شركة الكهرباء في تونس : أزمة هيكليّة مُعقّدة.. ورؤية سياسيّة مُنعدمة

في ظّل سوء إدارة سياسيّة لقطاع الطاقة، تواجه تونس مخاطر جمّة خلال السنوات القادمة في علاقة بامكانيّة تكرّر أزمة انقطاع الكهرباء أثناء فصل الصيف بشكل متواتر، وسط مشاكل هيكليّة تعاني منها الشركة التونسيّة للكهرباء والغاز،بوصفها مرفقا حيويّا، والتي تحتاج بدورها إلى إصلاحات عاجلة وأخرى إستراتيجيّة غير قابلة للتأجيل.

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

“لم يتطلّب الأمر سوى أربع ساعات من الظلام الحالك وتوقّف أجهزة التهوئة والمضخّات لتتحوّل المزرعة إلى مقبرة جماعية.. 90% من الدواجن نفقت وهو ما سيتسبّب في خسائر ماديّة كبرى”.

بهذه العبارات، وثّق طبيب بيطري مشرف على إحدى مزارع تربية الدجاج بمنطقة الفحص بولاية زغوان في مقطع فيديو نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، الكارثة التي حلّت بقطاع الدواجن على خلفية الانقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي والقطع الدوري للكهرباء الذي اعتمدته الشركة التونسية للكهرباء والغاز خلال الأسابيع الماضية.

لم تكن هذه الحادثة حالة معزولة، حيث وثّق صاحب مخبزة بمعتمديّة منزل بورقيبة من ولاية بنزرت هو الآخر عبر مقطع فيديو نشره على وسائط التواصل الاجتماعي، حجم الخسائر التي لحقت بمحلّه جرّاء الانقطاع المتكرّر للتيّار الكهربائي، الذي أدّى إلى توقّف أفران الخبز في منتصف دورة الإنتاج، ما انجرّ عنه تلف كميّات كبيرة من العجين والمواد الأولية.

في الحقيقة، لا تمثّل هذه الحالات سوى النزر القليل من آلاف الوضعيات الأخرى من المتضرّرين من مختلف القطاعات والمجالات، حيث تكبّد العديد من أصحاب المشاريع والمؤسسات والمصانع خسائر جمّة، فضلا عن أضرار لحقت بتجهيزات منزلية وتعطيل مصالح المواطنين في حياتهم اليوميّة، بالإضافة إلى الخسائر البشريّة التي لا تزال قيد التكتم والتعتيم من قبل السلطات الرسميّة في تونس حيث شهدت العديد من المؤسسات الصحّية انقطاعات متكرّرة، كما هو الحال بالنسبة للعديد من المرضى الذين يستعملون آلات استشفائية حياتيّة في منازلهم تعمل بالتيّار الكهربائي.

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

“لم يتطلّب الأمر سوى أربع ساعات من الظلام الحالك وتوقّف أجهزة التهوئة والمضخّات لتتحوّل المزرعة إلى مقبرة جماعية.. 90% من الدواجن نفقت وهو ما سيتسبّب في خسائر ماديّة كبرى”.

بهذه العبارات، وثّق طبيب بيطري مشرف على إحدى مزارع تربية الدجاج بمنطقة الفحص بولاية زغوان في مقطع فيديو نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، الكارثة التي حلّت بقطاع الدواجن على خلفية الانقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي والقطع الدوري للكهرباء الذي اعتمدته الشركة التونسية للكهرباء والغاز خلال الأسابيع الماضية.

لم تكن هذه الحادثة حالة معزولة، حيث وثّق صاحب مخبزة بمعتمديّة منزل بورقيبة من ولاية بنزرت هو الآخر عبر مقطع فيديو نشره على وسائط التواصل الاجتماعي، حجم الخسائر التي لحقت بمحلّه جرّاء الانقطاع المتكرّر للتيّار الكهربائي، الذي أدّى إلى توقّف أفران الخبز في منتصف دورة الإنتاج، ما انجرّ عنه تلف كميّات كبيرة من العجين والمواد الأولية.

في الحقيقة، لا تمثّل هذه الحالات سوى النزر القليل من آلاف الوضعيات الأخرى من المتضرّرين من مختلف القطاعات والمجالات، حيث تكبّد العديد من أصحاب المشاريع والمؤسسات والمصانع خسائر جمّة، فضلا عن أضرار لحقت بتجهيزات منزلية وتعطيل مصالح المواطنين في حياتهم اليوميّة، بالإضافة إلى الخسائر البشريّة التي لا تزال قيد التكتم والتعتيم من قبل السلطات الرسميّة في تونس حيث شهدت العديد من المؤسسات الصحّية انقطاعات متكرّرة، كما هو الحال بالنسبة للعديد من المرضى الذين يستعملون آلات استشفائية حياتيّة في منازلهم تعمل بالتيّار الكهربائي.

أزمة مُعلنة سلفا

بتاريخ يوم الاثنين 20 جويلية 2026، وبينما كان عموم المواطنين في تونس بصدد تصريف شؤونهم العاديّة، لم يكن الوضع الداخلي صلب الشركة التونسيّة للكهرباء والغاز على أحسن ما يرام.

في اليوم المذكور، قامت “الستاغ” بتقنين يدوي دوّار (délestage manuel tournant ) بلغ أقصاه 1770 ميغاواط وهو ما يعادل 37% من الذروة النهارية المسجّلة يومها والبالغة 4811 ميغاواط عند الساعة 9.23 صباحا أي أنّ ما يعادل ثلث حاجة تونس من الكهرباء في تلك اللحظة لم تكن الشبكة قادرة على تغطيتها.

منذ ذلك اليوم، ستتواتر حالات الانقطاع، وستصبح بلاغات الشركة التي تعلن فيها عن فترات الانقطاع والتوزّع الجغرافي حسب المناطق بمثابة الخبز اليومي في مشهد غير مألوف بالنسبة للتونسيين.ـات.

وفقا لعمليّة رصد وتحليل بيانات قمنا بها ضمن هذا التحقيق، تكشف المعطيات التأليفيّة أنّ تونس شهدت خلال الفترة الممتدة بين 18 جويلية و 8 أوت 2026، 511 ساعة انقطاع بمختلف الولايات (عددها 24).

وقد مثّل يوم 21 جويليّة ذروة الانقطاعات بمعدّل يومي حينها بلغ 112 ساعة موزّعة على مختلف الجهات.

وفي يوم 23 جويليّة، سجّلت منطقة الجنوب الغربي التونسي أطول فترة انقطاعات متواصلة بلغت 11 ساعة.

في خضمّ هذه الأحداث، وبعد غياب تجاوز الأسبوع، أطلّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال زيارة أدّاها بتاريخ 18 جويلية 2026 إلى مركّب المياه بغدير القلّة التّابع للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، ليصف تكرار الانقطاعات وتزامنها بين عدة مناطق بأنّه “أمر غير طبيعي”، متوعّدا بمحاسبة كلّ من تثبت مسؤوليّته.

وبعد هذا التصريح، تحوّل ملف انقطاعات التيّار الكهربائي من البحث عن أسباب الأزمة ومحاولة إيجاد حلول إلى قضيّة مساءلة قانونية حيث تمّ الإعلان عن فتح تحقيقات قضائية في الغرض.

بعيدا عن هذه المقاربة القانونيّة الضيقة التي تنطوي على خلفية سياسية تنطلق من فرضية المؤامرة فإنّه من المهم النبش في جذور هذه الأزمة.

