شركة “الصوناد”: شبكات متهالكة، أزمة ماليّة وحوكمة في مهب الريح

على امتداد السنوات الأخيرة، عاش التونسيون على وقع عطشٍ متكرر، إذ تنقطع المياه عن مدن وقرى لأيام طويلة، وأحيانًا لأسابيع. ورغم أنّ تغيّرات المناخ تضغط على موارد البلاد المائية، فإنّ الأزمة تتفاقم بفعل الوضع المالي المتأزّم للشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) واختلال الحوكمة داخلها، ما يجعل إدارة هذه الثروة الحيوية وتوفيرها للمواطنين مهمة شاقة تهدد حقهم الدستوري في الماء.

الكاتبة : رحمة الباهي

صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة

“قد تنقطع المياه في أحياء من الرديّف -تقع غرب ولاية قفصة من الجنوب الغربي التونسي- لمدّة 20 يوما وأحيانا 30 يوما متواصلا في فصل الصيف، وإذا عادت المياه فذلك لمدّة تتراوح بين 3 و5 ساعات في الليل.. نحن نعاني من هذه المشكلة منذ سنة 2004 وهي تؤثّر على المواطنين.ـات في المنطقة وحتّى الفلّاحون يشاهدون زراعاتهم تتدهور”. بهذه العبارات حاول صبري ملكي -ناشط بالمجتمع المدني وأحد مؤسّسي حراك “يِزّينا” الرديّف- تلخيص المعاناة التي يعيشها متساكنو.ـات المنطقة منذ سنوات عديدة.

ولئن كان انقطاع المياه في الرديّف يعود إلى عوامل متعدّدة باعتبار خصوصيّة المنطقة ونشاط شركة فسفاط قفصة فيها، إلّا أنّ الانقطاعات المتكرّرة للماء الصالح للشراب خلال السنوات الأخيرة أصبحت مشكلة تؤرق المواطنين.ـات في مختلف مناطق الجمهورية التونسيّة، حيث يتواصل هذا الانقطاع في أماكن بعينها لأيّام متواصلة.

 

الكاتبة : رحمة الباهي

صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة

“قد تنقطع المياه في أحياء من الرديّف -تقع غرب ولاية قفصة من الجنوب الغربي التونسي- لمدّة 20 يوما وأحيانا 30 يوما متواصلا في فصل الصيف، وإذا عادت المياه فذلك لمدّة تتراوح بين 3 و5 ساعات في الليل.. نحن نعاني من هذه المشكلة منذ سنة 2004 وهي تؤثّر على المواطنين.ـات في المنطقة وحتّى الفلّاحون يشاهدون زراعاتهم تتدهور”. بهذه العبارات حاول صبري ملكي -ناشط بالمجتمع المدني وأحد مؤسّسي حراك “يِزّينا” الرديّف- تلخيص المعاناة التي يعيشها متساكنو.ـات المنطقة منذ سنوات عديدة.

ولئن كان انقطاع المياه في الرديّف يعود إلى عوامل متعدّدة باعتبار خصوصيّة المنطقة ونشاط شركة فسفاط قفصة فيها، إلّا أنّ الانقطاعات المتكرّرة للماء الصالح للشراب خلال السنوات الأخيرة أصبحت مشكلة تؤرق المواطنين.ـات في مختلف مناطق الجمهورية التونسيّة، حيث يتواصل هذا الانقطاع في أماكن بعينها لأيّام متواصلة.

 

تتعدّد الأسباب التي تؤدّي إلى انقطاع المياه، وإن ارتبط بعضها بالتغيّرات المناخيّة وتأثيراتها على تونس، فهناك عوامل أخرى ترتبط بالشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) والحوكمة صلبها.

الماء في تونس: بين شحّ الموارد وتهالك البنية التحتيّة

أقرّت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة حقّ الإنسان في الحصول على كفايته من المياه للاستخدام الشخصي والمنزلي (ما بين 50 و100 لتر لكلّ فرد يوميّا)، على أن تكون تلك المياه مأمونة وبأثمان معقولة -لا ينبغي أن تتجاوز 3% من مجمل الدخل الأسري-، وأن تكون متاحة من حيث المكان (ألّا تبعد أكثر من 1000 متر من المنزل) ومن حيث الزمان (ألّا يستغرق الحصول عليها أكثر من 30 دقيقة).

في تونس، يكرّس دستور 2022 الحقّ في الماء من خلال الفصل 48 الذي ينصّ على أنّه “على الدولة توفير الماء الصّالح للشّراب للجميع على قدم المساواة، وعليها المحافظة على الثروة المائيّة للأجيال القادمة”.

على الرغم من ذلك، باتت معضلة المياه والانقطاعات المتكرّرة التي تشهدها جهات مختلفة من تونس، والتي تستمرّ لمدّة طويلة في الأرياف والأحياء الشعبية بشكل خاصّ، عائقا أمام تمتّع التونسيين.ـات بهذا الحقّ الذي يمثّل شريان الحياة.

وكان المرصد التونسي للمياه -منظمة غير حكوميّة- قد سجّل 536 انقطاعا غير معلن واضطرابا في توزيع المياه الصالحة للشرب على مستوى الجمهورية التونسية خلال شهر جويلية/ تموز 2025، إضافة إلى 28 تسرّبا.

تمثّل التغيّرات المناخيّة عاملا مهمّا في علاقة بتأثيرها على مخزون تونس من المياه وبالتالي قدرتها على توفيره للمواطنين.ـات. يفيد تقرير المناخ والتنمية الخاصّ بتونس والصادر عن البنك الدولي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، أنّ ندرة المياه وتآكل السواحل والفيضانات واعتماد قطاع الطاقة على الوقود الأحفوري يمثّل أبرز تحدّيات التنمية والتغيّرات المناخية في تونس.

