دعم بلا بوصلة: كيف يُوزّع المال العام على الثّقافة في تونس؟

تُرصد ملايين الدينارات من المال العام سنويًّا لدعم المهرجانات الفنيّة، السينما، الكتاب والمسرح، وبقيّة الأنشطة الثقافية في تونس، من خلال منظومة دعم يفترض أن تقوم على معايير الشّفافية وتكافؤ الفرص، غير أنّ الواقع يشي بوجود إخلالات عميقة في حوكمة الأموال المرصودة للدعم وتوزيعها تصل الى حدّ المحاباة والتّمييز.

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

“منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أقدّم ملفّات كاملة، مدعومة بدراسات وشهادات لخبراء من أجل إعادة تأهيل قاعة سينما الشّعانبي في ولاية القصرين. في كلّ مرّة يُرفض المطلب دون تفسير مقنع. وقد أنفقتُ قرابة عشرين ألف دينار من مالي الخاصّ لتهيئة الفضاء، ولكنّني اصطدمتُ بجدار من الصّمت والمماطلة. وأدركت لاحقًا أنّ المشكلة لم تكن في الوثائق، بل في كوني خارج شبكة العلاقات. كما اقتنعت أنّ المشكلة ليست في المشروع بل في كوني خارج الدائرة.”

بنبرة يعتليها الحزن، يُلخّص وليد خضراوي، وهو فنّان وباعث مشروع ثقافي في ولاية القصرين، مسارًا طويلًا من المحاولات الفاشلة للنّفاذ إلى منظومة الدعم العمومي في تجربة يقول إنّها كشفت له كذبة ما يُسمّى بـ”اللامركزية الثقافية” وحقيقة آليات إسناد الدعم في الجهات معبّرا عن خيبة أمله من مسار يراه مغلقًا أمام فئات واسعة من المبدعين خاصّة أولئك الذين لا ينتمون إلى شبكات النفوذ الثقافي أو الجغرافي.

يضيف الخضراوي قائلًا: “نشتغل بمواردنا الذاتية، نتداين، نؤجّل العروض، ثمّ نُفاجأ بأنّ الدعم يُمنح لمهرجانات قائمة منذ سنوات بنفس البرمجة تقريبا وبنفس الوجوه. ولا أحد يشرح لنا لماذا قُبل هذا الملف ورُفض ذاك، فكلّ شيء يتمّ خلف أبواب مغلقة”.

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

“منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أقدّم ملفّات كاملة، مدعومة بدراسات وشهادات لخبراء من أجل إعادة تأهيل قاعة سينما الشّعانبي في ولاية القصرين. في كلّ مرّة يُرفض المطلب دون تفسير مقنع. وقد أنفقتُ قرابة عشرين ألف دينار من مالي الخاصّ لتهيئة الفضاء، ولكنّني اصطدمتُ بجدار من الصّمت والمماطلة. وأدركت لاحقًا أنّ المشكلة لم تكن في الوثائق، بل في كوني خارج شبكة العلاقات. كما اقتنعت أنّ المشكلة ليست في المشروع بل في كوني خارج الدائرة.”

بنبرة يعتليها الحزن، يُلخّص وليد خضراوي، وهو فنّان وباعث مشروع ثقافي في ولاية القصرين، مسارًا طويلًا من المحاولات الفاشلة للنّفاذ إلى منظومة الدعم العمومي في تجربة يقول إنّها كشفت له كذبة ما يُسمّى بـ”اللامركزية الثقافية” وحقيقة آليات إسناد الدعم في الجهات معبّرا عن خيبة أمله من مسار يراه مغلقًا أمام فئات واسعة من المبدعين خاصّة أولئك الذين لا ينتمون إلى شبكات النفوذ الثقافي أو الجغرافي.

يضيف الخضراوي قائلًا: “نشتغل بمواردنا الذاتية، نتداين، نؤجّل العروض، ثمّ نُفاجأ بأنّ الدعم يُمنح لمهرجانات قائمة منذ سنوات بنفس البرمجة تقريبا وبنفس الوجوه. ولا أحد يشرح لنا لماذا قُبل هذا الملف ورُفض ذاك، فكلّ شيء يتمّ خلف أبواب مغلقة”.

لا تُعدّ وضعيّة وليد خضراوي استثناء أو حالة معزولة داخل المشهد الثقافي. بل هي انعكاس لواقع معقّد يعيشه مئات المبدعين وباعثي المشاريع الثّقافية الذين يعانون من مظاهر إقصاء ممنهج ويجدون أنفسهم خارج منظومة الدّعم العمومي، رغم استيفائهم الشّروط القانونية وتقديمهم لملفات كاملة، لكنّها دائما تواجَه بالرّفض من منظومة كان يُفترض أن تقوم على تشجيع الإبداع وضمان العدالة الثقافية بين الجهات، وفق شهادات متقاطعة لفاعلين في مجالات ثقافية مختلفة تسنّى لموقع الكتيبة محاورتهم خلال إنجاز هذا التحقيق.

يعدّ القطاع الثقافي في تونس من القطاعات الرّمزية والاستراتيجية، ليس فقط باعتباره رافدا للهوية الوطنية، بل أيضا لدوره المهمّ في التّنمية وخلق مواطن شغل وضمان الحقّ في النّفاذ إلى الثقافة. وتكريسا لهذا الحقّ، تضطلع الدّولة وفق ما ورد في الفصل 42 من الدستور التونسي بتقديم “الدّعم في كلّ القطاعات الثقافية ويأخذ هذا الدعم عدة أشكال تتمثّل خاصّة في إسناد منح المساعدة والتشجيع على إنتاج الفنون الدرامية والأعمال الكوريغرافية وعلى الإنتاج الأدبي والفكري والسينمائي والموسيقى، بالإضافة إلى منَح التسيير والتجهيز لفائدة هياكل إنتاج وترويج الفنون الدرامية والجمعيات الثقافية. كما تتولّى الوزارة اقتناء أعمال تشكيلية وكتب تونسية وحقوق غير تجارية لأفلام تونسية”.