بتاريخ 7 فيفري 2024، وجّهت “الستاغ” مراسلة رسميّة لوزيرة الصناعة والمناجم والطاقة فاطمة ثابت شيبوب، تمكّنت الكتيبة من الاطلاع على نسخة منها، جاء فيها أنّ الشركة “ما فتئت تواجه منذ سنوات صعوبات لمواجهة الطلب على الكهرباء خلال فترة الذروة الصيفية، وأنّ العجز المتوقّع في الميزان بين العرض والطلب على الكهرباء خلال الفترة 2024-2026 بلغ مستوى 800 ميغاواط”.

ولم تكتف المراسلة بالتحذير، بل عدّدت أسباب الأزمة وأوّلها تعطلّ مشروع محطّتين للإنتاج بنظام الدورة المزدوجة في الصخيرة، بقدرة إجمالية تناهز 1000 ميغاواط، كان مفترضا أن يدخل الخدمة منذ 2023، رغم أنّه موضوع قرارات مجالس وزارية مصادَق عليها بتاريخ 28 فيفري 2018 و29 جويلية 2019، أي أنّ قرار الموافقة أُتخذ قبل ستّ سنوات على الأقلّ من تاريخ المراسلة الاستشرافية التي تعود إلى سنة 2024.

ويتعلّق السبب الثاني، وفق ذات الوثيقة، بحصّة “الستاغ” من الطاقات المتجدّدة والتي تقدّر بحوالي 300 ميغاواط فوطوضوئية و80 ميغاواط رياح، كانت مبرمجة للإنجاز في 2020-2021 وفق قرارات مصادَق عليها في نوفمبر 2016، ولكنها لم تُنجز.

ويهمّ السبب الثالث مشاريع اللُزمات الكبرى (مُنحت لشركات إنتاج خاصة تبيع الطاقة لاحقا إلى “الستاغ”) والمتمثّلة في 500 ميغاواط فوطوضوئية و500 ميغاواط رياح، كانت مبرمجة بالأساس لسنوات 2020-2022، وهي أيضا لم تنجز بعد.

وجاء في فحوى المراسلة أيضا أنّ “القدرة المتاحة من الجانب الجزائري لا يتمّ اعتمادها في أيّ ميزان للعرض والطلب على الكهرباء لكونها غير مضمونة وغير مؤمنة بنسبة 100%”.

لفهم حجم ما تملكه تونس فعلا من قدرة إنتاجية مقابل ما تحتاجه على مستوى الاستهلاك، يكشف التقرير السنوي “الستاغ” لعام 2025 (وثيقة غير منشورة إلى حدّ الآن تمكّن موقع الكتيبة من الحصول على نسخة منها) أن مزيج الإنتاج الوطني يقوم أساسا على الغاز الطبيعي، عبر محطّات الدورة المزدوجة التي تمثل 41.1% من القدرة المركّبة، وتوربينات الاحتراق التي تمثّل 39.9% أخرى، في ما لا تتجاوز حصّة الطاقات المتجدّدة مجتمعة، من رياح وشمس وماء واستثمار خاصّ، 8.3% فقط من مجموع القدرة.

في هذا السياق، يوضّح إلياس بن عمار، عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز التابعة لاتّحاد الشغل (أكبر منظمة نقابية في تونس) وعضو مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة، أنّ “الاستهلاك في الظروف العاديّة، أي في فصول الشتاء والربيع والخريف يتراوح بين 3000 و3500 ميغاواط، بينما يقفز الطلب في فصل الصيف، بفعل استعمال أجهزة التكييف إلى أكثر من 5000 ميغاواط، مع ذروتين منفصلتين، صباحية ومسائية”.

ويضيف بن عمار “أنّ القدرة النظرية للستاغ تبلغ 6000 ميغاواط ، لكن هذه القدرة تتراجع فعليّا في الصيف إلى حوالي 4500 ميغاواط فقط، بسبب فقدان يتراوح بين 10 و15% في أداء التوربينات الحرارية عند ارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى أن محطّات الرياح البالغة قدرتها 250 ميغاواط لا تكاد تساهم في الإنتاج خلال فصل الصيف”.

ويشير بن عمار إلى أن “وزارة الإشراف كانت قد برمجت وصول القطاع الخاص إلى إنتاج 1750 ميغاواط من الطاقات المتجددّة بحلول 2025، على أن يكون 500 ميغاواط منها مضمونة فعليّا، لكن ما تحقّق على أرض الواقع لم يتجاوز 200 ميغاواط فقط. وأبرز مثال على ذلك مشروع محطّة في ولاية تطاوين بقدرة 200 ميغاواط، حيث جهّزت الستاغ البنية التحتية كاملة بما في ذلك خطّ ربط بطول 100 كيلومتر بكلفة 45 مليون دينار قبل أن يتراجع المستثمر الخاص عن إنجاز المحطّة لتتحمّل الستاغ لوحدها كلفة هذا الاستثمار”.

أمّا في علاقة بمصادر الطاقة الأوليّة، يقول بن عمار إنّ “محطّات الغاز الطبيعي تمثل 95% من إنتاج الكهرباء في تونس وأن 60% من هذا الغاز مستورد من الجزائر مقابل 40% منتج محليّا، وأن 70% من إجمالي الغاز المتاح يذهب لإنتاج الكهرباء بينما يستهلك التونسيون النسبة المتبقية غازا طبيعيا مباشرا للاستعمال المنزلي والصناعي”.

يضيف محدثنا قائلا:”هذا يعني أن منظومة إنتاج الكهرباء التابعة للستاغ تعتمد بشكل شبه كلّي على الغاز الطبيعي الذي يمثّل نحو 95% من إنتاج الكهرباء في تونس، لذلك فإن أيّ اضطراب في التزوّد بالغاز سواء من الإنتاج المحلّي أو من التوريد ينعكس مباشرة على قدرة المنظومة على تلبية الطلب على الكهرباء”.

جدير بالذكر أنّ هذا الاعتماد التامّ على الغاز الطبيعي لم يُترجم باستثمار فعّال في تجديد القدرة الإنتاجية. فبينما قفز الاستثمار الإجمالي للشركة في سنة 2025 إلى 536 مليون دينار بعد أن كان يقدّر بـ334 مليون دينار في سنة 2021، أي ما يعادل نسبة تفوق 61%، فإنّ حصّة الاستثمار في الإنتاج تراجعت خلال نفس الفترة إلى 5 ملايين دينار فقط -وهو أدنى رقم في السلسلة- بعد أن كان الاستثمار في الإنتاج يقدّر بـ 67 مليون دينار.

في الواقع، فإنّ القفزة الحقيقية في الإنفاق ذهبت إلى نقل الكهرباء، الذي ارتفع من 92 مليون دينار سنة 2024 إلى 273 مليون دينار سنة 2025، في وقت تستعدّ فيه تونس لتوقيع عقود مشروع الربط الكهربائي مع إيطاليا (ألماد).

هذا التراجع في الاستثمار الإنتاجي أثّر مباشرة على نوعيّة المحطّات التي اضطرّت “الستاغ” للاعتماد عليها خلال سنة 2025، حيث قفز إنتاج توربينات الاحتراق، وهي الأقل كفاءة والأعلى كُلفة، من 2554 جيغاوات/ساعة سنة 2024 إلى 4107 جيغاوات/ساعة سنة 2025 أي بزيادة تفوق 60% في سنة واحدة، بينما تراجع إنتاج محطّات الدورة المزدوجة والتي تعتبر الأكثر نجاعة نسبياّ من 15289 إلى 14677 جيغاواط /ساعة.

ويفسّر التقرير السنوي لـ”الستاغ” (2025) هذا التراجع بانخفاض إنتاج محطات الدورة المزدوجة/المركبة نتيجة عدم جاهزية عدد من الوحدات، من بينها غنوش وسوسة B وسوسة C وسوسة D، إضافة إلى توقّف وحدة رادس C لاستكمال رفع نقاط التحفظ الفنية. وقد أدّى ذلك إلى ارتفاع الاعتماد على توربينات الاحتراق الأقلّ كفاءة والأعلى كلفة لضمان استمرارية التزويد بالكهرباء.

