“ذهبت لسحب مبلغ مالي من أحد البنوك .. فعَاينوا الحالة وضعية الأوراق (نشرت صورة مصاحبة).. هل من المعقول أن تُقدّم لي جرايتي الشهريّة في شكل أوراق مالية مُمزّقة وممسوكة باللاصق وبعض الأوراق منها دون أرقام؟.. هل من المعقول أن يقوم البنك بممارسة الغشّ عليّ بعد أن تعرّض للغشّ بدوره بقبول هذه الأوراق النقديّة؟ هل دور البنك أن يقوم بحمايتنا من الغشّ أم دوره أن يمارس الغشّ علينا؟..رجاء قولوا لي هل يمكن أن يقبلوا هذه الأموال مجدّدا؟”
بهذه العبارات الحُبلى بمشاعر الحيرة والغضب، تساءلت الصحفيّة بإذاعة موزاييك خولة الكعبي في تدوينة نشرتها على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك باللهجة العاميّة التونسيّة بتاريخ 29 أوت 2025، عن سرّ الأموال المُهترئة والتالفة التي غزت المعاملات الماليّة البنكيّة في الأشهر الأخيرة.
في الواقع، ما كتبته خولة الكعبي لا يمثّل سوى النّزر القليل من سيل عارم من التفاعلات التي نشرت على منصات التواصل الاجتماعي في الأسابيع الأخيرة من قبل العديد من التونسيين.ـات الذين أعربوا عن حيرتهم تجاه هذه “الظاهرة الغريبة”، وفق تعبير البعض منهم.
الكاتب : محمد اليوسفي
رئيس تحرير القسم العربي لموقع الكتيبة
“ذهبت لسحب مبلغ مالي من أحد البنوك .. فعَاينوا الحالة وضعية الأوراق (نشرت صورة مصاحبة).. هل من المعقول أن تُقدّم لي جرايتي الشهريّة في شكل أوراق مالية مُمزّقة وممسوكة باللاصق وبعض الأوراق منها دون أرقام؟.. هل من المعقول أن يقوم البنك بممارسة الغشّ عليّ بعد أن تعرّض للغشّ بدوره بقبول هذه الأوراق النقديّة؟ هل دور البنك أن يقوم بحمايتنا من الغشّ أم دوره أن يمارس الغشّ علينا؟..رجاء قولوا لي هل يمكن أن يقبلوا هذه الأموال مجدّدا؟”
بهذه العبارات الحُبلى بمشاعر الحيرة والغضب، تساءلت الصحفيّة بإذاعة موزاييك خولة الكعبي في تدوينة نشرتها على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك باللهجة العاميّة التونسيّة بتاريخ 29 أوت 2025، عن سرّ الأموال المُهترئة والتالفة التي غزت المعاملات الماليّة البنكيّة في الأشهر الأخيرة.
في الواقع، ما كتبته خولة الكعبي لا يمثّل سوى النّزر القليل من سيل عارم من التفاعلات التي نشرت على منصات التواصل الاجتماعي في الأسابيع الأخيرة من قبل العديد من التونسيين.ـات الذين أعربوا عن حيرتهم تجاه هذه “الظاهرة الغريبة”، وفق تعبير البعض منهم.


مع نهاية شهر أوت الفارط، بلغت كُتلة الأوراق والقطع النقديّة المتداولة في تونس أكثر من 26 مليار دينار، وفق معطيات محيّنة نشرها البنك المركزي التونسي على موقعه الرسمي.
يمثّل هذا المؤشر رقما قياسيا لم يسبق تسجيله في البلاد التونسيّة وهو ما فتح الباب على عديد التساؤلات في علاقة بظاهرة الأموال المهترئة والممزّقة التي بات المواطن يقوم بسحبها من الموزّعات الآلية البنكية ويتسلّمها مباشرة من الفروع.
فما هو مصدر هذه الأموال التالفة؟ هل هو البنك المركزي أو البنوك أو الاقتصاد الموازي والمهربين؟ وما علاقة هذه الظاهرة بقانون الشيكات الجديد؟
كيف يمكن فهم أبعادها الآنية والمستقبليّة في علاقة بالاقتصاد التونسي عموما والنظام المصرفي بشكل خاصّ؟ وكيف يمكن التعامل معها في حال حصول إشكال ما بالنسبة إلى المواطنين؟
هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها من خلال هذا التحقيق التفسيري المعزّز بالبيانات الذي يستطلع خبايا موضوع تقني جدّ معقّد تعدّدت حوله التحاليل والآراء العقيمة التي بلغت حدّ التناقض في بعض الحالات وسط غياب توضيحات رسميّة من البنك المركزي على وجه الخصوص.