من خلال هذا التّحقيق، سنسعى إلى تفكيك منظومة الدعم العمومي في القطاع الثقافي عبر الإجابة عن جملة من الأسئلة أهمّها كيف تُدار فعليًا آليات إسناد الدعم في المهرجانات، والسينما، والمسرح وغيرها من المجالات الثقافية؟ وماهي تركيبة لجان الدعم ومن يملك سلطة القرار داخل هذه اللجان؟ وبأي معايير تقيَّم الملفات وتُقبل المشاريع؟ ومدى شفافية وزارة الشؤون الثقافية في نشر قائمات المنتفعين دوريّا ونشر المعايير وتعليل قرارات القبول والرفض للدعم، وما إذا كانت المشاريع المدعومة تخضع إلى رقابة لاحقة ؟ فضلا عن مسؤولية وزارة الشؤون الثقافية في تراجع جودة الصناعات الثقافية في تونس، وضعف تسيير منظومة الدّعم في تهميش فاعلين.ـات ثقافيين.ـات مستقلين.ـات وجهات بأكملها.

لمحة عن القطاع

منذ عقود، لم تتعامل الدولة التونسية مع الثقافة باعتبارها قطاعا إنتاجيّا قائما بذاته، ولا خدمة عمومية تُدار وفق سياسات واضحة وأهداف قابلة للقياس بل ظلّ حضورها في السياسات العمومية متذبذبا، بين خطاب يَعِد بالنهوض والتطوير وممارسات تُظهر محدودية التخطيط والحوكمة.

ويتجلّى هذا التباين، لا في التصريحات الرسمية بل في المعطيات العمليّة المرتبطة بميزانيّات وزارة الشؤون الثقافية، ونمط تسيير مؤسساتها وفي الكيفية التي تشكّلت بها منظومة الدعم التي أصبحت مع مرور الوقت الأداة الأساسية لتدخّل الدولة في القطاع دون أن يُواكب ذلك تصور ثقافي شامل أو سياسة عمومية واضحة المعالم.

في الظاهر، تبدو الأرقام الرسمية وكأنّها تعكس اهتمامًا بالقطاع. فقد تطوّرت ميزانية وزارة الشؤون الثقافية من 228 مليون دينار سنة 2016 إلى أكثر من 425 مليون دينار سنة 2025 لتبلغ وفق قانون المالية لسنة 2026 ما يفوق 460 مليون دينار. هذا التطوّر في الحقيقة يراه عدد من الفاعلين في القطاع “مضحكا” مقارنة بميزانيات وزارات أخرى، خصوصا أنّ قيمة الميزانية وكيفية تقسيمها لا تقول شيئا عن أثرها الفعلي على المبدعين ولا عن مدى عدالتها الترابية أو القطاعية.

عند النظر في تبويب ميزانية وزارة الشؤون الثقافية حسب البرامج، يتبيّن أنّ جزءا كبيرا من الاعتمادات يوجّه سنويّا إلى برنامج القيادة والمساندة أي إلى التّسيير والإدارة والأجور مقابل نسب أقل تُخصّص مباشرة للاستثمار في العمل الثقافي.

ففي سنة 2025 مثلًا، من جملة 425 مليون دينار، تجاوزت نفقات التأجير 246 مليون دينار في حين لم تتجاوز نفقات الاستثمار 58 مليون دينار. هذا التّفاوت بين ما يصرف على الجهاز الإداري وما يوجّه فعليّا للإنتاج والبنية التحتيّة الثقافية يطرح في حدّ ذاته سؤالا حول موقع الثقافة كسياسة عمومية فهل هي قطاع يُراد تطويره أم إدارة يُراد الإبقاء عليها.

توازيا مع هذا المسار المالي، تُظهر المؤشرات القطاعية أنّ عدد المؤسسات الثّقافية العمومية خلال السنوات الأخيرة لم يتطوّر، إذ لم يتجاوز عدد مراكز الفنون الدرامية والركحية بين سنتي 2020 و2024 الـ24 مركزًا وتمّ تأسيس مركز جديد وحيد سنة 2025.

أمّا المعاهد الجهوية للموسيقى والرقص فقد استقرّ عددها عند 25 معهدا. ولم يشهد عدد قاعات السينما سوى زيادة محدودة ليبلغ 41 قاعة سنة 2024 بينما كان عدد القاعات 40 قاعة طيلة السنوات الثلاث السابقة في بلد يضمّ 264 معتمدية.

بمعزل عن الخطاب الرسمي، فإنّ هذه الأرقام تعكس محدودية الاستثمار العمومي في البنية التحتية الثقافية خصوصًا خارج المدن الكبرى وفي المناطق الداخلية.

في المقابل، تعتمد وزارة الشؤون الثقافية بشكل كبير على منظومة الدعم المالي المباشر كآلية رئيسية للتدخل في القطاع الثقافي. وتتكوّن هذه المنظومة من أنواع مختلفة من الدّعم حسب نوعية المجال الفنّي، على غرار الدعم عبر صندوق التّشجيع على الإبداع الأدبي والفني (الذي تحوّل لاحقًا إلى صندوق التشجيع على الاستثمار في الإبداع الأدبي والفنّي)، والدعم عبر لجان متخصّصة تابعة للإدارات العامة (كالسينما، والمسرح، والكتاب)، إضافة إلى دعم المهرجانات عبر المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية، ولجنة التّمويل العمومي للجمعيات وفق قوانين منظمة لها.

نظريّا، يُفترض أن تضمن هذه التعدّدية في أشكال الدعم مرونة أكبر وتغطية أوسع لمختلف أشكال الإبداع الفنّي. غير أنّ الوثائق الرسمية لوزارة الشؤون الثقافية وتقارير المتابعة المنشورة بموقع الوزارة تكشف عن تشتّت في القرار وصعوبة في تتبّع مسار المال العمومي من لحظة إسناده إلى مرحلة إنجاز المشروع وتقييم أثره مع العلم أنّ الوزارة لا تنشر بانتظام معطيات مفصّلة ومحيّنة حول مآل المشاريع المدعومة خاصة بعد سنة 2020.

كما أنّ المعطيات المتوفّرة في الفترة الممتدّة بين 2016 و2020 تُظهر أنّ عددًا هامّا من المشاريع المتحصّلة على منح دعم لم تنجز فعليا، أو تمّ التراجع عن المنحة، أو حُجب عنه القسط الثاني.

على غرار قطاع الفنون الركحية سنة 2019، إذ أنّه من أصل 39 مشروعًا لم يُنجز سوى 27. كما تمّ تسجيل حالات حجب للقسط الثاني من منحة الدعم وفي حالات أخرى تمّ التخلّي عن المنحة من قبل صاحب المشروع. أمّا في قطاع الموسيقى والرّقص وفنون الفرجة الحيّة، فتتّسع الفجوة أكثر حيث يظهر عدد هامّ من المشاريع التي لم تستكمل مسارها: على سبيل المثال، سنة 2020، من مجموع 43 مشروع، تمّ حجب القسط الثاني على 12 مشروعا مع الانطلاق في استرجاع القسط الأوّل من التمويل لكل مشروع.

