ذوو وذوات الإعاقة في تونس .. مواطنون.ـات على هامش الحياة؟!

رغم ترسانة القوانين والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس لحماية الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة، يكشف الواقع عن هوّة كبيرة بين النصوص القانونية والتجارب المعيشية التي تجد هذه الفئة نفسها في مواجهتها، بدءا من نظرة المجتمع وصولا إلى القوانين التي مازالت تعاملهم كحالات اجتماعية لا كمواطنين.ـات لهم حقوق.

الكاتبة : رحمة الباهي

صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة

“ولدتُ بتحدّ صحّي نادر يتمثّل في ضمور عضلي خلقي من نوع “أولريش” وهو ما جعلني أتنقّل باستخدام كرسيّ متحرّك وأعتمد على جهاز تنفّس اصطناعي. حارب والديّ من أجلي في الوقت الذي كانت المدرسة العمومية ترفض تدريسي، والمؤسف أنّ أكثر من نصف ذوي/ذوات الإعاقة في تونس لا يتمدرسون”، بنبرة متحدّية وواثقة، يتحدّث شعيب النمري، مهندس وخبير في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي والحوسبة السحابية لدى شركة غوغل، وناشط في مجال الإدماج وتكافؤ الفرص، لموقع الكتيبة، عن تجربته ومساره الدراسي والمهني.

لم تمثّل الإعاقة بالنسبة إلى شعيب عائقا بل تحوّلت إلى مصدر قوّة وتفكير ودرّبته مبكّرا على منهجيّة حلّ المشكلات المعقّدة والتحسّب المسبق للمخاطر، ويعود الفضل في ذلك إلى والدين رفضا الاستسلام لنظرة المجتمع التونسي ومؤسساته التي ترى في الأشخاص ذوي/ات الإعاقة حالات اجتماعية تحتاج إلى المساعدة، وحاربا من أجل أن يحصل على تعليمه والتفوّق في شهادة البكالوريا -شعبة الرياضيات ومواصلة تعليمه العالي وصولا إلى حصوله على درجة الماجستير في هندسة الكمبيوتر والكهرباء من معهد جورجيا للتقنيات في الولايات المتحدة الأمريكية.

الكاتبة : رحمة الباهي

صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة

“ولدتُ بتحدّ صحّي نادر يتمثّل في ضمور عضلي خلقي من نوع “أولريش” وهو ما جعلني أتنقّل باستخدام كرسيّ متحرّك وأعتمد على جهاز تنفّس اصطناعي. حارب والديّ من أجلي في الوقت الذي كانت المدرسة العمومية ترفض تدريسي، والمؤسف أنّ أكثر من نصف ذوي/ذوات الإعاقة في تونس لا يتمدرسون”، بنبرة متحدّية وواثقة، يتحدّث شعيب النمري، مهندس وخبير في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي والحوسبة السحابية لدى شركة غوغل، وناشط في مجال الإدماج وتكافؤ الفرص، لموقع الكتيبة، عن تجربته ومساره الدراسي والمهني.

لم تمثّل الإعاقة بالنسبة إلى شعيب عائقا بل تحوّلت إلى مصدر قوّة وتفكير ودرّبته مبكّرا على منهجيّة حلّ المشكلات المعقّدة والتحسّب المسبق للمخاطر، ويعود الفضل في ذلك إلى والدين رفضا الاستسلام لنظرة المجتمع التونسي ومؤسساته التي ترى في الأشخاص ذوي/ات الإعاقة حالات اجتماعية تحتاج إلى المساعدة، وحاربا من أجل أن يحصل على تعليمه والتفوّق في شهادة البكالوريا -شعبة الرياضيات ومواصلة تعليمه العالي وصولا إلى حصوله على درجة الماجستير في هندسة الكمبيوتر والكهرباء من معهد جورجيا للتقنيات في الولايات المتحدة الأمريكية.

لا تمثّل تجربة شعيب النمري النموذج السائد في المجتمع التونسي، إذ أن أغلبية الأشخاص ذوي/ات الإعاقة في تونس لا يواصلون تعليمهم، ويعيشون ظروفا صعبة. ورغم التشريعات التونسية المخصّصة لهذه الفئة، إلّا أنّ هناك فجوة شاسعة بين النصوص القانونية وتطبيقها، وهو ما جعل نفاذ ذوي/ذوات الإعاقة إلى حقوقهم/ن شبه منعدم.

لغز أرقام الإعاقة في تونس

تعرّف منظمة الصحّة العالمية الإعاقة بأنّها “نتيجة أو حصيلة علاقة معقّدة بين الحالة الصحّية للفرد والعوامل الشخصيّة، والعوامل الخارجيّة التي تشكّل الظروف التي يعيش فيها الفرد”.

ويعيش أكثر من مليار شخص، أي ما يقارب 15% من سكّان العالم في أوضاع تعكس شكلا من أشكال الإعاقة، ويقيم 80% منهم في البلدان النامية.

وتنصّ الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في ديباجتها على أنّ الإعاقة تشكّل مفهوما لا يزال قيد التطوّر وأنّها تحدث بسبب التفاعل بين الأشخاص المصابين بعاهة، والحواجز في المواقف والبيئات المحيطة التي تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة فعّالة في مجتمعهم على قدم المساواة مع الآخرين.