أصل الحكاية
“أعمل في البنكية للخدمات منذ قرابة ربع قرن في مجال توزيع الأموال وإعادة تدويرها وتنزيلها بالبنك المركزي.. مُلخّص الحكاية أنّ قانون الشيكات هو الذي أربك الوضع وفرض ضغطا على السيولة فأكل مُدّخرات البنك المركزي.. الأوراق المالية الممزقة والقديمة بدأنا نتسلمها من البنك المركزي منذ نهاية شهر مارس وقد ازدادت حدّة الوتيرة منذ شهر جوان من العام الحالي”.
بهذا الخطاب المباشر، حاول مسؤول بالشركة البنكية للخدمات -رفض نشر اسمه- (هي شركة قامت بتأسيسها مجموعة من البنوك وهي بمثابة همزة وصل تقوم بدور الوسيط بين المؤسسات المالية والبنك المركزي، مُهمّتها الأساسية تجميع ومعالجة الأموال كانت نتاجا لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في تسعينات القرن الماضي وقد عوّضت الدور الذي كانت تلعبه الخزينة المركزية في البنك المركزي التونسي) شرح أسباب ظاهرة الأوراق المالية الممزقة والمهترئة في مقابلة مع موقع الكتيبة.
يقول المصدر ذاته إنّ “مؤسّسة البنكية للخدمات تقوم بتجميع الأوراق المالية حيث يتمّ وضع الممزّقة والمهترئة والتي لم تعد صالحة على حدى ثمّ يتمّ إيداع تلك الأموال المُجمّعة في البنك المركزي”، مضيفا أنّه “في السابق كان الجيش الوطني بالتنسيق مع البنك المركزي يقوم بحرق هذه الأموال في منزل بورقيبة، في المقابل يتمّ تجديد الكتلة النقدية التي تمّ حرقها”.
ويوضّح نفس المتحدّث أنّ “الأموال التونسيّة لا تُطبع في تونس وهي لها تكلفة بالعملة الصعبة وما حصل هو انقطاع مخزون”، مبرزا أنّ “من أسباب استفحال الأمر حالة التضخّم في البلاد، فضلا عن الاقتراض الذي قامت به الدولة من قبل البنك المركزي، وصعوبة هضم المواطنين والتجّار لقانون الشيكات الجديد.”
في يوم 2 فيفري الماضي، دخل ما سميّ بقانون الشيكات الجديد (التنقيح في المجلّة التجارية) حيّز التنفيذ، وهو بحسب المُشرّع التونسي يهدف إلى تعزيز الشفافية في المعاملات التجارية من خلال إنشاء منصة رقميّة موحّدة لجميع معاملات الشيكات.
وقد شملت التغييرات الأساسيّة فرض صيغة شيكات جديدة تتضمّن قيمة قصوى وتاريخ صلاحية واسم المستفيد، زيادة عن تدقيق البنوك المُسبق لملاءة الحريف الماليّة قبل تسليمه دفاتر الشيكات.
وقد ألزم القانون الجديد المتعاملين بالشيكات باستخدام الصيغة الجديدة فقط، حيث تمّ تجريم التعامل بالشيكات القديمة ما أحدث ضغطا في القطاع المالي والمصرفي والاقتصادي عموما بلغ درجة اللخبطة وسوء الفهم والارتباك.
خلال شهر مارس الفارط، كشفت بيانات إحصائية صادرة عن البنك المركزي التونسي عن تراجع تداول الشيكات بنسبة 94 % وذلك منذ دخول المنصة الإلكترونية الموحدّة للشيكات “تونيشاك” حيّز النفاذ.
طيلة عقود من الزمن كان الشيك يمثّل بالنسبة إلى عديد من فئات المجتمع التونسي وسيلة دفع بالتقسيط عند شراء مُستلزمات الحياة من تجهيزات منزليّة وملابس وغيرها، كما كان يُستعمل في صيغة وسيلة اقتراض أي في شكل ضمان.
غير أنّ هذا الأمر لم يعد ممكنا، حيث بات من الضروري الدفع بشكل نقدي أو استعمال الكمبيالة كوسيلة ضمان، مع العلم أنّ العديد من الفئات في المجتمع التونسي ترفض أو على الأقلّ لا تحبّذ التعامل بالكمبيالة نتيجة ثقافة مُترسّخة في المعاملات الماليّة والتجاريّة منذ زمن بعيد، علاوة عن التشكيك في مدى صلابتها القانونية للحصول على الحقوق لاحقا.