ويشمل تأثير ندرة المياه في تونس معظم جوانب التنمية الاجتماعية والاقتصادية، إذ زاد الطلب على المياه في السنوات الأخيرة نتيجة للنموّ العمراني وارتفاع عدد السكّان وتنامي احتياجات الريّ. ومن المتوقّع أن تؤدّي حدّة الظواهر الطبيعية المتزامنة مع التغيّرات المناخية القاسية إلى شحّ في المياه بحلول عام 2050، يصاحبه ارتفاع للطلب مقابل العرض بنسبة 28%، وفق المصدر ذاته.

يقرّ الأستاذ الباحث بمركز بحوث وتكنولوجيات المياه حمزة الفيل، في مقابلة مع موقع الكتيبة، بأنّ التغيّرات المناخيّة لها دور في انقطاع المياه إلّا أنّ الأسباب متعدّدة، من بينها أنّ قنوات توزيع المياه التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) مهترئة، إذ تشهد حوالي 240 تسرّبا في السنة.

ويمثّل ضعف الصيانة أيضا عاملا مساهما في انقطاع الماء الصالح للشراب، وقد يبقى التسرّب في إحدى القنوات لمدّة أسبوع متواصل دون أن يقع إصلاحه وهو ما يؤدّي إلى ضياع نسبة كبيرة من الماء، خاصّة أنّ هذه القنوات قديمة وبعضها تتجاوز أعمارها الـ35 سنة، وفق المتحدّث ذاته.

أُحدثت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه -وهي منشأة عموميّة تخضع إلى إشراف وزارة الفلاحة والموارد المائيّة والصيد البحري- سنة 1968، وتتولّى إنتاج وتوزيع الماء الصالح للشراب قصد تأمين تزويد جميع مناطق الجمهورية التونسية.

يبلغ عدد مشتركي شركة استغلال وتوزيع المياه 3.3 مليون مشترك أي ما يعادل 11.4 مليون ساكن، ويبلغ طول شبكات إنتاج وتحويل وتوزيع الماء الصالح للشرب 59 ألف كم.

وتتولّى الشركة إنتاج الماء ومعالجته ونقله، فضلا عن إدارة وصيانة شبكات المياه والتجهيزات والتصرّف التجاري، إلى جانب إعداد الدراسات والقيام بالأشغال والتزويد. ويبيّن الموقع الرسمي للشركة أنّ نسبة التزوّد الجمليّة من قبل الشركة بلغت 85,6% سنة 2023، حيث بلغت في الوسط الحضري 100% و54,6% في الوسط الريفي.

يفيد التقرير الوطني حول قطاع الماء 2023، الصادر عن وزارة الفلاحة، أنّ نسبة كفاءة شبكة التزويد تقدّر بـ86,8%، في حين بلغت نسبة كفاءة شبكة التوزيع 77,7%.

وقدّر المعدّل العامّ لنسبة الكفاءة لشركة توزيع واستغلال المياه حاليّا بحوالي 67,4%. ويُقدّر حجم الفواقد المائيّة بـ149 مليون متر مكعّب في 2023، منها 30% فواقد تجاريّة.

في سياق متّصل، بلغ عدد التسرّبات التي قامت الصوناد بإصلاحها 209,090 تسرّب في 2023، بالإضافة 22,191 عطبا، بحسب ما جاء في الموقع الرسمي للشركة.

يؤكّد الخبير في مجال المياه وكاتب الدولة السابق للموارد المائيّة والصيد البحري عبد الله الرابحي لموقع الكتيبة أنّ نسبة كفاءة شبكات شركة توزيع واستغلال المياه تبلغ حوالي 68% ممّا يعني أنّ نسبة الماء الضائع تبلغ حوالي 30% خاصّة أنّ تونس بلد يعاني من الشحّ المائي.

ويضيف الرابحي أنّ ضياع المياه يقع في الشبكات دون أن تنتبه الصوناد إلى ذلك نتيجة غياب المراقبة الحينية، مشيرا إلى أنّ الضياع يشمل ما لم يقع إصلاحه في الوقت المناسب.

لا تمثّل الانقطاعات المتكرّرة للمياه المشكلة الوحيدة التي يشكو منها المشتركون في الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. جولة صغيرة في بعض مواقع التواصل الاجتماعي تظهر شكاوى عديدة من نوعيّة المياه التي تصل إلى المستخدمين، سواء حيث من لونها أو رائحتها.

ييرز التقرير الوطني حول قطاع المياه 2023 ارتفاع عدم الامتثال البكتريولوجي في المياه الموزّعة من قبل الصوناد من 12% سنة 2022 إلى 13,6% في 2023. وسُجّلت معدّلات عدم امتثال ملحوظة في ولايات منوبة وباجة وقابس والقصرين وصفاقس والكاف.

ويعود ذلك إلى غياب عمليّات التطهير أو عدم فعاليّتها، حيث سُجّل أعلى معدّل لغياب الكلور المتبقّي الحرّ في ولاية القصرين بنسبة 21,7%.

في هذا الإطار، يقول الأستاذ الباحث بمركز بحوث وتكنولوجيات المياه حمزة الفيل إنّ نسبة عدم مطابقة مياه الصوناد للمواصفات من الناحية البكترولوجية تبلغ في بعض المناطق الريفية 23 أو 24% ، مشيرا إلى أنّ المواطن إمّا يرى أنّ لون الماء غريب أو يستشعر رائحة غير طبيعيّة.

