الكاتب : محسن الخوني
أستاذ التعليم العالي في الفلسفة السياسية والاجتماعية
يتناول هذا المقال حادثة اختطاف نيكولاس مادورو بوصفها مدخلًا تحليليًا لفهم العنف البنيوي المؤسِّس للسياسة الأمريكية، لا باعتبارها واقعة استثنائية أو انحرافًا ظرفيًا عن قواعد النظام الدولي. ينطلق التحليل من فرضية مفادها أنّ العنف، في صوره المختلفة، يشكّل عنصرًا بنيويًا في تشكّل الدولة الأمريكية منذ لحظة الاستيطان الاستعماري في أبي أيالا ثم في تحوّلها الإمبراطوري داخل النظام الدولي الحديث. ويُبيّن المقال كيف استمرّ منطق اختطاف القادة وتصفية الخصوم السياسيين، من زعماء الشعوب الأصلية إلى رؤساء دول ذات سيادة، ضمن نسق واحد يتجاوز الفواصل الزمنية بين ما قبل الجمهورية وما بعدها.
ويُحلّل المقال دور عقيدة مونرو وتحولاتها في تكريس تصور غير متكافئ للسيادة في أمريكا اللاتينية، ويبرز كيف أعادت مرحلة ما بعد 1945، من خلال الأمم المتحدة والقانون الدولي، تنظيم الهيمنة بدل تفكيكها. وفي ضوء أطروحات كارل شميت وهوركهايمر وفيبر تُقرأ حالة فنزويلا باعتبارها مثالًا على كسوف العقل المعياري وصعود العقل الأداتي، حيث يُعاد توظيف القانون الدولي كأداة للضغط والتجريم لا كأفق للعدالة. ويخلص المقال إلى أنّ اختطاف مادورو ليس حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة تاريخية تكشف حدود النظام الدولي القائم، وتحول الاستثناء إلى قاعدة في ممارسة السيادة الإمبراطورية.
الكاتب : محسن الخوني
أستاذ التعليم العالي في الفلسفة السياسية والاجتماعية
يتناول هذا المقال حادثة اختطاف نيكولاس مادورو بوصفها مدخلًا تحليليًا لفهم العنف البنيوي المؤسِّس للسياسة الأمريكية، لا باعتبارها واقعة استثنائية أو انحرافًا ظرفيًا عن قواعد النظام الدولي. ينطلق التحليل من فرضية مفادها أنّ العنف، في صوره المختلفة، يشكّل عنصرًا بنيويًا في تشكّل الدولة الأمريكية منذ لحظة الاستيطان الاستعماري في أبي أيالا ثم في تحوّلها الإمبراطوري داخل النظام الدولي الحديث. ويُبيّن المقال كيف استمرّ منطق اختطاف القادة وتصفية الخصوم السياسيين، من زعماء الشعوب الأصلية إلى رؤساء دول ذات سيادة، ضمن نسق واحد يتجاوز الفواصل الزمنية بين ما قبل الجمهورية وما بعدها.
ويُحلّل المقال دور عقيدة مونرو وتحولاتها في تكريس تصور غير متكافئ للسيادة في أمريكا اللاتينية، ويبرز كيف أعادت مرحلة ما بعد 1945، من خلال الأمم المتحدة والقانون الدولي، تنظيم الهيمنة بدل تفكيكها. وفي ضوء أطروحات كارل شميت وهوركهايمر وفيبر تُقرأ حالة فنزويلا باعتبارها مثالًا على كسوف العقل المعياري وصعود العقل الأداتي، حيث يُعاد توظيف القانون الدولي كأداة للضغط والتجريم لا كأفق للعدالة. ويخلص المقال إلى أنّ اختطاف مادورو ليس حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة تاريخية تكشف حدود النظام الدولي القائم، وتحول الاستثناء إلى قاعدة في ممارسة السيادة الإمبراطورية.
1 – تاريخ الولايات المتحدة: من الاستيطان إلى الإمبراطورية
يمكن قراءة تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، من منظور نقدي وبنيوي، على أنه امتداد متواصل من الاستيطان الأوروبي إلى الهيمنة الإمبراطورية الحديثة. إذ يمكن تمييز مرحلتين مترابطتين: المرحلة الأولى تشمل تأسيس المستعمرات الأوروبية في القارة الأمريكية حتى إعلان الاستقلال سنة 1776، والمرحلة الثانية تمتد من قيام الجمهورية إلى يومنا هذا، وتمثل تحوّلًا في أساليب العنف دون انقطاع في منطق الهيمنة. العنف في المرحلة الأولى لم يقتصر على الاستيلاء على الأراضي وتهجير السكان الأصليين بل شمل تدمير القرى والمدن، والاستيلاء على الموارد الطبيعية والمكتسبة، وإبادة جماعية لملايين السكان الأصليين، وتهجير الناجين. هذا العنف لم يزُل بعد إعلان الجمهورية، بل أعيد تنظيمه في صورة قانونية وإجرائية، ثم تصديره لاحقًا خارج الحدود بوصفه أداة سيطرة كونية، حيث تصبح الهيمنة الأمريكية مترسخة في البنية السياسية والاقتصادية والثقافية للعالم، وتتواصل عبر المؤسسات الدولية والإجراءات القانونية والسياسات الخارجية (Wolfe 2006; Dosal 2007)
2 – منعرج 2026: الحدث ككاشف بنيوي
مع مطلع سنة 2026 أثار اختطاف رئيس دولة ذات سيادة لمحاكمته خارج بلاده اهتمام وسائل الإعلام الغربية التي قدمت الحادثة غالبًا بوصفها انحرافًا استثنائيًا مرتبطًا بشخصية دونالد ترامب أو بأسلوبه الشعبوي السلطوي، غير أن هذا التفسير يختزل الظاهرة في بعد شخصي، ويتجاهل الطابع البنيوي المتواصل للسياسة الأمريكية. فالقضية لا تتعلق بإدارة أو حزب سياسي محدد، بل بإجماع إمبراطوري أمريكي يمتد عبر الحزبين الجمهوري والديمقراطي حيث تتقاسم نخبهما تصورًا ثابتًا للسيادة يقوم على أولوية المصالح الأمريكية على أي قيود قانونية دولية.
