّة، وخزّانا لمنظومات القيم تتجسّد فيه معاني اللّحمة والتضامن ووحدة الجماعة، وخاصّة في المناسبات والمواسم وسائر التجمّعات من الاحتفالات إلى المآتم. وهذا ما يؤكّده الباحث في علم الاجتماع أحمد خواجة في “الذاكرة الجماعيّة والتحوّلات الاجتماعيّة في مرآة الأغنية الشعبيّة” (تونس1998)، إذ يقول: “إنّ الأثر الثقافيّ لا تتحقّق فيه صفة الشعبيّ إلاّ إذا نجح في خلق تواصل في الشكل والمضمون والخطاب والرؤية للعالم مع البنيات الذهنيّة للفئات التي تبنّته.”

ولعلّ هذه الأهمّية هي التي حفزت على رعاية هذا الموروث من الضياع بتدوينه وتوثيقه أو إعادة قراءته في شكل جديد يحافظ على روحه الأصليّة.

إنّ موروثا غنائيّا بهذا الثراء والتنوّع لا شكّ تتهدّده آفة النسيان، فهو تراث شفويّ في أغلبه، وحَفَظتُه في تراجع مستمرّ برحيل عدد من الفنّانين الشعبيّين أو مع شيخوختهم أو اختيارهم الاعتزال. وهو ما استدعى الحاجة إلى تعهّده وحِفْظه والعناية به، ولمَ لا تطويره في إطار شروطه الفنّية ودون الوقوع في مطبّ ما يسمّى بـ”التهذيب”.

والذاكرة الشخصيّة لساكن هذه الربوع أو المنحدر منها مأهولة بأصوات “الأدبا” والمغنّين و”الطبابليّة” و”القصاصبيّة”و”الزرناجيّة” و”الزكاكريّة”. في الكاف مازالت تتردّد أصداء من أصوات لا تبلى ولا تُنسى. وفي البال منها فِرق الجريصة مع الناصر الحسني والمكّي القصّاب، وصناديد الدهماني، وفحولة قلعة سنان، وغيرهم. وتمثّل تجربة “المنسيّات” للفنّان والمخرج الأسعد بن عبد الله حدثًا مهمّا في هذا الاشتغال على الموروث الغنائيّ والموسيقيّ لجهة الشمال الغربيّ. ومنذ سنة 2001/ 2002، أنتج مركز الفنون الدراميّة والركحيّة بالكاف هذا العرض الموسيقيّ الفرجويّ الذي جمع بين فنون الغناء والعزف والرقص والفرجة، ولكنّه أخرجها جميعا مخرجا جديدا من خلال قراءة موسيقيّة وسينوغرافيّة تصل القديم بالحديث، وليس أطرف من جِدّة القديم. ونجح العرض في شدّ الجمهور إلى الموروث الغنائيّ والموسيقيّ لجهة الشمال الغربيّ، وصارت منذ ذلك الوقت أغاني المنسيّات على كلّ لسان من “جبال الكاف”، “والعين السودة”، و”على الكركار” وغيرها. وانفتحت تجربة الأسعد بن عبد اللّه هذه على طاقات فنّية في الجهة، فكان للفنّان الراحل منذر الجبابلي إسهامه الواضح في العرض من خلال الرصيد الغنائيّ الذي اقترحه وقدّمه، وكان الفنّان عبد الرحمان الشيخاوي من أعمدة هذا العرض. وهو الذي أنشأ، بعد ذلك، مشروعه الموسيقيّ والفرجويّ بعنوان “غنّايا”.

وغير بعيد عن الكاف، ولدت مجموعة “برقو 08″ (نسبة إلى جبل برقو) للفنّان نضال اليحياوي مترسّمة النهج ذاته في الاشتغال على التراث الغنائي للمجال المعروف بـ”الزيروويت” (08)، مع عصرنة المقاربة أو إعادة كتابة الموروث الغنائيّ والموسيقيّ من خلال مزيج مركّب من الموسيقى الشعبيّة والروك وإيقاعات الموسيقي الإلكترونيّة.

حفيد تاكفاريناس في مقاومة “النزوح الثقافيّ”!