ويوضّح الفيل أنّه أحيانا عندما تنكسر قنوات المياه يتسرّب إليها التراب ويمكن رؤيته بالعين المجرّدة في هذه الحالة، مبرزا أنّ الإشكال يتعلّق بما لا يُرى والذي يقع الانتباه إليه في طعم المياه، ومردّه عدّة عوامل، من بينها إمّا نسبة ملوحة مرتفعة وهذا يحصل غالبا في فصل الصيف وتصل إلى 1 غرام في اللتر الواحد وأحيانا 1.5.

ويلفت النظر إلى أنّ نسبة ملوحة مياه الصوناد في ولاية المنستير تبلغ 1.9 غ/لتر على مدار السنة ولا يمكن شربه رغم أنّه يبقى ضمن المواصفات التونسية وهو أمر لا يمكن مجابهته إلّا بتحلية هذه المياه، مبيّنا أنّ الصوناد تعتبر أنّ الماء الذي تتجاوز نسبة ملوحته 2.5 غرام/لتر هو ما يستحقّ التحلية.

ويردف محدّثنا بالقول إنّ الماء أيضا يحتاج إلى التعقيم قبل توزيعه وهذا الأمر يقع باستعمال ماء الجافال بنسبة تتراوح -حسب المعايير الدولية- بين 0.2 و0.6 مليغرام في اللتر، موضّحا أنّ الصوناد تستعمل معدّل 1.2 مليغرام في اللتر حسب المناطق.

ويفيد حمزة الفيل أنّه في سنة 2021 تمّ تسجيل نسبة كلور تتجاوز الحدّ الأقصى بـ15 مرّة، إلّا أنّ الوضع تحسّن مؤخرّا وأصبح معدّل الكلور يتجاوز المعدّل الأعلى بـ3 مرّات فقط، وهو أمر مقلق إلّا أنّ الأخطر هو تفاعل الكلور مع المواد العضوية، ويتعاظم الخطر عندما يتمّ الاستحمام دون ترك نافذة مفتوحة.

ويبيّن أنّ عملية تعقيم الماء بـ”الجافال” بسيطة لكن يجب أن تقع وفق إجراءات معيّنة، مبرزا أنّه في بعض الأحيان عندما يكون هناك نقص في صفوف الموظفين بالصوناد يتمّ تكليف عامل بإضافة الكلور دون أن يتمتّع بالمعرفة والتكوين الضروري للقيام بذلك.

ويشير الفيل إلى أنّه في محطّات المياه الكبرى أصبحت مضخّة الكلور مرتبطة بمضخّة الماء بحيث تصبح عمليّة إضافة الكلور مرتبطة بكمّيات الماء التي يقع ضخّها، مضيفا أنّه في بعض الأحيان قد تتعطّل مضخّة الكلور ولذلك من الضروري أن يكون هناك مضخّتان للقيام بذلك.

في أماكن قد يقع عطب ولا يتمّ إصلاحه إلّا بعد نصف شهر وبالتالي يكون الماء إمّا غير معقّم أو يقع إضافة الكلور بطريقة بدائية.

حمزة الفيل

ويؤكّد الفيل أنّ عمليّة تعقيم المياه في تونس تشهد تحسّنا خلال السنوات الأخيرة ولكن لا بدّ من مزيد تحسينها.

في المقابل، يشدّد الكاتب العامّ للجامعة العامّة للمياه -وهي تابعة للاتحاد العامّ التونسي للشغل- خالد بوعجيلة، في حوار مع موقع الكتيبة، على أنّ ماء الصوناد يخضع إلى تحاليل بعد أن تقع معالجته قبل أن يقع توزيعه ويصل إلى المواطن بشكل نظيف وصحّي.

ويضيف بوعجيلة أنّه لا توجد أيّ شكوى صحّية من مياه الصوناد وأنّ هناك مخبرا تابعا لشركة توزيع واستغلال المياه يقوم بتحليل عيّنات مياه من جميع الأقاليم، إضافة إلى توجيه عيّنات إلى مخبر حكومي للتأكّد ممّا إذا كانت صالحة للشرب أو لا.

على صعيد آخر، تشير وزارة الفلاحة في التقرير الوطني حول قطاع الماء 2023 إلى تجاوزات تتعلّق بالربط العشوائي والآبار غير المرخّصة، لا سيّما في ولايات الوسط مثل القصرين والقيروان، ولكن أيضا سوسة والمنستير، وهي ولايات تواجه انقطاعا مطوّلا للمياه.

تواجه منطقة الرديّف -التي تشهد انقطاعات متواصلة للمياه- مثل هذه الاتهامات من قبل المسؤولين الجهويّين في الصوناد، حيث يفيد الناشط بالمجتمع المدني صبري ملكي أنّ مسؤولا اتهم المواطنين.ـات بسرقة المياه حتّى يقوموا بسقي الأشجار.

ويعتبر ملكي أنّ الهدف من هذه التصريحات هو توجيه الناشطين المطالبين بالحقّ في الماء إلى “معركة” ضدّ هؤلاء المواطنين في حين أنّ هؤلاء تحصّلوا على رخص كي يتمّ توفير الماء لهم منذ 2014 و2015 دون أن يقع توفيره، ممّا يدفعهم إلى الحصول عليه بأساليب أخرى، مضيفا أنّ ما يقومون به لا يعدّ مشكلة أو عاملا مساهما في انقطاع الماء.

الصوناد: اختلالات ماليّة وهيكليّة

يُجمع الخبراء الذين تحدّث معهم موقع الكتيبة على أنّ إصلاح منظومة الماء في تونس يحتاج إلى موارد ماليّة ضخمة. وكانت تونس قد أعدّت استراتيجية الماء 2050 بكلفة تقدّر بـ5 مليار دينار، وفق تصريح كاتب الدولة السابق عبد الله الرابحي.