وحسب تقرير محكمة المحاسبات لسنة 2014، تمّ خلال سنة 2013 إسناد منح بقيمة 106.5 ألف دينار لفائدة 12 جمعيّة دون أن يتمّ إبرام اتفاقيات معها. أمّا بالنسبة إلى الجمعيات التي تمّ إبرام اتفاقيات معها، فخلافا للفصل الخامس من هذه الاتفاقيات، لم توفّر الوزارة إلى غاية ماي 2014 ما يفيد قيامها بمتابعة مرحلية لتقدّم تنفيذ الجمعيات المعنية للبرامج والأنشطة المموّلة. ولا تضمن هذه الوضعية التثبّت من مدى إنجاز الجمعية الحاصلة على الدعم للبرامج والأنشطة المموّلة ومن صرف المنحة في الأغراض المخصّصة لها.

ولعلّ الغياب شبه التامّ لمعطيات السنوات الأخيرة حول الموضوع، إضافة إلى تجاهل الجهات المعنية للمراسلات والطلبات الرسمية التي كنّا قد توجّهنا بها خلال إنجاز هذا التحقيق قصد معرفة مسار الدعم في مختلف المجالات الثقافية يعزّز الشكوك حول مدى شفافية هذه المنظومة.

هذا الانقطاع في النّشر لا يسمح بتقييم تطوّر المنظومة ولا بمقارنة ما قبل سنة 2020 بما بعدها ويجعل من الشفافية نفسها عنصرا إشكاليّا في إدارة الشأن الثقافي. فحين تكون الدولة هي المموّل الرئيسي وحين تُدار المنح من لجان إدارية يصبح النّفاذ إلى المعلومة شرطًا أساسيّا لأيّ نقاش جدّي حول العدالة وتكافؤ الفرص والتوزيع الجغرافي للدعم.

يشير مصدر مطّلع للكتيبة، كان يشغل منصبا هامّا في وزارة الشؤون الثقافية (طلب عدم الكشف عن هويّته)، إلى أنّ “أوّل مشكلة في منظومة الدعم الثقافي تكمن في النصوص القانونية نفسها التي أصبحت بالية وقديمة ولا تتماشى مع تطلّعات الجمهور ولا مع احتياجات المبدعين خاصّة الشباب في تونس الذين يبحثون عن فرص حقيقية للإبداع والابتكار”، وفق قوله.

ويضيف أنّ “القوانين الحاليّة تكرّس آليّات معقّدة وغير شفافة تجعل من الصعب على أيّ فنان أو جمعية فهم كيفية النفاذ إلى الدعم رغم توفّر الشروط القانونية، حيث أنّ اللجان تنظر في الملفات وفق مهام تقريرية أو استشارية وتحديد تركيبتها يكون مسبقا حسب نصوص قديمة لا تعكس التنوع الحقيقي للقطاع الثقافي”، وفق تصريحه.

ويردف بالقول “في الواقع، التّرخيص النهائي لمنح الدعم غالبا ما يقرّره الوزير دون أيّ شفافية. كما يتمتّع ممثّل الوزارة في اللجان بصلاحيات واسعة رغم أنّ دوره الأصلي يجب أن يقتصر على الرقابة والإجراءات الإدارية”.

علاوة على أنّ غياب التّوازن في التّمثيلية داخل اللجان وتركّز السلطة في يد الإدارة والوزير يخلقان فجوة كبيرة في العدالة. فالأشخاص الذين يُفترض أن يكونوا مراقبين وإداريين تُعهد إليهم مهمّة تقييم الأعمال الفنية ويقرّرون مستقبل المشاريع بينما من المفترض أن يكون دورهم داعمًا وإرشاديا فقط. وهذا التداخل بين الإدارة واللجان فتح الباب للمحاباة وكرّس غياب المعايير الواضحة و ضرب شفافية هذه اللجان حيث أصبحت تركيبة اللجان ومن يكوّنها تحدّد أين يذهب الدعم، وفق نفس المصدر.

تجدر الإشارة إلى أنّه يتمّ ضبط تركيبة اللجنة وطرق عملها ووضع التنسيق بينها وبين الهياكل والمؤسسات المعنية بقرار من وزير الثقافة. وتعرض اللجنة على الوزير المكلف بالثقافة للبتّ فيها، وفق القرار المؤرخ في 27 جانفي 2014 المتعلّق بضبط تركيبة اللجنة الاستشارية المكلفة بدراسة الملفات المرشحة لنيل منحة التشجيع على الإبداع الأدبي والفني، والذي ينصّ على أنّ اللجنة تتركّب من ممثل عن وزير الثقافة رئيسا، وممثل عن وزارة المالية عضوا، وممثل عن الإدارة العامة للمصالح المشتركة بوزارة الثقافة عضوا، وممثل عن الهيكل المكلف بالإشراف على المؤسسات العمومية بوزارة الثقافة عضوا، وممثل عن إدارة الشؤون القانونية والنزاعات بوزارة الثقافة عضوا، وممثل عن المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة عضوا، و ثلاث شخصيات مشهود لها بالكفاءة في الميادين الثقافية والفنية أعضاء.

ويعيّن أعضاء اللّجنة بمقتضى مقرّر من وزير الثّقافة باقتراح من الهياكل المعنية في خصوص ممثلي تلك الهياكل وذلك لمدّة سنتين قابلتين للتّجديد مرّة واحدة.

المهنيّون والنقابات والجمعيات أصبحوا لوبي حقيقي يتحكم في توزيع الدعم، فتؤثر صراعاتهم الداخلية على قرارات اللجان بينما المشاريع التي تُرفض، وفق الشروط القانونية، يمكن أن تُمرّر لاحقًا مباشرة من الوزير دون أي رقابة أو شفافية.

مصدر سابق شغل منصبا هاما في وزارة الثقافة

صندوق التشجيع على الإبداع.. من أداة دعم إلى “صندوق أسود”

أُحدث صندوق التشجيع على الإبداع الأدبي والفني بمقتضى الفصل 29 من القانون عدد 77 لسنة 2008 المتعلق بقانون المالية لسنة 2009 في شكل حساب خاص بالخزينة يتولّى دعم المبدعين في المجالات الأدبيّة والفنية ويعنى بتشجيع الأعمال الثقافية والفنية والمصنفات الفكرية وتكوين الفنانين وترويج الحفلات الحيّة. وانطلق العمل فعليّا بآلية الصندوق سنة 2015.