وفي المقابل، يميّز تقرير “الستاغ” في جداوله بين محطّة رادس C المملوكة للستاغ والمذكورة أعلاه ضمن الوحدات التي توقّفت مؤقتا لرفع نقاط التحفظ الفنيّة وبين مصدر آخر يظهر في نفس الجداول تحت اسم IPP رادس، وهو منتج خاصّ مستقلّ غير تابع لـ “الستاغ”.

وتكشف الأرقام الرسميّة للشركة أنّ مساهمة هذا المنتج الخاصّ تراجعت تدريجيّا من نحو 3138 جيغاواط/ ساعة سنة 2021 إلى أن أصبحت صفرا منذ سنة 2024، دون أن يقدّم التقرير تفسيرا لهذا التوقف.

يذكر أنّ البيانات الرسميّة لـ “الستاغ” تفيد أنّ ذروة الاستهلاك المسجّلة في سنة 2025، والبالغة 4837 ميغاواط يوم 25 جويلية 2025، كانت في الواقع أقلّ من ذروة السنة التي سبقتها (2024)، والبالغة 4888 ميغاواط. في حين تراجعت القدرة الإنتاجية المتاحة خلال نفس الفترة نتيجة عدم جاهزية عدد من الوحدات.

وبخصوص الوضعية المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز، ارتفع رقم معاملات الشركة في سنة 2025 بنسبة 2.3% فقط من 6069 إلى 6211 مليون دينار، وهو نموّ ضعيف جدّا إذا تمّت مقارنته بقفزة الاستثمار التي بلغت أكثر من 61% خلال نفس السنة (بقيمة 536 مليون دينار).

هذا التفاوت بين نموّ الإيرادات الذاتية شبه المنعدم وحجم الإنفاق الاستثماري يطرح سؤالا حول مصدر هذا الفارق. أمّا في ما يخصّ قاعدة الحرفاء، فقد توسّعت باستمرار خلال نفس الفترة، من 4.31 مليون حريف كهرباء سنة 2021 إلى 4.64 مليون سنة 2025 أي أكثر من 330 ألف حريف جديد خلال أربع سنوات فقط، وهذا يعني أن الطلب الهيكلي على الشبكة في تصاعد مستمرّ، في الوقت الذي تتدهور فيه قدرتها على الاستثمار في الإنتاج الذي يُغذي هذا الطلب المتنامي.

يرسم تقرير المنشآت العمومية المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2026 صورة ماليّة أكثر قتامة ممّا توحي به بلاغات الشركة الموسميّة. فالنتيجة الصافية للشركة قبل التعديلات المحاسبيّة بقيت سلبية لثلاث سنوات متتالية بخسارة 381.2 مليون دينار سنة 2022، ثم تفاقمت إلى 489.6 مليون دينار سنة 2023، أي بتدهور نسبته 28.4% في سنة واحدة، قبل أن تتراجع بشكل طفيف إلى 465.6 مليون دينار المتوقعة سنة 2024.

ويرجع التقرير تدهور سنة 2023 أساسا إلى تقلّص إيرادات الاستغلال بـ553.6 مليون دينار، بوتيرة أسرع من انخفاض الأعباء التي تراجعت بـ186.3 مليون دينار فقط.

أمّا التحسّن الطفيف المسجّل في سنة 2024 فمصدره لا يعود إلى نموّ في العائدات المالية، بل إلى تراجع في إيرادات الاستغلال نفسها بـ 73.3 مليون دينار، مع تسجيل انخفاض أكبر في الأعباء بـ 122.8 مليون دينار، أي بشكل أوضح أن الشركة لم تكسب أكثر بل أنفقت أقلّ وهو ما يتقاطع مباشرة مع ما تكشفه بيانات سنة 2025 عن انهيار الاستثمار في الإنتاج إلى 5 ملايين دينار فقط.

من المهم التنويه بأنّ البيانات المالية للشركة تظهر انحدارا غير مسبوق في نسبة الخسارة الصافية التي كانت تقدّر في سنة 2010 بـ 9 مليون دينار، في حين بلغت رقما قياسيا في سنة 2018 قدّر بـ 2093 مليون دينار.

تجدر الاشارة إلى أنّه في محاولة منها للحدّ من اختلال التوازن المالي للشركة، وتعويضا لتخفيض فاتورة الدعم المقدّم لها، انتهجت الدولة سياسة الترفيع في أسعار الكهرباء والغاز في سنة 2018، لكنّ هذا الإجراء قوبل بالرفض خصوصا من قبل أصحاب المؤسّسات ممّا أدى إلى التراجع عنه وهو ما حرم الشركة من مداخيل كان يفترض أن تقدّر بقرابة 500 مليون دينار لم يتم تعويضها، وفقا لما جاء في ورقة بحثية صادرة عن مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة.

من جهة أخرى، ارتفعت نسبة مستحقات الشركة التونسية للكهرباء والغاز غير المستخلصة من حرفائها، وأغلبهم مؤسسات عمومية وإدارات، من 24.4% في سنة 2016 إلى 28.3% في سنة 2018، بينما استقرّت نسبة الفاقد الطاقي، الذي يشمل السرقة والاعتداءات على الشبكة، عند مستويات مرتفعة تراوحت بين 16% و18%.

هذا الوضع المالي المتأزّم، يتوسّع أكثر إذا نظرنا إلى القروض والمنح التي التجأت إليها “الستاغ” لتعويض العجز المزمن. فبين سنتي 2014 و2026 تحصّلت الشركة على قروض وتمويلات ومنح تناهز 7 مليار دينار، موزّعة على أكثر من خمسة عشر اتفاقا مع جهات متعدّدة مثل الوكالة اليابانية للتعاون الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والوكالة الفرنسية للتنمية، والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، والبنك الإفريقي للتنمية، والبنك الدولي.

وقد تمّ توجيه جزء كبير من هذه القروض لتمويل واردات الغاز الطبيعي عبر اتفاقيات مرابحة إسلامية متكرّرة منذ 2018 وليس لتوسيع القدرة الإنتاجية.

وكشف المعهد العربي لرؤساء المؤسسات في تقرير صادر عنه في شهر جانفي 2026 أن ديون “الستاغ” تجاه نظيرتها الجزائر وحدها تقدّر بحوالي 5000 مليون دينار، في وقت تساهم فيه الجزائر بشكل مباشر بحوالي 11% من الكهرباء المُستهلكة في تونس.

خارج بوتقة هذه المؤشرات المالية المخيفة، من المهمّ التذكير بأنّ “الستاغ” اتخذت عددا من القرارات الكبرى لمحاولة الخروج من هذه الأزمة، ففي شهر جويلية من سنة 2014، وُقّع اتفاق قرض بين “الستاغ” والوكالة اليابانية للتعاون الدولي لتمويل محطة رادس “C” بقدرة 450 ميغاواط، بكلفة ناهزت 820 مليون دينار.

وفي نفس الاتجاه، انطلقت أشغال محطّة برج العامري بالمرناقية بقدرة 624 ميغاواط وكلفة 660 مليون دينار بتمويل مشترك من البنك الإسلامي للتنمية والصندوق السعودي للتنمية وتمويل ذاتي من “الستاغ” لتدخل التشغيل الصناعي الكامل يوم 27 جوان 2020.