وتقدّر قيمة مشاريع إصلاح منظومة الماء التي جاءت في هذه الاستراتيجية بـ75 مليار دينار.

تهدف الدولة التونسية، وفق الاستراتيجية المذكورة، إلى تحسين نسبة كفاءة شبكات التوزيع لتبلغ 79% بحلول 2030 و85% في أفق 2050. وقد وضعت خطّة قيمتها 70 مليون يورو تشمل 7 ولايات ذات نسبة الكفاءة الأضعف في علاقة بشبكات التوزيع. ولا يتوفرّ حاليّا إلّا مبلغ 25 مليون يورو.

وتطمح الدولة التونسية إلى تجديد 90% من شبكات التوزيع التي تمّ وضعها قبل 2005 بحلول 2050.

يؤكّد الأستاذ الباحث بمركز بحوث المياه حمزة الفيل أنّ إعادة بناء شبكات توزيع المياه يحتاج إلى أموال ضخمة، مبيّنا أنّ الصوناد تقوم سنويّا بتجديد بين 200 و300 كلم، وإذا تمكّنت من إنجاز تجديد 1000 كلم في السنة فذلك يعني أنّها ستحتاج إلى 50 عاما لتجديد كامل الشبكة.

وشدّد على أنّ تجديد 1000 كلم في السنة في ظلّ الظروف الحاليّة التي تعيشها شركة الصوناد صعب.

من جهته، يقرّ الخبير في مجال المياه عبد الله الرابحي أنّ مسألة تحسين نسبة كفاءة شبكات التوزيع ضرورية ولا بدّ من العمل عليها وأنّه قبل الاستثمار في مشاريع المياه لا بدّ من إصلاح هذه المسألة وربح 15 نقطة على الأقلّ في هذا المجال.

ويردف بالقول إنّ الإدارة تتحدّث عن تجديد كلّ الشبكة مضيفا أنّه لا توجد في أيّ دولة نسبة كفاءة تعادل 100% حتّى في الدول الأوروبية، ومؤكّدا أنّ الدولة التونسية ليس لديها “مال قارون” وما يكفي من الإمكانيّات لتغيير الشبكات.

تثبت الأرقام المذكورة في التقارير حول المنشآت العموميّة -التي تصدرها وزارة الماليّة بشكل سنوي- الوضعية الحاليّة الماليّة الصعبة التي تعيشها الشركة الوطنيّة لاستغلال وتوزيع المياه رغم التحسّن المسجّل مؤخّرا. وقد سجّلت الشركة نتائج صافية سلبيّة بقيمة 8,9 مليون دينار سنة 2023 مقابل نتائح صافية سلبيّة بقيمة 129,3 مليون دينار في 2019.

وتطوّرت إيرادات استغلال شركة الصوناد من 436,8 مليون دينار في 2018 إلى 775,5 مليون دينار في 2023. في المقابل، شهدت أعباء استغلال الشركة تطوّرا من 506,6 مليون دينار في 2018 إلى 747,5 مليون دينار في 2023.

وبلغت مديونية شركة استغلال وتوزيع المياه تجاه الدولة التونسيّة 61,3 مليون دينار، في الوقت الذي بلغت فيه مستحقّات الشركة لدى الدولة 809,2 مليون دينار.

وتعاني “الصوناد” من عدم تسديد مستحقّاتها من قبل الحرفاء سواء كانوا منزليين أو مؤسسات ومنشآت عمومية أو خاصّة. وتبلغ قيمة الديون المتخلّدة بذمّة جميع حرفاء الشركة 1084 مليون دينار، وفق ما صرّح به الرئيس المدير العامّ عبد الحميد منجّة للإذاعة الوطنية في فيفري/ شباط 2025.

وقد ذكرت دراسة حول وضعية شركة استغلال وتوزيع المياه، أصدرها البنك الدولي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 المتعلّقة بالصوناد أنّ تعثّر تحصيل الديون، خاصة من قبل المنشآت والمؤسسات العمومية، يسبّب ضغوطا على السيولة والتدفقات النقدية للصوناد.

كما تشير إلى صعوبات في استيفاء المستحقّات خاصّة بسبب ضعف أنظمة المتابعة والمراقبة.

وكان رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد التقى يوم 17 فيفري/ شباط 2025، المدير المركزي للإنتاج بشركة استغلال وتوزيع المياه نعمان المرايحي والرئيس المدير العامّ للشركة التونسية للكهرباء والغاز فيصل طريفة. وأسدى سعيّد تعليماته بتمتيع المجامع المائيّة بجدولة ديونها مؤكّدا ضرورة إعلام المواطنين قبل قطع الماء في صورة القيام بأشغال صيانة أو إصلاح. كما أوصى بضرورة الإسراع بوضع خطّة لتجديد شبكة المياه الصالحة للشراب، وفق بلاغ صادر عن رئاسة الجمهورية.

في الإطار ذاته، “أذن رئيس الجمهورية خلال لقاء جمعه برئيس الحكومة السابق كمال المدّوري يوم 14 فيفري/ شباط المنقضي بضرورة العمل على إيجاد صيغ عمليّة لجدولة الديون المتخلّدة بذمّة المعسّرين من المشتركين في الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه مع التخلّي عن الخطايا”، وفق بلاغ صادر عن رئاسة الجمهورية. .

على إثر هذه اللقاءات، أعلنت وزارة الفلاحة، في بلاغ لها يوم 20 فيفري/ شباط 2025، عن تمتيع شريحة من الحرفاء والمجامع المائيّة بجدولة لديونهم على أقساط شهريّة يمكن أن تمتدّ إلى 7 سنوات بداية من 24 فيفري/ شباط 2025.