ويعرّف الفصل الثاني من القانون عدد 83 لسنة 2005 المتعلّق بالنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة، الشخص ذا الإعاقة بـ”كلّ شخص له نقص دائم في القدرات والمؤهلات البدنيّة أو العقليّة أو الحسّية وُلد به أو لحق به بعد الولادة يحدّ من قدرته على أداء نشاط أو أكثر من الأنشطة اليومية الشخصية أو الاجتماعية ويقلّص من فرص إدماجه في المجتمع”.

يعيش 3.3% من التونسيين.ـات البالغين.ـات من العمر 5 سنوات فأكثر (أي ما يعادل 375.600 شخص) بإعاقة شديدة، في ما يصرّح 12.2% من التونسيين.ـات بوجود قيد وظيفي واحد على الأقلّ في الرؤية أو السمع أو التنقّل أو التركيز أو الرعاية الشخصية أو التواصل، بحسب التعداد العامّ للسكان والسكنى لسنة 2024 الذي أنجزه المعهد الوطني للإحصاء. وبالتالي فإنّ 15.5% من التونسيين.ـات – أي نحو مليون و749 ألف تونسي.ة – هم من الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة.

في المقابل، لا يحمل من بين هؤلاء سوى 180.233 شخصا بطاقة إعاقة، أي 1.6% من جملة السكان التونسيين.ـات.

تقول الكاتبة العامّة للمنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة بوراوية العقربي لموقع الكتيبة “إنّ الأرقام المقدّمة في تونس ليست ثابتة باعتبار أنّها مبنيّة إما على عدد الأشخاص الذين يحملون بطاقة إعاقة أو على آخر الإحصائيات التي قام بها المعهد الوطني للإحصاء.

وتضيف العقربي أنّ وزارة الشؤون الاجتماعية قدّمت إحصائيات مختلفة إذ أفصحت عن وجود 438 ألف شخص ذا إعاقة وذلك وفق من يملك بطاقة الإعاقة في تونس، مبيّنة أنّ هناك عددا كبيرا من التونسيين.ـات الذين لا يحملون هذه البطاقة لعدّة عوامل منها الوعي المجتمعي الذي مازال “ناقصا”.

وتشير إلى أنّ منظمة الصحّة العالمية كانت تقدّر نسبة الإعاقة في تونس بـ15% سنة 2014، في وقت كانت فيه إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء لا تتجاوز 2.8%.

يذهب الناشط الحقوقي وعميد كلّية العلوم القانونية والسياسية بتونس وحيد الفرشيشي، في حوار مع موقع الكتيبة، إلى القول إنّ تعريف الإعاقة هو سبب اختلاف هذه الأرقام، إذ تعتمد إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء الأخيرة (تعداد 2024) على التعريف الدولي الأوسع من التعريف التونسي، في حين أن الاعتماد على التعريف التونسي يقلّل من عدد الأشخاص ذوي الإعاقة.

تبرز الكاتبة العامة لمنظمة الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بوراوية العقربي أنّه لا توجد أرقام حول عدد الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة العاطلين عن العمل ولا عدد أصحاب الشهائد العليا المعطّلين عن العمل، أو عدد الذين تحصّلوا على تكوين مهني، أو عدد من لم يحصل على تكوين مهني أو شهائد عليا.

كذلك، فإن نسبة التمدرس لذوي وذوات الإعاقة على مستوى الذكور والإناث غير معروف، كما أنه لا يوجد إحصائيات لعدد ذوي/ذوات الإعاقة حسب نوع الإعاقة سواء كانت بصرية أو على مستوى القصور الذهني أو القصور السمعي أو طيف التوحّد، وفق المتحدّثة نفسها. فضلا عن غياب إحصائيات رسميّة حول عدد ذوي/ذوات الإعاقة على مستوى الولايات وأيّ نوع هو الأكثر انتشارا في كلّ ولاية.

وتعتبر بوراوية العقربي أنّ هذه التناقضات في الإحصائيات -بين أرقام وزارة الشؤون الاجتماعية والمعهد الوطني للإحصاء – لا تسمح ببناء منظومة سياسية جيّدة وتحول دون القيام بحملات مناصرة لتفعيل وإيجاد آليات ضامنة للقوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية المتعلّقة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب البروتوكول الاختياري.

تقول النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم سيرين قزارة، ردّا على سؤال للكتيبة حول غياب الإحصائيات الرسمية في علاقة بملفّ الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة:

“أنا نائب في المجلس الوطني للجهات والأقاليم ولا أملك رقما صحيحا حول عدد ذوي/ذوات الإعاقة”.

تضيف قزارة أنّ الإدارة التونسية اليوم تسير نحو الرقمنة معربة عن أملها في أن يتمّ فرض إجبارية وجود إحصائيات دقيقة حول هذا الملف في المنظومة.

يؤكد عميد كلّية العلوم القانونية والسياسية وحيد الفرشيشي أنّه لا يمكن بناء استراتيجية دون وجود إحصائيات واضحة مضيفا أنه لن يكون من الممكن بناء أي برنامج في ظلّ غياب الأحصائيات ودون تحديد أنواع الإعاقات وكم عدد حاملي كلّ نوع إعاقة.

حقوق على الورق.. وإعاقة خارج التعريف

تملك تونس سجلّا تشريعيّا سبّاقا في علاقة بملف الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة. إذ أنّ الدولة التونسية أصدرت أوّل قانون متعلّق بالأشخاص ذوي الإعاقة سنة 1981. وصادقت تونس رسميّا على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 159 المتعلّقة بالتأهيل المهني وتشغيل الأشخاص المعوقين سنة 1989.

