شيطنة الخصم السياسي: المتآمرون بوصفهم شياطين العصر

منذ سنوات، أصبحت كلمات "المؤامرة" و"التآمر" و"المتآمرون" من أكثر الكلمات تداولا في المجال السياسي التونسي. ولم تعدْ مجرد إحالة على أفعال محددة يمكن التحقيق فيها وإثباتها أو نفيها، بل تحولت إلى جزء من سردية سياسية واسعة تفسر الصعوبات والأزمات والعراقيل التي تواجه الدولة. اليكم/اليكن هذه الورقة من اعداد الدكتور محسن الخوني.

الكاتب : محسن الخوني

باحث جامعي

اكتسب معجم التآمر حضورا خاصا منذ 25 جويلية 2021، ثم مع القضايا التي حملت عنوان “التآمر على أمن الدولة” وما رافقها من جدل سياسي وقانوني. غير أن المسألة التي تستحق النظر ليست إثبات وجود مؤامرات أو نفيها، فالتاريخ السياسي يعرف دائما صراعات خفية ومصالح متعارضة وأعمالا سرية. السؤال الأعمق هو: متى تتحول المؤامرة من احتمال سياسي محدد إلى طريقة شاملة في تفسير الواقع؟

الكاتب : محسن الخوني

باحث جامعي

اكتسب معجم التآمر حضورا خاصا منذ 25 جويلية 2021، ثم مع القضايا التي حملت عنوان “التآمر على أمن الدولة” وما رافقها من جدل سياسي وقانوني. غير أن المسألة التي تستحق النظر ليست إثبات وجود مؤامرات أو نفيها، فالتاريخ السياسي يعرف دائما صراعات خفية ومصالح متعارضة وأعمالا سرية. السؤال الأعمق هو: متى تتحول المؤامرة من احتمال سياسي محدد إلى طريقة شاملة في تفسير الواقع؟

لمّا تكون المؤامرة فعلا سياسيا مُحدّدا فإنه يكون لها فاعلون ووقائع وأدلة وحدود زمنية. أما عندما تتحول إلى سردية تفسيرية شاملة، فإنها تصبح قادرة على تفسير كل شيء: الأزمات، والإخفاقات، والاحتجاجات، وصعوبات الإصلاح. عندها لا يعود المطلوب فهم الواقع بقدر ما يصبح المطلوب كشف اليد الخفية التي تقف وراءه. وفي هذا تنشأُ مشكلة سياسية عميقة تتمثّلُ في أنّ المؤامرة تكفّ عن كونها موضوعا من موضوعات السياسة وتصبح بديلا عن السياسة نفسها.

المتآمر والشيطان

لا تتعلق المقارنة هنا بين الشيطان والمتآمر بمساواة بين العقيدة الدينية والخطاب السياسي، وإنما بفهم التشابه في طريقة اشتغال صورتين داخل الوعي الجمعي.

فالشيطان في المخيال الديني ليس مجرد فاعل شرير يقوم بفعل محدد وينتهي أثره، بل هو قوة خفية قادرة على التخفي والتجدد والانتشار. إنه لا يُعرف بحضوره المباشر، بل بآثاره وبالتحذير المستمر منه. لذلك فإن مواجهته ليست معركة عابرة، بل صراع دائم.

وتظهر البنية نفسها في صورة المتآمر داخل بعض الخطابات السياسية. فالمتآمر لا يكون شخصا أو مجموعة محددة فقط، بل يتحول إلى شخصية رمزية بها يتمّ تفسير كل ما يصعب تفسيره. إنه حاضر من خلال آثاره لا من خلال ظهوره المباشر. ويُقال إنه يعمل في “الغرف المظلمة”، أي في فضاء لا تصل إليه المعرفة العادية.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: كلما ازداد الغموض، لا يضعف خطاب المؤامرة بالضرورة، بل قد يزداد قوة، فغياب المعرفة بالوقائع والأدلّة يتحول إلى دليل على مهارة المتآمر في التخفي. تكمن قوة هذه السردية في بساطتها: إنها تقدم تفسيرا واضحا لعالم معقد، وتمنح الوعي إحساسا باليقين، وتوفر خصما يمكن تحميله مسؤولية ما يحدث.