ويهمّ القرار شريحة الحرفاء الذين لا يتجاوز استهلاكهم 40 مترا مكعّبا في الثلاثية ليتمتّعوا بجدولة آليّة لديونهم على أقساط شهريّة يتمّ احتسابها بناء على قيمة الدين. ويشمل هذا الإجراء كذلك المجامع المائية التي تلاقي صعوبات في خلاص استهلاكها.

في المقابل، يعتبر كاتب الدولة للموارد المائية السابق عبد الله الرابحي أنّ مسألة الديون لا تزعج كثيرا وأنّه لا يجب الضغط كثيرا على المواطنين.ـات ويمكن جدولة الديون. أمّا في يتعلّق بالمؤسسات والمنشآت العمومية، من الممكن أن تقوم الدولة بإجراء استثناء قانوني يتمّ بموجبه إجراء نوع من “المقايضة” بين المؤسسات التي لديها ديون متخلّدة لدى بعضها البعض، وفق تقديره.

إلّا أنّ الكاتب العامّ للجامعة العامة للمياه خالد بوعجيلة يرى أنّه لا يمكن حلّ إشكال المديونيّة واسترجاع أموال الصوناد إلّا من خلال تكليف فريق ثابت في كلّ إدارة جهويّة يعمل على استخلاص ديون شركة استغلال وتوزيع المياه لأنّ “الحريف عندما لا يُطبّق عليه القانون لن يدفع خاصّة عندما يكون في مكان بعيد وليس هناك مقرّ للشركة قربه”، على حدّ قوله.

لا يمكن تلخيص الوضعية الماليّة الصعبة للصوناد في مسألة الديون، إذ يعتبر الخبراء الذين تحدّث معهم موقع الكتيبة أنّ هيكل تسعيرة الماء غير قادر على تحقيق التوازن المالي للشركة باعتبار أنّ كلفة إنتاج المتر المكعّب من الماء أعلى بكثير من سعر بيعه.

يبيّن الباحث بمركز بحوث وتكنولوجيات المياه حمزة الفيل أنّه في أوروبا يقع تسعير المتر المربّع من المياه الصالحة للشرب بين 12 و15 دينارا، إلّا أنه يتمّ شرب المياه من الحنفيّات لجودتها، في حين يتمّ بيع المتر المكعّب في تونس بين 200 ملّيم للفئات الضعيفة و1 دينار وحوالي 2 دينار على أقصى تقدير، وهو ما يمثّل مشكلة بالنسبة للتوازنات الماليّة للصوناد.

يؤكّد تقرير البنك الدولي حول وضعية الصوناد أنّ غياب آليّة تنظيمية لتعديل التعريفات الماليّة تلقائيّا بشكل يسمح بمواكبة ارتفاع أسعار أعباء الاستغلال على غرار تكاليف التشغيل وأسعار الطاقة الضرورية لإنتاج الماء، يضع الشركة في وضع مالي صعب.

ويفيد أيضا أنّ تعريفات الماء أقلّ بكثير من تكلفتها الحقيقيّة، إذ كانت أقلّ بـ12% من كلفة الإنتاج في 2014، مسجّلا ضعفا واضحا في “تحقيق العدالة الاجتماعية الحقيقية من خلال هيكلة التعريفات، إذ يستفيد الفقراء والأغنياء بشكل غير مناسب”.

بدوره، يؤكّد الخبير في مجال المياه عبد الله الرابحي أنّ الماء الذي تبيعه الصوناد يعدّ منخفض الثمن. ويقترح أن يقع تعديل وتكييف الفاتورة لا الترفيع في قيمتها، وذلك من خلال تخفيض تعريفة بيع المياه للفئات الفقيرة إلى 100 ملّيم وحتّى تمكين الطبقة الفقيرة من الحصول على الماء مجّانا، على أن يقع التخفيض في كمّية المياه من 20 متر مكعّب إلى 15 متر مكعّب. ويتمّ احتساب المتر المكعّب بـ500 مليم ابتداء من استهلاك 15 متر مكعّب. في المقابل، يتمّ ترفيع سعر الفاتورة لمن يستهلك كمّيات كبيرة من المياه. علما وأنّ كل متر مكعّب يكلّف الدولة على مستوى السدود قبل أن يقع توزيعه في الشبكات 1670 ملّيم.

ويذكر أنّه في مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا -وهي مدينة يسيطر عليها الأثرياء من البيض- تقع فوترة المياه باعتماد اللتر لا المتر المكعّب الواحد ويدفع متساكنو المنطقة قيمة ما يستهلكونه باللتر.

الصوناد: مؤسّسة مُنهكة تعاني من نقص في اليد العاملة

تمثّل مشكلة ضياع المياه أبرز التحدّيات التي تواجه الصوناد وهي مسألة تتعلّق بالحوكمة من الجانب المادّي من ناحية ومن جانب الإمكانيات البشريّة وتكوين الأعوان من ناحية أخرى.

في إحدى الدوائر المكلّفة بالماء في ولاية قفصة، في وقت سابق، كان هناك 5 أو 6 مهندسون يعملون، اليوم لا يوجد في هذه الدائرة إلّا عون واحد، وفق تأكيد عبد الله الرابحي لموقع الكتيبة.
في بعض المناطق، عندما يقع عطب ما، يستغرق الأمر وقتا طويلا قبل إرسال الأعوان لإصلاحه، بحسب حمزة الفيل الذي يشدّد على أنّه من غير المعقول أن يبقى تسرّب لـ24 ساعة دون أن يقع إصلاحه.