وفقا لبيانات رسميّة صادرة عن البنك المركزي التونسي، فإنّ 48 بالمائة من الصّكوك التي تمّ استعمالها في سنة 2023، تنحصر قيمتها المالية بين أكثر من 100 دينار و1000 دينار. وبلغت نسبة الشيكات التي بلغت قيمتها أقلّ أو تساوي 100 دينار، حوالي 12 بالمائة. وبلغت الشيكات التي تقدّر قيمتها بـأكثر من 1000 دينار فأقلّ أو تساوي 5000 دينار، 26 بالمائة. في حينّ انّ نسبة الصكوك المروّجة التي تتجاوز قيمتها 50 ألف دينار لم تتجاوز 1.2 بالمائة.
تكشف هذه الإحصائيات أهمية الشيكات في الدورة الاقتصاديّة التونسيّة لاسيما في المعاملات المالية ذات المبالغ غير الكبيرة أي أنّ مثل هذا الاستعمال هو ثقافة مصرفية دأب عليها السواد الأعظم من عموم المواطنين لا سيما من الطبقة الوسطى.
على سبيل المثال أيضا، في سنة 2023 مثّلت المعاملات بالشيك من الناحية العددية حوالي 38 بالمائة من إجمالي المعاملات المالية عبر المقاصة الإلكترونية، وفق بيانات البنك المركزي.
وبحسب المصدر الآنف ذكره، فإنّ قيمة المعاملات بالشيكات من الناحية المالية قدّرت في نفس السنة بحوالي 124 مليار دينار ما يمثّل حوالي 54 بالمائة من الرقم الإجمالي الذي بلغ 229 مليار دينار.


جدير بالإشارة إلى أنّ الحكومة التونسية التجأت إلى الاقتراض من البنك المركزي خلال الفترة الأخيرة 3 مرّات في مدّة وجيزة.
ففي مطلع العام 2024، قامت الحكومة باقتراض 7000 مليون دينار مباشرة من البنك المركزي وذلك بقانون استثنائي من البرلمان (مجلس نواب الشعب) بهدف تسديد قروض خارجية وتمويل نفقات الميزانية.
وفي نهاية نفس السنة، وافق البرلمان مجدّدا على مشروع قانون يتعلّق بالموافقة على الملحق التعديلي لعقد القرض المُبرم بين البنك المركزي التونسي باسم ولفائدة الدولة التونسية، والبنك الإفريقي للتصدير والتوريد لتمويل ميزانية الدولة للحصول على قرض إضافي بقيمة 500 مليون دولار أي قرابة 1.6 مليار دينار.


وكان البرلمان قد صادق أيضا في قانون المالية لسنة 2025 على فصل ينصّ على الترخيص للبنك المركزي التونسي لمنح تسهيلات لفائدة الخزينة العامة للبلاد التونسيّة في حدود مبلغ أقصاه 7000 مليون دينار تمنح دون فائدة موظّفة وتُسدّد على مدى 15 سنة مع 3 سنوات إمهال.
يُذكر أنّ قانون البنك المركزي الصادر في سنة 2016 لا يسمح للدولة بالاقتراض مباشرة من هذه المُؤسّسة. وقد جاءت هذه الإجراءات بشكل استثنائي في إطار سياسة الرئيس قيس سعيّد الذي يرفع شعار “التعويل على الذات” من أجل تجنّب سيناريو الاقتراض من صندوق النقد الدولي الذي تعطّلت معه المفاوضات تقريبا منذ سنة 2022 والذي يتهم بأنّ وصفته تهدّد السلم الاجتماعيّة وتمسّ من السيادة الوطنيّة.
من جهة أخرى، بلغت نسبة التضخّم في تونس في كامل سنة 2024 مستوى7 بالمائة، بحسب مؤشر أسعار الإستهلاك العائلي الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء وهو مؤسسة عموميّة تتبع الدولة.