ويعتمد الصندوق في تمويله أساسًا على المعلوم المحدث بمقتضى أحكام الفصل 37 من القانون عدد 36 لسنة 1994 المؤرخ في 24 فيفري 1994 المتعلق بالملكية الأدبية والفنية، إضافة إلى هبات وتبرّعات الأشخاص الطبيعيين والأشخاص المعنويين والموارد الأخرى التي يمكن تخصيصها لفائدة الصندوق طبقا للتشريع الجاري به العمل مع العلم أن ميزانية الصندوق لسنة 2024 قدّرت بـ 7 مليون دينار.

وفي سنة 2023، اقترحت وزارة الشؤون الثقافية، في سياق تشجيع الاستثمار الخاص في القطاع الثقافي، توسيع مجال تدخّل الصندوق ليشمل تمويل مشاريع الصناعات الثقافية والإبداعية، سواء في شكل منح أو قروض مع تغيير تسميته إلى “صندوق التشجيع على الاستثمار في الإبداع الأدبي والفني”، حسب الفصل 29 وفقا للمرسوم عدد 79 لسنة 2022 المتعلق بقانون المالية لسنة 2023.

هذا التحوّل في التسمية والوظيفة يعكس في الظاهر توجّها نحو مقاربة اقتصادية للثقافة لكنّه يطرح في العمق أسئلة حول جاهزية منظومة الحوكمة والرقابة لمرافقة هذا التوسّع، خاصّة في ظلّ ما راكمه الصندوق من إخلالات خلال السنوات السابقة.

يكشف تقرير محكمة المحاسبات الذي قيّم الفترة الثقافية بين سنة 2009 و 2014، والذي خصّص فصولا كاملة لمنظومة دعم الإبداع التي مازالت تواجه نفس الأزمة إلى اليوم، عن تدخّلات وزارة الشؤون الثقافية في دعم الإنتاج الثقافي حيث بلغ إنفاقها 24.934 مليون دينار لصالح 208 أعمال مسرحية و153 سينمائية و472 موسيقية و38 كوريغرافية بالإضافة إلى دعم 4087 عنوانًا كتابيا. وقد استحوذ قطاعَا السينما والمسرح على النصيب الأكبر بـ13.3 مليون دينار و4.735 مليون دينار على التوالي.

ومع ذلك، أظهرت أعمال الرقابة إخلالات جسيمة في احترام شروط الانتفاع ودراسة ملفات الطلبات وصرف المنح ومتابعة الإنجاز وفق نفس التقرير. إذ صرف الدعم لـ19 طلبا للإنتاج المسرحي و40 طلبا لدعم الورق، إلى جانب 10 طلبات لأعمال الكوريغرافية دون الالتزام بالتاريخ المحدّد للإيداع في البلاغات الرسمية، ممّا ينتهك مبدأ المساواة بين المبدعين. كما منحت 321.2 ألف دينار لـ6 هيئات مسرحية غير متحصّلة على البطاقات المهنية (بطاقة الاحتراف) أو كرّاسات الشروط القانونية في حين رفضت مطالب أخرى بتعلّة عدم توفر نفس البطاقة.

أمّا في المجال الموسيقي، فقد أدّى غياب التنصيصات التنظيمية إلى 16 حالة تظلّم بسبب حصر الفرص لدى قلّة من الفنانين. إضافة الى ذلك، افتقر الدعم إلى إطار برمجي شامل يحدّد الحاجيات والأولويات مع غياب تقييم لمساهمته في الإنتاج والترويج.

وجاء في نفس التقرير أنّ الوزارة واصلت خلال الفترة 2009–2013 صرف القسط الثاني من المنح لفائدة عدد من المنتفعين في مجال الموسيقى دون التثبّت من تقديم التقارير النهائية في الآجال القانونية ودون تفعيل آليات استرجاع القسط الأول في حالات الإخلال. وقد بلغ عدد المنح التي تمّ صرفها لفائدة منتفعين تجاوزوا الآجال التعاقدية لتقديم تقاريرهم النهائية دون أيّ إجراء استرجاعي 391 منحة مع تسجيل حالات تأخير تراوحت بين سنة واحدة وخمس سنوات.

وتؤكد شهادات الفاعلين في المجال الثقافي الذين حاورتهم الكتيبة أنّ هذه الإخلالات والنقائص المسجلة في التقرير للفترة 2009-2014 ما زالت قائمة إلى اليوم خاصة مع غياب التقارير الرسمية لوزارة الثقافة المتعلّقة بالمنتفعين بالدعم ، ما يعكس استمرارية عدم التقيّد بالتوصيات الرقابية التي جاءت في تقرير محكمة المحاسبات ويحول دون تحقيق الأهداف الثقافية المرجوّة.

هذا الخلل في متابعة مسار الدعم ومخرجاته يفتح عمليّا الباب أمام تكرار الانتفاع بالدعم دون محاسبة وغياب مبدأ تكافؤ الفرص. وهذا ما أثبتته المعطيات التي تحصّل عليها موقع الكتيبة والمتقاطعة مع شهادات فاعلين في القطاع الثقافي والتي تؤكد أنّ عددا من المنتفعين تمكّنوا من الحصول على منح متتالية على امتداد سنوات دون تقديم تقارير إنجاز مفصّلة أو دون إخضاع أعمالهم لأي تقييم مستقلّ بعد الصرف.

أحد الأمثلة التي تحصّل عليها “الكتيبة” والمدعومة بوثائق مالية واتفاقيات رسمية تتعلّق بالممثّل عاطف بن حسين الذي حصل على دعم من صندوق التّشجيع على الإبداع الأدبي والفني و من ميزانية مشروع مدن الفنون ومندوبية الثقافة لثلاث سنوات متتالية بقيم مالية مختلفة بلغ مجموعها 324 ألف دينار بهدف بعث مشروع فنّي. وقد تحصّلت الكتيبة على نسخة من اتفاقية الدّعم الخاصة به.

وفي سؤالنا للمصدر الرّسمي الذي كان شاهدا عن هذه الاتفاقية، أفادنا أنّ الفنان صاحب المشروع المذكور لم يلتزم بما جاء في الاتفاقية ولم يقدّم تقارير متابعة مكتملة. كما لم يُسجّل فتح طلب عروض أو مسار تنافسي عند إسناد بعض الخدمات المرتبطة بالمشروع المدعوم. وتُظهر الاتفاقيات أن تنفيذ المشروع أُسند إلى شركة خاصّة على علاقة قرابة مباشرة بالمنتفع بالدعم.

