الكاتبة : رحمة الباهي
صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة
“مصنع السكّر في بنزرت بالنسبة إليّ صفحة طويت، لم أعد أريد حتّى الحصول على حقّي. عملت هناك 9 سنوات قبل أن يقع طردي بشكل تعسّفي في 2022 عندما توقّف المصنع عن النشاط. قدّمت شكاية ضدّهم على غرار أغلبيّة العمّال ولكن دون نتيجة”، بتردّد واقتضاب شديدين، يروي سامي (اسم مستعار)، معاناته إثر توقّف شركة سكّر تونس عن النشاط.
في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، توقّف مصنع السكّر في بنزرت عن النشاط ممّا أدّى إلى إحالة عمّاله على البطالة القسريّة الذين لم يحصلوا على أجورهم لشهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأوّل 2022، وذلك نتيجة الصعوبات التي عرفتها شركة سكّر تونس منذ سنوات.
الكاتبة : رحمة الباهي
صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة
“مصنع السكّر في بنزرت بالنسبة إليّ صفحة طويت، لم أعد أريد حتّى الحصول على حقّي. عملت هناك 9 سنوات قبل أن يقع طردي بشكل تعسّفي في 2022 عندما توقّف المصنع عن النشاط. قدّمت شكاية ضدّهم على غرار أغلبيّة العمّال ولكن دون نتيجة”، بتردّد واقتضاب شديدين، يروي سامي (اسم مستعار)، معاناته إثر توقّف شركة سكّر تونس عن النشاط.
في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، توقّف مصنع السكّر في بنزرت عن النشاط ممّا أدّى إلى إحالة عمّاله على البطالة القسريّة الذين لم يحصلوا على أجورهم لشهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأوّل 2022، وذلك نتيجة الصعوبات التي عرفتها شركة سكّر تونس منذ سنوات.
تثير هذه الشركة، التي أسّسها قبل الثورة التونسيّة بلحسن الطرابلسي صهر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، منذ عدّة أشهر جدلا كبيرا خصوصا في ما يتعلّق بديونها المتخلّدة بذمّتها من قبل بنوك تونسيّة – والتي تتجاوز 140 مليون دولار (حوالي 420 مليون دينار تونسي حاليا) – ومؤسّسات عموميّة، في ظلّ غياب استراتيجية واضحة لإنقاذ هذه الشركة أو إعادة هيكلتها بما يمكّنها من استئناف نشاطها وإنتاج كمّيات هامّة من السكّر الذي تحتاجه السوق التونسيّة بشكل كبير.


مأساة عُمّاليّة
كان مصنع السكّر في بنزرت يُشغّل حوالي 340 عامل.ة، وجدوا أنفسهم.ن دون عمل أو أجور منذ سبتمبر/ أيلول 2022. ورغم صدور أحكام قضائيّة لفائدة بعضهم تمكّنهم من الحصول على مستحقّاتهم، بالإضافة إلى امتلاكهم شهادات ترسيم، فإنّ وضعيّتهم ما تزال معلّقة، وفق ما أفاد به الكاتب العامّ للاتحاد الجهوي للشغل ببنزرت بشير السحباني لموقع الكتيبة.
على مدار سنوات، نفّذ عمّال/عاملات المصنع عدّة تحرّكات احتجاجية. وفي شهر جويلية/ تمّوز 2024، نفّذ بعضهم إضرابا عن الطعام. وفي جانفي/ كانون الثاني 2023، نظّم العمّال مسيرة احتجاجية انطلقت من بنزرت المدينة باتجاه قصر الجمهورية بقرطاج في العاصمة تونس انتهت بتدخّل الأمن و إقناعهم بالتراجع.
يشير كاتب عام اتحاد الشغل ببنزرت بشير السحباني إلى أنّ “رئيس الجمهورية كان قد التقى أحد عمّال المصنع وتعهّد بالاهتمام بالملفّ إلاّ أنّه إلى اليوم لم يقع تسجيل أيّ تقدّم”، مؤكّدا أنّ “عددا من العمّال قد أصيبوا بأمراض ومنهم من توفّي دون أن تقع حلحلة هذا الملفّ”.
ويفيد السحباني أنّ آخر جلسة انعقدت كانت سنة 2024 في مقرّ وزارة الصناعة بعد الفشل في التوصّل إلى حلول على المستوى الجهوي. وقد حضر في هذه الجلسة ممثّلون عن كافّة الوزارات بما فيها وزارة العدل، فضلا عن ممثّلين عن البنوك وكلّ من له علاقة بهذا الملفّ العالق.
ويبيّن المتحدّث ذاته أنّ العمّال كانوا قد قدّموا شكايات ضدّ الشركة باعتبار أنّهم يمتلكون شهادات ترسيم، وقد حصل البعض منهم على أحكام لفائدتهم، أمّا من لم يصدر حكم لصالحه فقد دعاه السحباني إلى إعادة تقديم شكاية أخرى.
ويضيف أنّه رغم قيام التفقدية للشغل والمصالحة ببنزرت بعملها ورغم صدور هذه الأحكام، فإنّ الردّ كان أنّ شركة سكّر تونس تخضع إلى الفصل 23 من القانون عدد 81 لسنة 1992 المتعلّق بالمناطق الاقتصادية الحرّة، والذي ينصّ على أنّه “بصرف النظر عن أيّ نصّ مخالف تُعتبر عقود الشغل المبرمة بين المؤسسات المنتصبة بمنطقة اقتصادية حرّة وأجرائها عقودا مبرمة لأجل معيّن مهما كان شكلها أو مدّتها أو صيغ تنفيذها”.
يُذكر أنّ موقع الكتيبة اتّصل بتفقّدية الشغل ببنزرت لعقد لقاء صحفي مع رئيسة تفقدية الشغل والمصالحة ببنزرت لطيفة الهمامي حول هذا الموضوع دون أن يقع التفاعل مع طلبنا إلى غاية كتابة هذه السطور.
رغم حصول عدد منهم على أحكام قضائية لفائدتهم، مازال إلى اليوم عمّال مصنع السكّر دون أجور ودون تعويضات عن الإحالة القسرية على البطالة التي تعرّضوا لها. حتّى أنّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لم يقم بدوره ولم يمنحهم تعويضات وذلك نتيجة إحداث صندوق التأمين على فقدان مواطن الشغل بموجب الفصل 17 من قانون الماليّة لسنة 2025.