ماذا يقول البنك المركزي؟
يشدّد مصدر مسؤول في البنك المركزي التونسي في تصريح لموقع الكتيبة على أنّ الاقتصاد الموازي قد تكون له علاقة بهذه الظاهرة، قائلا في ذات السياق:
لا نستبعد أن يكون القطاع الموازي وراء هذه الأموال الممزّقة والمهترئة التي عادت لتروّج في الدورة الاقتصاديّة. من الواضح أنّ هناك فئاتا قامت بإخراج أوراق نقديّة كانت غير مستعملة مُستغلّة ظرفية دخول قانون الشيكات الجديد حيّز التنفيذ.
ويذكّر نفس المصدر أنّ أموال البنك المركزي متأتّية من البنوك ما يعني أنّ هذه الأموال متأتية من الدورة الاقتصاديّة، مفيدا أنّ البنك المركزي لم يقم بطبع أوراق نقدية في نسخة جديدة منذ سنة 2022 (نسخة الورقة ذات الـ 50 دينارا التي تحمل صورة الهادي نويرة والـ 5 دنانير التي تحمل صورة صلاح الدين عمامي)، حسب قوله، نافيا ما راج بخصوص أنّ البنك المركزي قام بضخّ 5 مليار دينار مجدّدا في السوق كان يفترض أن يقوم بإتلافها نظرا إلى الحالة التي باتت عليها.
.


من المهم الإشارة إلى أنّ الأوراق النقدية الممزّقة والمهترئة مثار الجدل في تونس في الفترة الأخيرة، تتكوّن أساسا من أوراق بقيمة 20 دينارا و50 دينارا، فضلا عن أوراق بقيمة 10 دنانير.
فعلى سبيل الذكر أيضا، تكشف الأوراق ذات قيمة 20 دينارا (تحمل صورة خير الدين باشا) أنّها طُبعت في سنة 2011 حيث تحمل توقيع محافظ البنك المركزي وقتها مصطفى كمال النابلي زمن حكومة الباجي قائد السبسي بعيد الثورة أي أنّ عُمرها بلغ قرابة 15 سنة.
في المقابل، يقول المسؤول بمؤسّسة البنكية للخدمات إنّه “من المبرمج خلال شهر أكتوبر القادم من سنة 2025 طباعة أوراق نقدية جديدة”.
غير أنّ المصدر المسؤول بالبنك المركزي يقول في حديثه مع الكتيبة إنّه “لا يمكن نفي أو تأكيد هذه المعلومة، مشدّدا على أنّ كل البيانات الخاصة بطباعة الأوراق النقدية تنشر في التقارير السنويّة ويمكن الإطلاع عليها”.
يكشف تقرير البنك المركزي الصادر مؤخّرا والذي يهمّ سنة 2024 أنّ سنة 2023 شهدت إصدار 138 مليون ورقة نقديّة بقيمة 3480 مليون دينار. وتعدّ هذه القيمة هي الأعلى خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2014 و2024.
وقد بلغ حجم الأوراق النقديّة المطبوعة في سنة 2024، 106 مليون ورقة نقدية بقيمة إجمالية قدرها 3.043 مليون دينار، ممّا ساهم بنسبة 30 بالمائة من مجموعة تدفّق سحب الأوراق النقدية من حيث المبلغ، بالإضافة إلى عمليات استلام النقد المتكونة من فرز الايداعات، أي بانخفاض قدره 23.2 % من حيث العدد و 12.6 % من حيث القيمة مقارنة بسنة 2023.
يقول البنك المركزي في تقريره الآنف ذكره إنّ “هذا الانخفاض بين سنتي 2023 و 2024 يعكس عودة تدريجية إلى مستوى من الإصدار أكثر اعتدالا بعد الذروة الاستثنائية في سنة 2023 بسبب الطلب المرتفع على النقد”.