من المسؤولية إلى المؤامرة

تقوم السياسة الحديثة على مبدأ أساسي ألا وهو المسؤولية: يتخذ الحاكم والمؤسسات والفاعلون السياسيون قرارات، ويمكن تقييم نتائجها ومساءلتهم عنها، لكن عندما تصبح المؤامرة إطارا شاملا لتفسير الواقع، يحدث انزياح في مركز المسؤولية، وبدلا من سؤال: لماذا فشلت سياسة معينة؟ أو لماذا لم تنجح مؤسسة ما؟ يصبح السؤال: من يقف وراء العرقلة؟

وهنا لا يتعلق الأمر بإنكار وجود تأثيرات خارجية أو مصالح معادية، بل بتحويلها في تفسير شامل يربطها سببيا أو سياقيا بالعوامل الداخلية. ويصبح الخطر أكبر حين يُستعمل هذا التفسير لحجب العوامل الداخلية لأنّ سيادة الدولة لا تعني فقط التصدّي للتدخلات الخارجية، بل تعني أيضا القدرة على إدارة شؤونها بعقل نقدي ومسؤول.

إنّ الحديث المتكرر عن “المتآمرين” و”الخونة” و”المخربين” و”الأيادي الخفية” قد يمنح الخطاب السياسي قدرة على التعبئة، لكنه لا يعوض الحاجة إلى تحليل الأسباب الحقيقية للأزمات، ولا يقدم بديلا عن السياسات القادرة على معالجتها. والسياسة التي تجعل من العدو تفسيرا دائما تخاطر بتحويل المجتمع من فضاء للمسؤولية إلى فضاء للاتهام.

من الخصم إلى العدو

الخلاف السياسي جزء طبيعي من الحياة العامة لأن المجتمعات الديمقراطية لا تتقدم بإلغاء الاختلاف، بل بتنظيمه. والخصم السياسي، مهما اشتد الخلاف معه، يبقى طرفا داخل المجال السياسي المشترك. لكن الشيطنة تغير طبيعة العلاقة. إنّها لا تقدم الخصم باعتباره صاحب رؤية مختلفة، بل باعتباره تجسّدا للشر أو للخطر. وبتغير العلاقة ينتقل الصراع من مجال البرامج والمصالح إلى مجال الأخلاق المطلقة.

وهكذا لا يكون الخصم، في الخطاب الذي يقوم على الشيطنة، مخطئا فقط، بل يصبح مرفوضا في ذاته. ولا يكون المطلوب مناقشة مشروعه أو نقد خياراته، بل إبعاده عن المجال العام باعتباره تهديدا.

ولهذا تكتسب مفردة “التطهير” دلالة خاصة، فهي لا تحيل فقط إلى الإصلاح أو المحاسبة، بل توحي أيضا بإزالة عناصر يُنظر إليها باعتبارها ملوِّثة للمجال السياسي.

إن الخطر هنا ليس في محاسبة من تثبت مسؤوليته، فذلك من وظائف الدولة، بل في تحول التصنيف السياسي إلى حكم نهائي على الأشخاص والجماعات قبل اكتمال النقاش حول الأفعال والوقائع. ويزداد الأمر خطورة حين يمتدّ هذا المنطق إلى المؤسسات فيصبح استقلال القضاء نفسه موضعا للتجاذب السياسي، وهو ما اثار جدلا واسعا حول حدود تدخّل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي.

العدو المطلق

يساعد مفهوم “العدو السياسي” عند كارل شميت، كما بسطه في كتابه مفهوم السياسي على فهم هذه النقلة، فالسياسة تقوم عنده على التمييز بين الصديق والعدو. لكن الخطر يظهر عندما يتحول العدو إلى عدو مطلق، أي عندما يُجرّد من صفته كمنافس داخل المجال السياسي، ويتحول وجوده ذاته إلى مشكلة ينبغي التخلص منها. وفي هذه الحالة، يتحوّل الصراع حول السلطة أو البرامج، إلى صراع حول بقاء الجماعة السياسية نفسها. وهذا ما يجعل خطاب المؤامرة قابلا لتبرير الاستثناءات لأن مواجهة عدو وجودي تختلف عن إدارة خلاف سياسي.