لكن نفس المحطّة التي كان يفترض أن تكون جزءا من الحلّ عادت لتكون موضوع طلب ترخيص جديد بعد أقلّ من أربع سنوات حيث أنه في فيفري 2024 طلبت “الستاغ” الترخيص لتوربينة غازية ثالثة في نفس الموقع بقدرة 300 ميغاواط مبرّرة الطلب بأنه يأتي لتمكينها من التغطية الجزئية للعجز الطاقي المُتوقع.

وردّت الوزارة بالموافقة المبدئية بعد أقل من شهر بتاريخ 4 مارس 2024 بأنها “لا ترى مانعا في ذلك شريطة احترام التشريع الجاري به العمل”.

وحسب معطيات رسمية تحصّلت عليها الكتيبة، كانت “الستاغ” تسعى إلى تشغيل هذه التوربينة قبل صائفة 2026، لكنّ هذا المشروع لم ير النور لأنّه قد تعويضه بمشروع محطة دورة مزدوجة بسوسة الذي هو الآخر لم ينفذ رغم أنّه كان سيوفر مرابيح على مستوى استهلاك الغاز الطبيعي بقيمة حوالي 100 مليون دينار سنويا مقارنة بمشروع المرناقية.

مع العلم أنّ تعطلّ المشروعين كانا رهيني موافقة وزارة التعاون الدولي على الترخيص لـ “الستاغ” بالبحث عن تمويل.

يذكر أنّ الحكومة التونسيّة قرّرت، بعد الأزمة الأخيرة، العودة مجدّدا إلى مشروع المرناقية مع برمجة مشاريع عمومية أخرى من قبيل توسعة محطة الدورة المزدوجة برادس D عوض الالتجاء إلى الاستثمار الخاص.

من غياب الرؤية السياسيّة إلى مشاكل الحوكمة الداخليّة: من يتحمّل المسؤوليّة؟

يعدّ ملف الأمن الطاقي في خانة الملفات ذات العلاقة بالأمن القومي وهو ما يتطلّب سياسة عمومية واضحة ورؤية استباقية بعيدة المدى.

بيد أنّه على الرغم من كون أنّ أزمة “الستاغ” معلومة لدى السلطة السياسية ممثلة في الحكومات المتعاقبة سواء قبل 25 جويلية 2021 أو بعده فإنّ تأخر الاستثمار والتخطيط واتخاذ القرارات بشكل مسبق ساهم بشكل كبير في الوصول إلى الأزمة الأخيرة التي يخشى أن تتكرّر بشكل دوري مستقبلا في كلّ صائفة.

في هذا السيّاق، يؤكد إلياس بن عمّار أنّ “الإرهاصات الأولى للأزمة الحاليّة تم التنبيه إليها منذ سنة 2015، بالتزامن مع إقرار التشريعات التي فتحت باب إنتاج الكهرباء عبر الطّاقات المُتجددة للقطاع الخاصّ”.

ويبيّن بن عمار أن “النّقابات والفنيين حذّروا منذ ذلك الحين من أنّ إقرار نظام اللزمات والتراخيص الاستثمارية للخواص دون تدعيم الشبكة العمومية وتحديثها ودون توفير الضمانات المالية للهيكل العمومي سيقود حتما إلى إضعاف “الستاغ” وتحويلها إلى مجرّد ناقل ومشتري إجباريا للكهرباء بأسعار مرتفعة، وهو ما استنزف قدرتها الاستثمارية في البنية التّحتية الدورية وأدخلها في حلقة من المديونيّة المفرغة”.

تتجلّى هذه الأزمة العميقة أيضا في الفارق الشاسع بين كلفة إنتاج الطّاقة وسعر البيع للعموم وهو خلل تنفيذي يكبّد المؤسسة خسائر هائلة مع كلّ كيلواط/ساعة يُنتج في المحطّات التونسية.

وفي شهادته حول هذا الاختلال الهيكلي، يوضّح المستشار في السياسات العمومية في الميدان الاقتصادي شكيب بن مصطفى لموقع الكتيبة أنّ “الكيلواط/ساعة يكلّف الشركة نحو 500 مليم، في حين تُجبر التعريفة المحدّدة إداريّا الشركة على بيعه للحريف بسعر لا يتجاوز 300 ملّيم، ما يعني تسجيل خسائر مباشرة قدرها 200 مليم عن الكيلواط الواحد، هذا الفارق كان مفروضا أن تغطّيه الدولة عبر الدعم”.

من جهته، يشير محمد مسيليني، وزير التجارة الأسبق والذي شغل خطّة مدير مركزي سابقا بالشركة التونسية للكهرباء والغاز طيلة عديد السنوات، إلى أنّ “ّتحوّل الدعم من آلية غير مباشرة عبر الشركة الوطنية للأنشطة البترولية إلى شراء مباشر للغاز من الجزائر من قبل “الستاغ” مكّن الدولة من التملّص المتكرّر من دفع مستحقات الشركة، لتتراكم ديون الدعم الحكومي غير المدفوعة وتصل إلى نحو 3816 مليون دينار بالتوازي مع قرارات سياسيّة شعبويّة على غرار قرار جدولة ديون الحرفاء لسبع سنوات والتي حرمت الشركة من سيولة كانت يمكن أن تخفّف أعبائها الماليّة”، وفق قوله.

جدير بالذكر أنّ قرار جدولة الديون الذي اتخذه الرئيس قيس سعيّد كان قبيل الانتخابات الرئاسية الفارطة لسنة 2024.

وتظهر البيانات الرسميّة للشركة، الآنف ذكرها، تراجعا في حجم رقم المعاملات بين سنتي 2023 و2024 بقيمة 61 مليون دينار، رغم أنّ المنحى كان قبل ذلك في نسق تصاعدي، وقد شهد في تلك السنة أوّل انحدار له. ومن المفارقات أنّه تزامن أيضا مع تواصل ارتفاع عدد المنتفعين بالشبكة / الحرفاء.

ولم تتوقّف معضلة السيولة عند حدود المستحقاّت لدى الدّولة، بل تجاوزتها إلى ديون ضخمة متخلّدة بذمّة الحرفاء والمنشآت العمومية وتزايد أعباء التوريد، وهو ما يظهره تحليل المديونيّة الشاملة.

كشف التقرير حول التحويلات والضمانات لفائدة المنشآت العموميّة الصادر عن وزارة المالية، أنّ “الشركة التونسية للكهرباء والغاز أصبحت تتصدّر قائمة المؤسسات العمومية الأكثر مديونية، بتعهدات مالية إجمالية تجاوزت 7.3 مليار دينار تدين بها لأطراف عدّة أبرزها مستحقات المورّدين الأجانب للغاز الطبيعي والقروض المباشرة والمكفولة بضمان الدولة”.

وفي المقابل، “تنتظر “الستاغ” نفسها تحصيل أكثر من 5 مليار دينار متخلّدة بذمة الإدارات العمومية والحرفاء الخواصّ الذين لم يسدّدوا فواتيرهم، ما يعني أن الشركة عالقة بين التزام مالي ضخم تجاه الخارج وعجز عن تحصيل مستحقاتها من الداخل في آن واحد، وهو ما ينفي مقولة العجز الناتج حصرا عن العوامل المناخية ويؤكد وجود أزمة حوكمة مالية مزمنة”، وفق نفس المصدر.

من جهة أخرى، لا تعفي هذه الضغوط الماليّة الخارجيّة “الستاغ” نفسها من تحمّل جزء مباشر من المسؤوليّة، ذلك أن الشركة تعاني في الداخل من ترهّل تنظيمي وتراجع حادّ في جودة الحوكمة والتسيير الميداني وفق ما صرّح به الوزير الأسبق محمد مسيليني لموقع الكتيبة:

“إن الإدارة التسييرية للشركة شهدت منذ سنوات طويلة، وخاصة بعد سنة 2011، تحوّلا سلبيّا باتجاه تضخّم البيروقراطية وتكرار التعيينات القائمة على الولاءات أو الموازنات الإدارية الفوقية بدلا من معيار الكفاءة والخبرة الميدانيّة في التخطيط”.