يؤكد تشارلز ميلز (Mills 1997) أن ما يُعرض بوصفه فضيحة أخلاقية ليس سوى لحظة انكشاف لعقْد عنصري-إمبراطوري متجذر في الثقافة السياسية الأمريكية، يشمل ممارسات القوة والرّعب عبر التاريخ ومقوماتها القانونية والسياسية. بهذا المعنى يكشف هذا الحادث عن منطق مستمر للعنف الممنهج، حيث تُحوَّل الإجراءات التي تبدو استثنائية إلى أدوات اعتيادية لفرض الهيمنة، سواء عبر الترهيب المباشر بالقوة أو عبر القانون الدولي الذي يُوظف انتقائيًا لصالح الولايات المتحدة.


3 – اختطاف الرؤساء وتصفية القادة: سجلٌّ موثّق
لا يشكّل اختطاف الرؤساء أو تصفية القادة سابقة معزولة في السياسة الخارجية الأمريكية، بل هو ممارسة متكررة تعكس منطق الهيمنة الدائم. فقد اختُطف الرئيس البنمي مانويل نورييغا سنة 1989 عقب غزو عسكري مباشر، ونُقل قسرًا إلى الولايات المتحدة لمحاكمته في خرق صارخ لمبدأ السيادة الوطنيّة(Blum 2003) . كما اعتقلت الولايات المتحدة، كسلطة احتلال، الرئيس العراقي صدام حسين سنة 2003 استنادًا إلى ذرائع ثبت لاحقًا زيفها، في استثناء يوضّح كيفية توظيف القانون الدولي كأداة لإضفاء شرعية شكلية على ممارسة القوة.
أما اغتيال الرئيس التشيلي سلفادور أليندي سنة 1973، فتم عبر انقلاب عسكري دعمته الاستخبارات الأمريكية، كما تؤكد الوثائق الرسمية المفرج عنها لاحقًا .(Grandin 2006) وتكشف هذه الأمثلة عن نمط متواصل يُعيد إنتاج العنف السياسي خارج نطاق القانون المحلي أو الدولي، حيث تصبح الولايات المتحدة وسيادة القوة معيارًا للتدخل والاستثناء.
يمكن تفسير هذه الممارسات من منظور كارل شميت (Schmitt 1985)، الذي يبيّن أن القاعدة القانونية تُعلق باسم “الضرورة”، وتُعاد صياغة الشرعية وفق ميزان القوة. في هذا السياق، تُعامل الولايات المتحدة نفسها باعتبارها سيادة كونية تمتلك الحق في تعليق القانون الدولي متى تعارض مع أمنها أو مصالحها، بينما تُحوّل المؤسسات الدولية إلى أدوات إضفاء شرعية شكلية أو آليات إلهاء إجرائي تبرّر أو تؤخر التدخل وفق المصلحة الاستراتيجية.
بذلك يتضح أن اختطاف أو تصفية القادة ليس تجاوزًا عابرًا للقانون، بل ممارسة بنيوية تنسجم مع منطق القوة الأمريكي المستمر، وتُوظف عبر الوسائل العسكرية القانونية والسياسية لتأكيد الهيمنة خارج حدودها الوطنية.
4 – ما قبل الجمهورية: العنف التأسيسي في أبي أيالا (Abya Yala)
إن إرجاع هذه الممارسات إلى الحرب الباردة أو إلى ما يُسمّى النيو ليبرالية أو العولمة ذات القطب الواحد يتجاهل جذورها التأسيسية، فالاستعمار الاستيطاني في القارة الأمريكية، أو أبي أيالا كما يسميها السكان الأصليون، قام منذ بداياته على اختطاف زعماء الشعوب الأصلية، وتصفية القيادات القبلية، وفرض معاهدات قسرية ثم نقضها.
فقد تعرّض زعماء قبائل الأباتشي (Apache)، وعلى رأسهم جيرونيمو (Geronimo) للاعتقال والنقل القسري إلى معتقلات بعيدة، رغم استسلامهم المشروط، إذ سلّم جيرونيمو نفسه للقوات الأمريكية في سبتمبر 1886، ليُرحَّل لاحقًا مع أفراد قبيلته إلى معسكرات احتجاز في فلوريدا وألاباما، في خرق واضح لشروط الاستسلام المعلنة. كما قُتل كريزي هورس (Crazy Horse)، أحد أبرز زعماء اللاكوتا (Lakota)، في سبتمبر 1877 أثناء احتجازه في حصن روبنسون (Fort Robinson) بولاية نبراسكا بعد استسلامه للقوات الفدرالية، في واقعة جسّدت العنف الكامن في إجراءات “الاحتواء” العسكري.