وصدر القانون التوجيهي المتعلّق بالنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة وحمايتهم سنة 2005. وفي مارس 2008، صادقت تونس على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وبروتوكولها الاختياري. ونُقّح القانون التوجيهي عدد 83 لسنة 2005 بموجب القانون عدد 41 لسنة 2016 الذي رفع نسبة التشغيل الإلزامية من 1% إلى 2% من الانتدابات في المؤسسات التي تشغّل 100 شخص أو أكثر.

كرّست الدساتير التونسية بعد الثورة كذلك حماية الأشخاص ذوي الإعاقة، فجاء الفصل 48 في دستور 2014 ثمّ الفصل 54 من دستور 2022 الذي جاء فيه “تحمي الدولة الأشخاص ذوي الإعاقة من كلّ تمييز وتتّخذ كلّ التدابير التي تضمن لهم الاندماج في المجتمع”.

يعلّق شعيب النمري على التشريعات التونسية المتعلّقة بحقوق ذوي الإعاقة قائلا:

“على الورق فقط المسائل مدسترة ومقنّنة”.

يشير الناشط الحقوقي وعميد كلّية العلوم القانونية والسياسية بتونس وحيد الفرشيشي إلى أنّ أنّه بعد مصادقة تونس على الاتفاقية كان واجبا عليها أن تؤقلم القانون التونسي، وهو ما لم يتمّ في العديد من الجوانب، وأوّل جانب هو تعريف الإعاقة وتعريف الشخص الحامل لإعاقة.

ويحدث هذا الاختلاف في التعريف مشكلة كبيرة لأنّ القانون التونسي يقلّل من عدد الأشخاص الذين يتمّ اعتبارهم من ذوي/ذوات الإعاقة.

يبيّن الفرشيشي أنّ اللجنة الدولية لحقوق ذوي/ذوات الإعاقة – والتي تنظر بصفة دورية في تقارير الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية والبروتوكول الاختياري – أعطت معلومات دقيقة جدّا حول مفهوم الإعاقة ومفهوم الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة وطوّرت الأدبيات الدولية في هذا المجال.

لاحظت اللجنة المعنيّة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في ملاحظاتها الختامية بشأن التقرير الجامع للدوريين الثاني والثالث لتونس، خلال جلستها المنعقدة في مارس 2023، وجود ثغرات جوهرية من بينها عدم مواءمة تعريف الإعاقة في التشريعات المحلّية مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة.

على سبيل المثال، يُصنّف الأشخاص ذو طيف التوحّد، وفق الاتفاقية الدولية، ضمن الأشخاص ذوي/ ذوات الإعاقة، إلا أنّ التعريف التونسي لا يشملهم رغم تضاعف عددهم في تونس، وفق تصريح وحيد الفرشيشي.

يؤكّد شعيب النمري ضرورة تحديث وتوسيع تصنيف الإعاقة وفق المعايير العالميّة للمنظمة. في فرنسا، 12% من السكّان هم من ذوي/ذوات الإعاقة إلّا أنّ حاملي الإعاقة الحركيّة لا يمثّلون إلّا ما بين 0.5 و1%.

ويضيف النمري:

“الإعاقة لم تعد نقصا ذاتيّا في الفرد، الإنسان ذو إعاقة لأن الدائرة المحيطة به فيها الكثير من الحواجز لا لأنه حامل لإعاقة”.

يوضّح المتحدّث ذاته أنّ هناك اليوم إعاقات غير مرئية كالأمراض المناعيّة والعصبيّة المزمنة ومتلازمة الألم والوهن العضلي والتوحّد، حتّى أنّه في فرنسا يُصنّف الاكتئاب والأمراض النادرة واضطراب نقص الانتباه وفرض النشاط كأنواع من الإعاقة.

إشراق بن حمّودة، مواطنة تونسيّة تبلغ من العمر 32 سنة ولها ابن في سنّ الخامسة، متخرّجة من معهد الصحافة وعلوم الإخبار بتونس، شُخّصت بمرض التصلّب اللويحي المتعدّد، وهو اضطراب مناعي يتسبّب في خلل بالجهاز العصبي المركزي. وقد يؤدّي إلى إعاقة جسديّة أو إدراكية متدرّجة مع مرور الوقت.

تصنّف عدّة دول مرض التصلّب اللويحي المتعدّد كإعاقة، من بينها المملكة المتّحدة والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، بالإضافة إلى الهند وأستراليا. في دول أخرى، مثل بلدان الاتحاد الأوروبي، يمكن للأشخاص المصابين بالتصلّب المتعدّد الحصول على صفة “إعاقة” وفق معايير معيّنة حسب نسبة القصور التي يسبّبها المرض.

منذ حوالي 3 سنوات، تدهورت الرؤية لدى إشراق وأصبحت ضبابية وقضت حوالي عام كامل على هذه الحالة، وعندما تحدّثت مع طبيبة الأعصاب عمّا إذا كان يجب أن تتقدّم بطلب للحصول على بطاقة إعاقة، ردّت الطبيبة بالقول إنّه لا يوجد ما يستدعي حصولها على هذه البطاقة.

تعاني بن حمّودة عدّة صعوبات نتيجة هذا المرض، فهي عاطلة عن العمل وليس لها مورد رزق، وتحتاج إلى علاج بشكل مستمرّ. في بعض الأحيان، ينقطع هذا الدواء فتلجأ إلى الكورتيكويد كبديل، إذ أنّ التوقف عن العلاج له مضاعفات خطيرة.