وقد تسبّب “هذا النهج التسييري الاعتباطي في تفريغ المؤسسة تدريجيّا من نخبها الفنيّة وكوادرها ذات الكفاءة التي طالما مثّلت صمّام الأمان للشبكة الوطنيّة، ممّا فسح المجال أمام التردّد الإداري وسوء إدارة المشاريع وسوء توزيع الموارد البشريّة والماليّة داخل الأقسام الفنية المتخصصّة”، وفق ذات المصدر.

يضيف محدثنا قائلا: “هذا التدهور الإداري تجسّد واقعيّا في الأخطاء التخطيطية الكبرى والتقاعس في الحدّ من الخسائر والقرارات غير المسؤولة من الشركة”.

ويحمّل الوزير الأسبق محمّد مسيليني “الستاغ” المسؤولية المباشرة والمثبتة في ارتفاع معدّلات الفاقد الفنّي والتّجاري للكهرباء عبر شبكات النّقل والتّوزيع، معتبرا أنّ “تأخّر الفرق الفنيّة عن إنجاز عمليات الصيانة الوقائية واستبدال المحوّلات المتهالكة تسبّبا في تسرّب وضياع نسب عالية جدّا من الطاقة المنتجة أثناء النقل، وهي خسارة ناتجة عن ضعف التفقد الفني الداخلي”، وفق تقديره.

ويضاف إلى ذلك “تساهل الإدارة في مواجهة الفاقد التجاري المتمثّل في اختلاس الكهرباء والتوصيلات العشوائية في عدّة مناطق، حيث غاب الردع الصارم وتراجعت آليات المراقبة الدورية الميدانية، مما يحمّل الدولة والشركة خسائر إضافية لشراء غاز طبيعي بالعملة الصعبة يُهدر جزء كبير منه في شبكات متهالكة أو مخترقة”، وفق ما صرّح به المصدر ذاته.

بدوره، يؤكد شكيب بن مصطفى المتخصّص في مجال السيّاسات العمومية في الميدان الاقتصادي هذا “الفشل التخطيطي” عبر الاستدلال بمشروع محطّة الطاقة الشّمسية بتطاوين حيث “اقترضت الستاغ بضمان الدولة أكثر من 50 مليون دينار لإنشاء خط ربط كهربائي ممتد على 113 كيلومترا. ورغم اكتمال القرض والإنشاءات الفنيّة، توقّف المشروع وانسحب المستثمر بسبب عيوب في كرّاسات الشروط وصياغة العقود الإدارية، لتبقى تلك الشبكة والمحطّة مهجورة لسنوات وتتحمّل “الستاغ” وحدها سداد أعباء القرض من ماليتها المنهكة دون أن تجني أي منفعة من المشروع “، وفق قوله.

في ذات الإطار، تكشف وثيقة غير منشورة تحصّل عليها موقع الكتيبة بعنوان “عقد البرنامج بين الدولة والشركة التونسية للكهرباء والغاز للفترة 2024-2028″، المسؤولية المباشرة لـ”للستاغ” بشكل أوضح، إذ تضمّنت هذه الوثيقة المرفوعة لمجلس الإدارة، إقرار “الستاغ” بضرورة إخضاع أدائها لتعهّدات والتزامات محدّدة ومؤشرات أداء قاسية ترتبط بالتقليص من معدّل ساعات الانقطاع السنوي وتحسين جودة التزود بالكهرباء، ونسبة استخلاص الديون الفردية والتجاريّة، ورفع كفاءة محطّات توليد الطاقة.

ويعكس وضع هذا العقد اعترافا ضمنيّا من المؤسسة وسلطة الإشراف بأن جزءا رئيسيّا من العجز لم يكن خارجيّا فحسب، بل هو نتيجة مباشرة للقصور في الحوكمة الدّاخلية وتأخر تحسين الأداء التشغيلي والرقابي، فضلا عن غياب رؤية سياسية واضحة من قبل الدولة بخصوص مستقبل هذه المنشأة العمومية الحيوية.

وحسب نفس الوثيقة تلتزم الدولة بتسديد ديونها كمستهلك عمومي (دولة وإدارات) وفق جدول ينطلق تصاعديا من الصفر في سنة 2025 ثمّ 150 مليون دينار في سنة 2026 فـ 200 مليون دينار في سنة 2027 و200 مليون دينار في سنة 2028.

كما تلتزم الدولة، وفق نفس الوثيقة، بتسديد جزء من الدعم المستحق لفائدة “الستاغ” والمقدّر إجمالا بـ 3816 مليون دينار، وفق جدول ينطلق تصاعديا من الصفر في سنة 2025 ثم 200 مليون دينار سنة 2026 و300 مليون دينار سنة 2027 و400 مليون دينار سنة 2028.

نستخلص من هذه المعطيات، وفق العقد نفسه، أن هناك أكثر من 2900 مليون دينار من دين الدولة “تجاه الستاغ” بقيت دون جدولة واضحة للسداد حتى نهاية 2028، ما يؤكّد عدم الحسم بشكل جذري من قبل السلطة السياسية في الأزمة المالية البنوية التي تعاني منها الشركة والتي باتت في أمس الحاجة لمضاعفة استثماراتها من أجل تجنب سيناريوهات كارثية قد تمس من السلم الاجتماعية في السنوات المقبلة في حال انقطاع الشبكة بشكل كلّي وتفاقم الخسائر في الأرواح فضلا عن الخسائر الاقتصادية والمالية بالتزامن مع أوقات الذروة في فصل الصيف.

امتدّت التحذيرات الإدارية لتكشف عن حالة الاستنزاف التي أقرّ بها المسؤولون الإداريون أنفسهم أمام الوزارة المشرفة. ففي مراسلة رسمية موجّهة من إدارة “الستاغ” إلى وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة بتاريخ 4 مارس 2024 -سبق أن أشرنا إليها-، أقرّت الشركة بوضوح بنفاد قدرتها التشغيلية ووصولها إلى مرحلة الاستنزاف المالي وإمكانية محدودة جدا للتزود بالطاقة وتأمين الاستثمارات الموجّهة لمجابهة الذروة الصيفية.

وحذّرت نفس المراسلة من أنّ “تأخّر سداد مستحقّات المورّدين الدوليّين يهدّد بتقليص شحنات الغاز الواردة ممّا يضع سلامة الشبكة الكهربائية الوطنية برمّتها على حافّة الانهيار عند الارتفاع الشديد في درجات الحرارة”.

ومع انسداد منافذ التمويل الداخلي وتأخّر تسديد مستحقّات الدعم لجأت الدولة التونسيّة إلى الاقتراض الخارجي الموجّه وهو ما زاد من تكبيل الشركة بشروط وضعتها المؤسّسات الماليّة المانحة.

جدير بالذكر أنّ البرلمان التونسي صادق بتاريخ 14 جويلية 2026 على مشروعي قانونين يتعلّقان باتفاقيتي ضمان لقرضين لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز بقيمة إجمالية تناهز 430 مليون دولار أمريكي (1262 مليون دينار تونسي) بتمويل من البنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق التكنولوجيا النظيفة.

في هذا السياق، يقول محمد مسيليني في حديثه مع موقع الكتيبة إنّ “القرض الأخير الذي تحصّلت عليه “الستاغ” احتوى على شروط مُجحفة فرضت تركيز 1000 ميغاواط من الطّاقات المتجدّدة عبر شركات القطاع الخاصّ والتزام الستاغ بشرائها، وهو شرط يفرض التزاما ماليّا ممتدا بالعملة الصعبة يرهق توازنات الشركة ويمنح المستثمر الأجنبي أرباحا مضمونة على حساب التمويل العمومي”.

ويرى المسيليني أنّ “التعويل المفرط على اللزمات الخاصة دون إنجاز المحطّات التقليديّة بالدورة المزدوجة سيعرّض البلاد لكارثة طاقية بحلول سنة 2030 مع نضوب الغاز المحلّي وانتهاء عقود التوريد المبرمة”.

في السياق ذاته، يعتبر شكيب بن مصطفى أنّ “الشركة التونسية للكهرباء والغاز تواجه تدهورا وتراجعا هيكليّا ممتدّا نتيجة تبعات قرارات سياسيّة فوقية لا تتحمّل المؤسّسة ذنب اتخاذها ولا تملك الإمكانيات الذاتية لتجاوز انعكاساتها المباشرة”.

ويؤكد بن مصطفى أنّ “الأزمة الحاليّة ستظلّ قائمة ومستمرّة خلال السنوات القادمة ما لم تلتزم الدولة بتوفير مخصّصات الدعم التي وعدت بها المؤسسة بشكل منتظم وفي مواعيدها المحدّدة بدلا من تأخير دفعها لسنة أو أكثر”.

ولا تقتصر العرقلة الماليّة على تأخّر الدعم الحكومي، بل تشمل أيضا “الديون الدائرية” (هي حلقة متراكمة من المستحقات المالية المتأخرة تتبادل فيها عدة جهات أو شركات عدم الدفع فيما بينها) المتشابكة بين كبرى الشّركات والمنشآت العموميّة ذات العلاقة بقطاع الطاقة.

وقد أعرب شكيب بن مصطفى عن “تخوّفه الصريح من غياب الحلول الجذرية لهذه الديون المتداخلة”، مشيرا إلى أنّه “إذا لم تتمّ حلحلة هذه الأزمة الماليّة التراكمية في غضون سنوات قليلة فإنّ ملف الطاقة في تونس لن يبارح مكانه وسيبقى الهدف الأساسي من القروض الجديدة التي تتحصّل عليها “الستاغ” هو مجرّد خلاص الديون والسداد الحيني بدلا من توجيه تلك التمويلات نحو الاستثمار المباشر وتحديث المنظومة”.

ويحذّر بن مصطفى من “سيناريو وشيك في السنة المقبلة تضطرّ فيه “الستاغ” مجدّدا إلى اقتراض مبالغ ضخمة قد تصل إلى 1400 مليون دينار لتجد تونس نفسها من جديد أمام موجة انقطاعات كهربائية فجئية في فصل الصّيف والسّبب في ذلك يعود إلى أن هذه الأموال المقترضة لن تذهب إلى بناء محطّات توليد جديدة أو الاستثمار في تطوير البنية التحتية والشبكة الوطنية بل لسداد التزامات سابقة وخلق حلول ترقيعية”.

بين جدل “خوصصة” القطاع و”التبعية” إزاء الجزائر: أيّ مستقبل للستاغ؟

من المعلوم أنّ تونس تستفيد من مرور خطّ أنبوب الغاز العابر للبلاد والرابط بين الجزائر وإيطاليا. بيد أنّ هذه الاستفادة تظلّ ضعيفة مقارنة بحاجيات الاستهلاك الوطني إذ لا تتجاوز الإتاوة العينيّة والنقديّة ما بين 5.25% إلى 6% من القيمة الإجماليّة للغاز المارّ عبر الأنابيب وهي كميّة محدودة للغاية لا تغطّي سوى جزء ضئيل لا يتعدى طاقة تشغيلية متواضعة للطلب المحلّي.

في المقابل، يكمن الثقل الحقيقي في الشراءات المباشرة والاستيراد التعاقدي المكثّف من شركة “سوناطراك” الجزائرية بالعملة الصعبة ليرتفع مجموع الغاز الجزائري المستورد (إتاوة الأنبوب + الشراءات المباشرة) إلى أكثر من 66% من إجمالي الاستهلاك الوطني في تونس للغاز الطبيعي وهو المادّة الحيوية التي تعتمد عليها محطّات الشركة التونسية للكهرباء والغاز لتوليد نحو 95% من الكهرباء الوطنية.

يفكّك وزير التجارة الأسبق محمد المسيليني أبعاد هذا المشهد قائلا:

“الارتهان للغاز الجزائري لم يعد مجرّد خيار تجاريّ سلس بل تحوّل إلى طوق نجاة يومي لمنع دخول البلاد في الظلام. والإشكال لا يكمن في العلاقات الاستراتيجية مع الجزائر بل في غياب رؤية تونسية موازية لتطوير الحقول الوطنيّة وتحديث البنية التحتيّة ممّا جعل قدرة الدولة التفاوضيّة محدودة وهشّة أمام أي تقلبّات إقليميّة أو زيادة في أسعار السوق العالميّة”.

ويضيف المسيليني: “تهاوي الاستقلالية الطاقية وتفاقم العجز الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة مردّه أنّ تونس كانت تنتج زهاء 100 ألف برميل من النفط يوميا، لكنّ هذا النسق انحدر إلى نحو 35 ألف برميل فقط وتوقّفت تقريبا أنشطة الاستكشاف والتقصّي التي كانت تتيح في السابق هامش مناورة يقلّل من حجم الاستيراد”.

وحول طبيعة العلاقة مع الجار الجزائري، يعتبر المسيليني أنّ “الجزائر لا تتعامل معنا بمنطق التوسع الإقليمي أو فرض السّيادة السياسية بل وفق منطق تجاري بحت. والخطورة تكمن في فرضيّة اضطرارنا المباشر للاستمرار في هذا التزوّد الخارجي في غياب أي بدائل وطنية”.

“فماذا لو حدث عطل فني طارئ في شبكات النقل أو صدر قرار سياسي مفاجئ أو اتجهت الجزائر لرفع أسعار الغاز وتوقيع العقود مع أسواق أخرى تعطيها أولوية التوريد؟ إن أي سيناريو من هذا القبيل سيضع استمرارية التزود بالكهرباء والغاز في تونس على المحك”، يضيف المسيليني.

ويختم حديثه بالقول إنّ “هذا الارتهان بالمفهوم التجاري بات ينسحب على معظم القطاعات الأساسيّة في تونس بسبب غياب التخطيط الاستراتيجي طيلة السنوات الماضية وخاصّة في المرحلة الممتدّة بعد 25 جويلية 2021 حيث آل الوضع إلى شبه عجز شامل وباتت البلاد أمام واقع طاقي كارثي يلتهم وحده ما يعادل سبع ميزانية الدولة”.

بدوره، يقول المستشار في السّياسات العموميّة شكيب بن مصطفى لموقع الكتيبة إنّ “هناك خلطا دائما ومضلّلا لدى الرّأي العام بين الإتاوة والشراءات، فالإتاوة تعطينا هامش تنفّس مجاني بنسبة 6% فقط، لكن بقيّة احتياجاتنا الحقيقية – التي تتجاوز 60% – نشتريها ونستوردها بالعملة الصّعبة وبأسعار تعاقديّة تخضع لتقلّبات السوق والضغوط الماليّة وهو ما يثقل كاهل ميزانية الدولة والشركة التونسية للكهرباء والغاز ويضع الأمن الطاقي التونسي تحت سيطرة متطلّبات العجز المالي والتوريد الخارجي”.