يؤكّد الكاتب العامّ لجامعة المياه خالد بوعجيلة وجود نقص في اليد العاملة في شركة الصوناد، إذ قبل 2011 كان هناك ما يقارب 1800 عونا موسميين، إلى جانب بين 5800 و6000 عونا قارّا، وبالتالي 7500 عونا على الأقلّ، أمّا اليوم، فتعمل الشركة بحوالي 6000 عونا فقط.

ويبيّن أنّ نقص اليد العاملة دفع شركة استغلال وتوزيع المياه إلى تكليف مقاولين للقيام بأشغال أو مشاريع، الأمر الذي خلق عدّة مشاكل على مستوى إنجاز هذه الأشغال.

“العون الواحد اليوم يقوم بعمل 3 أعوان في 3 مسالك سواء كان ذلك على مستوى التنفيذ أو التسيير”.

وضعية شركة استغلال وتوزيع المياه الصادرة عن البنك الدولي، أنّ اليد العاملة ارتفعت داخل الشركة حتى عام 1999 لتستقرّ عند حوالي 7000 موظّف، مع استمرار تزايد عدد المشتركين بالتزامن مع تواصل ارتفاع عدد المشتركين. وقد بلغت نسبة “عدد الموظفين/1000 مشترك” 4%، أي 3 أعوان لكلّ 1000 مشترك.

وتوقّعت الدراسة في المقابل أن تتقاعد نصف اليد العاملة خلال السنوات الـ10 القادمة، أي أنّه من المنتظر أن يغادر ثلث الأعوان الدائمين قبل حلول 2020، ما يعادل 5% إلى 6% سنويّا. ويتأثر بذلك ما يقارب 2000 شخص -دون أن يشمل ذلك الأعوان المؤقتين الذين سيغادرون خلال الفترة ذاتها. ويزداد الوضع حرجا نظرا إلى عدم وجود استراتيجية أو خطّة عمل لدى الشركة لاستبدال هؤلاء الموظفين.

كذلك، يخضع التوظيف الداخلي والخارجي للصوناد إلى آليات تعتمد على مسابقات رسميّة ممّا يحدّ من قدرة الشركة على التكيّف مع حاجياتها العاجلة للإطارات المناسبة. علاوة على ذلك، لا توجد خطّة واضحة لإدارة الموارد البشرية ويقع التركيز على التكوين التقني دون تطوير مهارات الإدارة والقيادة، وفق المصدر نفسه.

تسجّل الدراسة أيضا تركيز الرواتب داخل شركة استغلال وتوزيع المياه على المناصب عوض الكفاءة والأداء، فضلا عن وجود بنية تحتيّة جامدة تحدّ من التنقّل الوظيفي والمرونة، وغياب آليات لتحفيز الأداء والاهتمام بالصحّة والسلامة في العمل.

جدير بالذكر أنّ رئيس مدير عام الصوناد عبد الحميد منجة قد صرّح في حوار صحفي في شهر جوان/حزيران المنقضي أنّه من المنتظر أن تنتدب الشركة 1500 عونا بعد أن تقلّص عدد الأعوان من 7500 إلى 5900 بسبب المغادرة للتقاعد أو لأسباب صحّية.

يقول كاتب الدولة السابق للموارد المائية عبد الله الرابحي إنّه لا بدّ من العمل على إشكالية الحوكمة داخل شركة استغلال وتوزيع المياه إذ أنها غير قادرة على شراء مضخّ في قفصة أو تطاوين ولا تستطيع إصلاح عطب في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن الحصول على الماء لـ24 ساعة.

ويشير إلى وجود دراسة تمّ إعدادها منذ 2015 حول الصوناد ومستقبلها، وينبغي العودة إليها اليوم والعمل على تحسينها وتحديد أيّ “صوناد” نريد، حسب تعبيره.

يرفض الكاتب العامّ لجامعة المياه خالد بوعجيلة تحميل مسؤولية أزمة الحوكمة داخل الصوناد ويعتبر أنّه لا بدّ من المرور إلى الحلول، قائلا “الهدف بالنسبة إلينا في حوكمة الشركة هو تقديم الخدمات لمنظورينا.. عندما تجد نفسك في حكومات متغيرّة لا توجد متابعة للعمل”.

علاوة على تغيّر الحكومات ووزراء الفلاحة، عاشت الصوناد في السنوات الأخيرة على وقع تغييرات على مستوى منصب الرئيس المدير العامّ، إذ تولّى هذا المنصب 3 رؤساء مديرين عامّين بين 2023 و2025.

رفض خالد بوعجيلة التعليق على هذه التغييرات معتبرا أنّ سلطة الإشراف هي المعنيّة باتخاذ مثل هذه القرارات وأنّها لا تؤثر على سير عمل الشركة.

وتمسّك أنّ الأولويّة اليوم تتمثل في إعادة هيكلة الصوناد وإعادة حوكمتها، وذلك من خلال إحداث إدارات جهويّة في كلّ ولاية عوض الأقاليم التي لا تلبّي حاجيات المواطنين.ـات، في إطار تركيز اللامركزية وتخفيف الضغوطات الموجودة على مستوى الإدارات المركزية.

تؤكّد الدراسة التي نشرها البنك الدولي حول وضعيّة الصوناد في 2015 أنّ التنظيم المركزي لشركة استغلال وتوزيع المياه مركزي للغاية إذ يعتمد على 22 إدارة مركزيّة تتبع مباشرة المدير العامّ، ممّا يتسبّب في بطء في اتخاذ القرارات وعدم المرونة في الاستجابة لحاجيات المواطنين.ـات. وخلصت إلى أنّ الصوناد أصبحت مؤسسة “بيروقراطية” تميل إلى أن تكون “نظاما مغلقا” أو “أداة بيد الدولة التي تسيطر على قراراتها الاستراتيجية”.