لم تقتصر ملاحظات اللجنة المعنيّة بالأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة على ضرورة ملاءمة التعريف التونسي مع الاتفاقية الدولية، بل أشارت أيضا إلى استمرار التمييز ضدّ الأشخاص ذوي الإعاقة لا سيّما في مجالي التعليم وتوفير الفرص، فضلا عن تمسّك الدولة بالوصاية واتخاذ القرار بالوكالة عن الأشخاص ذوي الإعاقة، ومواصلة الدولة تأييد القانون عدد 66 لسنة 2008 المتعلّق بتيسير المعاملات للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية، الذي يسمح للمؤسسات المالية بالحدّ من إمكانية وصول الأشخاص ذوي الإعاقة، بمن فيهم الصمّ والمكفوفون، إلى شؤونهم الماليّة إذا لم يرافقهم شاهد.

يوضّح عميد كلّية العلوم القانونية والسياسية وحيد الفرشيشي أنّ القانون التوجيهي الصادر في 2005 رغم تطوّره مقارنة بقانون 1981 ظلّ لا يعتبر ذوي/ذوات الإعاقة أصحاب حقوق كاملة، ويدخلون دائما تحت إطار المساعدة.

ويقارن الفرشيشي القانون بمجلّة الطفل الصادرة سنة 1995 والتي تعتبر أن الطفل “صاحب حقّ”، بينما بقي ذوو الإعاقة وفق قانون 2005 بعيدين عن هذه المرتبة القانونية، وهو ما يجعل أنّ كلّ ما يخصّ ذوي/ذوات الإعاقة ظلّ مرتبطا بوزارة الشؤون الاجتماعية.

بين التعليم وكوتا التشغيل.. طريق محفوف بالإقصاء

يلزم القانون عدد 41 لسنة 2016 المؤسسات العمومية والخاصّة التي تشغلّ 100 شخص فأكثر بتخصيص ما لا يقلّ عن 2% من مواطن الشغل للأشخاص ذوي الإعاقة، مع إلزام تشغيل شخص واحد على الأقل في المؤسسات التي يتراوح عدد أعوانها بين 50 و99، ليتمّ بذلك الترفيع في كوتا التشغيل من 1 إلى 2%.

رغم ذلك، ما يزال تطبيق هذه الأحكام محدودا في ظلّ غياب رقابة ومساءلة فعليّين.

يقول شعيب النمري إنّ الترسانة القانونية موجودة لكن لا توجد متابعة صارمة ولا توجد عقوبات أو جزاءات رادعة للمخالفين، مشيرا إلى أنّ نسبة البطالة في صفوف الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة تتجاوز 60 إلى 70%. علاوة على ذلك، تقتصر الوظائف المتاحة لذوي/ذوات الإعاقة على مهن روتينية بسيطة لا تفتح آفاقا في المهن الرقمية واقتصاد المعرفة.

في فرنسا، خصّصت الدولة صندوقا هدفه مساعدة حاملي/ـات الإعاقة على إيجاد عمل، وعندما لا تلتزم شركة ما بكوتا 6% التي يفرضها القانون الفرنسي، تقوم بدفع مال لفائدة هذا الصندوق. ويتعيّن أيضا على الشركات التي تخلّفت عن تشغيل 6% من ذوي/ذوات الإعاقة بتمويل جمعيات معيّنة، على حدّ قول النمري.

تعكس شهادات الأشخاص الذين تحدّث معهم موقع الكتيبة فجوة كبيرة بين النصّ والممارسة. تروي طيف الشرايطي، متحدّثة باسم مجموعة من أصحاب الشهائد العليا من ذوي الإعاقة البصرية، أنّ أصدقاءها الذين نجحوا في الاختبارات الكتابية لمناظرات القطاع العامّ كثيرا ما يُقصون لاحقا بتعلّة عدم نجاحهم في الفحص الطبّي أو يلغون بموجب قرار إداري حتى لو نجحوا في الاختبار الشفاهي.

تقول الشرايطي أن خبيب حمدي الذي تُوّج الأوّل وطنيّا في اختصاص القانون من كلّية العلوم القانونية والسياسية -وهو كفيف- قرّر عدم خوض مناظرة القضاء أو مناظرة عدول التنفيذ وعدول الإشهاد لعلمه أنّه لن يتمّ قبول نجاحه فيها، وخيّر إجراء مناظرة المحاماة باعتبار أنّ الدولة ترى أنها مهنة حرّة ولن تكون مجبرة على تعيينه.

ولا تمثّل قصّة خبيب حمدي إلا الشجرة التي تخفي الغابة، فقد قامت المجموعة التي تحدّثت باسمها طيف الشرايطي بعديد المحاولات للمطالبة بتشغيل ذوي/ذوات الإعاقة البصرية من أصحاب الشهائد العليا. ونفّذوا تحرّكات وتوجّهوا بمراسلة إلى رئيس الجمهورية تضمّنت مطالبهم وطريقة خريطة واضحة المعالم ولا تكلّف الدولة الكثير من الأموال في سبيل تشغيلهم، إلّا أنّهم إلى اليوم لم يتلقوا أيّ ردّ، وفق ما أدلت به الشرايطي في حوارها مع موقع الكتيبة.

جدير بالذكر أنّ تونس قالت في كلمتها بمناسبة مناقشة التقرير الوطني لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أمام اللجنة الأممية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في مارس 2023، إنّ الإحصائيات الوطنية “تفيد أن تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة تجاوز نسبة 1% من المشغّلين في الوظيفة العمومية والقطاع العامّ دون اعتبار انتصاب عدد هامّ من الأشخاص ذوي الإعاقة للعمل لحسابهم الخاصّ”.