في إطار حقّ الردّ، حاورت الكتيبة الممثّل عاطف بن حسين المنتفع بالدعم العمومي بخصوص التمويلات التي تحصّل عليها بين سنتي 2018 و2021 وطبيعة المشاريع التي أُسندت له ومسار صرف الأموال العمومية المرتبطة بها.

وفي إجابته أوضح المتحدث أنّ الدعم الذي تحصّل عليه كان موجّها لمشروع يحمل عنوان “الممثّل أمام الكاميرا” مؤكّدًا أنّه أُنجز في 18 ولاية وأسفر عن إنتاج 18 عملا سمعيّا بصريّا وأنّ التقارير المالية أُودعت لدى وزارة الشؤون الثقافية وفق الإجراءات المعمول بها.

وبخصوص الجهة التي تولّت تنفيذ المشروع، صرّح أنّ شركة إنتاج تُدعى “نوّارة” كانت معنية بالإنتاج وأقرّ في ما بعد أن الشركة تملكها زوجته قبل أن يوضّح لاحقًا أنّ المشروع أُنجز أيضا في إطار جمعيّة تحمل نفس اسم المشروع ويرأسها هو شخصيًّا. وحوْل القيمة الجملية للدّعم المتحصل عليه خلال الفترة المذكورة، أفاد بعدم معرفته بالأرقام الدقيقة مشيرًا إلى أنّ الجهة المنتجة هي التي تولّت الجوانب المالية بينما تشير الوثائق التي تحصّل عليها موقع الكتيبة أنه تمتّع بدعم قيمته 324 ألف دينار من وزارة الثقافة فقط مع العلم أنّ نفس المشروع تحصّل على دعم من هيئات ومؤسسات عمومية أخرى.

وفي ما يتعلّق بشبهة تضارب المصالح بين نشاطه الجمعياتي وتعامل الجمعية مع شركة خاصّة مملوكة لزوجته في إطار إسناد خدمات، اعتبر المتحدّث أنّ المبالغ التي تحصّل عليها تظلّ محدودة مقارنة بما وصفه بدعم يُسند لأطراف أخرى “بمبالغ ضخمة وبتدخّلات سياسية”، مضيفا أنّ منظومة الدّعم في القطاع الثقافي تعاني من فساد عميق، وفق قوله.

وذهب المتحدّث إلى التأكيد أنّ آليات الدعم المعتمدة حاليّا تفتقر إلى الشفافية والحوكمة، معتبرا أنّ غياب مشروع ثقافي واضح للدولة أفرز ممارسات غير عادلة من بينها إسناد الدعم بشكل متكرّر لأطراف بعينها وتمويل مشاريع وصفها بـ”غير المجدية”، داعيا إلى فتح شامل لملف الدعم ونشر المعطيات المالية وتعزيز الرقابة والمتابعة.

ورغم هذه التصريحات، لم يقدّم المتحدّث، خلال حوارنا معه، تفاصيل أو أرقاما دقيقة حول مجموع التمويلات التي تحصّل عليها خلال السنوات المذكورة ولا معطيات موثّقة توضّح مسارات صرف هذا الدعم ومنجزات المشروع ولا إثباتات عن إرسال تقارير مالية لوزارة الثقافة.

في هذا السياق، يقول المنتج السينمائي والمسرحي الحبيب بالهادي لموقع الكتيبة إنّ “الإشكال لا يكمن فقط في حجم الميزانية المرصودة للدعم الثقافي والتي تعتبر ضئيلة مقارنة بما يتمّ تخصيصه للأجور، بل في كيفية التصرّف فيها”، مشيرا إلى أنّه عاين بنفسه حالات تحصّل فيها أصحاب مشاريع على دعم لسنوات متتالية دون تقديم تقارير متابعة ودون أن تُطرح أسئلة جدّية حول مآل الأموال العمومية. كما أنّ بعض الجمعيات أو الهياكل كانت تتصرّف في الدعم وكأنه مورد قارّ لا منحة مشروطة بإنجاز مشروع ثقافي محدّد.

ويضيف بالهادي “صندوق التشجيع على الإبداع يعيش أزمات مستمرّة منذ نحو ثماني سنوات والمشاكل التي يعاني منها لا تتعلّق بنقص الموارد أو الأموال بل باللجان والمشرفين عليها. فرغم تخصيص التمويلات للعديد من المشاريع لم تُنجز هذه الأخيرة حتى الآن، كما أنّ اللجان الحالية المشرفة على الدعم تبدو في الظاهر وكأنّها تبحث عن الخلل وتسعى لحلّ المشاكل وتطوير منظومة الدّعم لكنّها لم تُعلن بعد عن النتائج الحقيقية لما اكتشفته من تجاوزات أو عن المسؤولين عنها”.

ويضيف “ظهرت أيضا جماعات معيّنة يسمّيها البعض (وكّلني ونوكّلك) وهم سماسرة يسيطرون على منح التمويل ولديهم نفوذ داخل الإدارة والميدان خصوصا في مجال الكتاب الذي يهيمن عليه شخص واحد”، وفق قوله.

فضلا عن أنّ المنح التي توزّعها الوزارة على المبدعين بسيطة ولا تكفي لإنتاج الأعمال بشكل فعلي وفي الوقت نفسه تُمنح لبعض الأفلام السينمائية تمويلات دون احترام المعايير وكأنّ المنح تُعطى لأشخاص محددين وليس للأعمال نفسها، فميزانية الدعم لا تغطي تكلفة الإنتاج وهو ما أدّى إلى خلق صراعات وتوترات داخل القطاع، بحسب المتحدّث ذاته.

حوالي ستة أشخاص يتحكّمون في ملفات الدعم ما يقلّل من جدية أعمال اللّجان ويؤدّي إلى صرف المنح قبل التأكّد من إنجاز المشاريع. كما يقع تمييز بعض المهنيّين من بين المنتفعين على أساس انتماءاتهم أو تيّاراتهم الفكرية والسياسية بينما يتم إقصاء آخرين لأسباب غير معلنة.

المسرحي الحبيب بالهادي

تزامن تصاعد الجدل حول منظومة الدعم الثقافي مع وصول الملفّ إلى مجلس نواب الشعب حيث عقدت جلسة عامّة يوم 29 جويلية 2025 خصّص جزء منها لمساءلة وزيرة الشؤون الثقافية وتقدّم النائب أحمد بنّور بسؤال شفاهي إلى وزيرة الشؤون الثقافية حول شبهات فساد صلب الوزارة وعن صندوق الدعم ومدى متابعة الوزارة للأعمال غير المنجزة ودعم المهرجانات وعقود اسداء الخدمات وتضارب المصالح لبعض إطارات الوزارة، كما تساءل عن ملف صفاقس عاصمة للثقافة العربية وملف المكتبة الرقمية.