ولم تقتصر مُعضلة القطاع على التعويل فقط على التوريد الخارجي، بل تزامنت مع صفقات وتنقيحات تشريعية أثارت جدلا حادّا حول مسألة الخوصصة وفتح الباب للاستثمار الخاصّ.
وبالرجوع إلى الوثائق الرسميّة للتشريعات المنظّمة للقطاع، وخاصّة القانون عدد 63 لسنة 2019 المؤرخ في 3 جويلية 2019 المتعلّق بالتمديد في اتفاقية أنبوب الغاز العابر للبلاد التونسية، يتبيّن أن الاتفاق يضمن لتونس معاليم مالية تقدّر بـ 143 مليون دولار ككراء لسعة النقل على مدى 10 سنوات إلى جانب تأمين نحو 460 موطن شغل في الشركات التونسية المسؤولة عن الصيانة والخدمات وفق ما جاء في الموقع الرسمي لوزارة الطاقة.

ترى “مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة” في قراءتها التحليليّة لهيكلة القطاع أنّ هذه المكتسبات المالية والتشغيليّة رغم أهميتها الظاهريّة لم تُستغلّ لإحداث تحوّل هيكلي في السّياسة الطاقية للبلاد حيث تشير دراسات المجموعة إلى أنّ الدولة لم توجّه هذه العائدات المباشرة لإنجاز استثمارات ذاتية في بناء محطّات عموميّة جديدة أو تطوير حقول الغاز الوطنيّة ممّا أبقى تونس رهينة للتوريد المباشر بنسبة لإنتاج الكهرباء.

في المقابل، فتحت التنقيحات التشريعية المتعاقبة لسنوات 2015 و2019 باب اللّزمات والتراخيص لإنتاج الكهرباء من الطّاقات المتجدّدة للشركات الخاصّة والأجنبية على مصراعيه مع منح هذه الشركات حقّ بيع الكهرباء مباشرة لكبار المستهلكين الصّناعيين أو تصديرها عبر الشبكة الوطنية.

هذا الأمر اعتبره لفيف من النشطاء في المجال تفكيكا تدريجيّا لاحتكار الدولة الحصري لإنتاج وتوزيع الطاقة وتجريدا لمفهوم الطاقة من بعدها الأساسي كخدمة عموميّة سياديّة لحساب “كارتيلات” الاستثمار الخاصّ، في الوقت الذي يثمّن البعض الآخر هذا التوجه باعتباره يكسر هيمنة الدولة على القطاع في اتجاه التحرير والتطوير وفسح المجال للمنافسة والابتكار.

تكشف ورقة بحثيّة صادرة عن “مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة” الصادرة في نوفمبر 2025، موضوعها “الكلفة الحقيقية للكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة”، أنّ نموذج الإنتاج الخاصّ من الطاقة الفولطوضوئية وطاقة الرّياح محفوف بإجحاف هيكلي وبوهم الاقتصاد المالي، إذ أنّه خلافا للدّعاية الرّسمية الصاخبة التي تروّج للكلفة الصغيرة للطاقة المتجددة الخاصّة، يفرض هذا النموذج على “الستاغ” عقود شراء حصرية طويلة الأجل تصل إلى 20 و25 سنة بأسعار محدّدة بالعملة الصعبة تضمن أرباح المستثمر الأجنبي والخاصّ وتوفّر له هوامش ربح خالية تماما من المخاطر التجارية”.

وفي المقابل، “تُترك “الستاغ” بمفردها لتتحمّل كامل مخاطر تعديل استقرار الشبكة الوطنية واستيعاب التذبذب والفائض وتكاليف الاستثمار العالية جدّا في توسيع الشبكة وإحداث المحوّلات، فضلا عن تحمّل الكلفة الباهظة للمحطّات الحراريّة التقليديّة بالغاز التي يجب أن تبقى في حالة جاهزيّة ودوران متواصل كإحتياطي لتغطية غياب الشمس أو الرياح”، وفق ذات الوثيقة.

كما تظهر دراسة أخرى بعنوان “تونس ومشروع إلماد ربط كهربائي مع أوروبا أم ارتباط بالأجندا الأوروبية للطاقة؟”، أنّ “هذا المشروع الذي يتمّ الترويج له رسميّا كفرصة واعدة وممرّ تاريخي للانتقال الطاقي، يخفي في طيّاته ارتهانا كاملا للأجندة والأهداف الأوروبية للأمن الطاقي على حساب التنمية المحلّية”.

ولا تتوقّف انتقادات الدراسة عند حدود الأبعاد الجيوسياسية للمشروع، بل تمتدّ لتكشف عن “أبعاد هيكلية واقتصادية وتنموية بداية من الشروط التشريعية التي فرضها القانون عدد 12 لسنة 2015 لفتح باب الخوصصة والتصدير مرورا بإثقال كاهل المرفق العمومي بالقروض الدّولية الموجّهة للبنية التحتية بالعملة الصعبة وصولا إلى المخاطر البيئية المباشرة المتمثّلة في استنزاف الموارد المائية الشحيحة أصلا في الجنوب لغسيل الألواح وتخصيص الأراضي الشاسعة ممّا يجعل من المشروع نموذجا لتصدير المكاسب البيئية والشمسية للخارج وتعميق الأعباء المالية والايكولوجية في الداخل”، وفق نفس المصدر.

في هذا السياق، يقول إلياس بن عمّار لموقع الكتيبة إنّ “مشروع إلماد واللزمات المرافقة له لا يستهدفان تحقيق الأمن الطاقي للمواطن التونسي أو تقليص فاتورته المرتفعة بل يهدفان بالأساس إلى تحويل الجنوب التونسي إلى مجرّد منصة شاسعة لإنتاج الطاقة المتجددة وقليلة التكلفة لتصديرها مباشرة نحو الأسواق الأوروبيّة”.

ويضيف بن عمّار”نحن لم نكن يوما ضدّ الطاقات المتجددة أو تعطيل المشاريع بل هدفنا الأساسي هو ضمان تزوّد التونسيين بالكهرباء وتلبية حاجياتنا المحلية بالدرجة الأولى. ولذلك كنّا ومازلنا ضدّ مشروع “‘إلماد'” وضدّ مشاريع الهيدروجين الأخضر واللزمات لأن الهدف منها هو التصدير وسلعنة الكهرباء والمضاربة بها في حين يجب أن يُوجّه الإنتاج أوّلا لسدّ حاجيات السوق الوطنية”.

على صعيد آخر، يرى الوزير الأسبق محمد المسيليني أنّ “تجاوز هذه الأزمة يتطلب إجبار المؤسسات والوزارات على تصفية ديونها مع الستاغ لتوجيه الموارد المباشرة نحو تحديث شبكات نقل وتوزيع الكهرباء والغاز وتخفيض نسبة الفاقد التقني والحد من التسرّبات المباشرة وسرقة الكهرباء والتي تتسبب في ضياع أكثر من 20 % من إجمالي الطاقة المنتجة مقارنة بالمعدّلات العالمية الفنية التي لا تتعدى 5%”.

أما في علاقة بالاستثمار، يؤكّد كلّ من شكيب بن مصطفى ومحمد المسيليني على ضرورة مراجعة التشريعات المنظّمة للزمات لمنع تكبيل وتهميش الدور الإنتاجي لـ “الستاغ”، والإسراع بالإنجاز المباشر لـ 4 محطات توليد ذات دورات مزدوجة (Cycle combiné) المقرّرة في الاستراتيجية الوطنية للطاقة والتي تعطّلت طلبات العروض الخاصّة بها.

ويشير المسيليني إلى أنّ “الطاقات المتجدّدة -على أهميتها- هي طاقات متقطّعة وتصطدم بغياب تقنيات التخزين الكبرى المتاحة حاليّا، وهو ما يجعل بناء المحّطات التقليدية التابعة للستاغ ضرورة تقنية لضمان استقرار الشبكة وتلبية الطلب المتنامي على الطاقة مع الحذر من عقود “اللزمات” الخاصّة التي تحمّل “الستاغ” أعباء الربط وشراء الكهرباء بأسعار مجحفة”، وفق قوله.

ويدعو كلّ من المسيليني وشكيب بن مصطفى “سلطة الإشراف إلى “تنويع مصادر الطاقة عبر فتح ملف استكشاف واستغلال إمكانيات الغاز والنفط الصخري في الأحواض الوطنية (مثل حوض غدامس وحوض القيروان) بناء على دراسات علمية وبيئية دقيقة، بالتوازي مع تفعيل دور صندوق الانتقال الطاقي تحت الإشراف المباشر للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة (ANME)، وتوجيه موارده ونفقاته نحو تشجيع برامج الإنتاج الذاتي، إضافة إلى إعادة صياغة الشراكات والمشاريع الدولية مثل مشروع “إلماد” بناء على مبدأ الأولوية المطلقة لسدّ العجز الداخلي أوّلا وضمان أسعار عادلة للمواطن قبل أي التزامات تصديرية موجّهة للخارج”.

يتّفق كلّ من إلياس بن عمّار و شكيب بن مصطفى على ضرورة البحث عن حلول بديلة كمصادر للطاقة على غرار التفكير في الطاقة النووية ، إذ يرى شكيب بن مصطفى أنّ “الظروف الحالية لا تسمح بالتفكير الجدي في خيار الطاقة النووية وأن هذا النوع من المشاريع يتطلّب بين 10 و 20 سنة لينضج و لكن قد يصبح خلال العشرون سنة القادمة ضرورة قصوى وهو ما يستوجب التحضير لها من الآن”.

و يضيف بن مصطفى “أنّ تونس قد كوّنت فريقا من الكوادر والمهندسين في فرنسا تحديدا في هذا المجال لكن لم يبق من الفريق اليوم داخل الستاغ سوى مهندسين أو ثلاثة بينما هاجر البقيّة”، معتبرا أنّ “الأولوية اليوم هي إنجاز الدراسات و البحوث للتحضير لأي سياسة أو برنامج مستقبلي في هذا الاتجاه”، مبرزا “أن تونس تراجعت أيضا كوجهة لجلب المستثمرين في هذا النوع من المشاريع بسبب القانون الجبائي الصعب و المتعسّف و الطارد للمستثمرين “.

في نفس السياق، يعبّر محمّد المسيليني عن تأييده لتشجيع “تجارب الغاز والبترول الصخريين”، مشيرا إلى أنّ “العالم شهد منذ بداية الألفية تطوّرا كبيرا في هذا المجال”، كما أنّه يدعم هذا الخيار “إذا كان بإمكانه توفير الأمن الطاقي لتونس بشرط أن يتولّى الخبراء والمختصون وحدهم إجراء التجارب و الدراسات والتقييمات”.

بتاريخ 10 أوت 2026، أصدرت رئاسة الحكومة التونسيّة بلاغا صحفيّا أكّدت فيه اتخاذ جملة من الإجراءات في اتجاه تعزيز الأمن الطاقي ودعم جاهزية المنظومة الكهربائيّة، معلنة عزمها توسعة محطّة الإنتاج الكهربائي ببرج العامري، ومفيدة أنّ نسق الطلب على الكهرباء ارتفع بنسبة بلغت ما بين 4% و 5% سنويا بالتوازي مع تسجيل ذروة قياسيّة للطلب خلال شهر جويلية من السنة الجارية بلغت 6400 ميغاواط مقابل 5175 ميغاواط في سنة 2025، وفق نفس المصدر الرسمي.

ويتمثل المشروع في توسعة محطّة إنتاج الكهرباء ببرج العامري، عبر تركيز وتشغيل توربينة غازية ثالثة بقدرة تتراوح بين 250 و 400 ميغاواط، إلى جانب منشآت تصريف الطاقة الكهربائية المنتجة. وتبلغ كلفته التقديرية 600 مليون دينار، على أن يدخل حيّز الاستغلال خلال صائفة 2027.

وبحسب نفس البلاغ المُنبثق عن اجتماع لجنة المشاريع الكبرى، أكّدت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ، “أهمية الانطلاق فورا في إنجاز هذا المشروع للترفيع في قدرة إنتاج الكهرباء، بالتوازي مع إنجاز مشاريع كبرى أخرى في المجال الطاقي الى جانب تطوير الشبكة، وتركيز العدادات الذكية، والترفيع في طاقات خزن الكهرباء وذلك في إطار تنفيذ مخطّط العمل المنبثق عن استراتيجية الدولة في المجال الطاقي على المدى القصير والمتوسّط والطويل، مذكّرة بأنّ دعم الأمن الطاقي يمثّل أولوية استراتيجية للدولة، لضمان استمراريّة إمدادات الكهرباء والرفع من النجاعة الإنتاجية وخفض العجز الطاقي وتكاليف الإنتاج، ودعم القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، فضلا عن تأمين حاجيات الأفراد والمؤسسات في ظلّ تصاعد الطلب والتحديات المناخية والتقلّبات الجيوسياسية بأسواق الطاقة”.

على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مرّة على أنّه “لا مجال للتفريط في المنشآت العموميّة” التي يعتبرها “مكسبا وطنيّا وملكا من أملاك الشعب”، حسب قوله، فإنّ القرارات الحكوميّة الأخيرة المُعلنة على أهميتها تطرح أسئلة حارقة حول مدى قدرتها على الإنجاز والتفعيل بشكل سريع لتجنّب سيناريوهات كارثية خلال السنوات المقبلة لاسيما في ظلّ التسابق مع الزمن حيث أنّ المشاريع الطاقية تستوجب في العادة بضعة سنوات على الأقلّ من أجل الانطلاق الفعلي في الإنتاج، فضلا عن ضرورة توفّر الموارد المالية في ظلّ الصعوبات التي تشهدها الخزينة العامة للدولة، ووضع رؤية سياسيّة شاملة ومتكاملة لهذا الملف الحيوي لما له من تأثير مباشر على حياة المواطنين ومصالحهم.

في انتظار أن تهبّ رياح الإصلاح والتغيير الإيجابي على “الستاغ”، من المنتظر أن تواجه الشركة خلال الفترة القادمة تتبعات قضائيّة من عديد أصحاب المؤسسات والمشاريع فضلا عن عائلات تونسيّة بعضها تضرّر اقتصاديا وماليا والبعض الآخر إنسانيا على مستوى الأرواح.

من بين هؤلاء عائلة المواطن التونسي شكري البياحي، البالغ من العمر 62 سنة، الذي توفي مساء الخميس 23 جويلية 2026 بمنطقة حي الفهري التابعة لولاية منوبة، في ظروف ارتبطت، وفق إفادات عائلته، بتواصل انقطاع التيّار الكهربائي، وذلك لاعتماده على آلة أكسجين تعمل بالكهرباء بسبب وضعه الصحي. وقد تقدمت عائلة الضحية بشكاية بالشركة التونسية للكهرباء والغاز للمطالبة بفتح بحث حول ملابسات الانقطاعات المتكرّرة وظروف الوفاة، بناء على ما جاء في تقرير صادر عن جمعيّة تقاطع من أجل الحقوق والحريّات.

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

اشراف: محمد اليوسفي
تدقيق: وليد الماجري
غرافيك: منال بن رجب
فيديو: سامي الشويخ
تطوير وغرافيك: بلال الشارني
فيديو: سامي الشويخ
تطوير وغرافيك: بلال الشارني
اشراف : محمد اليوسفي
تدقيق : وليد الماجري
غرافيك : منال بالرجب

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

sameeeeeh
Scroll to Top