إلّا أنّ انطلاق عمل هذا الصندوق بقي معطّلا بسبب عدم صدور الأمر الحكومي المتعلّق بتحديد المعنيّين بالاقتطاع وضبط إجراءات التصرّف في الموارد وآليّات التنفيذ، في حين أنّه تمّ الشروع في اقتطاع المساهمة الإجبارية المخصّصة لتمويله والمقدّرة بـ0.5% من كتلة الأجور يتحمّلها الأجراء والمؤجّرون على حدّ سواء، وفق الكاتب العام الجهوي لاتحاد الشغل ببنزرت.
لا تمثّل الوضعيّة الصعبة التي يعيشها عمّال مصنع السكّر ببنزرت سوى الشجرة التي تخفي غابة من التعقيدات التي تشوب ملفّ شركة سكّر تونس منذ إحداثها قبل الثورة التونسية مرورا بعمليّة التفويت فيها والأزمة الأخيرة التي عرفتها والتي أدّت إلى وقف نشاطها منذ 2022.


منظومة “فاسدة” من البدايات
قام بلحسن الطرابلسي، صهر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، بإحداث شركة “سكّر تونس”، وهي شركة غير مقيمة ومصدّرة كلّيا منتصبة بفضاء الأنشطة الاقتصادية ببنزرت، بالشراكة مع رجل الأعمال لطفي عبد الناظر. وبلغت قيمة رأس مالها آنذاك 15 مليون يورو، بحسب ما جاء في وثيقة القانون الأساسي للشركة.
كشف تقرير اللجنة الوطنية لتقصّي الحقائق حول الفساد والرشوة، الصادر في 2011، أنّ تركيبة شركة سكّر تونس تتكوّن من 17% يملكها بلحسن الطرابلسي من خلال مجموعة “كارطاقو”، إلى جانب صندوق استثماري اسمه “شينوك بورتفوليو” (Chinook Portfolio Inc) مقرّه ببنما ويملك 33% من الأسهم من “سكّر تونس”.
ويبرز التقرير أنّ بلحسن الطرابلسي قام بالإمضاء في حقّ هذا الصندوق بالقانون الأساسي للشركة وهو ما يثير شبهة امتلاكه لهذا الصندوق.
يشير التقرير أيضا إلى أنّ الشركة التونسية للبنك قامت بالتخلّي عن ديون كانت محمولة على رجل الأعمال لطفي عبد الناظر، شريك بلحسن الطرابلسي والذي كان قد استقوى بالعلاقة بينهما للضغط على البنوك للحصول على إسقاطات ديون بمبالغ هامّة.
ويبيّن المصدر ذاته أنّ وثيقة موجّهة من قبل البنك المركزي التونسي إلى مستشار الرئيس الأسبق (الدائرة الاقتصادية) تؤكّد تعدّد برامج التطهير وما ترتّب عنه من خسائر للبنوك نتيجة اختلال التوازن المالي للمجمع من جرّاء إنجاز استثمارات دون تعبئة الموارد الذاتية الضرورية، من ذلك أهمّية الإسقاطات لفائدة شركة “أقروماد” -التي تعود ملكيّتها إلى عبد الناظر-، مع مواصلة الحصول على قروض والدخول في استثمارات جديدة كتكوين مؤسسة “سكّر تونس” برأسمال 18 مليون يورو بالتناصف بين لطفي عبد الناظر وبلحسن الطرابلسي،وفق ما ورد في التقرير المشار إليه سابقا.
بعد اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام بن علي في 2011، تمّت مصادرة أسهم بلحسن الطرابلسي في شركة سكّر تونس. ولم تخل عمليّة التفويت في هذه الأسهم من شبهات فساد، حيث يعتبر بعض المتابعين للملفّ أن التفويت فيها قام على المُراكنة في غياب الشفافية والوضوح الضروريّين.