أما قبائل السيمينول (Seminole) في فلوريدا، فقد تعرّض زعماؤها لسياسات اعتقال وخطف خلال مفاوضات السلام، ولا سيما حادثة اعتقال الزعيم أوسيولا (Osceola) في أكتوبر 1837، بعدما استُدرج إلى لقاء تفاوضي تحت راية الهدنة في انتهاك صارخ لأعراف التفاوض المعترف بها آنذاك. وبالنسبة إلى قبائل الشيروكي (Cherokee)، فقد جرى اعتقال أو تحييد قادتهم الرافضين لسياسة الترحيل القسري، خاصة في سياق تنفيذ قانون ترحيل الهنود (Indian Removal Act) الصادر في ماي 1830، وهي السياسة التي أفضت، بين 1838 و1839، إلى مأساة درب الدموع (Trail of Tears)، حيث هُجّر عشرات الآلاف قسرًا تحت إشراف عسكري مباشر.
هذه الأمثلة، قبل نشأة الجمهورية وبعدها، تؤكد أن اختطاف القادة لم يكن انحرافًا ظرفيًا، بل ممارسة بنيوية رافقت تشكّل الدولة ذاتها. وهو ما ينسجم مع تحليل باتريك وولف للاستعمار الاستيطاني بوصفه بنية دائمة هدفها إبادة السكان الأصليين (Wolfe 2006)، ومع أطروحة أنريكو دوسال حول الأنا المستعمِر بوصفه الشرط الخفي لحداثة الغرب.
بذلك يتبيّن أنّ الإرهاب السياسي الأميركي ممارسة تتسم بالاستمرارية البنيوية، حيث تُعيد الولايات المتحدة إنتاج منطق الهيمنة نفسه، من الاستيطان الأولي إلى التدخلات الحديثة، مع اختلاف الوسائل والأساليب، لكنها تظل قائمة على فرض الإرادة والسيطرة على الخصوم السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين.


5 – 1945 ووهم القطيعة: الأمم المتحدة وإعادة تنظيم الهيمنة
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تأسيس منظمة الأمم المتحدة (1945) وإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، ساد اعتقاد واسع بأن النظام الدولي دخل مرحلة قطيعة مع منطق القوة العارية والحروب الإمبريالية المفتوحة. فقد جرى تقديم الأمم المتحدة بوصفها إطارًا مؤسسيًا جديدًا يُفترض أن يحدّ من النزعة الأحادية للدول الكبرى، ويُخضع استخدام القوة لقواعد قانونية جماعية. غير أنّ هذا التحول ظلّ، في جوهره، تحولًا شكليًا أكثر منه بنيويًا، إذ لم يؤدِّ إلى تفكيك علاقات الهيمنة بل إلى إعادة تنظيمها وإعادة تقاسمها ضمن نظام قانوني-مؤسسي جديد.
لقد قامت الأمم المتحدة منذ نشأتها على منطق المنتصرين في الحرب، وهو منطق تجسّد بوضوح في بنية مجلس الأمن حيث مُنحت الدول الخمس المنتصرة (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي/روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) امتياز العضوية الدائمة وحق النقض (الفيتو). وبهذا المعنى، لم يكن مجلس الأمن أداة محايدة لحفظ السلم الدولي، بل آلية دستورية لإدارة توازن القوة بين القوى العظمى، تضمن لها احتكار تعريف “التهديد للسلم والأمن الدوليين” وتحديد متى يُطبَّق القانون ومتى يُعلَّق. وقد أدّى ذلك عمليًا إلى تقنين اللامساواة السيادية داخل النظام الدولي، حيث تتساوى الدول شكليًا في الجمعية العامة، لكنها تُفرَّق فعليًا في لحظة القرار السيادي القصوى (Koskenniemi 2005)
وينسجم هذا التحليل مع ما يوضحه كارل شميت في كتابه Nomos der Erde حيث يرى أن النظام الدولي ليس مجرد شبكة قوانين محايدة، بل إطارًا لتنظيم الأرض والسيادة وفق علاقات القوة، فمحتكرو السلطة (الدول العظمى) يمارسون سيادتهم ليس فقط عبر القوة العسكرية المباشرة، بل أيضًا من خلال هيكلة القانون الدولي والمؤسسات الأممية بشكل يعكس مصالحهم، ويعيد إنتاج ثنائية مركز/أطراف على نحو أكثر ديمومة (Schmitt 2006).
وبناءً على ذلك، لم تُلغِ مرحلة ما بعد 1945 الإمبريالية، بل تمّ تحويلها من هيمنة استعمارية مباشرة إلى هيمنة مؤسّسة قانونيًا، تُمارس عبر القرارات والفيتو والعقوبات وعمليات “حفظ السلام”، بدل الاحتلال المباشر. وقد تجلّت هذه الإعادة لقسمة الهيمنة أيضًا في ازدواجية خطاب حقوق الإنسان وآليات فرض النظام الدولي. ففي حين جرى تعميم لغة كونية للحقوق والحريات، ظلّ تطبيقها انتقائيًا وخاضعًا لحسابات القوة، إذ استُخدمت أحيانًا لتبرير التدخل، وأُهملت حين تعارضت مع مصالح الدول الكبرى أو حلفائها (Anghie 2005).