عبّرت اللجنة الأممية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ، في ملاحظاتها الختامية الصادرة في مارس 2023،عن قلقها من أن التدابير التي تمّ اتخاذها في علاقة بالحماية الاجتماعية -ومن بينها تقديم منح للأشخاص ذوي الإعاقة لإنشاء مشاريع تجارية صغيرة – لم تكن فعّالة بما فيه الكفاية في الحدّ من أوجه عدم المساواة الاجتماعية.

نصّت كلّ من ميزانيتي 2025 و2026 للدولة التونسية على وضع خطّ تمويل بقيمة 5 مليون دينار لباعثي المشاريع الصغرى من ذوي/ذوات الإعاقة كي يتمتّعوا بقروض بقيمة 10 آلاف دينار دون ضمانات مسبقة وبإمهال سنتين قبل أن تسترجع الدولة القرض دون فوائض.

تفيد الكاتبة العامة للمنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة بوراوية العقربي أن المنظمة فوجئت أنه في ولاية منوبة، لم يحصل الأشخاص الذين تقدّموا بمطالب للحصول على هذه القروض إلا على مبلغ قيمته 5 آلاف دينار بتعلّة أن عددهم كان كبيرا وأن الدولة اضطرّت إلى تقسيم المبلغ.

وتضيف العقربي أن وزارة التشغيل تعهّدت بحلّ الإشكال إلّا أنّ ذلك لم يقع إلى الآن وبقي ذوو الإعاقة في حالة “نصف مشروع” لأن 5 آلاف دينار غير كافية لتسيير مشروع ومن ثمّ سيقع الادعاء بأن ذوي/ذوات الإعاقة فشلوا في أن يكونوا أصحاب مشاريع صغرى، حسب تعبيرها.

رغم أنّ طيف الشرايطي تتحدّث باسم مجموعة من الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة البصرية، فإنها لا تملك معلومات دقيقة حول عدد الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة المتحصّلين على شهائد عليا. وتقدّر أنّ عدد المكفوفين/المكفوفات الذين تمكّنوا من مواصلة الدراسة حتى الشهادات العليا لا يتجاوز 200 أو 250 شخصا، مبينة أن هناك عددا كبيرا منهم/ن انقطعوا عن التعليم حتى قبل الوصول إلى البكالوريا.

يشير تعداد السكان والسكنى 2024 إلى أنّ معدّل التمدرس لدى الفئة العمريّة 5-24 سنة في وضعيّة إعاقة يبلغ 41.4% على المستوى الوطني، أي أنّ أكثر من نصف الأطفال والشباب من ذوي/ذوات الإعاقة خارج مقاعد الدراسة.

تقول طيف الشرايطي، التي بدأت دراستها في سنّ السادسة في مدارس مخصّصة للمكفوفين، ثمّ في الجامعة العمومية، إنّ نجاحها وحصولها على الشهادة الجامعية بشكل خاصّ، كان بجهد فرديّ كبير جدّا وبمساعدة من عائلتها وأصدقائها الذين درسوا معها.

توجد في تونس اليوم مدارس ومعاهد خاصة بالمكفوفين في ولايات بن عروس وسوسة وقابس فقط، إلى جانب قسمين مندمجين جزئيا في صفاقس وبنزرت.

يروي شعيب النمري تجربته قائلا إنّ الإطار التعليمي كان يربط الإعاقة الجسدية مع صعوبات التعلّم والإعاقات الذهنية ولم يرغبوا في أن يدرس، وحصلت “معركة” مع الإدارة الجهوية للتربية، وحتى عندما تمّ فرض وجوده، بقي جزء من الإطار التعليمي رافضا لذلك وكانوا يعاملونه وكأنهم منزعجون منه وهو يبلغ من العمر 6 سنوات.

وكانت اللجنة الأممية لحقوق الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة قد أشارت إلى التقدّم المحدود الذي أُحرز في مجال تعليم الأطفال ذوي الإعاقة ولا سيّما استمرار تطبيق التشريعات القديمة التي تدعم التعليم المنفصل. علاوة على أن ميزانية التعليم الشامل لا تزال منخفضة.

حقوق تصطدم بالحواجز

تبرز اللجنة في ملاحظاتها الختامية أيضا أن أغلبية المباني العامّة لا تفي بمعايير التسيير لذوي/ذوات الإعاقة. كما أنّ وسائل النقل العامة، وعلى الرغم من أنها معروضة بشكل مجاني أو بأسعار منخفضة للأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة، إلا أنها غير متاحة لجميع أنواع الإعاقات.

تقول النائب سيرين قزارة إنه في مجلس الجهات الأقاليم هناك نائب على كرسي متحرّك وآخر كفيف، وهما إلى جانبها لم يجدا مقرّ المجلس مهيّئا لاستقبالهم، حتى المصعد لم يكن متاحا لهم ولم يقع تهيئته لاحتياجاتهم إلّا مؤخرا.

تؤكّد الكاتبة العامة لمنظمة الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة بوراوية العقربي أنّ المنظمة تطالب ببنية تحتية جامعة ووسائل نقل ومصاعد مهيئة للجميع، مضيفة أن العوائق والحواجز هي التي أدت إلى خلق وضعية الإعاقة.