يبيّن التقرير السنوي العامّ الثلاثون لمحكمة المحاسبات، الذي كان قد صدر في جوان/ حزيران 2017، أنّه في إطار طلب العروض الدّولي للتفويت في حصّة 23,96% من رأس مال شركة سكّر تونس، تمّ الاعتماد على مخطّط أعمال تمّ إعداده من قبل شركة يملك المشارك الوحيد في طلب العروض 66% من رأس مالها.
وهو ما اعتبرته المحكمة في تقريرها من قبيل تضارب المصالح ويمكن أن يشكّل مخاطر على شفافيّة ومصداقية المعطيات المضمّنة بالمخطّط خاصّة وأنّ مكتب الخبرة الذي قام بالتقييم قد أشار إلى أنّ إعداد مخطّط الأعمال تمّ استنادا إلى فرضيّات مبنيّة على غياب نموّ رقم المعاملات خلال مدّة 10 سنوات، وهو ما يعني تجميد الأسعار والكمّيات التي يتمّ إنتاجها خلال الفترة المذكورة، إضافة إلى حجم استثمارات مُضخّم وهو ما ينجرّ عنه نتائج سلبيّة خلال نفس المدّة.
ويشير التقرير إلى أنّه تمّ اقتناء الأسهم المعروضة للبيع بسعر 100 يورو للسهم الواحد من طرف الشركة الدولية للخدمات والاستثمار، وهي نفس القيمة الاسميّة للسهم الواحد عند تكوين الشركة في 3 أوت/آب 2007، علما وأنّ نتيجة التقييم أفضت إلى قيمة السهم الواحد في حدود 98,95 يورو.
قبل التفويت في الحصص المصادرة التابعة لبلحسن الطرابلسي، وقع الترفيع في رأس مال شركة سكّر تونس إلى 35.5 مليون يورو، وقد باتت الدولة تمتلك 23.96% من أسهم الشركة، فيما استحوذت الشركة الدولية للخدمات والاستثمار – والتي يملكها رجل الأعمال الليبي نوري سالم صميدة – 66% من الأسهم، واقتصرت حصّة مجموعة عبد الناظر على 10%، وفق بيانات نشرتها شركة الكرامة القابضة المُحدثة بعد الثورة لإدارة وتصريف الأملاك المصادرة من نظام بن علي وعائلته.
ولم يشتر رجل الأعمال الليبي نوري سالم صميدة، عبر شركته الدولية للخدمات والاستثمار، بقيّة الحصص التي ظلّت تابعة للدولة التونسية إلّا في 2015 ليصبح هو صاحب أغلبية الأسهم أي حوالي 90% من الأسهم.


رجل الأعمال الليبي النوري سالم صميدة: مالك حقيقي أم رجل قشّ؟
لا يعدّ رجل الأعمال الليبي نوري سالم صميدة غريبا عن السوق التونسيّة، فهو يعتبر أنّه كان “أكبر مصدّر بضائع من تونس إلى ليبيا” منذ ما قبل الثورة بسنوات. وقد جمعته علاقات عمل سابقا مع رجل الأعمال لطفي عبد الناظر الذي كان يورّد منه الزيت.
علاوة على ذلك، يمتلك صميدة، وفق تصريحه لموقع الكتيبة، “مصانع موادّ غذائية في لييبا على غرار المعكرونة والسميد والدقيق والحليب والتنّ والسردينة والطماطم، إلى جانب معمل أعلاف. وهو يعمل في هذا المجال منذ سنة 1996”.
في 2011، “اقترح لطفي عبد الناظر على رجل الأعمال الليبي نوري سالم صميدة الدخول كشريك في شركة سكّر تونس، وقام هذا الأخير باقتناء الشركة الدولية للخدمات والاستثمار التي كان يملكها عبد الناظر. وهكذا بات صميدة شريكا في “سكّر تونس” من خلال 33% من الأسهم العائدة إلى الدولية للخدمات والاستثمار”، وفق المتحدث ذاته.
في 2012، وقع تعيين متصّرف قضائي للتصرّف في حصص بلحسن الطرابلسي التي أصبحت على ذمّة الدولة التونسيّة. تحصّل المتصرّف على إذن قضائي لعرض أسهم الشركة الأجنبية “شينوك” (التي كان كان يملكها بلحسن الطرابلسي) – والبالغة 33% (49 ألف سهم) في البورصة التونسية، إلّا أنّه قبل موعد العرض بليلة واحدة، تمّ إصدار قرار يقضي بإلغاء هذه العملية، وفق ما رواه نوري سالم صميدة في حواره مع موقع الكتيبة.
يضيف صميدة أنّه “وقع اشتراط أن يقدّم هو تعهّدا بموافقته المسبقة على أنّه إذا وقع بيع الـ49 ألف سهم في البورصة (33%) لأيّ طرف كان، عليه أن يقبل إذا طلبت منه الدولة استعادة هذه الحصص”، مبيّنا أنّ محاميه طلب منه الموافقة على هذا الطلب فقام بإعداد التعهّد في بلدية.
إثر ذلك، “تمّ عرض الأسهم المذكورة في البورصة إلّا أنّه لم يتقدّم أيّ أحد لشرائها، ليقوم رجل الأعمال الليبي باقتنائها وشرع في بناء مصنع السكّر معتمدا على ماله الشخصي دون الحصول على أيّ قرض”، وفق تصريحاته.
وفي موفى ديسمبر/ كانون الأوّل 2012، استعادت الدولة التونسية 23.57% بحسب ما تبرزه معطيات شركة الكرامة القابضة في تعريفها لشركة سكّر تونس، وهو أيضا ما أكّده نوري سالم صميدة للكتيبة.
ظلّت شركة سكّر تونس دون نشاط فعلي إلى أن أُقترح على صميدة الترفيع في رأس مال الشركة ليصبح مالكا لـ66% من أجل حلحلة المسألة، وهو ما تمّ في أوت/آب 2013 إذ دفع حينها حوالي 15 مليون يورو في هذا الإطار، وفق تصريحاته. وبذلك، باتت حصّة الدولة في الشركة 23.96% وأصبحت حصّة مجموعة عبد الناظر 10%.
لاحقا، قرّرت الدولة التونسية بيع حصصها في الشركة. وقد حدّد المتصرّف القضائي ووزارة الماليّة سعر السهم الواحد بـ100 يورو كحدّ أدنى وقام نوري سالم صميدة بشرائها، لتصبح نسبة الأسهم التي يمتلكها حوالي 90%. ويقول صميدة إنّه أصبح المالك الفعليّ لشركة سكّر تونس في 2015.


