المُحاميّة نجاة هدريش: التعاون مع منظمات فلسطينيّة داخل الأراضي المحتلّة ليس تطبيعا

في حوار غني بالمعلومات، تغوص الأستاذة المحامية والحقوقية المرموقة نجاة هدريش بهدوء ورصانة في ملفات وقضايا حساسة تتعلق بالحق الفلسطيني، كاشفةً عن قراءة معمقة لمسائل عدة، من بينها أوضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، والفلسطينيّون في الداخل المحتل، وتطبيقات القانون الدولي في مواجهة آلة الإرهاب الإسرائيلية، مع تسليط الضوء بشكل خاص على إشكالية التطبيع.

الكاتب : مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

تُعدّ الأستاذة نجاة هدريش واحدة من أبرز الوجوه التونسيّة المُنخرطة في الحركة الحقوقيّة المدافعة عن القضيّة الفلسطينيّة.

هي محاميّة متخصّصة في القانون الدولي والجنائي، رَاكمت خبرة واسعة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، خصوصًا ملف الأسرى، وأسهمت في إيصال صوت الضحايا إلى المجتمع القانوني والحقوقي الدولي.

الكاتب : مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

تُعدّ الأستاذة نجاة هدريش واحدة من أبرز الوجوه التونسيّة المُنخرطة في الحركة الحقوقيّة المدافعة عن القضيّة الفلسطينيّة.

هي محاميّة متخصّصة في القانون الدولي والجنائي، رَاكمت خبرة واسعة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، خصوصًا ملف الأسرى، وأسهمت في إيصال صوت الضحايا إلى المجتمع القانوني والحقوقي الدولي.

الأستاذة هدريش خرّيجة كليّة الحقوق بجامعة تونس المنار، وحَاصلة على شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة في تونس، إضافة إلى ماجستير في القانون الجنائي العام من جامعة في باريس، وشهادة المحاماة في فرنسا.

في الآونة الأخيرة، برز اسم المحامية نجاة هدريش في الشارع التونسي بعد دورها البارز ضمن أسطول الصمود وفي الفريق القانوني لمُنظمة “عدالة”، التي تولّت الدفاع وتقديم الإسناد القانوني للناشطين التونسيين ومن مختلف دول العالم المشاركين في أسطول الصمود العالمي، الهادف إلى تقديم المساعدات للمدنيين وكسر الحصار المفروض على غزّة.

أسطول الصمود العالمي (GSF) مبادرة مدنية أُطلقت منتصف 2025 لكسر الحصار عن غزة، بمشاركة تحالف أسطول الحرية ومسيرة غزة وقافلة الصمود المغاربية ومنظمات حقوقية دولية، ويضم ناشطين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان لدعم المدنيين والمطالبة بإنهاء الحصار.

تُعدّ نجاة هدريش من بين المؤسّسين لفريق المحامين بالمحكمة الجنائية الدولية، وتشغل منصب رئيس الفريق القانوني لأسطول الصّمود المغاربي، كما أنها عضوة في الفريق الدولي لأسطول الصمود العالمي. إلى جانب ذلك، هي عضوة في الحركة الدولية لحقوق الإنسان والشعوب (IMHPR) وعُضوة ناشطة في عدد من المبادرات الحقوقية في مجالات الحماية القانونية والتوثيق والتضامن الدولي.

قدّمت نجاة هدريش مساهمة مركزية ودورًا محوريًا في المتابعة القانونية لقضايا الاعتقالات والانتهاكات التي تعرّض لها نشطاء “أسطول الصمود”، حيث قادت فريقًا يضمّ عشرات المحامين المتطوّعين الذين واكبوا الإجراءات القانونية، وعملوا على تقديم الدعم القانوني الكامل للمشاركين.

في هذه المقابلة الصحفيّة، نحاور نجاة هدريش المُحامية والناشطة الحقوقيّة والإنسانة، لنستشّف من خلال إجابتها رؤية قيّمة حول قضايا حارقة تهمّ القضيّة الفلسطينيّة.

كيف يمكن تكييف الوضعيّة القانونية للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وفقاً للقانون الدولي، وما مدى فاعليّة هذه المنظومة القانونية في ردع الانتهاكات المرتكبة بحقّهم؟

من المفروض أنّ الأسرى الفلسطينيين يخضعون لمعايير القانون الدولي الإنساني بموجب اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأوّل، إذ يُعتبرون أشخاصاً “محميين” لأنّهم يعيشون تحت احتلال عسكري.