وتضيف العقربي أنه إذا تتغيّر العقليات ويتمّ إنجاز كلّ بناء بطريقة تراعي كرّاس شروط فيه معايير دامجة وجامعة وشاملة، ووضع تقنية “البرايل” في كل المنشآت والمؤسسات، ومترجم لغة إشارة، وإعداد التقنيات الإعلامية الملائمة لذوي/ذوات الإعاقة، سواء كانوا موجودين، لن يبقى هناك إشكال.

وتردف بالقول:

“طالما أننا مازلنا في عقلية تُبنى على الإحسان والشفقة لن نتقدّم”.

يبيّن شعيب النمري أنّ هناك معايير في العالم تتمثّل في وضع ممرّات خاصة لذوي الإعاقة في الأرصفة ومداخل الإدارات ومصاعد للحافلات وأرضيات منخفضة تمكّنهم من الصعود في الحافلات وعربات المترو.

ويستذكر أنّه كي يتمكّن من النفاذ إلى مقاعد الدراسة دفع والده مالا كي يساهم في بناء قسم في المدرسة التي تلقّى فيها تعليمه، وكذلك في المعهد العالي للدراسات العلمية والتقنية موّل والده بناء ممرّات تمكّنه من النفاذ إلى قاعات الدرس.

يضيف النمري أنه عند وضع مصاعد دامجة وتهيئة المساكن الاجتماعية والبناءات بمعايير دامجة لن يستفيد منها ذوو الإعاقة فقط، بل يمكن أن تساعد النساء الحاملات وكبار السنّ وحتّى الأشخاص الذين لا يحملون أي إعاقة ولكنّهم سيكبرون في السنّ وأيّ إنسان قد يعيش أكثر من 75 سنة فهناك احتمال أي يصاب بإعاقة أيّا كان نوعها.

أمّا في علاقة بالتنقّل، فهو يمثّل مفتاحا لكافّة الحقوق كالتعلّم والعمل والنفاذ إلى الثقافة والترفيه والحياة العامة. ومع أنّ حاملي/ات بطاقة الإعاقة في تونس يتمتّعون بمجّانية هذه الخدمة، إلّا أنّها تفقد معناها نظرا إلى أنّ وسائل النقل العمومية من حافلات وقطارات وعربات مترو غير مهيّأة تقنيّا لاستقبالهم/ن.

قامت تونس بشراء حافلات من فرنسا فيها لوحة تمكّن مستعملي/ات الكرسي المتحرّك من الصعود إليها. وقد قالت مصادر متطابقة للكتيبة إنّه وقع إزالة هذه اللوحات لتعلّات واهية.

تروي بوراوية العقربي أنّه في معتمديّة جمّال من ولاية المنستير تمّت إزالة اللوحة من الحافلة من قبل الأعوان الذين تحجّجوا بأنها تعطّل عملية فتح الباب وغلقه وقالوا إنه في حال صعود شخص يستخدم كرسيّا متحرّكا سيقومون بحمله/ا، وفي ذلك مسّ من كرامته/ا.

ترجع بوراوي هذا التصرّف إلى عدم حصول الأعوان على تكوين مسبق وعدم قيام وزارة النقل بإجبارهم على الحفاظ على هذه اللوحة أو تخطئتهم في حالة إزالتها، مضيفة أنه تمّ شراء هذه الحافلات بسعر مرتفع إلّا أنّ ذوي/ذوات الإعاقة لم ينتفعوا بها.

نصّ قانون الماليّة لسنة 2026 على تمكين التونسيين.ـات من ذوي/ذوات الإعاقة المقيمين.ـات في تونس من الانتفاع بامتياز جبائي مرّة كلّ 5 سنوات عند توريد أو اقتناء سيّارة سياحية أو تجارية، على أن تكون مهيأة حسب نوع الإعاقة.

تؤكّد النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم سيرين قزارة لموقع الكتيبة أنّه تمّ تسجيل حالات فساد في ملفّ منح بطاقات الإعاقة وأنّ هناك من يحصل عليها بطريقة غير قانونيّة، مضيفة:

“من يحقّ له الحصول على بطاقة إعاقة لا يتمكّن من ذلك ولا يحقّ له امتلاكها يحصل عليها”.

وتفيد قزارة أنّها تعرف شخصا أصيب في قدمه حصل على بطاقة إعاقة لتوريد سيّارة من الخارج في حين أنّه بصحّة جيّدة، وأنّه تمّ إعلامها بقيام أشخاص آخرين بذلك بصفتها نائبا، مشدّدة على ضرورة أن يقع فتح ملفّات بطاقات الإعاقة ومراجعة هذه المنظومة بأكملها.

وعبّرت عن استنكارها للصيغة الحالية للبطاقة التي تفرض أن يقع تجديدها كلّ 5 سنوات، وهو أمر لا يمكن للجميع القيام به، خاصّة بالنسبة إلى من يقطنون في مناطق داخلية بعيدا عن مقرّات الإدارات الجهوية لوزارة الشؤون الاجتماعية، وهم حاملون لإعاقات تجعل تنقّلهم أمرا صعبا.

جنسانية ذوي/ذوات الإعاقة تحت وصاية المجتمع

يجمع المتدخّلون الذين تحدّث معهم موقع الكتيبة خلال إعداد هذا المقال على أنّ الدولة مازالت تتعامل مع الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة كحالات اجتماعية تستحقّ المساعدة، لا كمواطنين.ـات فاعلين.ـات يتمتّعون بحقوقهم.ن كبقيّة التونسيين.ـات.