وتوجّه النائب للوزيرة، قائلا “ما ورد في إجابتكم من شأنه احالتكم على انظار العدالة انتم والوزيرة السابقة، للتستر عن الفساد صحبة عديد المديرين العامين ما عدا القلة” في اشارة إلى سؤال كان قد توجه به لها.

وتابع قائلا إن الوزيرة قد “تملّصت” في اجابتها من مدّه بعديد الوثائق “من أجل التستر على الفساد”.

وكانت وزيرة الشؤون الثقافية قد أوضحت في ردّها، “أنّ الوزارة تعمل على متابعة إنجاز المشاريع الثقافية الممولة من صندوق التشجيع على الإبداع، مشيرةً إلى أنّه تم اتخاذ قرار باسترجاع منح الدعم في 98 ملفًا”.

وأضافت “أنّ المنصة الرقمية للتصرف في المنح دخلت حيّز الاستغلال منذ جويلية2024 بهدف تعزيز حوكمة إجراءات إسناد التمويل العمومي. وأكدت الوزيرة أنّ جميع الملفات التي أثبتت التحقيقات وجود تجاوزات فيها تمّت إحالتها إلى القضاء، مع حرص التفقدية العامة للوزارة على متابعة كل وضعيات تضارب المصالح دعمًا للشفافية.

وفي تعقيبه على إجابتها دعا النائب الوزارة إلى مدّه بأرقام دقيقة ومُحيّنة، لاسيّما أنّ التقارير الرسمية للوزارة نفسها تُشير إلى وجود عدد من الملفات التي تحوم حولها شبهات فساد.

تجدر الإشارة إلى أنّ وزارة الثقافة نشرت مؤخّرا عدد المشاريع المتحصّلة على الدّعم من الصندوق بعنوان سنة 2024. وتكشف المعطيات عن توزيع غير متوازن للدعم بين مختلف المجالات الفنية سواء من حيث عدد المشاريع أو من حيث حجم الاعتمادات المرصودة. ففي قطاع السينما تمّ إسناد منح لـ26 مشروعًا للمساعدة على إنتاج أفلام قصيرة و7 مشاريع للمساعدة على الكتابة وإعادة الكتابة و7 مشاريع للمساعدة على الإنهاء إضافة إلى 30 مشروع شريط طويل موزّعة بين 19 فيلمًا وثائقيًا و11 فيلمًا روائيًا.

في المقابل، تظهر أرقام الفنون التشكيلية والتصوير الشمسي محدودية أوضحَ في حجم الدعم حيث تمّ تمويل 20 مشروعًا فقط بقيمة جملية تناهز 429.7 ألف دينار أي بمعدّل دعم يقلّ بكثير عن المعدلات المسجّلة في قطاعات أخرى. أمّا في مجال الفنون الركحية فقد تمّ إسناد منح لـ16 مشروعا بقيمة إجمالية قدرها 856 ألف دينار مع تسجيل انتفاع المسرح الوطني وحده بمنحة قيمتها 300 ألف دينار أي ما يعادل أكثر من ثلث قيمة الدعم المالي المرصود لهذا المجال برمّته.

وبالتالي، لا تبدو أزمة الدّعم الثقافي عموما وأزمة صندوق التشجيع على الإبداع الأدبي والفني خصوصا أزمة موارد بقدر ما هي أزمة حوكمة ورؤية جعلت منه في كثير من الأحيان استجابة ظرفية دون قراءة مسبقة أو تسوية إدارية بدل أن يكون سياسة عمومية قائمة على الإنصاف والنجاعة والأثر.

المهرجانات في تونس.. كثافة عددية، وأسئلة معلّقة

لا يمكن الحديث عن منظومة الدعم العمومي في القطاع الثقافي في تونس دون التوقّف عند ملف المهرجانات الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مجالات صرف المال العمومي وأكثرها إثارة للجدل.

وفق المعطيات الرسمية، يتجاوز عدد المهرجانات والتظاهرات الثقافية التي تُنظّم سنويّا في تونس 1229 مهرجانا بين فعاليّات دولية ووطنية وجهوية ومحلّية تشمل مهرجانات صيفية كبرى وأخرى نوعية موسمية إضافة إلى تظاهرات فنية وأدبية وموسيقية متفرّقة على امتداد السنة وتبلغ كلفة تمويل هذه المهرجانات 20 مليون دينار من بينها 10 مليون دينار دعم من الوزارة حسب آخر تصريحات وزيرة الشؤون الثقافية بتاريخ 21 نوفمبر 2025 خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب الخاصة بمناقشة ميزانية الوزارة لسنة 2026.

هذا الزّخم العددي الذي يُقدّم رسميا كدليل على “حركية ثقافية” و”تنوّع في العرض” يخفي عند التمحيص والبحث فيه تساؤلات عميقة تتعلّق بكيفية توزيع الدّعم وبطبيعة التظاهرات التي تحظى بالأولوية وبمدى استفادة الجهات الداخلية والفاعلين المستقلّين من هذه المنظومة.

في قلب هذه المنظومة، تأتي المؤسّسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية التي أُحدثت سنة 2014 وبدأت نشاطها الفعلي سنة 2016 كمؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية ومالية مستقلة مكلّفة من طرف وزارة الشؤون الثقافية بتنظيم التظاهرات الكبرى على غرار مهرجان قرطاج الدولي وأياّم قرطاج المسرحية وأيام قرطاج الموسيقية والمعرض الدولي للكتاب إلى جانب إسناد ودعم مهرجانات أخرى دولية وجهوية ووطنية.

وحسب المعطيات الرسمية التي أدلت بها إدارة المؤسسة، فإنّ ميزانيّتها عرفت استقرارًا نسبيًّا خلال السنوات الأخيرة إذ بلغت حوالي 5.1 مليون دينار سنة 2023 لترتفع إلى قرابة 6 مليون دينار في سنتي 2024 و2025 دون احتساب ميزانيات المهرجانات الكبرى التي تُموّل جزئيا من اعتمادات الدّولة وجزئيّا من مداخيل التذاكر والمستشهرين. ففي حالة مهرجان قرطاج الدولي، قُدّرت الميزانية الجمليّة لسنة 2025 بحوالي 8 مليون دينار منها 3.1 مليون دينار اعتمادات مرصودة من وزارة الشؤون الثقافية، وفق ما صرّحت به إدارة المؤسسة.