“سكّر تونس” في دوّامة “الديون الكريهة”
لم ينته الجدل حول شركة سكّر تونس بعد تفويت حصص الدولة فيها والترفيع في رأس مالها، الأمر الذي حال دون استئنافها لنشاطها وجعلها إزاء مسار قضائي مستمرّ إلى غاية اليوم.
تواجه “سكّر تونس” ديونا هائلة تجاه عدد من البنوك التونسية والدولة التونسية نفسها. يقول مصدر بنكيّ مطّلع على الملفّ – طلب عدم الإفصاح عن هويّته – لموقع الكتيبة، إنّ:
” قيمة ديون الشركة المتخلّدة بذمّة البنوك تتجاوز 350 مليون دينار، وهي تشمل القروض والفوائد، فضلا عن الديون لدى القباضة والجباية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”
تزعم مصادر رسميّة ذات علاقة بالملف( رفضت نشر هويتها)، في حديث مع الكتيبة، أنّ البنوك التونسية بقيت تُقرض شركة سكّر تونس بتعلّة حاجة البلاد إلى السكّر، قائلة “إنّ رجل الأعمال الليبي نوري سالم صميدة كان يُحوّل أموالا بالعملة الصعبة من تونس ويضعها في دبي وفق عديد المُؤشرات والمعطيّات التي تمّ التوصّل إليها”.


ينفي نوري سالم صميدة صحّة هذه الادعاءات، مؤكّدا أنّها لا تعدو أن تكون كذبا وافتراء وأنّه يملك الوثائق لإثبات ذلك. ويشدّد على أنّ القروض التي يتمّ الحديث عنها قديمة وتمّ الحصول عليها قبل أن يُصبح المالك الفعليّ لسكّر تونس في 2015.
يقول النوري صميدة إنّ “قيمة ديون سكّر تونس المتخلّدة بذمّة البنوك التونسية تقدّر بحوالي 117 مليون دولار أمريكي، ويعدّ بنك الإسكان أكبر دائن للشركة إذ بلغت قيمة ديونها لديه حوالي 36 مليون دولار”.
ويوضّح صميدة أنّ “القروض تحصّل عليها مدير عام الشركة ومجلس إدارتها السابق في 2008 – أي قبل الثورة التونسية -، في حين تحصّل المتصرّف القضائي السابق على قرض تكميليّ في 2014، أي قبل أن يستحوذ هو على غالبيّة أسهم الشركة”، وفقا لما جاء على لسانه في مقابلة مع الكتيبة.
عندما استلم النوري سالم صميدة الشركة رسميّا في 2015، قام بإعداد “دراسة لاستئناف نشاطها وتقدّم بطلب لإعادة جدولة الديون. وقد طلبت منه البنوك دفع الفوائض من 2008 إلى غاية 2017 وهو ما قام به فعليا”، وفق قوله.
وإثر موافقة البنوك على مقترح إعادة جدولة الديون، شرع مصنع السكّر في بنزرت في النشاط وإنتاج السكّر وتصديره إلى سوريا وتركيا وألبانيا.
في هذا السياق، يقول النوري سالم صميدة:
” رغم أنّها كانت السنة الأولى من العمل إلّا أنّنا حقّقنا أرباحا صافية تُقدّر بـ17 مليون دولار ورقم معاملات قيمته 187 مليون دينار في أوّل 9 أشهر من سنة 2017″.
ردّا على ادعاءات استخدامه أموال شركة تونس لشراء عقارات في دبي، يقول صميدة إنّه قام باقتناء هذه العقارات قبل أن يستحوذ على سكّر تونس، مشدّدا على أنّ آخر عقار اشتراه وقام بتسجيله يعود إلى سنة 2015 وأنّه بعد ذلك أصبح مضطرّا إلى بيع بعض ممتلكاته لتمويل أجور عمّال مصنع السكّر من بينها بناية في منطقة “مونبليزير” في العاصمة تونس كان قد اشتراها في 2011.
يضيف محدّثنا:
“إذا تبيّن أنّني قمت بشراء أيّ عقار بعد 2015 فأنا مستعدّ للتنازل عنه”.
بحسب وثائق موثوقة اطّلع عليها موقع الكتيبة، يمتلك رجل الأعمال الليبي 8 عقارات في دبي تتمثّل في 7 شقق وفيلا. وهو يقوم بتأجيرها وتدّر عليه سنويا مداخيل قيّمة من الكراء بالدرهم الإماراتي .