ولعلّ ذلك يتجلّى في شكل خاصّ عندما يتعلّق الأمر بحياتهم الشخصية وحقوقهم الجنسية والإنجابية. يقول عميد كلّية العلوم القانونية والسياسية وحيد الفرشيشي إنّ نظام الزواج الخاصّ بالأشخاص ذوي الإعاقة السمعية أو البصرية يختلف عن نظام الزواج العادي، إذ يستوجب المرور عبر السلطة القضائية، وهو ما يمثّل انتقاصا من هؤلاء الأشخاص الراشدين.

تقول نائب رئيس جمعيّة إبصار بسمة السوسي، في حوار سابق مع موقع الكتيبة، إنّ الأشخاص ذوو/ذوات الإعاقة يعاملون كأنهم أناس ليس لهم.ن حياة جنسيّة، وليس لهم الحقّ في أن يكون لهم حياة جنسيّة ورغبات جنسية والتمتّع بالزواج وتكوين عائلة، ويمكن أن يقع اتخاذ قراراتهم عوضا عنهم.

تنصّ المادّة 25 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على “توفير الرعاية الصحّية وبرامج صحّية مجانية أو معقولة التكلفة للأشخاص ذوي الإعاقة تعادل في نطاقها ونوعيتها ومعاييرها تلك التي توفّرها للآخرين، بما في ذلك خدمات الصحّة الجنسية والإنجابية وبرامج الصحّة العامة للسكّان”.

تشير السوسي إلى أنّ الحديث عن التربية الجنسية في المدارس التونسية لم يشمل المدارس والمراكز المخصّصة لذوي/ذوات الإعاقة التي لا تعترف بالحقوق الجنسية لهذه الفئة، وبالتالي لا يستطيع ذو/ذوات الإعاقة النفاذ إلى معلومات صحيحة حول هذه المسائل.

وتشدّد على أنّه لا يوجد اعتراف بجنسانية ذوي/ذوات الإعاقة.

من جهة أخرى، لا يتمّ الأخذ بعين الاعتبار خصوصيّات ذوي/ذوات الإعاقة في المراكز الصحية الخاصة بالصحة الجنسية والإنجابية، فهي غير مهيّأة لاستقبال النساء ذوات الإعاقة، والقابلات لم يدرسن أصلا كيفية التعامل معهنّ، ولا توجد معلومات بطريقة البرايل أو ومضات بلغات الإشارة ولا طاولة يمكن أن تصعد عليها امرأة تستعمل كرسيّا متحرّكا.

عاشت سلوى الهمّامي، وهي مواطنة حاملة لإعاقة، تجربة صعبة، خلال إنجابها ابنها. لم تكن البنية التحتيّة للمؤسسة الصحّية التي أنجبت فيها ملائمة إذ لم يكن المصعد يعمل وكان هناك سلّم فقط.

كما تمّ وضعها على طاولة بطريقة لم تراع خصوصيتها ما عرّضها إلى ألم كبير، حتّى أن ابنها ولد في حالة اختناق.

تروى الهمامي، في حوار سابق مع الكتيبة، أنّ لم يستمع أو يلتفت إليها أحد وأنها لم تكن أولوية بالنسبة إلى الإطار الطبّي وشبه الطبّي.

وتضيف أنّ قابلة قالت لها عندما علمت أنها زوجها هو بدوره من ذوي الإعاقة “هل سيكون ابنك بصحّة جيّدة، لماذا تنجبون طفلا هكذا؟ هذا حرام!”. وهو ما آلمها كثيرا.

وختمت بالقول:

“يحتقروننا كثيرا.. عندما كنت حاملا قيل لي أنت معاقة وتنجبين الأطفال؟! حتى في الشارع يستغربون كوني حاملا رغم أننا عاديون ونعيش مثل بقيّة الناس”.

أي استراتيجية للنهوض بوضعية ذوي/ذوات الإعاقة؟!

يجد الأشخاص ذوو/ذوات الإعاقة في تونس في وضعيّات صعبة ويعانون من تمييز ووصم كبيرين رغم التشريعات التونسية ورغم مصادقة تونس على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

تعتبر النائب بمجلس الجهات والأقاليم أن التشريعات الموجودة حاليّا غير كافية بتاتا في علاقة بحقوق الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة في تونس وأنه لا يوجد تطبيق فعليّ لهذه القوانين.

وتشدّد على ضرورة الترفيع في نسبة تشغيل ذوي/ذوات الإعاقة من 2 إلى 5% ومراجعة منظومة بطاقات الإعاقة وبطاقات العلاج البيضاء، فضلا عن فرض عقوبات على الشركات التي لا تستيجب لكوتا الـ2%، بالإضافة إلى العمل على نشر الوعي وزيادة الومضات التحسيسية المتعلّقة بوضعيّة ذوي/ذوات الإعاقة ومن وجود الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة في القنوات التلفزية والإذاعية.

وتشير إلى أهمية أن يقوم المسؤولون على مستوى وطني بزيارة المراكز المخصّصة للأطفال ذوي/ذوات الإعاقة في المناطق الداخلية بشكل خاصّ وتوفير الدعم المالي لهذه المراكز التي تقوم بمجهودات كبيرة دون إمكانيات مادّية تُذكر، وفق تصريحها.

من جهتها، ترى الكاتبة العامة لمنظمة الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة بوراوية العقربي ضرورة وجود تمثيلية سياسية واضحة لذوي/ذوات الإعاقة في كلّ الوزارات والمؤسسات، وإحداث هيكل يُعنى بذوي/ذوات الإعاقة يكون تابعا لرئاسة الحكومة أو رئاسة الجمهورية، ويضمّ ممثّلين/ات من كافة الوزارات ولكن أيضا من يمثّل ذوي/ذوات الإعاقة.