لكن، خلف هذه الأرقام يطرح الفاعلون الثقافيون، خاصة في الجهات الداخلية، رواية أخرى عن واقع المهرجانات أين تظهر فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.

يقول المنتج السينمائي والمسرحي الحبيب بالهادي في حديثه لموقع الكتيبة إنّ “الدولة منذ سنوات تخلّت فعليّا عن دورها في بناء سياسة ثقافية متوازنة وركّزت جهودها على عدد محدود من المهرجانات الكبرى في حين تُركت بقية التظاهرات الصغرى خاصّة في الجهات دون مرافقة”.

ويضيف أنّ المهرجانات لم تعد تُدار باعتبارها أدوات إنتاج ثقافي بل باعتبارها “واجهات” اجتماعية وترفيهية تُستعمل لتلميع الصورة أكثر من تطوير المحتوى، مبرزا أنّ عددا مهمّا من المهرجانات الكبرى على رأسها مهرجان قرطاج الدولي تحظى باهتمام كامل من الوزارة سواء من حيث الميزانيات أو الموارد البشرية أو التغطية الإعلامية في حين تعاني مهرجانات أخرى من شحّ التمويل وتأخر صرف المنح وتعقيدات بيروقراطية قاتلة.

وعن حوكمة المهرجانات، يوضّح بالهادي أنّ “غياب الاستقلالية عن الإدارة حوّلها إلى فضاءات مغلقة تُدار بمنطق الولاءات والعلاقات. حيث يتمّ كراء التجهيزات الركحية من صوت وصورة وإضاءة عبر كرّاسات شروط شكليّة لا تُفتح فعليّا على المنافسة إذ تفوز بها في أغلب الأحيان نفس الشركات المعروفة سنة بعد أخرى دون أن تُنشر تفاصيل طلبات العروض أو نتائجها للرأي العام. والأمر نفسه ينسحب على مكاتب الاتصال والإعلام حيث تحتكر ثلاث أو أربع شركات كبرى هذا المجال ما يطرح أسئلة حول تكافؤ الفرص والشفافية”، وفق قوله.

وعن جودة التظاهرات الثقافية، يقول المتحدّث ذاته ” أنّ هناك حوالي 400 مهرجان ينظّم سنويّا في تونس لا يتجاوز عدد العروض المسرحية التي تستضيفها مجتمعة 80 عرضا وهذا يعكس فقرًا حقيقيا في المحتوى مقابل تضخّم في عدد المهرجانات”.

في الوقت الذي يتكرّر فيه الخطاب الرسمي حول تعزيز اللامركزية الثقافية وضمان توزيع الدعم على كامل تراب الجمهورية، يكشف تقرير حول إسناد المهرجانات والتظاهرات الثقافية التي تنظمها الجمعيات وهياكل غير الجمعيات، تمّ عرضه بتاريخ 12 ماي 2025 في إطار مشاركة المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية في ورشة عمل نظمتها وزارة الشؤون الثقافية، عن هشاشة هذا الادّعاء في الممارسة العملية.

ففي سنة 2024 وحدها خصّصت المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية ميزانية إجمالية قدرها 6 مليون دينار لإسناد المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية في جميع أنحاء الجمهورية التونسية موزّعة بين 2 مليون دينار مخصّصة للمهرجانات الدولية والجهوية والنوعية و4 ملايين دينار لدعم المهرجانات الصيفية والوطنية.

كما يشير نفس التقرير إلى أنّ المؤسسة دعمت خلال سنة 2024 ما يقارب 103 مهرجانا منها 94 مهرجانًا عبر الجمعيات و9 عبر هياكل غير جمعياتية فيما لم يتجاوز عدد المهرجانات التي أُسند لها الدعم 25 مهرجانا بقيمة 499 ألف دينار الى حدود موفى شهر ماي من سنة 2025.

وخلص التقرير إلى أنّ 61% من إجمالي الدعم يذهب إلى المهرجانات الصيفية الدولية والوطنية الكبرى بينما تحصل المهرجانات ذات الخصوصية والنوعية على 32% فقط أمّا الدّعم الفنّي المباشر فيرتفع بشكل متواضع إلى 7% فقط من مجموع التمويلات.

تبيّن هذه البيانات أنّ سياسة دعم التظاهرات الثقافية والمهرجانات تذهب بوضوح نحو دعم التظاهرات الكبرى على حساب المبادرات الثقافية في الجهات الداخلية حيث أنّ أكثر من نصف الموارد المالية يظلّ مركّزا في التظاهرات الكبرى، بينما تُحرم الكثير من المهرجانات الجهوية أو لا تحصل إلا على دعم رمزي محدود، ما يجعل الرؤية الرسمية حول اللامركزية الثقافية مجرد شعار يصطدم بواقع الميزانيات والتوزيع المالي.

ما تكشفه الأرقام يتقاطع مع تجربة الفنان المسرحي أصيل ولاية القصرين وليد الخضراوي الذي عايش منظومة دعم المهرجانات من موقع الجهة المهمّشة.

يقول الخضراوي لموقع الكتيبة إنّ “مهرجان الشعانبي لمسرح الشارع الذي انطلق منذ سنة 2012 ويُعدّ من أقدم التظاهرات المختصّة في هذا الفنّ بتونس واجه صعوبات متكرّرة في النفاذ إلى الدعم العمومي رغم تقديم ملفات كاملة ومستوفية للشروط.”

ويضيف “بالنسبة إلي لم يكن الرفض في حدّ ذاته هو الإشكال بل غياب التفسير والتعليل. ففي كلّ مرة يُطلب من الجمعية استكمال وثائق إضافية أو إدخال تعديلات على البرنامج دون أن يكون هناك موقف واضح أو قرار نهائي. وفي المقابل هناك مهرجانات أخرى أقل أقدمية وأحيانا أقلّ مضمونا تتحصّل على الدعم بانتظام ودون تغيير وتجديد في البرمجة كأنّ معيار الاستحقاق لا يُطبّق بنفس الصرامة على الجميع”، وفق قوله.