تجدرالإشارة إلى أنّ محافظ البنك المركزي الحالي فتحي زهير النوري كان قد عبّر عن انتقادات حادّة تجاه السياسة الاقتصادية والمالية لنظام الحكم الحالي بقيادة الرئيس قيس سعيّد وذلك خلال حضوره في برنامج “ميدي شو” على موجات راديو موزاييك اف ام بتاريخ 1 جوان 2023 بصفته خبيرا اقتصاديا.
وقال النوري “إنّ الاقتصاد لا يدار بالشعبوية” وإنّ “سياسة ليس هناك بديل هي سياسة لن تؤدي إلى أي نتائج ايجابية” وذلك في معرض حديثه عن علاقة تونس بصندوق النقد الدولي.وأضاف ذات المتحدث: “لا يمكن اليوم أن نبقى في نفس الوضعية. ما البديل عن صندوق النقد الدولي؟ أنا شخصيّا لا أحبّذ التعامل معه ولكن كل شيء قابل للمفاوضات. الأسواق الخارجية لم يعد من الممكن الخروج إليها. كلّ الآليات الداخلية قمنا باستعمالها. البنك المركزي ذهبنا إليه. هناك مجهود قامت به وزارة المالية لتجميع عائدات جبائية جديدة أكبر. ذهبنا نحو التقشف. إنّ الاقتصاد التونسي لا يمكن تدويره فقط بالدينار.”
يرى فتحي النوري وقتها في نفس المقابلة الصحفيّة المشار إليها أنّ “هناك ضوابط وقوانين يجب تعلّمها لتسيير البلاد” حيث يؤكدّ وجود “سوء تفاهم من السياسيين تجاه استقلالية البنك المركزي”.
كما شدّد على أنّ استقلالية البنك المركزي تعني “الاستقلالية الوظيفية في قيادة السياسة النقدية واستعمال الأدوات لبلوغ الأهداف التي يحدّدها القانون وهي استقرار الأسعار والاستقرار المالي”، مبيّنا أنّ “البنك المركزي يجب أن يكون مستقلّا في إدارة الشأن النقدي بالبلاد”.
“موضوع تقني معقّد”
يُجمع العديد من المتخصّصين الذين تواصل معهم موقع الكتيبة ضمن هذا التحقيق على أنّ هذا الموضوع معقّد وتقني بالأساس ولكنه ليس بمنأى عن المستجدات التشريعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة في البلاد.
يرى أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسيّة عبد الرحمان اللاحقة، وهو خبير ومستشار مُعتمد من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل والعديد من الهيئات والمنظمات الدولية، أنّ “الأهم يكمن في الكتلة النقدية المتداولة التي ارتفعت بشكل ملحوظ نتيجة عاملين رئيسيين هما: القروض التي منحها البنك المركزي للخزينة العامة للدولة وقانون الشيكات”.
ويعتبر اللاحقة أنّ العامل الأوّل هو “الأكثر أهميّة لكن لا يمكن تحديد أو تقدير حجم تأثيره بالتدقيق”.
ويضيف قائلا:
“أمّا بخصوص مسألة الأوراق النقدية التالفة، فهناك جزء من الحقيقة، لكن المسؤول الأول هو شركة IBS (البنكية للخدمات) التي يجب أن تسهر على جودة الأوراق النقدية المتداولة. في هذه القصّة، نميل إلى نسيان السبب الرئيسي المذكور أعلاه.”


على صعيد آخر، يقول المسؤول السابق بالبنك المركزي محمد صالح سويلم إنّ البلاد “لم تستفد من قانون الشيكات بل خسرت منه، حيث أنّ نسبة الشيكات غير المستخلصة كانت تمثّل 1.5 بالمائة فقط من الرقم الإجمالي للشيكات المتداولة، لكن الآن نسبة الكمبيالات غير المستخلصة بلغت 10 بالمائة”، وفقا لما صرّح به لموقع الكتيبة.
وأضاف سويلم أنّ “قانون الشيكات الجديد قام بإيقاف عجلة الاقتصاد بحيث أنّ المواطن الذي كان يقوم بخلاص ثلاجة بالتقسيط أو خلاص تعليم أبنائه عبر الشيكات لم يعد قادرا على ذلك.”
جدير بالذكر أنّ قيمة كتلة الأوراق النقدية والمسكوكات التي كانت متداولة في السوق المالية التونسيّة كانت مستقرة بين 22.3 و 22.5 مليار دينار بين سنتي 2023 و2024. إلاّ أنّ هذا الرقم قفز إلى أكثر من 26 مليار دينار في نهاية أوت ومطلع سبتمبر من العام 2025.


يشير سويلم إلى أنّ هذا الارتفاع كان “منتظرا”، موضّحا أنّه في السابق “كان معدّل الارتفاع السنوي يقدّر بحوالي 10 بالمائة لكنّه اليوم ارتفع بنسق أكبر”.
وأبرز في حديثه أنّ فصل الصيف في العادة يشهد ذروة استعمال الأوراق النقدية نظرا لتزامن ذلك مع الموسم السياحي وعودة التونسيين بالخارج لقضاء العطل السنوية وهو ما يضفي طلبا إضافيا على الأوراق النقدية، فضلا عن فترة الأعياد والمناسبات التي تشهد إقبالا كبيرا على المعاملات المالية النقدية مثل عيد الأضحى وغيره.
ويوضّح المتحدّث ذاته “أنّ التضخّم لعب دورا في ذلك حيث أنّ متوسّط سعر الخروف كان في السنة الماضية مثلا بـ 1000 دينار، لكن في هذه السنة بلغ 1300 و 1500 دينار، كما أنّ المواطن الذي يقوم في نهاية الأسبوع بسحب 100 دينار من الموزّع البنكي أضحى الآن يقوم بسحب 150 دينارا بفعل ارتفاع الأسعار، فهذه الأمثلة تكشف أحد أوجه تزايد الطلب على الكاش.”
فضلا عن ذلك، يؤكّد سويلم على ضرورة أخذ الزيادات في الأجور بعين الاعتبار وهو ما يفسّر أيضا سببا من أسباب ارتفاع الكتلة النقدية، بالإضافة إلى عدم تطوير وسائل الدفع الالكتروني والدفع عبر البطاقات وعبر الهاتف.
تشير إحصائيات صادرة عن البنك الدولي إلى أنّ 37 بالمائة فقط من التونسيين البالغين يملكون حسابات بنكية وهو ما يعكس ضعف الإدماج المالي في تونس. في حين أنّ عدد التونسيين البالغين غير المدمجين ماليا يقدّر بأكثر من 3 مليون مواطن.ـة.
تكشف تقارير رسميّة عن وجود فجوة في الولوج إلى النظام البنكي بين النساء والرجال وخاصة بين سكّان الولايات الساحلية وسكّان المناطق الداخلية لاسيما الحدودية أين تنتشر ظاهرة التهريب بكثافة.
وفي نفس المضمار، تكشف تقديرات رسميّة تونسيّة أنّ الاقتصاد الموازي في تونس يمثّل ما بين 30 و40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
يشغّل الاقتصاد الموازي ما لا يقلّ عن 1.6 مليون تونسي.ـة. وتشير تقديرات رسميّة إلى أنّ الاقتصاد الموازي يكلّف تونس خسائر جبائيّة سنويّة ما لا يقلّ 5.5 مليار دينار.
في هذا الإطار، يرجّح الخبير المتخصّص في التمويل الدولي وإدارة الأصول العربي بن بوهالي أنّ يكون مصدر الأموال المهترئة والتالفة هو الاقتصاد الموازي والمهربين.
ويقول محدثنا إنّ ” البنك المركزي يُفترض أن يكون مطّلعا يوميّا على حجم السيولة المتوفرة في السوق وعلى ضوء ذلك إمّا يقوم بسحب أموال أو ضخّ أخرى، فعلى هذا الأساس يقوم بتحديد السياسة النقدية”، مضيفا أنّه “لا يوجد أي بنك مركزي في العالم يمكن أن يترك أوراقا مالية قديمة قد يبلغ سنها 20 سنة تدور في الدورة المالية”.
ويفسّر مقاربته التحليلية من خلال القول بأنّ الفرضية الأقوى هي أنّ “هناك أموالا جديدة ضخّت في النظام المالي عبر البنوك والبريد والقباضات بمبالغ كبيرة خاصة بعد العفو الجبائي الأخير وطالما أنّ البنك المركزي ليس له الوقت للقيام بطباعة كميّة هامة من الأوراق النقدية في وقت قصير فقد ارتأى تركها تضخ مجددا في الدورة المالية رغم حالتها المهترئة”.
ويضيف بالقول إنّ الحديث عن أموال جديدة ليس المقصود به “أوراقا نقدية طبعت حديثا بل هي أموال لم تكن متداولة وبرزت فجأة من خلال تداولها في المعاملات المالية في الأشهر الأخيرة”، مذكرا أنّ ” قرابة 60 بالمائة من الشعب التونسي لا يملكون حسابات بنكية حيث أنّ معظم المعاملات نقدية بالكاش”. “كما يجب التذكير أيضا أنّنا نعيش وهم النمو الاقتصادي حيث البلاد تعرف حالة تضخّم عال خاصة على مستوى تكلفة المعيشة وهو ما يتطلب أكثر سيولة”، يشدّد نفس المصدر في حديثه مع موقع الكتيبة.


على صعيد آخر، يفيد مصدرنا المسؤول في البنكية للخدمات أنّه خلال شهر رمضان الفارط “شهدت إحدى المناطق الحدودية ضخّ 282 مليون دينار من السيولة التي تضمنت 80 بالمائة منها من أوراق بقيمة 50 دينار تمّ توزيعها على فروع البنوك والبريد” من طرف المؤسّسة التي يعمل فيها، كاشفا “أنّه عند إعادة تجميع الأموال لاحقا بعد فترة لم يعد للمسلك النظامي المالي في تلك المنطقة سوى 10 بالمائة من الأوراق ذات قيمة 50 دينار ما يعني أنّ أغلبية تلك الأوراق سحبت ولم تعد لأنّه كان يفترض منطقيا على الأقل أن 65 بالمائة منها على الأقلّ تعود للدورة النظامية في تلك الجهة الحدودية.”


في هذا المثال، يفسّر مصدرنا الوضعية بأنّ “المهرّبين قد يكونوا قاموا بسحب الأوراق ذات قيمة 50 دينار مقابل ضخّ أوراق بقيمة 10 و20 دينار وقتها”، مفيدا أيضا أنّ “الاقتصاد الموازي يعوّل أيضا في السنوات الأخيرة على تخزين القطع النقدية من فئة 5 دنانير و2 دينار”.
تجدر الإشارة إلى أنّ 90 بالمائة من الأموال المتداولة في السوق المالية (السيولة) النظامية تمرّ عبر البنكية للخدمات، وفق ذات المصدر.
من جهة ثانية، من المهم التذكير أنّه منذ أكتوبر 2024، وبموجب مرسوم رئاسي، تمّ إلغاء تجريم مسك المبالغ المالية النقدية التي تساوي أو تفوق 5 آلاف دينار والتي لم يقع إثبات مصدرها وذلك بتعلّة أنّ تطبيق هذا الفصل الصادر في قانون المالية التكميلي لسنة 2014 أدّى إلى التضييق على نشاط بعض الفئات من المتعاملين وخاصّة منهم صغار الفلاحين وصغار التجّار الحرفيين.
في الختام، نشير إلى أنّ كلّ مواطن كان عرضة للحصول على أوراق مالية تالفة غير صالحة للتداول يمكن له التوجه إلى شبابيك البنك المركزي من أجل استبدالها في الحال.
وفي صورة تعذّر ذلك أي إتمام عمليّة الاستبدال بشكل فوري، فإنّه يمكن إيداع تلك الأموال في البنك المركزي بفروعه جميعا والذي هو مطالب بالنظر في المسألة وتقديم إجابة بالضرورة في الآجال القانونية.
وجب التنويه أن البنك المركزي أعلن بالتوازي مع توقيت نشر هذا التحقيق عن عزمه طرح ورقة نقدية جديدة من فئة 50 دينارا للتداول في الفترة القادمة مع استبدال تاريخ الصدور من 20 مارس 2022 إلى تاريخ 25 جويلية 2025.
وجب التنويه أن البنك المركزي أعلن بالتوازي مع توقيت نشر هذا التحقيق عن عزمه طرح ورقة نقدية جديدة من فئة 50 دينارا للتداول في الفترة القادمة مع استبدال تاريخ الصدور من 20 مارس 2022 إلى تاريخ 25 جويلية 2025.

الكاتب : محمد اليوسفي
رئيس تحرير القسم العربي لموقع الكتيبة
الكاتب : محمد اليوسفي