وتضيف العقربي:

“لا يمكن أن تبقى وزارة الشؤون الاجتماعية هي الوحيدة المكلّفة بقضيّة الإعاقة في تونس”.

يتعيّن على الإعلام أيضا أن يقوم بدوره وأن يتناول قضايا الإعاقة وأن يقع إحداث إعلام مختصّ في هذه القضايا لا الاكتفاء بالحديث عن ذوي/ذوات الإعاقة في المناسبات الرياضية عند الفوز ببطولة رياضة موازية أو بطريقة هامشية، وفق المتحدثة ذاتها.

وتشير بوراوية العقربي كذلك إلى ضرورة تكوين المدرّسين وإحداث بنية تحتية لكافة المدارس تسهّل النفاذ للجميع، علاوة على ضرورة إحداث خطّة مرافق تربوي في المدارس، مشدّدة على ضرورة تطبيق نسبة التشغيل في المؤسسات العمومية والخاصة والتي نصّ عليها القانون.

يؤكّد شعيب النمري ضرورة الاستثمار في الإدماج كعائد اقتصادي تنموي بمعنى أن الدولة عندما تعتبر أن الشخص الحامل للإعاقة حالة صحّية واجتماعية يحتاج إلى منحة وامتياز جبائي فذلك يمثّل كلفة على كاهل الدولة، لكن عندما تقوم بإدماجه، يمثّل ذلك استثماريّا بشريّا له مردودية اقتصادية للدولة.

كما يشدّد على ضرورة تحديث وتوسيع تصنيف الإعاقة وفق المعايير العالمية لمنظمة الصحة، علاوة على تفعيل القوانين الموجودة في تونس.

يرى عميد كلّية العلوم القانونية والسياسية وحيد الفرشيشي أنّ أوّل خطوة يمكن القيام بها للنهوض بوضعية الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة على الصعيد القانوني هو الملاءمة بين الاتفاقيات الدولية وما صدر عن اللجنة الدولية لحقوق الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة مع القانون التونسي.

ويستدرك بالقول:

“إصلاح القوانين هو أسهل مسألة لأنه من غير المكلف إصلاحها ولكن تنفيذها هو ما سيكلّف أموالا”.

يشدّد الفرشيشي على ضرورة عدم عزل المسألة القانونية عن المسألة الماليّة إذا كان هناك فعلا رغبة في الإصلاح، فضلا عن وضع آليات لتطبيق القانون.

ويشير إلى أنّ كلّ مؤسسات حقوق الإنسان معطّلة في تونس اليوم وبالتالي لا يوجد جهة يمكنها الإشراف على مسألة عدم احترام حقوق ذوي/ذوات الإعاقة في الوقت الحاليّ باستثناء الدولة، مضيفا “إذا كانت الدولة هي الخصم، لا يمكن أن تكون الحكم ولذلك لا بدّ من إعادة التفكير في إيجاد آليات مستقلّة لمتابعة حقوق ذوي/ذوات الإعاقة سواء كان في شكل مجلس أعلى أو هيئة وطنية أو هيئات حقوق الإنسان التي تعوّدت أن تعمل”.

ويبرز الناشط الحقوقي أن القانون الذي صدر تطبيقا لدستور 2014 المتعلّق بهيئة حقوق الإنسان نصّ على إحداث لجنة من بين اللجان صلبه تعنى بذوي/ذوات الإعاقة، إلّا أنّ هذا القانون غير مفعّل اليوم والهيئة الدستورية غير موجودة.

وختم بالإشارة إلى ضرورة التفكير في إحداث خطة مندوبي حماية الأشخاص ذوي/ذوات الإعاقة للحرص على حقوقهم، احتذاء بمندوبي حماية الطفولة.

تعكف وزارة الشؤون الاجتماعية حاليّا على إعداد استراتيجية وطنية لذوي/ذوات الإعاقة بمشاركة 18 وزارة ومنظمات من المجتمع المدني، ومن المنتظر أن يقع الإعلان عنها في 20 أكتوبر 2026، وفق ما أفادت به بوراوية العقربي لموقع الكتيبة.

ولئن أعربت العقربي عن أملها في نجاح هذه الاستراتيجية، إلّا أنّها تساءلت بالقول “في العشرية القادمة هل ستُؤخذ هذه الاستراتيجية بعين الاعتبار أو سنبقى على حالنا إن لم نتأخّر أكثر”.

من المهمّ وضع السياسات والاستراتيجيات للنهوض بوضعية الأشخاص ذوي وذوات الإعاقة، ولكن تبقى هناك عناصر لا بدّ من توفّرها قبل وضع أيّ سياسة كانت وإلّا سيكون مصيرها الفشل، وهي أوّلا الإحصائيات الدقيقة المتعلّقة بذوي/ذوات الإعاقة، والمسألة الثانية تتعلّق بالأموال والاعتمادات الضرورية لتطبيق القوانين وتنفيذ المشاريع، والعنصر الثالث يتعلّق بالإرادة السياسية.

الكاتبة : رحمة الباهي

صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة

اشراف: محمد اليوسفي
تدقيق: وليد الماجري
غرافيك: منال بن رجب
ادماج تقني: بلال الشارني
غرافيك: منال بالرجب
تطوير تقني: بلال الشارني
إشراف : محمد اليوسفي
تدقيق : وليد الماجري

الكاتبة : رحمة الباهي

صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة

rahma
Scroll to Top