في القانون الدّولي، يستمدّ تعريف الأسرى شرعيّته من تعريف المقاتل الشرعي، إذ أنّه يعدّ المقاتل الذي يقع في يد طرف خصم في نزاع دولي مسلح أسير حرب. و تتحقّق صفة المقاتل الشرعي فيه بتحقّق جملة من الشروط من بينها أن يحمل السلاح جهرا وأن يلتزم في العمل العسكري بقوانين الحرب وعاداتها وأن يخضع وأمثاله إلى نظام داخلي يكفل فيما يكفل اتّباع قواعد القانون الدولي التي تنطبق في حالة النزاع المسلح.

لكن إسرائيل تنكر هذا التكييف (أسرى حرب) وتتّخذ من المسمّيات الإداريّة والتشريعيّة الداخلية مطيّة لاستبعادهم من الحماية القانونية التي تضمنها المواثيق الدولية، معتمدة على مصطلحات مثل “مشتبه بهم أمنياً”. هذا الإنكار للحقوق يُعرّض الأسرى لانتهاكات جسيمة تشمل الاعتقال الإداري دون تهم أو المحاكمة لمدّة غير محدّدة وتعسفية، التعذيب الجسدي والنفسي، والاحتجاز في ظروف سيئة مع غياب الرعاية الطبية المناسبة. من الانتهاكات الخطيرة كذلك نقل الأسرى إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، وهو أمر مخالف للمادة 76 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل المدنيين المحتجزين من أراضي احتلالهم إلى أراضي الدولة المعتدية.

من الناحية النظرية قانونياً، هناك إطار دولي متين يحظر هذه الانتهاكات ويحدّد حقوق الأسرى، لكن واقع تطبيق هذه القوانين يشهد عزوفاً أو قصوراً في التنفيذ، بفعل ازدواجية المعايير التي تسمح لدولة الاحتلال بتمرير تجاوزاتها. رغم الجهود المتواصلة، مثل رفع قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية التي أقرّت بولايتها على الأراضي الفلسطينية عام 2015، فإنّ آليات التنفيذ لا تزال محدودة بسبب التأثيرات السياسية، وعجز المنظومة الدولية عن فرض عقوبات حقيقية على إسرائيل. الاحتلال يمارس منطق “علوية السيادة على القانون” – علما وأنّ هذا التعبير ليس سوى تعبير تقني وليس انطباع شخصي لها-، والذي يكرّس الانتهاكات بينما المنظمات الدولية غالباً ما تبقى عاجزة أو متردّدة، مما يثير تساؤلات حول جدوى القانون الدولي في ظروف الاستعمار والاحتلال.

ما هو الدور الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني في أراضي 48 وخاصّة منظمة عدالة في حماية حقوق الأسرى الفلسطينيين؟

يحاول المجتمع المدني في أراضي 48 الدفاع عن حقوق الفلسطينيين بالطرق المدنية الممكنة والمتاحة وفق القانون ويحاول دائما الدفاع والتعريف بالقضايا العادلة وفق هامش الممكن والمتاح، وفي علاقة بمنظمة عدالة وأنا على دراية عميقة بنشاطها وتَاريخها، منذ تأسيسها سنة 1996، فهي تمثّل أحد أبرز المراكز القانونية في الدفاع عن حقوق فلسطينيي الـ48، خصوصا الأسرى، داخل أروقة القضاء الإسرائيلي والدولي… تقوم المنظمة بدور توثيقي دقيق للانتهاكات، ومن ثم بناء قضايا قانونية متماسكة تسعى من خلالها إلى الطعن في التدابير التعسفية والقرارات الإدارية.

كما تقدّم التماسات أمام المحاكم العليا محاولة التأثير على السياسات القانونية الإسرائيلية، وتعمل على رصد الانتهاكات ونشرها دولياً، مما يعزز الضغط على الاحتلال. التعاون والتنسيق مع مؤسسات حقوقية فلسطينية وأجنبية أخرى، يجعل دور المنظمة محوريًا في تحصين الحقوق القانونية للأسرى ودعم قضيتهم ضمن المنظومة الدولية. وأيضا تقدّم الإسناد القانوني لمن يحتاجه من المنظمات والأفراد الداعمين للحق الفلسطيني والمؤمنين بقيم المنظمة.