بذلك تحوّل القانون الدولي، لا سيما في إطاره الأممي، إلى فضاء تفاوض غير متكافئ بين قوى قادرة على فرض تأويلها للقواعد وأطراف لا تملك سوى الامتثال أو المناورة المحدودة. ومن الأمثلة المعاصرة على هذه الانتقائية: فرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية وسياسية متعددة على فنزويلا منذ صعود هوغو تشافيز (1999) ثم نيكولاس مادورو، بما يشمل: تجميد أصول الدولة والشركات العامة وحظر التعاملات المالية الدولية وقيود على صادرات النفط وإجراءات تهدف إلى عزل النظام سياسيًا واقتصاديًا، رغم أن هذه العقوبات غالبًا ما تُبرَّر بذرائع “الديمقراطية وحقوق الإنسان”، بينما لا تطال دولًا أخرى متجاوزة لمعايير مماثلة (Grandin 2006; Human Rights Watch 2020).
بناء على ذلك، فإن ما يُسمّى بـ”النظام الدولي الليبرالي” بعد 1945 لا يمكن فهمه بوصفه قطيعة مع منطق الهيمنة، بل باعتباره مرحلة متقدّمة من عقلنتها القانونية والمؤسّسية: هيمنة أقلّ فجاجة أحيانًا، وتمارس باسم القانون، لا خارجه.


6 – الحرب الباردة: من العنف المباشر إلى العنف المقنَّع
خلال الحرب الباردة لم يقتصر الصراع بين القوى الكبرى على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تحوّل أساسًا إلى حروب بالوكالة، وانقلابات مدعومة استخباراتيًا، وحصار اقتصادي، وتدخلات «إنسانية» انتقائية، خصوصًا في فضاءات اعتُبرت هامشية ضمن توازن الردع العالمي. وفي هذا السياق شكّلت أمريكا اللاتينية مختبرًا مركزيًا للسياسة الأمريكية في إدارة العنف غير المباشر تحت مظلّة عقيدة مونرو التي أُعلنت سنة 1823 بوصفها مبدأً لرفض التدخل الأوروبي في نصف الكرة الغربي، لكنها أسّست في العمق لمنطق إقليمي يربط أمن القارة الأمريكية مباشرة بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة (Monroe 1823).
وقد تعزّز هذا المنحى مع إضافة روزفلت سنة 1904، التي حوّلت العقيدة من مبدأ دفاعي إلى أساس معياري لتدخّل الولايات المتحدة نفسها، بدعوى منع «الفوضى» أو «التدخلات الأجنبية»، وهو ما شرعن عمليًا سياسات التدخل المباشر وغير المباشر في دول أمريكا اللاتينية(Roosevelt 1904) ومع اندلاع الحرب الباردة أُعيد تأويل عقيدة مونرو ضمن منطق الاحتواء، بحيث أصبح أي تحول سياسي أو اجتماعي مستقل في المنطقة يُقرأ بوصفه تهديدًا للأمن القومي الأمريكي، حتى وإن كان نابعًا من ديناميات داخلية مشروعة (Smith 1994).
في هذا الإطار دعمت الولايات المتحدة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، انقلابات عسكرية وأنظمة سلطوية في غواتيمالا (1954) وتشيلي (1973) والبرازيل (1964) ونيكاراغوا معتبرةً أنّ حماية “النظام نصف الكروي” تبرّر تعليق السيادة والديمقراطية معًا. وتندرج العلاقة مع فنزويلا ضمن هذا النسق التاريخي المتواصل: فمن دعم نموذج ديمقراطي نفطي متوافق مع المصالح الأمريكية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، إلى سياسات احتواء وضغط وعقوبات اقتصادية مع صعود هوغو تشافيز ثم نيكولاس مادورو، حيث أُعيد تفعيل عقيدة مونرو بصيغة معاصرة تعتبر أي مشروع سيادي أو تحالفي خارج المدار الأمريكي شكلًا من “التدخل الخارجي غير المشروع” حتى وإن كان منبثقًا عن خيارات داخلية (Grandin 2006).
وقد مكّن هذا النسق الولايات المتحدة من ممارسة العنف السياسي والاقتصادي دون تحمّل كلفة سياسية أو قانونية مباشرة عبر تفويض الفاعلين المحليين أو تسويغ العقوبات أو دعم “الانتقال الديمقراطي” انتقائيًا، مع توظيف تأويلي للقانون الدولي يبرّر التدخل حين يخدم المصالح، ويتجاهله حين يقيّدها. وفي هذا السياق يذهب ريتشارد فولك إلى أنّ القانون الدولي خلال الحرب الباردة لم يعد إطارًا ملزمًا عامًا، بل تحوّل إلى مخزون خطابي للتعليق والانتقاء والتبرير أكثر منه معيارًا كونيًا للإلزام بما يعكس الطابع الهرمي للنظام الدولي وعدم تكافؤ السيادة فيه (Falk 1993).
خلال هذه الحرب الباردة، تحوّل الصراع بين القوى الكبرى إلى حروب بالوكالة، وانقلابات مدعومة استخباراتيًا وحصار اقتصادي وتدخلات إنسانية انتقائية مع توظيف القانون الدولي تأويليًا.