في مواجهة هذه الانتقادات، تؤكد هند مقراني المديرة العامّة للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية في حوارها مع موقع الكتيبة أنّ “منظومة الدعم ليست عشوائية بل تقوم على معايير مضبوطة وأن المؤسسة لا تشتغل بمنطق الإقصاء أو التمييز”.
وتوضّح أن دور المؤسسة يتمثّل في الدّعم المباشر عبر اقتناء عروض أو توفير دعم لوجيستي والدعم غير المباشر عبر تحويل المنح إلى الجمعيات أو الهياكل المنظمة وفق اتفاقيات واضحة ومبوّبة.

وحول مسألة العدالة في توزيع الدعم، تقول المقراني إنّ “كلّ الملفات تُدرس على حدّ السواء والعبرة ليست بعدد المهرجانات بل بجودة البرمجة وبالخصوصية الثقافية للجهة وبمدى ابتعاد التظاهرة عن الاستنساخ والتكرار. وتتمّ عملية صرف المنح على قسطين في إطار ما أسمتها “رقابة بعدية” إذ لا يُصرف القسط الثّاني إلّا بعد تقديم مؤيدات الصرف والتقارير الأدبية والمالية من قبل الجهة المنتفعة بالدعم”، وفق تصريحها.

وفي ما يتعلّق باتهامات إقصاء الجهات، تعتبر مديرة المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات أنّ “هذه القراءات جزئيّة وغير دقيقة وأنّ من يتحدّثون عن الإقصاء لا يملكون بالضرورة كلّ تفاصيل الملفّات حيث أنّ بعض الجمعيّات تعوّل كلّيا على دعم الدولة دون البحث عن شراكات أو موارد إضافية وهو ما يضعف ملفاتها مقارنة بتظاهرات أخرى نجحت في تنويع مصادر تمويلها”.

وتشير المقراني في حديثها إلى أنّ “التفاوت في عدد المهرجانات بين الجهات من أسبابه غياب الفضاءات الملائمة في عدد من الولايات الداخلية. كما توجد توصيات تمنع تنظيم التظاهرات الثقافية في قاعات أفراح أو مدارس نظرا إلى المخاطر اللوجستية والأمنية التي يمكن أن تنجرّ عن هذه التظاهرات”.

وتضيف أنّ “اللامركزية الثقافية لا تعني بالضرورة تنظيم مهرجان في كلّ حيّ بل يمكن تحقيقها عبر تمكين شباب الجهات من حضور عروض كبرى في ولايات أخرى من خلال توفير النقل والتنسيق مع المندوبيات الجهوية”.

وفي تعليقها على مسألة تركيز كراء التجهيزات التقنية ومكاتب الاتصال في دائرة ضيّقة من المتعاملين، توضّح المقراني أنّ التجهيزات الصوتية والركحية الخاصة بالمهرجانات الكبرى وعلى رأسها مهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الحمامات يتمّ اقتناؤها أو كرائها حصريا عبر منظومة الشراء العمومي على الخط ووفق طلبات عروض تخضع إلى كرّاسات شروط دقيقة.

وتردف بالقول إنّ عدد الشركات القادرة فعليّا على توفير التجهيزات الثقيلة ذات المواصفات الدولية “محدود ومعروف”. وبالنسبة إلى تكرار فوز نفس المتعاملين أو نفس الشركات، فانّ الامر -حسب قولها- لا يعود إلى محاباة أو تفضيل مسبق بل إلى محدودية العرض في السوق من حيث القدرة التقنية وحجم المعدّات والخبرة.

وفي السياق ذاته، توضّح المقراني أنّ العمل الإعلامي والتنظيمي داخل المهرجانات لا يُدار بشكل مركزي أو مغلق بل عبر لجان تنظيم يُحدثها كل مهرجان وتضم اختصاصات متعددة على أن يختار كل مسؤول خلية فريقه وفق معايير الخبرة والكفاءة والسيرة الذاتية.

تحتاج منظومة الدعم الثقافي اليوم إلى تدخّل عاجل وجذري من مختلف الأطراف المتدخّلة في الشأن الثقافي، يتجاوز المعالجات الظرفية والترقيعات الإجرائية نحو إصلاح شامل يمسّ جوهر السياسات العمومية في الثقافة. ويقتضي هذا الإصلاح بالضرورة إعادة النظر في دور وزارة الشؤون الثقافية ومؤسساتها الراجعة إليها، وفي مقدّمتها منظومة الدعم وصناديقه، من خلال إرساء حوكمة جديدة تقوم على الشفافية، وربط التمويل بالأثر، وضمان التداول العادل على الموارد العمومية، بما يتماشى مع التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها البلاد.

وهو مسار لا يمكن أن يتحقّق دون إرادة سياسية واضحة تترجم الاستراتيجيات المعلنة إلى خطط تنفيذ دقيقة، ومؤشرات قابلة للقياس ومساءلة فعلية للمتدخلين حتى تستعيد الثقافة موقعها كقطاع عمومي منتج وكاستثمار طويل المدى في الوعي والاقتصاد والهوية، لا كمجال ثانوي قابل للتهميش أو التوظيف الظرفي.

ويُذكر أنّ موقع «الكتيبة» كان قد تواصل مع وزارة الشؤون الثقافية وعدد من الهياكل العمومية ذات الصلة بمنظومة الدعم، للحصول على معطيات تفصيلية حول توزيع الاعتمادات ومعايير الإسناد ونتائج المتابعة والتقييم غير أنّ هذه الاتصالات لم تُفضِ إلى حدّ كتابة هذا المقال إلى إجابات مكتملة أو معطيات مُحيّنة.

كلمة الكتيبة:

يندرج هذا المقال ضمن سلسلة تحقيقات تتعلّٰق بالسياسات العمومية في مجال الثقافة في تونس. علما أن هيئة التحرير بموقع الكتيبة اعترضتها عديد الصعوبات بخصوص حق النفاذ إلى المعلومة من قبل الوزارة التي تمتنع عن احترام القانون والدستور.

كلمة الكتيبة:

يندرج هذا المقال ضمن سلسلة تحقيقات تتعلّٰق بالسياسات العمومية في مجال الثقافة في تونس. علما أن هيئة التحرير بموقع الكتيبة اعترضتها عديد الصعوبات بخصوص حق النفاذ إلى المعلومة من قبل الوزارة التي تمتنع عن احترام القانون والدستور.

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

اشراف: محمد اليوسفي
تدقيق: وليد الماجري
فيديو: سامي الشويخ
غرافيك: منال بن رجب
تطوير تقني: بلال الشارني
غرافيك : منال بن رجب
تطوير تقني: بلال الشارني
اشراف : محمد اليوسفي
تدقيق : وليد الماجري
فيديو: سامي الشويخ

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

sameh
Scroll to Top