كان عدنان الهلالي الشاعر والسيناريست والممثّل المسرحيّ والمؤدّي والمربّي والناشط الثقافيّ في صدارة مؤسّسي مهرجان ربيع سبيطلة الدولي (سنة 2000)، ثمّ باعثا لعيد الرعاة بُعيْد سنة2011، فمؤسّسا للمركز الثقافيّ الجبليّ بسمّامة سنة 2018. وتمثّل تجربة عدنان الهلالي محاولة أخرى لإعادة كتابة هذا الموروث الغنائيّ والموسيقيّ في شكل سينوغرافي فرجوي مع مجموعته “رعاة سمّامة”.

هذا الفنّان المفرد في صيغة الجمع قد يتراءى لك أحيانا كأنّه تمثال هارب من معابد الكابتول في الموقع الأثريّ بسبيطلة، أو قد يُخيَّل إليك لوهلة أنّه آخر أحفاد الإمبراطور الرّومانيّ “فلافيوس فسباسيانوس” الذي حكم سبيطلة بين 69 و79م. نعم، ولكنّك قد تراه، متى طرحت الشكل والهيئة، أقربَ في الأرُومة والسَّمْت إلى جدّه النّوميديّ “تاكفاريناس” بطل المقاومة ضدّ الاحتلال الرومانيّ. هو أيضا يخوض حربه ضدّ ما يسمّيه “النزوح الثقافيّ”. على سفح جبل سمّامة، يقف عدنان الهلالي على رابية من “الراقوبة” بـ”الوسّاعية” على بعد كيلومترات من سبيطلة-يقف وهو ينظر صوب “المركز الثقافيّ الجبلي بسمّامة”. ويرفع صوته: “لعج البرڨ من الجواجي، خلّي تمطّر، حتّى هو الشيح يلاجي، نوميديا جايا تطل على بيزنطة، تكفاريناس جا لجرجير… طَـلعو يجنو في الترفاس… هي نجمة مع زعڨوڨة… حِلڨة في ظل البرڨوڨة… جبيرة ع الكبدة المحروڨة.”
يستذكر، وهو يجول بنا في أركان المركز الثقافيّ الجبليّ بسمّامة وفضاءاته، غيضا من سيرة كفاح في الجبل شاقّ ولكنّه عذب، من تأسيس “مهرجان الربيع الدوليّ بسبيطلة” إلى “عيد الرعاة” وإنتاجات “رعاة سمامة” “هطايا .. هطايا” و”وقت الجبال تغنّي “، إلى بناء هذا المركز الفريد عند سفح الجبل. ومع هذا المركز يتحوّل الجبل من فضاء للهامش والعزلة إلى منطقة محرّرة للشباب الموهوب والنساء الريفيّات الكادحات، ومنارة تستقطب الزوّار من كلّ صوب، وبوّابة مفتوحة على العالم تنبض بالإبداع والتنمية والحياة. يستحضر عدنان الهلالي ذلك، وهو يستعدّ لعرضه الموسيقي والفرجويّ الذي افتتح به “رعاة سمّامة” مهرجان سبيطلة الدوليّ في دورته الخامسة والأربعين: “طرڤ وبرڤ”.

طرڤ وبرڤ.. حواريّة الصوت والصدى

راهن مدير مهرجان سبيطلة الدولي الأستاذ زواوي عمري على عرض “طرق وبرق” ليكون فاتحة عروض الدورة في صائفة (2026). وكان رهانه في محلّه. فإشعاع “رعاة سمامة” عمّ القصرين والغرب التونسيّ، ووصل مجال نظراءهم “الشاويّة” بالشرق الجزائريّ ليدرك بعد مختلف مناطق الجمهوريّة التونسيّة بعضَ العواصم والمدن الأوروبّية. وسار مشروع الرعاة وأهازيجهم من خلال عدنان الهلالي حتّى طريق الحرير من الأناضول إلى منغوليا. وعليه، فقد كان الرهان على هذا الافتتاح تحقيقا لشعار تحوّل إلى حقيقة، وهو أنّ الطريق إلى العالميّة يمرّ، بلا ريب، من المحلّية.