7 – اغتصاب القانون الدولي: ازدواجية المعايير والعقوبات الانتقائية
تتجلّى ازدواجية المعايير واغتصاب القانون الدولي بوضوح في مناطق مختلفة من العالم، بدءًا من العالم العربي مرورًا بأوروبا، مع استخدام أدوات متعددة تشمل الفيتو، العقوبات الاقتصادية، التدخل العسكري المباشر، وإعادة تعريف الحماية الإنسانية بما يخدم المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى.
في فلسطين، تحوّل القانون الدولي إلى نصّ بلا فاعلية أمام الاستخدام المتكرر للفيتو الأمريكي لحماية إسرائيل، مما أفرغ القرارات الأممية من مضمونها (Finkelstein 2003). وفي العراق، أدى غزو 2003 إلى تدمير دولة كاملة خارج أي شرعية أممية رغم قرارات مجلس الأمن التي لم تُنفَّذ، وهذا ما يبرز ازدراء أمريكا للقانون الدولي إذا تعارض مع مصالحها الاستراتيجية المباشرة (Harvey 2003).
أما في ليبيا وسوريا واليمن، فقد استُخدم خطاب «حماية المدنيين» غطاءً لإعادة تشكيل الفضاءات السياسية بالقوة، بينما جرى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على الأنظمة المحلية، مثل تجميد أصول الدولة، حظر السفر، وتقييد المعاملات المالية، في حين لم تُفرض عقوبات مماثلة على حلفاء الولايات المتحدة الذين انتهكوا معايير مماثلة (Kennedy 2006; Anghie 2005).
ولا يختلف الوضع في أوروبا، حيث لم يكن الفضاء الأوروبي بمنأى عن هذا المنطق، فقصف حلف الناتو ليوغسلافيا سنة 1999 جرى دون تفويض من مجلس الأمن ممّا شكّل سابقة خطيرة في تجاوز الشرعية الدولية. كما كشفت الحرب في أوكرانيا حدود الخطاب القانوني الغربي حين تتعارض المبادئ المعلنة مع المصالح الجيوسياسية، وهو ما يعزز أطروحة جورجيو أغامبن حول تحوّل حالة الاستثناء إلى قاعدة حكم بحيث يصبح الاستثناء ممارسة منتظمة تتماهى مع القاعدة القانونية نفسها (Agamben 2005).
وفي سياق العقوبات الاقتصادية والسياسية تبرز فنزويلا نموذجًا معاصرًا، حيث فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ صعود هوغو تشافيز (1999) ثمّ نيكولاس مادورو، إجراءات تشمل :
- تجميد أصول الدولة والشركات العامة،
- حظر التعاملات المالية الدولية،
- قيودًا على صادرات النفط،
- حظر سفر قياديين رسميين،
بينما استُخدمت ذريعة الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لتبرير هذه العقوبات، في حين تمّ التغاضي عن انتهاكات مماثلة لدول حليفة للولايات المتحدة (Grandin 2006; Human Rights Watch 2020)
من هذا المنطلق، يظهر بوضوح أن القانون الدولي لم يعد معيارًا محايدًا للشرعية، بل أصبح أداة لإضفاء الشرعية الانتقائية على مصالح القوى الكبرى حيث تظل الولايات المتحدة، غالبًا عبر حلفائها، قادرة على تفسير أو تجاوز القوانين الدولية بما يخدم أهدافها الاستراتيجية، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا، مستندة إلى أدوات مثل الفيتو، التدخل العسكري المباشر، العقوبات، أو إعادة تعريف حماية المدنيين بما يتناسب مع مصالحها. هذا التوظيف الانتقائي يبرز ازدواجية المعايير في ممارسة القانون الدولي، ويحوّل النظام الدولي من شبكة قانونية مفترضة إلى أرضية لهيمنة القوة القانونية-السياسية حيث تصبح السيادة والمساءلة القانونية مرهونة بمصالح الدول العظمى وميولها الجيوسياسية.
8 – اختطاف الرئيس مادورو: حلقة في سلسلة تاريخية
في هذا السياق، لا يمكن فهم اختطاف نيكولاس مادورو والشروع في محاكمته خارج فنزويلا حادثًا معزولًا أو انحرافًا ظرفيًا عن القواعد المستقرة للنظام الدولي، بل يجب إدراجه ضمن سلسلة تاريخية طويلة من ممارسات الخطف والاعتقال والتصفية التي اعتمدتها الولايات المتحدة، صراحة أو بالوكالة، ضد زعماء وقادة سياسيين اعتُبروا معوِّقين لمصالحها الاستراتيجية، وهو ما تمّ بيانه في الفقرتين (3 و(4 .
قبل مادورو، اختُطِف الزعيم الفلبيني إميليو أغوينالدو (Emilio Aguinaldo) سنة 1901 خلال الحرب الفلبينية-الأمريكية، كما اعْتُقِل القائد القومي البنمي مانويل نورييغا سنة 1989 ونُقل قسرًا إلى الولايات المتحدة لمحاكمته في سابقة جسّدت بوضوح ممارسة الولاية القضائية خارج الإقليم. ويتواصل هذا النسق في الدعم المباشر أو غير المباشر لتصفية قادة سياسيين مثل باتريس لومومبا في الكونغو (1961)، وفي محاولات اغتيال فيدل كاسترو، بما يعكس استمرارية منطق الإزاحة الجسدية أو القانونية للخصم حين يتعذّر احتواؤه سياسيًا.