كيف يمكن فهم مبادرة أسطول الصمود في إطار القانون الدولي خاصّة وأنه هادف لرفع حصار غير قانوني، وما طبيعة التحدّيات التي واجهت ناشطيه؟

أسطول الصمود يُعبّر عن مبادرة إنسانية مدنيّة، تحرّكت على أساس حرمة القانون الدولي للبحار، خصوصاً الحماية التي تمنح السفن المدنية في المياه الدولية. وفقاً لاتفاقيات حقوق البحار، لا يحقّ لإسرائيل اعتراض السفن في المياه الدولية إلا ضمن حالات استثنائية محدّدة، والإجراءات التي اتخذتها إسرائيل ضدّ الأسطول جرى تصنيفها في تقارير حقوقية بوصفها مخالفة صريحة تشكّل جريمة حرب. الناشطون الذين شاركوا في المبادرة تعرّضوا للاعتقال والاحتجاز خارج إطار العدالة، مع ملاحظات واضحة عن ازدواجية المعاملة بين المتطوّعين حسب جنسياتهم، حيث تظهر صور التمييز في تقديم الحقوق، وهو ما يكشف عن انحياز النظام الإسرائيلي والتفسير الانتقائي للقانون.

الحصار لا يقتصر على حجب الموادّ والسلع، بل يشمل آليات قمع متكاملة مثل الاعتقال التعسفي، الاعتداءات المستمرّة، عرقلة حرّية التنقل، واستهداف المشاركين في المبادرات الإنسانية. على المستوى الدولي، يشوب المنظومة ضعف في تنفيذ القوانين ذات الصلة بسبب غياب إرادة سياسية حقيقية، فضلاً عن تحييد بعض الدول والمنظمات عن مساءلة الاحتلال. هذه الثغرات تخلق تحدّيات مستمرّة للمدافعين عن حقوق الفلسطينيين وتحدّ من قدرة المبادرات المختلفة على تحقيق أهدافها الداخليّة والخارجية.

كيف يمكن للمجتمع المدني والدول الداعمة تحسين آليّات الحماية القانونية لهذه المبادرات أو لأيّ مبادرات في المستقبل؟

رفع مستوى التنسيق الدولي لتوثيق الانتهاكات بشكل دقيق ومتواصل يفتح الباب أمام تحريك دعاوى قانونيّة متينة أمام المحاكم والمحافل الدولية. يجب تعزيز الدعم القانوني الفوري للمشاركين والمبادرات، خاصّة بتفعيل آليات الضغط على الاحتلال عبر المنظمات الدولية من أجل تطبيق القرارات الملزمة. لا يقلّ أهمية عن ذلك الحشد الإعلامي والسياسي لتكثيف الرأي العام الدولي بالموضوع، بالإضافة إلى إطلاق حملات توعوية تسلّط الضوء على حقوق المشاركين القانونية وأهمية احترامها من قبل جميع الأطراف.

في سياق النقاش الوطني التونسي حول تجريم التطبيع، كيف ترون التعاون مع منظمات فلسطينية داخل الأراضي المحتلّة؟

التعاون مع منظمات فلسطينيّة داخل الأراضي المحتلّة هو دعم مشروع ومهمّ في إطار الحقوق والواجبات القانونية والإنسانية والوطنية، وليس تطبيعاً. التطبيع الحقيقي هو الاعتراف السياسي بدولة الاحتلال والتعاون معها بشكل يضرّ بالمقاومة الوطنية. أما التضامن القانوني والسياسي مع المنظمات الفلسطينية وحقوقها يبقى من ثوابت المواقف الوطنية الرافضة للتطبيع، ويندرج في إطار دعم الحقوق المشروعة للناس تحت الاحتلال، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والموقف المقاوم.

كيف تصفون الدور التاريخي لفلسطينيي الـ48 في النضال الوطني الفلسطيني؟

فلسطينيّو الـ48 هم قلب النضال الوطني الفلسطيني، يحملون إرث الأرض والهويّة رغم التحدّيات والمعيقات التي يفرضها الاحتلال داخل حدود 48. يلعبون دوراً مهمّا في ربط الشتات بالأرض المحتلّة، وفي موازنة المواقف الوطنية الرافضة للتطبيع مع ضرورة استمرار التواصل والدعم القانوني والسياسي. حضورهم السياسي والاجتماعي والقانوني يعزّز القضية الوطنية، ويثبت استمراريتها في الداخل الفلسطيني تحت ظروف قمعيّة معقّدة، وأيّ مبادرة تضامنيّة مع الشعب الفلسطيني عليها دائما أخذ هذا المعطى بصفته أحد المقوّمات الأساسية للقضيّة.

الكاتب : مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

تدقيق: محمد اليوسفي
تطوير تقني: بلال الشارني
تطوير تقني: بلال الشارني
تدقيق: محمد اليوسفي

الكاتب : مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

siMalek
Scroll to Top