أزمة “متشعّبة”
لم يتواصل النجاح الذي حقّقته شركة سكّر تونس في 2017 طويلا. ويُرجع الرئيس المدير العامّ للشركة النوري سالم صميدة ذلك إلى “العراقيل التي تمّ وضعها أمامه من قبل أطراف تحاول الاستفراد بقطاع السكّر في تونس وتسعى إلى إفشال مشروع سكّر تونس حتّى تتراجع قيمته لدى البيع وشرائه لاحقا مقابل ثمن زهيد”، وفق تعبيره.
تبلغ القدرة الإنتاجية لمصنع السكّر في بنزرت 600 ألف طن سنويّا. تخصّص أغلبيّة الكميّات المنتجة للتصدير باعتبار أنّ شركة سكّر تونس غير مقيمة ومصدّرة كلّيا، إلا أنّ القانون يخوّل لها بيع 30% من إنتاجها في السوق المحلّية، وفق ما أفادنا به مصدر من الشركة طلب عدم نشر هويّته للعموم.
يقول رجل الأعمال الليبي نوري سالم صميدة إنّه “بعد 2017 أصبح التوجّه إلى السوق الليبيّة صعبا نتيجة الحرب التي عرفتها البلاد. وفي الوقت ذاته، أُغلقت أبواب السوق المحلّية التونسيّة أمامه بعد منعه من بيع السكّر للسوق المحلّية”.
وكان نوري سالم صميدة قد قال في تصريح إذاعي سابق “إنّ عدم تطبيق القانون جعل الشركة في 2018 تحقّق خسائر تقدّر بحوالي 18 مليون دولار. نحن اليوم نبيع 54 ألف طن لشركة إنقليزية وهذه الأخيرة قامت ببيعها للدولة التونسية”، مشيرا إلى ضرورة اعتماد مبدأ المساواة بين الشركات على الأقلّ في ما يتعلّق بالبيع في السوق المحلّية.
في ذلك الوقت، أصدر الديوان التونسي للتجارة بلاغا ردّ فيه على ما اعتبره “مغالطات وقلبا للحقائق” مؤكّدا أن الشريط المصوّر -الذي تضمّن تصريح صميدة – لا يرتقي إلى العمل الصحفي لما تضمّنه من “مغالطات وسوء نيّة خدمة لغايات وأهداف “تجارية” عبر توظيف وسيلة إعلامية في تمرير جملة من المغالطات والمعطيات الخاطئة وإيهام الرأي العامّ بشبهة فساد”.
وذكّر الديوان أنّ “مادّة السكّر في تونس تخضع إلى احتكار الدولة واعتماد سياسة سكريّة هدفها التخلّي عن توريد السكّر الأبيض لفائدة الإنتاج المحلّي وتوريد السكّر الخام وتكريره من طرف شركات تونسية مقيمة”.
وأضاف البلاغ أنّ “ديوان التجارة يقوم بتوريد السكّر الخام الذي يتمّ تكريره من طرف الشركة التونسية للسكّر بباجة، واقتناء كمّيات السكّر الأبيض المستخرج من اللفت السكّري المنتج محلّيا، وتوريد باقي حاجيات السوق المحلّية من السكّر الأبيض عبر نشر طلبات عروض دوليّة طبقا للأمر المنظّم للصفقات العمومية”.
وبيّن أنّ “شركة سكّر تونس هي شركة غير مقيمة ومصدّرة كلّيا منتصبة في فضاء الأنشطة الاقتصادية ببنزرت، يتمثّل نشاطها في توريد وتكرير السكّر الخام وهو مشروع موجّه أساسا للتصدير”، مبرزا أنّه “بموجب القانون يمكن للشركات المصدّرة كلّيا بفضاءات الأنشطة الاقتصادية بما في ذلك شركة سكّر تونس ترويج نسبة من قيمة صادراتها للشركات المقيمة وتخضع بالتالي لتراتيب الصرف والتجارة الخارجية الجاري بها العمل والمتمثّلة بالنسبة إلى مادّة السكّر خاصة في الاستظهار بوثيقة الاستثناء من احتكار الدولة (رمز 120)”.


وأوضح ديوان التجارة أنّه “يتمّ منح هذه الوثيقة من قبل الديوان للشركات المقيمة الراغبة في توريد السكّر الأبيض بمفردها سواء من شركة سكّر تونس أو شركات عالميّة أخرى وبالتالي لا علاقة لشركة سكّر تونس بالديوان التونسي للتجارة في هذا الصدد”.
وتخضع “شراءات الديوان إلى الأمر المنظم للصفقات العمومية الذي يكرس بالأساس مبادئ الشفافية والمساواة والمنافسة، حيث يقوم الديوان بطلبات عروض دولية لدى المزودين المعتمدين لديه ومن ضمنهم شركة سكر تونس وذلك حسب كراس يتضمن كل الشروط المطلوبة من حيث الجودة وطريقة الخلاص وباقي متطلبات الصفقة”، وفق نصّ البلاغ.
ويتمّ فتح العروض عن طريق لجنة شراءات متكونة من ممثلين عن رئاسة الحكومة ومختلف الوزارات ذات العلاقة دون أي تمثيلية للديوان التونسي للتجارة حسب مقتضيات الأمر المنظم للصفقات العمومية. وتمنح الصفقة للمزود الذي يقدم سعرا أقل ويكون عرضه مطابقا للشروط المطلوبة. وبعد إسناد الصفقة من طرف اللجنة المذكورة يتم تعيين شركة مراقبة عالمية عند شحن البضاعة لإجراء التحاليل اللازمة وإثبات مطابقة مادة السكر للمواصفات المطلوبة.
و في بعض الحالات يقوم المزوّدون الأجانب بإنجاز بعض الصفقات عن طريق شركة سكّر تونس التي تقوم بدورها بشحن وتسليم السكّر إلى الديوان التونسي للتجارة على غرار ما تم خلال سنة 2018 حيث تم تزويد الديوان بكمّيات من السكّر الأبيض عبر شركة سكر تونس تجاوزت نسبة الـ50 % من مبيعاتها (حوالي 155 ألف طن) رغم أنها شاركت في كل طلبات العروض ولم تفز بأي صفقة نظرا لارتفاع أسعارها.
ويتمّ خلاص المزودين بالعملة الصعبة بما في ذلك شركة سكّر تونس باعتبارها شركة غير مقيمة منتصبة في فضاء الأنشطة الاقتصادية، بحسب ما جاء في بلاغ الديوان التونسي للتجارة.
يقول رجل الأعمال الليبي وصاحب شركة سكّر تونس النوري سالم صميدة للكتيبة إنّه في ذلك الوقت توجّه إلى الديوانة التونسية وتحصّل على وثيقة الاستثناء من احتكار الدولة (رمز 120)، دون أن يقبل ديوان التجارة بعرضه لبيع السكّر في تونس رغم صدور قرار من المحكمة الإدارية لفائدته، وفق تصريحاته.