ويظهر هذا المنطق، في السياق التونسي، عندما يُقدَّم الصراع السياسي بوصفه مواجهة بين مشروع إنقاذ للدولة وقوى تعمل على تعطيله، لا بوصفه اختلافا بين تصورات متعددة لإدارة المجتمع والدولة.

وباختصار لا تبقى المشكلة هنا وجود خصوم سياسيين، بل في تحويلهم إلى أعداء لا يمكن إدماجهم في المجال السياسي.

كبش الفداء

يمكن هنا استحضار تحليل رينيه جيرار لفكرة “كبش الفداء” كما طرحه في كتابه العنف والمقدس، ذلك أنّ الجماعات، في لحظات الأزمات، تميل أحيانا إلى البحث عن فاعل تختزل فيه تعقيدات الواقع. ولا يعني ذلك أنّ كل متهم بريء، أو أن الأفعال الخطيرة غير موجودة، بل يعني أن المجتمعات قد تبحث عن تفسير بسيط لأزمات مركبة، ذلك أنّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية لا تنتج عادة عن سبب واحد، بل عن تراكم عوامل متعددة. لكن وجود عدوّ واضح يوفر إجابة سهلة ويمنح شعورا بأن المشكلة محددة ويمكن القضاء عليها. والخطر أن يحلّ البحث عن المتآمر محلّ البحث عن الأسباب.

حرب بلا نهاية

في السياسة العقلانية، لكل أزمة تاريخ: بداية وأسباب وفاعلون وحلول، أما في خطاب المؤامرة فإن الزمن يتوقف لأنّ المتآمرين كانوا موجودين قبل الأزمة، وهم سببها أثناءها، وسيظلون موجودين بعدها. وحتى عندما تتم محاسبة أشخاص معينين، تبقى المؤامرة قائمة، لأنها لا ترتبط فقط بأفراد، بل ببنية خفية قابلة للتجدد.

وبهذا تتحول السياسة إلى حرب دائمة ضد عدو دائم وبذلك تفقد المدد الانتخابية معناها وإلزاميتها، إذ يصبح الرجوع إلى الوراء، بعد كل ما قيل عن المتآمرين وأعداء الوطن، ضربا من المستحيل السياسي. فحين لا تنتهي الحرب، لا تصبح الانتخابات وسيلة لتداول المسؤولية، بل محطّة أخرى في معركة لا يُسمح لها بأن تنتهي.

خاتمة

إن نقد خطاب المؤامرة لا يعني إنكار وجود المؤامرات في التاريخ أو في السياسة. فالدول تعرف فعلا صراعات خفية ومصالح متعارضة وأعمالا سرية. لكن الفرق كبير بين مؤامرة محددة يمكن التحقيق فيها، وبين تحويل المؤامرة إلى رؤية شاملة للعالم، لأنّ الخطر في الحالة الثانية لا يكمن فقط في احتمال الخطأ في تحديد الخصوم، بل في أن تصبح المؤامرة بديلا عن التفكير السياسي نفسه.

وعندما يتحول كل إخفاق إلى نتيجة لفعل خفي، يضعف النقد. وعندما تتحول كل معارضة إلى تهديد، يضعف الاختلاف، وعندما يصبح كل خلاف معركة وجود، تتراجع السياسة من كونها مجالا لإدارة المصالح المتعارضة إلى مجال لمطاردة الأعداء.

إن تراجع السياسة لا يبدأ فقط بتغير المؤسسات أو القواعد، بل يبدأ أيضا عندما يفقد الخطاب السياسي قدرته على تفسير الواقع بعقل نقدي، فيستبدل التحليل بالاتهام، والبرنامج بالمواجهة، والمسؤولية بالبحث الدائم عن متآمرين.

إنّ السياسة تحتاج إلى خصوم وليس إلى شياطين.

الكاتب : محسن الخوني

باحث جامعي

تطوير تقني: بلال الشارني
تطوير تقني: بلال الشارني

الكاتب : محسن الخوني

باحث جامعي

mokh00
Scroll to Top