على روائح الإكليل الذي زان ركح المسرح الأثريّ بسبيطلة، التقت الجبال من “سمّامة” إلى “الأوراس” إلى “البيريني” في موعد استثنائيّ. حين يلتقي رعاة سمّامة مع عبد السلام بوغرّة وسعيد النمّوشي وفرقة فرسان الأوراس من الجزائر مع ماري فالتري من إسبانيا لا بدّ أن يكون الموعد على غير مثال.

انعقد مشروع “طرڤ وبرڤ” على مقاربة ثلاثيّة، تنطلق من الفحص في الذاكرة الشفويّة للغناء والإيقاع في الوسط الغربي بامتداداته المجاليّة في الشرق الجزائريّ، ثمّ تنصرف إلى تثبيت الأثر من خلال عمليّة التدوين وفق مقتضيات الشمول والاستقصاء، ثمّ تمضي إلى اختبار المدوّنة المصطفاة على الركح في عرض فرجويّ موسيقيّ غنائيّ بمقتضيات سينوغرافية وبناء دراميّ يستحضر المعيش اليوميّ من حياة الرعاة والنساء، ويستدعي الممارسات الاجتماعيّة والذاكرة الجمعيّة.

وكان العرض مؤصّلا بحثيّا من خلال الإسهام المعرفيّ والموسيقيّ للباحث في الموسيقى ماهر بن عباس الهلالي، وخاصّة في استرفاده التعبيرات الإيقاعيّة والغنائيّة الشفويّة الثاوية في ذاكرة المنطقة الممتدّة على أنحاء الوسط الغربيّ وامتداداته في الشرق الجزائريّ، وتوثيقها تطبيقيّا في فرجة سمعيّة بصريّة على ركح المسرح الأثريّ بسبيطلة.

عدنان الهلالي الذي يحرص على تقديم نفسه بصفته راعيا من جبل سمّامة جعل من الثقافة الجبليّة والرعويّة العابرة للحدود مشتركا كونيّا، وسعى عبر مختلف تجاربه إلى الانفتاح على تجارب أخرى قصيّة ولكنها دانية، تبدو بعيدة وهي قريبة. رحلة يبحث فيها عن النماذج الأصليّة ((Archétypes، عن الصور الرمزية والأسطورية المشتركة التي تسكن اللاّوعي البشري، وتتكثّف في العادات والتقاليد والعقائد والطقوس والممارسات الاجتماعيّة والذاكرة الشعبيّة وفي الخيال والمخيال. “الجبال تتلاڤى” هذا كان أحد عروض الهلالي، وأحد رهاناته أيضا.

سقط “سهوا” من كتاب “الأغاني التونسيّة”

بعد هذه الرحلة مع الموروث الغنائي والموسيقي في جهة الغرب التونسيّ، والوسط الغربي تخصيصا نتساءل هل حصل الاعتراف بهذا الموروث باعتباره من مدوّنة “الأغاني التونسيّة”، وعلامة على الهويّة الحيّة والذاكرة النابضة لأجيال تعاقبت على هذه الأرض أم بقي مجرّد تعبير هامشيّ وفولكلور للفرجة في سياق “النزوح الثقافي” بعبارة عدنان الهلالي نفسه؟

نعلم، منذ بورديو (Pierre Bourdieu) أنّ الهيمنة الرمزيّة تعمل بشكل غير مرئيّ من خلال فرض معايير ثقافيّة تبدو موضوعيّة، لكنّها في الحقيقة تكرّس وضعيّة الطبقات المسيطرة. وللأسف، فإنّ القيمة الرمزيّة التي ترشح عن هذه “القسمة الضيزى” تعيد إنتاج النظام الثقافيّ والاجتماعيّ ذاته.