بقي الوضع هكذا إلى أن “انتشر وباء كوفيد في 2020 دون أن يعمل مصنع السكّر في بنزرت لسنوات، لتأتي لاحقا حكومة إلياس الفخفاخ التي قال صميدة إنّه التقى وزيرا فيها وتمّ تحويل الملف إلى رئاسة الحكومة التي طلبت منه مستندات ووثائق قبل أن تصدر قرارا بتطبيق قرار المحكمة الإدارية والسماح له ببيع 30% من صادراته في السوق المحلّية”، بحسب روايته.
وأفاد المتحدّث ذاته أنّه قام آنذاك “بشراء 4 بواخر من السكّر الخام ودفع 10% عن ثمن كلّ باخرة على أن يدفع بقيّة المبلغ بعد أن يستأنف مصنع السكّر نشاطه، إلّا أنّه بعد إقالة حكومة الفخفاخ سقط هذا الاتّفاق بعد أن عادت المجموعة الأولى التي كانت تستهدف شركته إلى اتخاذ القرارات”، على حدّ قوله.
ويضيف النوري سالم صميدة أنّ “تلك العمليّة كانت آخر فرصة بالنسبة إليه نظرا إلى الخسائر المتراكمة والديون التي حصل عليها من جهات أخرى لشراء بواخر السكّر الـ4، ممّا تسبّب له في خسائر إضافية”.
في أواخر 2021، تمّت دعوة نوري سالم صميدة من قبل والي بنزرت الذي أعلمه بنهاية الأزمة وإمكانية استئنافه لنشاطه إلّا أنّ وضعيته المالية آنذاك كانت سيئة جدّا، الأمر الذي جعله يبحث عن شريك وتوجّه إلى أصدقاء له يملكون شركة “الريّان القابضة” في ليبيا وطلب منهم المساعدة، وفق إفادته.
قام صميدة إثر ذلك، تحديدا في 2022، بشراء باخرتين من السكّر الخام لإعادة تكريره وبيعه بمساعدة من شركة الريّان. وكان قد اتفق مع الديوان التونسي للتجارة على أن يقوم هذا الأخير بشراء بضاعة قيمتها 4 مليون دينار وقالوا إنهم سيدفعون بعد تسلّم السكّر، وفق رجل الأعمال الليبي الذي قال إنّه بعد تسليم جزء من البضاعة المتفق عليها رفض الديوان الدفع إلّا بعد تسلّم كامل الكمّية، وهو ما أغضب شركة الريّان القابضة التي اعتبرت هذا الأمر تلاعبا.
في هذا السياق، يوضّح المصدر من شركة سكّر تونس – الذي كان قد طلب عدم نشر هويّته-، أنّه في جوان/ حزيران 2022، أطلق ديوان التجارة 3 طلبات عروض لشراء السكّر فازت بها “سكّر تونس”. وتبلغ قيمة طلب العروض الأوّل 18 ألف طن، والثاني 20 ألف طن والثالث 20 ألف طن. واشترط الديوان في عقده مع شركة سكّر تونس أنّ هذه الأخيرة يجب أن تسلّمهم 50% من البضاعة يقع دفع ثمنها بعد بيعها، ثمّ تسلّم الشركة الـ50% المتبقية وهي أيضا يُدفع ثمنها بعد بيعها في السوق.
ويبيّن المصدر أنّ “شركة سكّر تونس التزمت بالعقد الأوّل وباعت للديوان 18 ألف طن ثمّ باعت له 16 ألف طن من جملة الـ20 ألف طن المتّفق عليها في العقد الثاني، إلّا أنّ ديوان التجارة لم يدفع جزءا هامّا من المبلغ، ممّا دفع بالشركة إلى التوقف عن الإنتاج لأنّه لم يعد لديها مخزون من السكّر وبما أنها لم تحصل على أموالها أصبحت ديون الديوان المتخلّدة بذمّتها هامّة”.
ويضيف أنّه “عندما اتصلت الشركة بديوان التجارة للمطالبة بهذه الأموال باعتبار أنها دفعت تسبقة لكمّية من السكّر الخام قادمة إليها إلّا أنّ الديوان رفض بتعلّة عدم توفّر المال” .
وأفاد المصدر:
“قيمة ديون ديوان التجارة المتخلّدة بذمّتنا تبلغ 4 مليون دولار أي ما يعادل تقريبا 15 مليون دينار”.
وقد حاول موقع الكتيبة الحصول على ردّ رسمي من قبل ديوان التجارة حول كلّ هذه المعطيات والنقاط المُثارة، غير أنّ جميع محاولاتنا باءت بالفشل.
تستهلك تونس سنويّا حوالي 360 ألف طن من السكّر سنويّا. وتشمل منظومة السكّر في تونس 3 أقطاب رئيسية وهي الديوان التونسي للتجارة ومصنع السكّر بباجة ومصنع بن بشير بجندوبة.
يتولّى مصنع السكّر بباجة -الراجع بالنظر إلى الشركة التونسية للسكّر (مؤسّسة عموميّة) – تكرير السكّر الخام ولا تتجاوز طاقة إنتاجه في الحالات القصوى 160 ألف طن سنويّا، وهي كمّية عرفت خلال السنوات الأخيرة تراجعا كبيرا نتيجة عدّة عوامل.
وينتج مصنع بن بشير بجندوبة، الذي يعتمد على تكرير اللفت السكّري، حوالي 15 ألف طن سنويّا، فيما يتولّى ديوان التجارة توريد بقيّة الكمّية التي تحتاجها السوق التونسية من السكّر.