ويؤدّي التدخّل المفرط للوزارات المختلفة في مجلس إدارة الصوناد إلى تأخير صدور القرارات وأحيانا مشاكل عندما يتعلّق الأمر في اتخاذ قرارات استراتيجية. بالإضافة إلى أنّ الرقابة المشدّدة التي تخضع إليها الصوناد تقيّد قدرتها على التكيّف والتطوّر، وفق المصدر ذاته.

تمثّل اليد العاملة أولويّة أيضا بالنسبة إلى كاتب عام جامعة المياه، فضلا عن مواكبة التطوّر في العالم سواء على مستوى المعدّات أو رسكلة الموظّفين وتكوينهم. ويشير بوعجيلة إلى أنّه تمّ عرض برنامج في هذا الإطار وتقديمه إلى رئاسة الحكومة.

واستبعد إمكانية خوصصة شركة استغلال وتوزيع المياه قائلا:

“الصوناد دولة داخل الدولة وليس من السهل خوصصتها ولكن على الدولة التفكير في إعادة حوكمة الشركة وهيكلتها”.

تواجه شركة استغلال وتوزيع المياه تحدّيات مختلفة على مستوى الحوكمة داخلها. على سبيل المثال، يؤدّي غياب عقود أداء ملزمة قانونيّا بين الدولة التونسية والصوناد، إلى جانب تقصير الدولة في تنفيذ التزاماتها تجاه الشركة، إلى تهديد استقرار هذه الأخيرة، بحسب ما جاء في تقرير البنك الدولي.

علاوة على ذلك، لا يركّز التخطيط الاستثماري لشركة استغلال وتوزيع المياه بالشّكل الكافي على تقليل الفواقد المائيّة وتحسين الأداء من خلال صيانة الشبكات والتحسين من كفاءتها، بل يقع التركيز بشكل كبير على توسعة القدرات، وفق الدراسة ذاتها.

إلى جانب اهتراء البنية التحتيّة لشبكات المياه التابعة للصوناد وضعف عمليّات الكشف عن التسرّبات وإصلاحها، تواجه الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه إشكاليّة أخرى تتعلّق بالعدّادات القديمة والمعطّلة. إذ أنّ أسطول العدّادات، خاصّة في المناطق الجنوبية، قديم جدّا، الأمر الذي يتسبّب في خسائر تجارية كبيرة، إذ أنّ 27% فقط من العدادات دقيقة، بينما 46% منها تجاوز عمره الافتراضي، ممّا يؤدّي إلى خسائر تجارية تفوق الـ10%، بحسب دراسة البنك الدولي.

وتشير الدراسة إلى وجود ضعف في استبدال العدادات القديمة والمعطّلة، بمعدّل يتراوح بين 40 و50 ألف عمليّة استبدال في السنة، في حين أن الهدف هو استبدال بين 280 و320 ألف عدّاد سنويّا.

يُذكر أنّ الرئيس المدير العامّ للصوناد عبد الحميد منجة أقرّ في حواره الصحفي المذكور بوجود إشكال في التزوّد بالعدّاد خلال سنوات 2018 و2019 و2020، مضيفا أنّ الوضع قد تحسّن حاليّا حيث يتمّ اقتناء بين 200 و300 ألف عدّاد سنويّا ويتمّ استبدال بين 150 و200 ألف عدّاد سنويّا. وأشار إلى أنّ التوجّه يسير حاليّا نحو الشبكات والعدّادات الذكيّة.

على صعيد آخر، سجّلت دراسة البنك الدولي تحدّيات أخرى تواجه حوكمة الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه على غرار نظم المعلومات التجاريّة غير المكتملة، وغياب هيكل تنظيمي واضح ومركّز لإدارة الحرفاء ممّا يحول دون تطوير استراتيجية تجاريّة فعّالة، وضعف في إدارة العلاقات مع الحرفاء والتسعير والجباية.

أيّ مستقبل للصوناد؟!

لطالما كانت المياه “ثروة” نادرة في البلاد التونسية، دفعت متساكني البلاد إلى البحث عن حلول من خارج الصندوق لتأمين حاجياتهم من المياه للشرب والزراعة ومواصلة الحياة، فقد قام الرومان ببناء حنايا زغوان، وهي سواقي معلّقة فوق أقواس وأعمدة قدّت من صخور صلبة وتمتدّ على طول 132 كيلومتر، لنقل المياه من ولاية زغوان إلى مدينة قرطاج التي كانت مركز الحكم آنذاك.

ومن ثمّ، قام الأغالبة ببناء الفسقية في مدينة القيروان، والتي تُعتبر أهمّ معلم هيدروليكي في تاريخ العالم الإسلامي، وذلك لتزويد القيروان بالمياه.

كذلك، قام التونسيّون.ـات على مدار سنوات بالبحث عن حلول لتجميع المياه مثل المواجل، وهي عبارة عن حوض تخزين مياه الأمطار في شكل حفرة تأخذ شكلا معيّنا ويتراوح عمقها بين 4 و6 أمتار، وأحيانا أكثر من ذلك، وتكون داخل المنزل أو محاذية له. ويمكن اللجوء إلى ماء الماجل لعديد الاستخدامات باستثناء شربها.

اليوم، تواجه تونس تحدّيات إضافية في علاقة بندرة المياه خاصّة وأنّها من ضمن البلدان الأكثر تأثّرا بالتغيرات المناخية والشحّ المائي. ولئن تتداخل الأطراف المعنية بمجال المياه في تونس، فإنّ الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه تبقى الأهمّ ودورها الأكثر تأثيرا بالنسبة إلى المواطنين.ـات باعتبار أنّها الهيكل المعنيّ بتوفير المياه الصالحة للشرب.

يمثّل ضياع المياه إحدى أبرز الإشكاليّات التي تهدّد منظومة المياه في تونس وتستحقّ معالجة سريعة. ويقترح الأستاذ الباحث بمركز بحوث وتكنولوجيات المياه حمزة الفيل اللجوء إلى الشبكات نصف ذكيّة في مرحلة أولى والشبكات الذكيّة في مرحلة لاحقة للتدخّل بسرعة في حالة وقوع تسرّب أو عطب في إحدى قنوات المياه، نظرا إلى عدم قدرة الصوناد في الظروف الحاليّة على تجديد كامل الشبكة.

ويشير أيضا إلى ضرورة تعزيز مشاريع محطّات تحلية البحر التي شرعت فيها تونس والتي يمكن أن توفّر إمكانيّات هامّة من المياه.

يشير الفيل أيضا إلى ضرورة تفعيل استراتيجية الماء 2050 من خلال المصادقة عليها في مجلس وزاري وتوفير الموارد البشرية والمالية في كلّ وزارة معنيّة لتطبيقها حتّى يكون تنفيذها ناجعا.

من جهته، يؤكّد الخبير في مجال المياه وكاتب الدولة السابق للموارد المائيّة عبد الله الرابحي ضرورة إصلاح الشبكات والاستثمار في محطّات تحلية مياه بحر جديدة، مشدّدا على ضرورة أن يكون هناك إرادة سياسيّة ومجتمعيّة لدى جميع الأطراف لإصلاح منظومة الماء.

ويتعيّن أيضا طرح الموضوع على طاولة النقاش ووضع برنامج حوكمة وتحديد الأولويّات، وتحديد سياسة فلاحيّة جديدة، وبحث إمكانية جمع كلّ من شركة استغلال وتوزيع المياه والديوان الوطني للتطهير في هيكل واحد، وإحداث وزارة للماء، وتغيير القوانين بما فيها مجلّة المياه باعتبار أنّ المجلّة الحاليّة تعود إلى سنة 1975، وفق المتحدّث ذاته.

ويشدّد أيضا على ضرورة وضع سياسة جديدة لتعريفة المياه تقوم على التحفيز للتقليل من استهلاك المياه وتخطية من يقوم بتبذير الماء، مذكّرا أنّ الدراسات موجودة ومن بينها استراتيجية الماء 2050 ويمكن بناء النقاش حولها.

وكان رئيس مدير عام الصوناد عبد الحميد منجّة قد قال في الحوار الصحفي المذكور في الأعلى إنّ هناك عديد المشاريع المتعلّقة ببرنامج إصلاح وصيانة وإعادة تهيئة شبكات المياه في طور الإنجاز ومشاريع أخرى في طور البحث عن تمويل، منها مشروع في 7 ولايات يتعلّق بتحسين كفاءة الشبكات المرتبطة بولايات الجنوب الغربي والوسط الغربي، وهو مموّل من قبل البنك الألماني للتنمية وبلغ مراحل متقدّمة.

تحتاج منظومة الماء اليوم إلى تدخّل عاجل من كافّة الأطراف المتدخّلة في مجال المياه إلى إصلاح شامل، الأمر الذي يتطلّب تدخّلا على مستوى المؤسسات المعنية ومنها شركة استغلال وتوزيع المياه التي يجمع الخبراء على ضرورة الشروع في إعادة هيكلتها وإرساء حوكمة جديدة صلبها تتماشى مع التحدّيات الجديدة وتنقذها من الأزمة الماليّة حتّى تتمكّن من الضلوع بدورها في توفير الماء الصالح للشراب للمواطنين.ـات. أمر يتطلّب إرادة سياسيّة تبدأ بالمصادقة على استراتيجية الماء 2050 والشروع في تنفيذها ومناقشة بقية القضايا المتعلّقة بها مثل مجلّة المياه والتغيّرات المناخيّة وكيفيّة الحدّ من آثارها المرتقبة.

يشار إلى أنّ موقع الكتيبة كان قد توجّه بمطلب نفاذ للمعلومة إلى الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه يوم 9 جويلية/ تموز 2025 دون أن يصلنا أيّ ردّ. كذلك، حاولنا الاتصال بمكتب الإعلام في كلّ من الصوناد ووزارة الفلاحة دون أيّ تفاعل.

كلمة الكتيبة:

يندرج هذا التحقيق ضمن سلسلة مقالات يشتغل عليها فريق التحرير بموقع الكتيبة في علاقة بوضعية المنشآت العموميّة في تونس والتحديات المطروحة التي تهمّ حياة المواطنين.ات من المنظور الاقتصادي والاجتماعي ربطا بالحقوق الدستوريّة.

كلمة الكتيبة:
يندرج هذا التحقيق ضمن سلسلة مقالات يشتغل عليها فريق التحرير بموقع الكتيبة في علاقة بوضعية المنشآت العموميّة في تونس والتحديات المطروحة التي تهمّ حياة المواطنين.ات من المنظور الاقتصادي والاجتماعي ربطا بالحقوق الدستوريّة.

الكاتبة : رحمة الباهي

صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة

اشراف: محمد اليوسفي
تدقيق: وليد الماجري
غرافيك: منال بن رجب
مونتاج: سامي شويّخ
تصوير: محمد علي منصالي
ادماج تقني: بلال الشارني
مونتاج: سامي الشويخ
تصوير: محمد علي المنصالي
تطوير تقني: بلال الشارني
إشراف : محمد اليوسفي
تدقيق : وليد الماجري
غرافيك: منال بالرجب

الكاتبة : رحمة الباهي

صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة

rahma
Scroll to Top