الحقّ أنّ هذا ما وجدناه لدى صاحب كتاب “الأغاني التونسيّة” الصادق الرزقي على سبيل المثال. لا يُخفي الرزقي ازدراءه وتحقيره الشعر الشعبيّ والغناء البدويّ. هو يعتقد أنّ الفنون الجميلة تراجعت، وأنّ البداوة تغلّبت مع اضمحلال الدولة الصنهاجيّة تزامنا مع الزحفة الهلاليّة في منعطف القرنين 11 و12 للميلاد. يقول لقد انقرضت أركان من الموسيقى والأغاني. وشاعت أغان بدويّة بسيطة التركيب والتلحين “خالية من الذوق الحضريّ” حسب رأيه. وينطلق الصادق الرزقي من مصادرة مفادها أنّ الأغاني البدويّة تخلو من الإعراب، وهذا لا يوافق النّغم والتنغيم الموسيقيّ. ويعرض أمثلة من “المربّع” و”المخمّس” و”المسدّس”. ولكنّه يستدرك ليقول إنّ أهل المدن قد استحسنوا بالمخالطة هذه اللّهجة البدويّة، ولحّنوا فيها الأغاني، وحاكوا قوالبها وأنماطها.

لا يعزُب عن عين الناظر أنّ النموذج الموسيقيّ والغنائيّ عند صاحب كتاب “الأغاني التونسيّة” هو النموذج الحضريّ الذي يقوم على الأغاني التونسيّة المعّبر عنها بالمالوف والموشّحات. وللأمانة، فهذه النظرة “الحضريّة” التحقيريّة للتعبيرات الغنائيّة القادمة من الدواخل تواصلت لفترات قريبة من الزمن، وإن كان قد حصل نوع من الاعتراف التاريخيّ المتأخّر بعدد من أصوات الشعر الشعبيّ والغناء البدويّ. كان المشهد الموسيقيّ والغنائيّ الحضريّ في الفترة التي كتب فيها الرزقي أغانيه وقبله في أواخر القرن التاسع عشر – كان مشهدا تتعايش فيه أنواع موسيقيّة عربيّة كلاسيكيّة، وموسيقى تركيّة، وموسيقى أوروبيّة منحصرة في الحاضرة والأوساط الأرستقراطية والبرجوازية وبين الجاليات الأوروبّية في تونس. لكنّ هذه النظرة المركزيّة التي تقصي القوالب الغنائيّة والموسيقيّة الناشئة في الدواخل الريفيّة والجبلية والبدويّة بدأت تتغيّر مع الوقت. وبدأ الذوق العامّ يتقبّل بل ويتشوّف إلى موسيقى البوادي والأرياف بصرف النظر عن درجة بساطتها أو تركيبها سواء كانت في الاحتفالات أو المناسبات، في الأفراح أو في الأتراح، في عوالم الدنيا أو في روحانيات الدين.
إنّ صفة “الشعبيّ” ليست وصما أو قرينة على الدونيّة، وكلّ موسيقى هي شعبيّة بالضرورة كما يقول أحد الباحثين في حقل الأنتربولوجيا والأثنوموسيقولوجي جون بلاكينغ (BLACKING): “إنّ كلّ موسيقى، سواء من الجانب البنائيّ أو الوظيفيّ، هي شعبيّة بالضرورة. وإنّ من يمارسون الموسيقى الكلاسيكيّة ليسوا أكثر إحساسًا أو ذكاء من أولئك الشعبيّين” (Le sens musical1980). فالموسيقى ظاهرة إنسانيّة متأصّلة في الثقافة، وهي تعبير جماعيّ عن المجتمع بصرف النظر عن بيئاتها الحضريّة أو الريفيّة، وعن قوالبها الكلاسيكيّة أو الشعبيّة.

هذه القوالب الغنائيّة والأنماط الموسيقيّة التي وُلدت من جدل الناس مع الطبيعة فوق الأرض وتحت سماء الغرب التونسيّ هي أيضا رؤيا للعالم ( (Vision du monde تدخل ضمن التراث اللاّمادّي الذي وجب صونه والمحافظة عليه. وفي حماية هذه التعبيرات الشعبيّة والمعطيات الثقافيّة والأنتربولوجيّة من الاندثار والنسيان شحذ للذاكرة الوطنيّة، وصون لروح التراث التونسيّ الأصيل بتنوّعه الثقافيّ وعمقه الإنسانيّ.

الكاتب : مختار الخلفاوي

اعلامي، كاتب، ودكتور في الحضارة واللغة العربية.

تطوير تقني: بلال الشارني
تطوير تقني: بلال الشارني

الكاتب : مختار الخلفاوي

اعلامي، كاتب، ودكتور في الحضارة واللغة العربية.

mokh
Scroll to Top