وكانت تونس قد عرفت في صائفة 2022 أزمة في التزوّد بمادّة السكّر ممّا دفع عديد المقاهي و المصانع إلى الإغلاق. وقد صرّح مدير عام الديوان التونسي للتجارة آنذاك إلياس بن عامر، يوم 1 جويلية/ تموز 2022، أنّه تمّ “منذ أسبوعين تسجيل اختلال في التزويد بسبب خلل في إنجاز عقد مزوّد من الخارج الذي لم يجلب الكمّيات في الوقت المحدّد رغم أنّنا قمنا بتسديد جميع الفاتورات”.
وأشار بن عامر في تصريح إذاعي إلى “وجود باخرة محمّلة بـ18 ألف طن راسية بميناء صفاقس ويتمّ إفراغ الحمولة حاليّا، وأنّ باخرة ثانية ستصل اليوم محمّلة بـ30 ألف طن من السكّر”، مضيفا أنّ الشركة التونسية للسكّر بباجة توفّر 7 آلاف طن يوميّا”.


القضاء على الخطّ
تواصلت أزمة السكّر لعدّة أشهر نتيجة تذبذب إنتاج مصنع السكّر بباجة، فضلا عن توقّف نشاط مصنع بن بشير بجندوبة الذي لم يستأنف نشاطه إلّا في أكتوبر/ تشرين الأول 2025. بالإضافة عوامل عالميّة ناجمة عن التغيّرات المناخية، حيث أعلنت الهند في 2022 تقييد بيع السكر في الأسواق العالمية، كما أن الطقس الجاف في البرازيل يؤثر على الإنتاج، إلى جانب الخدمات اللوجستية المثيرة للقلق هناك، علما وأنّ البرازيل والهند ينتجان معا أكثر من 40% من إنتاج السكّر العالمي.
تقول مصادر مختلفة تحدّث معها موقع الكتيبة إنّ “مؤسّسة سكّر تونس تؤدّي دورا اقتصاديا واجتماعيّا مهمّا في البلاد نظرا إلى أزمة السكّر، فضلا عن مواطن الشغل التي توفّرها المؤسسة في جهة تشكو مشاكل تنموية مثل بنزرت. من هنا تبرز الحاجة إلى إنقاذ هذه الشركة والحؤول دون أن تتلف معدّاتها خاصّة وأنها قادرة على إنتاج كمّيات كبيرة من السكّر”.
ويقول النوري سالم صميدة إنّ “شركة الريّان القابضة مستعدّة لأن تصبح مساهمة في شركة سكّر تونس وأن تقوم بالترفيع في رأس مالها بـ51 مليون يورو على أن يتمّ الاتفاق مع البنوك بخصوص إعادة جدولة ديون الشركة”.
تقدّمت شركة سكّر تونس بمقترح إلى البنوك المعنية لإعادة جدولة الديون البالغة قيمتها 143 مليون دولار، وهي تشمل قيمة القروض والفوائد وخطايا التأخير، تمثّل في الشروع في الدفع بعد سنتين على مدّة 8 أعوام، وإذا التزمت الشركة بالدفع بشكل منتظم خلال 10 سنوات يتمّ العفو عن الخطايا، وفق ما أفادنا به صميدة ومصدر آخر مطلّع على الملف.
كلا المتحدّثين قالا إنّ “البنوك في بداية المفاوضات وافقت ثمّ تراجعت عن موقفها وطلبت أن يقع دفع 50% من الديون بعد 5 سنوات والـ50% الثانية بعد 10 سنوات، فوافقت الشركة على ذلك”.


إثر ذلك، توجّهت شركة سكّر تونس إلى القضاء بهدف التوصّل إلى تسوية قضائية وطلبت تعيين خبير تسلّمه مخطّط إنقاذ للشركة يعرضه على البنوك ويمكن أن يقع تعديله لاحقا قبل تقديمه إلى المحكمة، وفق المصدر الذي يعمل بشركة سكّر تونس والذي أشار إلى أنّ الخبير الذي تعيّنه المحكمة ليس متصرّفا وليس مسؤولا عن تسيير أمور الشركة.
وقد أصدرت المحكمة الابتدائية ببنزرت، يوم 18 أوت/ آب 2025، قرارا بافتتاح إجراءات التسوية القضائية وفتح فترة مراقبة لمدّة لا تتجاوز 9 أشهر. وتمّ، وفق نصّ القرار الذي تحصّل موقع الكتيبة على نسخة منه، على تكليف الخبير المحاسب عامر منصور متصرّفا قضائيا لتشخيص حقيقة الوضع الاقتصادي والمالي للمؤسسة وتقديم تقرير في غضون 3 أشهر. كما تمّ تكليفه بتلقّي برنامج الإنقاذ المقترح ودراسته وتعديله عند الاقتضاء مع تعيين تسبقة ماليّة للخبير المذكور في حدود مبلغ 1000 دينار تحمل على المطلوب بالتسوية، ريثما تتمّ المصادقة أو التعديل بعد الإنجاز.
وفي 23 سبتمبر/ أيلول 2025، قرّرت المحكمة الابتدائية ببنزرت تكليف المتصّرف القضائي لشركة سكّر تونس عامر منصور بإدارتها كلّيا إلى حين البتّ في برنامج إنقاذها مع الإذن بنفاذ هذا القرار حال صدوره ودون توقّف على أيّ إجراء آخر، وذلك على خلفيّة مطلب تقدّم به المتصرّف القضائي ورد به أنّ رئيس مجلس الإدارة النوري سالم قد استقال بتاريخ 22 أوت/ آب 2025 ولم يقع تعويضه.
يقول كلّ من المصدر المسؤول بشركة سكّر تونس إنّ “المتصرّف قام بمغالطة المحكمة في ما يتعلّق بموضوع استقالة صميدة”. ويؤكّد أنّه تمّ عقد جلسة مجلس إدارة يوم 22 أوت/ آب 2025، بطلب من البنوك المعنيّة، لتغيير رئيس مجلس الإدارة نوري سالم صميدة باعتبار أنّه ليس في تونس.
وقد قدّم صميدة استقالته يومها ووقع تعيين خالد الهداجي رئيس مجلس إدارة للشركة التي توجّهت بمراسلة – حصل موقع الكتيبة على نسخة منها – إلى رئيس المحكمة الابتدائية ببنزرت يوم 25 سبتمبر/ أيلول 2025 باستقالة نوري سالم وتعيين خالد الهداجي رئيس مجلس إدارة جديد، مشيرة إلى أن الشركة اختارت منذ تأسيسها الفصل بين مهام رئيس مجلس الإدارة ومهامّ المدير العام وإلى أنّ المدير العامّ للشركة هو أحمد البيره، وهو الممثّل القانوني للشركة والمسؤول على الإدارة العامّة.