وفي المرحلة المعاصرة، اتخذ هذا المنطق طابعًا أكثر راديكالية عبر سياسة الاغتيالات والاستهدافات العابرة للحدود، لا سيما من خلال الشراكة العضوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد شهد العقدان الأخيران سلسلة من عمليات التصفية والاستهداف الممنهج لقادة وشخصيات مركزيّين في محور مناهض للهيمنة الأمريكية، شملت اغتيال قادة عسكريين وسياسيين، وعمليات استهداف متكررة طالت قيادات إيرانية، سواء عبر الاغتيال المباشر أو عبر ضرب البنية القيادية والعلمية للدولة، في مناخ من الحصانة السياسية الدولية. كما تندرج سياسة الاغتيالات الإسرائيلية بحق قيادات المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضمن هذا الإطار نفسه بما في ذلك تصفية القائد يحيى السنوار سنة 2024 في سياق الحرب على غزة، والاستهداف المتكرر والمعلن لـلسيّد حسن نصر الله بوصفه “هدفًا مشروعًا”، بما يكشف تحوّل الاغتيال من استثناء إلى أداة حكم دائمة في إدارة الصراع.
ولا يخرج هذا النمط عن المنطق نفسه الذي يحكم حالة مادورو، حيث إن توجيه تهمة تهريب المخدرات لا يهدف إلى إنفاذ العدالة، بل إلى نقل الصراع من المجال السياسي إلى المجال الجنائي، وتجريد الخصم من صفته السيادية تمهيدًا لعزله أو تصفيته قانونيًا أو ماديًا. إنّ المقصود من هذه الممارسات ليس فقط إزاحة الخصم، بل قبل ذلك كسر إرادته وإرادة الموالين له، وتوجيه رسالة ردع رمزية مفادها أنّ مقاومة الهيمنة لها ثمن شخصي وسياسي، وأن لا حصانة سيادية خارج المدار الأمريكي.
وعليه، فإن الخطف والاعتقال خارج المجال والاغتيال السياسي، ليست حوادث طارئة أو تجاوزات استثنائية، بل أدوات بنيوية في سياسة أمريكية ثابتة ترى العالم مجالا مفتوحا أمام التمدّد، يبدأ من النصف الغربي من القارة الأمريكية ولا ينتهي عند حدود جغرافية أو قانونية. فـ أمريكا، بهذا المنطق، لا تعترف بحدود نهائية لسلطتها، بل تعيد رسمها باستمرار عبر العنف وإرهاب الدولة والاستخبارات والقانون والتحالفات، مؤكّدة أنّ النظام الدولي المعاصر لا يُدار بمنطق السيادة المتكافئة، بل بمنطق السيادة المتفوّقة.


9 – من عقيدة مونرو إلى ناموس الهيمنة: فنزويلا بين الواقعية وكسوف العقل
تمثل حالة فنزويلا، ولا سيما في عهد نيكولاس مادورو، نقطة تقاطع كثيفة بين منطق الواقعية السياسية في العلاقات الدولية ومنطق ما سمّته مدرسة فرانكفورت الأولى بـ«كسوف العقل» أو « غلبةُ المعقولية الأداتية». فمنذ إعلان عقيدة مونرو سنة 1823، لم تُفهم أمريكا اللاتينية في استراتيجية الولايات المتّحدة بوصفها فضاءً سياديًا يخضع لمبدإ المساواة، بل باعتبارها مجالًا حيويًا (sphere of influence) يُدار وفق مبدأ الوقاية المسبقة من أي اختراق خارجي أو تحوّل داخلي غير منضبط. وقد أعادت التحولات المعاصرة إحياء هذه العقيدة بصيغ جديدة حيث لم تعد الهيمنة تُمارس عبر الاحتلال المباشر، بل من خلال أدوات أكثر تركيبًا: العقوبات الاقتصادية، الحصار المالي، العزل الدبلوماسي وتجريم القيادة السياسية.
في هذا السياق تُقرأ فنزويلا لا باعتبارها دولة ذات مسار سياسي خاص، بل كـ«حالة شاذة» داخل النظام الإقليمي، ينبغي تصحيحها أو عزلها. ويعبّر هذا التصور عن منطق واقعي صرف، كما بلوره هانز مورغنثاو، حيث تُختزل السياسة الدولية في صراع على القوة والمصلحة، ويُعلَّق الاعتبار الأخلاقي متى تعارض مع متطلبات الأمن القومي (Morgenthau 1948). غير أن هذا المنطق الواقعي، حين يُفكَّك نقديًا، يكشف عن بعد أعمق: تحوّل العقل نفسه إلى أداة حسابية، لا تسأل عن العدالة أو الشرعية، بل عن النجاعة والفعالية.
وهنا يصبح تحليل مدرسة فرانكفورت، لا سيما لدى ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، بالغ الأهمية. فـ«العقل الأداتي» لا يميّز بين الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بل يقيس كل شيء بمقياس المنفعة والهيمنة (Horkheimer and Adorno 2002). ومن هذا المنظور، لا يُعدُّ اختطاف رئيس دولة أو تجويع شعب عبر العقوبات، انتهاكًا أخلاقيًا أو قانونيًا، بل وسيلة «عقلانية» لتحقيق هدف سياسي. إنّ ما يحدث في فنزويلا ليس سوى تطبيق نموذجي لهذا العقل الأداتي الذي يُحوّل الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى أدوات خطابية تُستدعى أو تُهمَّش بحسب ما يخدم الاستراتيجية الإمبراطورية. ويكون بذلك أداة لتبرير الشرّ.
ويكتسب هذا التحليل أهمية إضافية إذا ما قورن بخطاب الشرعية الدولية. فبينما تُقدَّم الإجراءات ضد فنزويلا باعتبارها دفاعًا عن النظام الديمقراطي، يتمّ في الواقع تجاهل مبدأ تقرير المصير، وتُفرَض قيادة بديلة من الخارج، كما حدث مع الاعتراف بخوان غوايدو سنة 2019، في سابقة كشفت بوضوح قابلية السيادة للتعليق حين تتعارض مع إرادة القوة المهيمنة. وهنا يتجلى ما يسميه يورغن هابرماس «التوتر بين الوقائع والمعايير»، حيث تُفرَّغ المعايير من مضمونها، وتُختزل في وظيفة تبريرية (Habermas 1996).
إنّ الانتقال من عقيدة مونرو إلى ما يمكن تسميته بـ«ناموس الهيمنة» لا يعني مجرد استمرار سياسة قديمة بأدوات جديدة، بل يدل على رسوخ تصور للعالم يُدار بوصفه مجالًا تقنيًا للضبط والسيطرة. وفي هذا العالم، لا تُقاس شرعية الفعل السياسي بمدى احترامه للقانون الدولي أو للكرامة الإنسانية، بل بقدرته على إنتاج الطاعة، وإعادة إدماج الحالات المتمرّدة في النظام القائم، أو استبعادها نهائيًا. ومن ثمّ، فإن فنزويلا ليست استثناءً، بل مرآة كاشفة لعقل إمبراطوري يرى في ذاته معيار العقلانية ذاته، وفي مقاومته ضربًا من اللاّعقل أو الانحراف..
10 – الخطف بوصفه منطقًا راسخا لا حادثة عارضة
يُظهر المسار التحليلي الذي تتبّعناه، من العنف التأسيسي للاستعمار الاستيطاني في أبي أيالا، مرورًا بعقيدة مونرو وتحولاتها، وصولًا إلى حالة فنزويلا ونيكولاس مادورو، أن اختطاف القادة السياسيين أو تجريمهم خارج أطرهم السيادية لا يمكن فهمه بوصفه انحرافًا عارضًا أو استثناءً قانونيًا ظرفيًا، بل يتعلق الأمر بمنطق بنيوي راسخ في تشكّل الدولة الأمريكية ذاتها، ثم في تموضعها الإمبراطوري داخل النظام الدولي المعاصر.
فمنذ القرن التاسع عشر، لم تُدَرْ السيادة في المجال الأمريكي على أساس التكافؤ، بل وفق تراتبية صريحة تجعل من الولايات المتحدة سلطة تقريرية عليا، قادرة على تعليق سيادة الآخرين باسم الأمن، أو النظام، أو الديمقراطية. وقد أُعيد إنتاج هذا المنطق في صيغ قانونية ومؤسساتية بعد 1945، حيث لم يؤدِّ قيام الأمم المتحدة إلى إنهاء الهيمنة، بل إلى عقلنتها وتنظيمها ضمن إطار قانوني انتقائي، يسمح بتفعيل القاعدة أو تعليقها بحسب موازين القوة.
إنّ حالة مادورو تكشف، على نحو مكثّف، هذا التداخل بين الواقعية السياسية والعقل الأداتي، حيث يُحوَّل الصراع السياسي إلى ملف جنائي وتُختزل العدالة في أداة لإزاحة الخصم، لا لإحقاق الحق. وفي هذا المعنى، لا يكون الخطف مجرد وسيلة، بل رسالة سيادية: رسالة مفادها أن مقاومة النظام القائم لا تُواجَه بالحوار أو الاعتراف المتبادل، بل بالتجريم والعزل والتصفية الرمزية أو المادية.
وعليه، فإن ما يُسمّى بالنظام الدولي القائم على القانون لا يمكن قراءته إلا بوصفه نظامًا مزدوجًا: قانوني في خطابه، استثنائي في ممارساته. كوني في لغته، إمبراطوري في بنيته. ومن هنا، فإن تحليل اختطاف القادة لا يفتح فقط سؤال الشرعية الدولية، بل يضع موضع مساءلة مفهوم السيادة نفسه وحدود القانون ومعنى العقلانية السياسية في عالم تحوّل فيه الاستثناء إلى قاعدة والهيمنة إلى معيار ضمني للعقل.
الخاتمة
وفي الأخير، إذا كانت إرادة الولايات المتحدة في بسط هيمنتها الكونية متجذّرة في سردية تأسيسية تعود، لا إلى الآباء المؤسسين فحسب، بل إلى إرث الغزاة الأوائل الذين تعاملوا مع أبي أيالا بوصفها هبة إلهية ومع سكانها الأصليين كعوائق تاريخية ينبغي إزالتها فإن مقاومة هذه السياسة التوسعية تستند، في المقابل، إلى تاريخ مثقل بالتجارب الكفاحية والذاكرة الجماعية. فرافضو الهيمنة الأمريكية، وفي طليعتهم ورثة سيمون بوليفار، لا يخوضون مقاومة عرضية أو ظرفية، ولا ينظرون إلى الإرهاب الإمبراطوري بوصفه قدرًا تاريخيًا محتومًا، بل باعتباره بنية تاريخية مفتوحة على إمكانات التفكيك والتجاوز، أي بوصفه واقعًا لا يزال يحمل بدائل ممكنة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم تشكّل محور ممانعة دولي تقوده قوى كالصين وروسيا وإيران، ويجد له إطارًا اقتصاديًا وسياسيًا في مجموعة «بريكس»، باعتباره مجرد اصطفاف جيوسياسي ظرفي، بل بوصفه تعبيرًا عمّا يسميه إرنست بلوخ «روح اليوتوبيا العينية»، أي أملا متجذّرا في تناقضات الواقع ذاته، وفي الإمكانات غير المتحقّقة بعدُ داخل النظام العالمي القائم، فهذه القوى، بحكم تعارض مصالحها الاستراتيجية مع منطق الهيمنة الأحادية، لم تقل كلمتها الأخيرة بعدُ، وتسعى، ولو ببطء وتفاوت، إلى إعادة فتح أفق التاريخ وكسر وهم اكتماله.
أما داخل الولايات المتحدة نفسها، فإن ملامح الممانعة للعنف الإمبريالي وللسياسات التدخلية لم تتبلور بعد في صورة تاريخية حاسمة، لكنها كامنة فيما يمكن تسميته، بلغة بلوخ أيضا، بـ«اللا-متزامن» داخل المجتمع الأمريكي: في التصدعات الاجتماعية والحركات المناهضة للحروب والعنصرية، وفي أشكال الرفض التي لم تجد بعد لغتها السياسية الكاملة. وبين ممانعة خارجية آخذة في التشكل، وممانعة داخلية لم تنضج بعد، يظلّ النظام الدولي القائم مفتوحًا على أفق «ما لم يصر بعدُ البلوخية»، بما يجعل اغتصاب السيادة واختطاف الزعماء لا نهاية للتاريخ، بل إحدى لحظاته المأزومة المُؤذنة بإمكانات التحول الجذري الذي يبدأ بإنهاء تاريخ المُغتصِب.
المراجع
- Agamben, Giorgio. 2005. State of Exception. Translated by Kevin Attell. Chicago: University of Chicago Press.
- Anghie, Antony. 2005. Imperialism, Sovereignty and the Making of International Law. Cambridge: Cambridge University Press.
- Blum, William. 2003. Killing Hope: U.S. Military and CIA Interventions since World War II. London: Zed Books.
- Falk, Richard. 1993. Law and Power in the Global System. London: Routledge.
- Finkelstein, Norman G. 2003. Image and Reality of the Israel–Palestine Conflict. London: Verso.
- Grandin, Greg. 2006. Empire’s Workshop: Latin America, the United States, and the Rise of the New Imperialism. New York: Metropolitan Books.
- Harvey, David. 2003. The New Imperialism. Oxford: Oxford University Press.
- Horkheimer, Max. 1947. Eclipse of Reason. New York: Oxford University Press.
- Human Rights Watch. 2020. Venezuela: US Sanctions Harm Human Rights. New York: Human Rights Watch.
- Kennedy, David. 2006. Of War and Law. Princeton, NJ: Princeton University Press.
- Koskenniemi, Martti. 2005. From Apology to Utopia: The Structure of International Legal Argument. Cambridge: Cambridge University Press.
- Mills, Charles W. 1997. The Racial Contract. Ithaca, NY: Cornell University Press.
- Monroe, James. 1823. “Seventh Annual Message to Congress.” Washington, DC.
- Morgenthau, Hans J. 1948. Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace. New York: Alfred A. Knopf.
- Roosevelt, Theodore. 1904. “The Roosevelt Corollary to the Monroe Doctrine.” Washington, DC.
- Schmitt, Carl. 1985. Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty. Translated by George Schwab. Cambridge, MA: MIT Press.
- Schmitt, Carl. 2006. The Nomos of the Earth in the International Law of the Jus Publicum Europaeum. Translated by G. L. Ulmen. New York: Telos Press.
- Smith, Peter H. 1994. Talons of the Eagle: Latin America, the United States, and the World. New York: Oxford University Press.
- Weber, Max. 1919. “Politics as a Vocation.” In From Max Weber: Essays in Sociology, edited by H. H. Gerth and C. Wright Mills, 77–128. New York: Oxford University Press.
- Wolfe, Patrick. 2006. “Settler Colonialism and the Elimination of the Native.” Journal of Genocide Research 8 (4): 387–409.
- Wallerstein, Immanuel. 2004. World-systems Analysis: An Introduction. Durham, NC: Duke University Press.
انّ الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الكتيبة، بل هي نتاج أعمال ملاحظة وتحليل قام بها كاتب المقال.
انّ الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الكتيبة، بل هي نتاج أعمال ملاحظة وتحليل قام بها كاتب المقال.

الكاتب : محسن الخوني
أستاذ التعليم العالي في الفلسفة السياسية والاجتماعية رئيس مخبر "بحوث في التنوير والحداثة والتنوع الثقافي" بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس جامعة تونس المنار