جدير بالذكر أنّه بالتثبّت في مضمون شركة سكّر تونس من السجلّ الوطني للمؤسسات، لا توجد إشارة إلى محضر الجلسة المنعقدة يوم 22 أوت/ آب 2025 والتي تمّ خلالها تعيين خالد الهداجي رئيس مجلس إدارة خلفا لنوري سالم صميدة، رغم أنّ شركة سكّر تونس قد أرفقت نسخة من محضر الجلسة المذكورة بالمراسلة التي وجّهتها إلى رئيس المحكمة الابتدائية ببنزرت. كما تمّ تقديم المحضر للإدراج بالسجلّ الوطني للمؤسسات منذ 26 أوت/آب 2025، كما تفيده الوصلات المرافقة، بحسب ما جاء في نصّ المراسلة التي تحصّلت الكتيبة على نسخة منها.
قرّرت المحكمة أيضا، يوم 25 سبتمبر/ أيلول 2025، مصادرة وإحالة أسهم مجموعة عبد الناظر لفائدة الدولة التونسية بحسب ما جاء في مضمون الشركة المستخرج من السجلّ الوطني للمؤسسات، علما وأنّ مجموع هذه الأسهم لا يتجاوز 10%.
يقول المصدر من شركة سكّر تونس إنّ “المتصرّف يريد تفريغ المعمل من قيمته الفعليّة ليقع بيعه بسعر زهيد”، على حدّ تعبيره.
حاول موقع الكتيبة الاتصال بالمتصرّف عامر منصور للحصول على توضيحات منه، إلّا أنّه رفض الإدلاء بأيّ تصريح. وقمنا أيضا بمراسلة عدد من الرؤساء المديرين العامّين للبنوك المعنيّة إلّا أنّهم رفضوا الإدلاء بأي تصريحات أو ارسال ردود رسميّة بتعلّة حماية المعطيات الشخصيّة.
يؤكّد صاحب شركة سكّر تونس النوري سالم صميدة أنّ “الحلّ لأزمة الشركة موجود إلّا أنّ الحلّ بين يدي أصحاب القرار أي السلطة السياسيّة” في إشارة ضمنيّة إلى رئيس الجمهورية. ويوضّح أنّ شركة الريّان القابضة الليبية مستعدّة لضخّ 51 مليون يورو للترفيع في رأس مال الشركة فور الموافقة على إعادة جدولة الديون.
ويضيف أنّ شركة الريّان قامت بصيانة المصنع واشترت معدّات مُهمّة وأنّه لو تمّت الموافقة على إعادة الجدولة سيعود العمّال إلى العمل في بداية سنة 2026 وسيبدأ المصنع في إنتاج السكّر انطلاقا من سبتمبر/ أيلول المقبل، داعيا رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى الاهتمام بهذا الملفّ.
يشار إلى أنّ موقع الكتيبة راسل السجلّ الوطني للمؤسسات للحصول على التقارير المالية الخاصّة بشركة سكّر تونس إلّا أنّه لم يتحصّل على أيّ ردّ. كما توجّهنا بمراسلات إلى عدد من البنوك المعنيّة بخصوص قيمة ديون الشركة إلّا أنّنا لم نتلقّ أيّ إجابة.
في ظلّ هذه التعقيدات القضائيّة والسياسيّة التي تكتنف ملف مصنع السّكر ببنزرت وكلّ الجدل الذي يثار حوله بخصوص شبهات فساد منذ تأسيسه، وفرضية مصادرته كليّا، تتواصل معاناة العشرات من العمّال الذين لا تزال حقوقهم مهضومة، وسط صمت رسمي، على الرغم من أهمية هذا القطاع الحيوي الذي أربك البلاد بسبب أزماته في أكثر من مرّة.
جدير بالاشارة أن مشروع الابلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد كانت له مساهمة في هذا التحقيق في علاقة بالبيانات والوثائق التي تهم الجزء الخاص بالقصة في دبي وبنما.
جدير بالاشارة أن مشروع الابلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد كانت له مساهمة في هذا التحقيق في علاقة بالبيانات والوثائق التي تهم الجزء الخاص بالقصة في دبي وبنما.

الكاتبة : رحمة الباهي
صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة
الكاتبة : رحمة الباهي
صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة








