قرقنة التي حفظت أسرار البحر قرونا .. أصبحت اليوم تخشى الغرق فيه

يبرز أرخبيل قرقنة كواحد من أوضح الأمثلة على هشاشة هذه المناطق الساحلية أمام التطرف المناخي. هذا الموقع الجغرافي جعل قرقنة في قلب تأثيرات التغير المناخي؛ فهي تواجه ارتفاع مستوى البحر، وتراجع السواحل، وتآكل الشريط الساحلي، إضافة إلى تغيرات في النظم البحرية وتزايد الضغوط على التنوع البيولوجي.

الكاتبة : مبروكة خذير

صحفية مصورة، خبيرة دولية و مدربة في مجال الإعلام.

لم تعد ظاهرة ارتفاع درجات حرارة البحار مجرد مؤشّر بيئي بعيد، بل أصبحت إحدى أبرز علامات التغير المناخي التي تعيد تشكيل السواحل والأنظمة البحرية حول العالم. فمع تزايد موجات الحر البحرية وارتفاع مستوى سطح البحر، أصبحت المناطق الساحلية المنخفضة والهشة أكثر عرضة للتأثيرات المتطرفة للمناخ. وتونس، بواجهتها البحرية الممتدة على أكثر من 1300 كيلومتر على البحر الأبيض المتوسط، تعد من بين البلدان المتوسطية التي تواجه هذه التحديات، خاصة في المناطق الساحلية والجزرية.

ويبرز أرخبيل قرقنة كواحد من أوضح الأمثلة على هشاشة هذه المناطق أمام التطرف المناخي. تقع جزر قرقنة قبالة الساحل الشرقي التونسي، على بعد حوالي 20 كيلومترا من مدينة صفاقس، وتتكون من مجموعة من الجزر أهمها جزيرتا الشرقي والغربي. وتتميز هذه الجزر بارتفاعها المنخفض جدا عن مستوى سطح البحر، وبنظامها البيئي البحري الحساس الذي يعتمد على الثروات الساحلية، خاصة الصيد البحري والأنظمة البيئية المرتبطة بمروج البوسيدونيا.

لكنّ هذا الموقع الجغرافي جعل قرقنة في قلب تأثيرات التغير المناخي؛ فهي تواجه ارتفاع مستوى البحر، وتراجع السواحل، وتآكل الشريط الساحلي، إضافة إلى تغيرات في النظم البحرية وتزايد الضغوط على التنوع البيولوجي. لذلك أصبحت قرقنة نموذجاً حيّا لما يمكن أن تعانيه المناطق الساحلية المتوسطية عندما تتقاطع هشاشة الطبيعة مع تصاعد الظواهر المناخية القصوى.

الكاتبة : مبروكة خذير

صحفية مصورة، خبيرة دولية و مدربة في مجال الإعلام.

لم تعد ظاهرة ارتفاع درجات حرارة البحار مجرد مؤشّر بيئي بعيد، بل أصبحت إحدى أبرز علامات التغير المناخي التي تعيد تشكيل السواحل والأنظمة البحرية حول العالم. فمع تزايد موجات الحر البحرية وارتفاع مستوى سطح البحر، أصبحت المناطق الساحلية المنخفضة والهشة أكثر عرضة للتأثيرات المتطرفة للمناخ. وتونس، بواجهتها البحرية الممتدة على أكثر من 1300 كيلومتر على البحر الأبيض المتوسط، تعد من بين البلدان المتوسطية التي تواجه هذه التحديات، خاصة في المناطق الساحلية والجزرية.

ويبرز أرخبيل قرقنة كواحد من أوضح الأمثلة على هشاشة هذه المناطق أمام التطرف المناخي. تقع جزر قرقنة قبالة الساحل الشرقي التونسي، على بعد حوالي 20 كيلومترا من مدينة صفاقس، وتتكون من مجموعة من الجزر أهمها جزيرتا الشرقي والغربي. وتتميز هذه الجزر بارتفاعها المنخفض جدا عن مستوى سطح البحر، وبنظامها البيئي البحري الحساس الذي يعتمد على الثروات الساحلية، خاصة الصيد البحري والأنظمة البيئية المرتبطة بمروج البوسيدونيا.

لكنّ هذا الموقع الجغرافي جعل قرقنة في قلب تأثيرات التغير المناخي؛ فهي تواجه ارتفاع مستوى البحر، وتراجع السواحل، وتآكل الشريط الساحلي، إضافة إلى تغيرات في النظم البحرية وتزايد الضغوط على التنوع البيولوجي. لذلك أصبحت قرقنة نموذجاً حيّا لما يمكن أن تعانيه المناطق الساحلية المتوسطية عندما تتقاطع هشاشة الطبيعة مع تصاعد الظواهر المناخية القصوى.

في قرقنة، لا يحتاج المرء إلى دراسة علمية ليدرك أن شيئاً ما تغيّر. يكفي أن يقف عند شاطئ الرملة او القراطن أو العطايا أو أي منطقة أخرى مع صياد مسنّ، وأن ينظر إلى المسافة التي تفصل البيوت عن البحر، أو أن يصغي إلى امرأة او رجل من سكان جزر قرقنة،ممن تجاوزوا السبعين وهم يشيرون بأيديهم إلى مكان كان يوماً حقلاً أو مسلكاً للأطفال نحو البحر، لتفهم أن الجزيرة التي حفظت أسرار البحر قروناً أصبحت اليوم تخشى منه.

أنا ابنة هذا المكان. كبرت هنا على رائحة الملح، وعلى صوت المراكب العائدة مع الفجر، وعلى حكايات الجدّات عن البحر الذي كان جارا سخيّا، يمنح السمك ويحمي اليابسة. لكن البحر نفسه تغيّر. لم يعد فقط مصدر رزق وذاكرة، بل أصبح يحمل سؤالاً ثقيلاً: كم ستبقى قرقنة قادرة على الصمود؟

في السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن اختفاء أجزاء من الشاطئ مجرد تخوّف يردّده السكان، بل أصبح واقعا تراه العين. شواطئ كانت تمتد عشرات الأمتار تقلصت، مناطق رملية اختفت، وأصبحت مياه البحر تصل في فترات العواصف إلى أماكن لم تكن تبلغها سابقاً.

“حجرة البو” في قرقنة… حين تكشف صخرة غارقة ذاكرة جزيرة يبتلعها البحر

في برج الحصار، ذلك الركن الهادئ من أرخبيل قرقنة حيث يلتقي الرمل بالبحر وتمتزج رائحة الملح بذكريات الصيادين، تقف “حجرة البو” كشاهد صامت على تحولات الساحل وعلى علاقة الإنسان بالبحر عبر قرون طويلة. هنا، حيث تتراجع اليابسة تدريجياً أمام تقدم المياه، لا تختفي معالم المكان فقط، بل تتغير أيضاً صفحات من ذاكرة الجزيرة وتاريخها.

في هذا الموقع التقيت بمعلمي عبد اللطيف الشلي، ابن الجزيرة الذي كتب كثيراً عن قرقنة وتراثها، والذي تابع التحولات التي عرفها الأرخبيل على امتداد عقود. اصطحبني إلى الشاطئ، وأشار إلى كتلة صخرية ضخمة تغمر المياه جزءاً كبيراً منها، قائلاً: “هذه حجرة البو… كنا نعرفها منذ عقود، وبحسب الكتابات والتاريخ المدون للجزيرة، كانت هذه الحجرة بعيدة عن الماء. أمّا اليوم فقد أصبح البحر يغطي أجزاء كبيرة منها. البحر تقدم إليها عبر عقود طويلة.”

بالنسبة إلى أبناء برج الحصار وسكان قرقنة القدامى، لا تمثل “حجرة البو” مجرد صخرة طبيعية، بل تحمل قيمة تاريخية وجغرافية مرتبطة بذاكرة المكان وبالمشهد البحري القديم للأرخبيل.

وتشير الأبحاث التاريخية والأثرية التي تناولت قرقنة، ومن بينها أعمال الباحث فتحي شلبي حول تاريخ وآثار الأرخبيل، إلى أهمية منطقة برج الحصار ضمن تاريخ الجزيرة، باعتبارها جزءاً من المجال المرتبط بالمدينة القديمة كيركينا (Cercina/Kyranis) وبنشاطها البحري والتجاري. فقد كشفت الدراسات عن وجود بقايا ومنشآت مرتبطة بالميناء القديم، بعضها أصبح اليوم مغموراً أو قريباً من خط الماء، في مؤشر على التحولات التي عرفها الساحل عبر الزمن.

وفي هذا السياق، ارتبط اسم “حجرة البو” محلياً بوظيفتها كعلامة بحرية طبيعية كان البحارة يهتدون بها للوصول إلى منطقة الحصار. فموقعها ووضوحها ضمن المشهد الساحلي القديم جعلا منها مرجعاً يساعد على توجيه السفن، وهو ما يعكس أهمية هذا الجزء من الجزيرة ضمن الحركة البحرية القديمة.

يقول عبد اللطيف الشلي: “هذه الحجرة كانت شاهدة على أجيال كاملة. كنا نأتي إليها، نلعب حولها، ونعرف حدود البحر. لم نكن نتخيل أن يأتي يوم يتعمق عبر الزمن انغمارها تحت الماء. بالنسبة لنا هي ليست مجرد صخرة، هي دليل على أن الشاطئ يتغيّر.”

كانت “حجرة البو” بالنسبة للسكان علامة جغرافية تحفظ حدود المكان. فقد عرفها الأهالي في طفولتهم وشبابهم ضمن فضاء مكشوف يمكن الوصول إليه بسهولة، أما اليوم فقد أصبحت المياه تغمر أجزاء واسعة منها، وكأن البحر يستعيد تدريجياً مساحة كانت في السابق جزءاً من اليابسة.

بين الذاكرة المحلية والدليل العلمي

حسب المعطيات العلمية المتوفرة، لا توجد دراسة منشورة خصيصاً حول “حجرة البو” باعتبارها مؤشراً جيومورفولوجياً مستقلاً على تغير الساحل، لكنها تندرج ضمن مجموعة من الشواهد التاريخية والميدانية التي توثق التحولات التي عرفتها العلاقة بين اليابسة والبحر في قرقنة.

فالأبحاث الأثرية المتعلقة بمنطقة برج الحصار، ومنها أعمال الباحث فتحي شلبي، تبرز أهمية الموقع ضمن تاريخ الأرخبيل، وتكشف ارتباطه بالميناء القديم وبالنشاط البحري الذي عرفته الجزيرة. كما تشير بعض المعطيات المرتبطة بالموقع إلى وجود علامة أو منارة بحرية قديمة عُرفت محلياً باسم “حجرة البو”، كانت تؤدي دوراً إرشادياً ضمن المشهد البحري القديم.

أما غمر أجزاء من هذه العلامة الطبيعية والتاريخية بالمياه اليوم، فيرتبط بالتحولات الساحلية التي شهدتها قرقنة خلال العقود الأخيرة. ويعتمد العلماء في دراسة هذه الظواهر على مقارنة الصور الجوية القديمة والحديثة، وقياس تغير موقع الخط الساحلي، وتحليل حركة الرمال والكثبان، وهي مؤشرات أظهرت تراجعاً في أجزاء من سواحل الأرخبيل بفعل تداخل عوامل طبيعية ومناخية، من بينها ارتفاع مستوى سطح البحر وهشاشة طبيعة الجزر المنخفضة.

وتكتسب شهادات سكان قرقنة أهمية خاصة في فهم هذه التحولات، لأنها تمثل نوعاً من “الأرشيف البيئي الحي”. فالسكان الذين عاشوا قرب البحر لعقود طويلة يمتلكون ذاكرة دقيقة للتغيرات التي قد لا تظهر دائماً في الأرقام والخرائط: اختفاء مساحات رملية، اقتراب المياه من مواقع كانت بعيدة عن الساحل، وتغير معالم أماكن ارتبطت بحياتهم اليومية.

ويفسر الباحثون تراجع الساحل بتداخل عوامل عدة، من أبرزها ارتفاع مستوى سطح البحر المرتبط بالتغير المناخي، وتراجع دور الحواجز الطبيعية مثل الكثبان الرملية والغطاء النباتي الساحلي، إضافة إلى هشاشة طبيعة أراضي قرقنة. فالأرخبيل، الذي لا يتجاوز ارتفاع معظم مناطقه بضعة أمتار عن سطح البحر، يعد من أكثر المناطق التونسية عرضة لمخاطر الغمر البحري.

لكن بالنسبة إلى سكان الجزيرة، لا تقاس خسارة الساحل بالأمتار فقط. فكل جزء يغمره البحر يحمل معه جزءاً من الذاكرة الجماعية: مكان لعب فيه الأطفال، علامة اهتدى بها البحارة، أو موقعاً تختزن فيه العائلات حكاياتها بين الرمل والماء.

في برج الحصار، أصبحت “حجرة البو” أكثر من مجرد صخرة غارقة؛ إنها نقطة التقاء بين تاريخ قرقنة القديم ومستقبلها في مواجهة تغير المناخ. فهي تروي قصة حضارة بحرية وميناء قديم، وفي الوقت نفسه تكشف ببطء كيف يعيد البحر رسم حدود الجزيرة.

إن قوة شهادة عبد اللطيف الشلي لا تكمن فقط في وصف تغير مادي في المكان، بل في تقديم صورة إنسانية لتغير بيئي عميق. فهي تذكر بأن التغير المناخي لا يظهر دائماً في شكل أحداث مفاجئة، بل قد يتقدم بصمت، عبر مياه ترتفع تدريجياً حتى تصبح المعالم التي حفظت ذاكرة الناس جزءاً من عالم مغمور.

إنها قصة جزيرة ترى بعيني أبنائها كيف تتغير حدودها، وكيف يتحول البحر الذي صنع هويتها عبر القرون إلى أكبر اختبار لقدرتها على الصمود والبقاء.

في برج الحصار، أصبحت “حجرة البو” أكثر من مجرد صخرة غارقة؛ إنها نقطة التقاء بين تاريخ قرقنة القديم ومستقبلها في مواجهة تغير المناخ. فهي تروي قصة حضارة بحرية وميناء قديم، وفي الوقت نفسه تكشف ببطء كيف يعيد البحر رسم حدود الجزيرة.

جزيرة منخفضة تنتظر موجة أكبر… ماذا ينتظر قرقنة عندما يتقدّم البحر؟

قرقنة ليست مجرد مجموعة من الجزر الصغيرة المبعثرة في عرض البحر، بل هي واحدة من أكثر المناطق التونسية هشاشة أمام التحولات المناخية القادمة. أرخبيل كامل يعيش على ارتفاعات بالكاد تفصل اليابسة عن المياه، ويبدو كأنه معلق بين البقاء والاختفاء، بين ذاكرة سكانه الممتدة على قرون وبين مستقبل تفرضه تغيرات لا تملك الجزيرة وحدها القدرة على إيقافها.

يتكون أرخبيل قرقنة من حوالي 14 جزيرة وجزيرة صغيرة، أهمها شرقي، مليتة، قرقنة الكبرى، سيدي فرج، مليتة، الرملة، العطايا والقراطن. وتمتد الجزيرة الرئيسية على مساحة تقارب 160 كيلومتراً مربعاً، لكنها تتميز بخصوصية تجعلها مختلفة عن بقية المناطق الساحلية التونسية: فهي أرض شديدة الانبساط والانخفاض، إذ إن معظم أراضيها لا تتجاوز بضعة أمتار فوق مستوى سطح البحر، فيما توجد مناطق واسعة قريبة جداً من مستوى المد والجزر.

هذه الجغرافيا تجعل قرقنة شديدة الحساسية أمام أي تغير بسيط في مستوى البحر. ففي مناطق أخرى قد يكون ارتفاع سطح البحر بعشرات السنتيمترات عاملاً يمكن التحكم في تأثيراته عبر منشآت حماية أو تخطيط عمراني جديد، أما في جزيرة منخفضة مثل قرقنة، فإن الارتفاع التدريجي للمياه يمكن أن يعني تغيراً جذرياً في شكل الأرض، وتحول مناطق كانت مأهولة أو مستغلة فلاحياً إلى مناطق معرضة للغمر.

يقول الأستاذ سمير القبايلي، أستاذ الجغرافيا والباحث في ديناميكية المجالات الساحلية: “قرقنة حالة نموذجية لفهم هشاشة الجزر المتوسطية أمام التغيرات المناخية. نحن أمام مجال جغرافي حساس جداً لأن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع مستوى سطح البحر، وإنما في اجتماع عدة عوامل: طبيعة الأرض المنخفضة، ضعف قدرة الساحل على مقاومة النحت البحري، هشاشة الرواسب الرملية، تراجع الحواجز الطبيعية، إضافة إلى الضغط البشري على المناطق الساحلية.”

ويضيف: “عندما نتحدث عن قرقنة يجب ألا ننظر إليها كجزيرة واحدة، بل كمنظومة من الأراضي المنخفضة المرتبطة ببعضها. أي تغير في مستوى البحر أو في حركة التيارات البحرية يمكن أن يعيد رسم الخريطة الجغرافية للأرخبيل.”

من شريط ساحلي إلى أراضٍ مهددة بالغمر

خلال العقود الماضية، سجلت الدراسات العلمية حول تطور الساحل في قرقنة تغيرات واضحة في الخط الساحلي. وتشير بعض الأبحاث المعتمدة على مقارنة الصور الجوية القديمة والحديثة وتقنيات الاستشعار عن بعد إلى أن بعض المناطق فقدت عشرات الأمتار من الشريط الساحلي، حيث تجاوز التراجع في بعض المواقع 40 متراً خلال أقل من نصف قرن.

لكن التغير لا يظهر فقط في اختفاء الرمال، بل أيضاً في توسع المناطق المالحة والسبخات، وهي مناطق كانت تمثل جزءاً من التوازن البيئي للجزيرة، لكنها أصبحت اليوم أكثر عرضة للتغمر البحري وتسرب المياه المالحة نحو الأراضي الداخلية.

ويشرح الأستاذ القبايلي: “السبخات في قرقنة كانت دائماً جزءاً من طبيعة الجزيرة، لكنها اليوم تتوسع على حساب مناطق أخرى بسبب تغير التوازن بين اليابسة والبحر. عندما ترتفع المياه المالحة وتتقدم نحو الداخل، فإنها لا تغير فقط شكل الأرض، بل تؤثر أيضاً على التربة وعلى إمكانية استغلالها فلاحياً.”

هل يمكن أن تختفي قرقنة؟ كيف يمكن أن تتغير خريطتها؟

السؤال الذي يطرحه كثير من أبناء الجزيرة اليوم ليس فقط: “هل سيتقدم البحر؟”، بل: “إلى أين سيصل؟ وماذا سيبقى من قرقنة التي نعرفها؟”

بالنسبة الى الخبراء، لا يعني تغير المناخ أنّ الأرخبيل سيختفي فجأة تحت الماء، فهذه ليست عملية تحدث بين ليلة وضحاها، لكنّ السيناريوهات المستقبلية تشير إلى إمكانية حدوث تحولات عميقة في شكل الجزر، خاصة إذا تواصل ارتفاع مستوى سطح البحر دون إجراءات تكيّف فعالة.

يشرح الأستاذ سمير القبايلي: “المستقبل لا يعني بالضرورة اختفاء قرقنة بالكامل، وإنما يمكن أن نشهد إعادة تشكيل للأرخبيل. بعض المناطق المنخفضة جداً قد تصبح مناطق غمر مؤقت أو دائم، وبعض المساحات التي تفصل بين الجزر قد تصبح أكثر عرضة للانفتاح على البحر، وهذا يمكن أن يغير شكل الاتصال بين المناطق.”

ويضيف: “هناك احتمال أن تتحول بعض الأراضي المنخفضة إلى مناطق شبه رطبة أو سبخات موسعة، وأن تصبح بعض المناطق السكنية القريبة من الساحل أكثر هشاشة. الجزر الصغيرة هي أول من يشعر بتأثيرات ارتفاع مستوى البحر لأنها لا تملك مساحات داخلية مرتفعة يمكن للسكان التراجع إليها.”

ويشير إلى أنّ التغير قد يأخذ أشكالاً متعددة: “يمكن أن نشهد مستقبلاً تراجعاً في بعض الشواطئ، اختفاء أجزاء من الكثبان الرملية، تغيراً في مواقع المرافئ الطبيعية، وربما صعوبة أكبر في الحفاظ على بعض المناطق السكنية القريبة جداً من البحر. المشكلة ليست في موجة واحدة، بل في تراكم تأثيرات صغيرة عبر الزمن.”

في المدن الساحلية الكبرى، يمكن للسكان أحياناً التراجع نحو الداخل عندما تقترب المياه. أما في قرقنة فالوضع مختلف، لأن الجزيرة نفسها محدودة المساحة، ولا توجد مناطق مرتفعة يمكن أن تشكل ملاذاً طبيعياً للسكان.

ويقول الأستاذ القبايلي: “الهشاشة الكبرى لقرقنة هي أن المجال الداخلي محدود. عندما يتراجع الساحل، لا يوجد دائماً مجال كبير لتعويض المساحات المفقودة. لذلك فإن كل متر تخسره الجزيرة من شريطها الساحلي له قيمة كبيرة.”

وهنا تصبح المسألة أكثر من قضية بيئية؛ إنها قضية اجتماعية واقتصادية وثقافية. ففقدان الساحل يعني تهديد مناطق الصيد التقليدي، وتراجع بعض الأنشطة الفلاحية، وضغطاً أكبر على السكان الذين ترتبط حياتهم بالبحر.

حين اختفى الشاطئ الذي كان ملعب الأطفال

في منطقة العطايا، تتذكر البحّارة المتقاعدة سعيدة الصامت طفولتها عندما كان الشاطئ أوسع بكثير.

تقول محدّثتنا: “كنّا نخرج من المنزل ونصل إلى البحر في دقائق. كان هناك مكان نلعب فيه وننشر الشّباك. اليوم الماء اقترب كثيراً. بعض الأماكن التي كانت أرضاً أصبحت بحرًا.”

هذه الشهادات تتكرر في مناطق عديدة من الأرخبيل: مليتة، الرملة، العطايا، القراطن، سيدي فرج.

فالسكان لا يتحدثون فقط عن تغير المشهد، بل عن تغير علاقتهم بالمكان. فالتآكل الساحلي لا يعني فقدان الرمال فقط، بل يعني فقدان جزء من نمط حياة كامل: مسالك الصيادين، مناطق رسو المراكب، الأراضي الفلاحية، وحتى الذاكرة الجماعية.

“كنّا نخرج من المنزل ونصل إلى البحر في دقائق. كان هناك مكان نلعب فيه وننشر الشّباك. اليوم الماء اقترب كثيراً. بعض الأماكن التي كانت أرضاً أصبحت بحرًا.”

العواصف التي كشفت هشاشة الجزيرة… عندما دخل البحر بيوت القراطن

في قرقنة، كان البحر دائماً جزءاً من الحياة اليومية. كان السكان يعرفون مزاجه كما يعرفون وجوه أفراد عائلاتهم: يعرفون متى يهدأ، ومتى تشتد رياحه، ومتى يجب على الصياد أن يؤجل خروجه إلى البحر. لكن أبناء الجزيرة يقولون إن شيئاً تغيّر خلال السنوات الأخيرة. لم يعد الأمر يتعلق فقط بعاصفة عابرة أو موسم شتاء قاسٍ، بل بظواهر أصبحت أكثر تكراراً وحدّة، تكشف في كل مرة هشاشة أرخبيل كامل يعيش على خط التماس بين اليابسة والماء.

في منطقة القراطن، إحدى أكثر المناطق ارتباطاً بالبحر في قرقنة، لم تعد التحذيرات من تقدم المياه مجرد توقعات علمية أو سيناريوهات مستقبلية. ففي سنة 2025، عاش السكان لحظة تحولت فيها المخاوف إلى واقع يومي: المياه وصلت إلى البيوت، وتسللت إلى فضاءات كانت تعتبر بعيدة عن البحر، وتحول الشاطئ الذي كان مكاناً للراحة والعمل إلى مصدر قلق دائم.

هناك التقيت عيّادي، صاحب مشروع سياحي صغير أقامه على شاطئ البحر، مشروع كان يحلم أن يكون مساحة لاستقبال الزوار والاستمتاع بجمال قرقنة. لكنه اليوم يقف أمام مكان تغيّر وجهه بفعل البحر.

قادني عيادي في جولة بين بقايا مشروعه القريبة من الشاطئ، يشير بيده إلى الأماكن التي كانت قبل سنوات فضاءات للجلوس والاستقبال، قبل أن تصبح مهددة بالغمر.

يقول محدّثي: “عندما بنيت هذا المشروع كنت أعرف أنني قريب من البحر، لكنّ البحر كان له حدوده. كنا نراه أمامنا، نستمتع به، لكنه لم يكن يدخل إلينا. اليوم تغير كل شيء. المياه أصبحت تصل إلى هنا، تدخل إلى المشروع، وأصبحت أحياناً عاجزاً حتى عن الوصول إلى المنتزه الموجود على الشاطئ.”

ويضيف وهو يشير إلى الأرض التي فقدت جزءاً من شكلها: “المشكلة ليست فقط في الضرر المادي. المشكلة أنك ترى المكان الذي بنيته بحب يتغير أمام عينيك. كل مرة تأتي عاصفة قوية أقول: ماذا سيبقى؟ هل سأستطيع مواصلة النشاط هنا؟”

بالنسبة الى عيادي، لم يكن وصول المياه حدثا معزولا، بل حلقة جديدة في سلسلة تغيرات عاشها المكان. فالشريط الرملي الذي كان يفصل بين البحر والمشروع تقلص تدريجياً، والكثبان التي كانت تمثل حاجزاً طبيعياً أمام الأمواج أصبحت أضعف.

ويحكي عن إحدى الليالي التي بقيت محفورة في ذاكرته: “في إحدى المرات استيقظنا على صوت البحر. لم يكن الأمر عادياً. المياه كانت أقرب مما تعودنا عليه، والناس خرجوا يتفقدون بيوتهم. بعض الجيران وجدوا أنفسهم محاصرين بالمياه حول منازلهم. لم نكن نتصور أن نصل إلى هذه المرحلة.”

بيوت وسط الماء… لحظة لم يتخيلها سكان القراطن

قصة عيادي لم تكن حالة منفردة. ففي القراطن، عاش عدد من السكان تجربة مشابهة عندما وجدوا مياه البحر تقترب من مساكنهم بعد اضطرابات جوية قوية.

يتذكر أحد الجيران،: “نحن أبناء البحر، ولم نخف منه يوماً. كنا نعيش معه ونأخذ منه رزقنا. لكن أن تستيقظ وتجد الماء قريباً من باب المنزل، فهذا شيء لم نعتد عليه. أصبحنا نشعر أن المسافة التي كانت تحمينا اختفت.”

هذه اللحظات، التي تبدو للسكان استثنائية، أصبحت بالنسبة إلى الخبراء مؤشرا على تغيّر أعمق في العلاقة بين الساحل والبحر. فالعواصف التي كانت تمر وتترك بعض الأضرار أصبحت اليوم تكشف هشاشة مناطق فقدت جزءاً من قدرتها الطبيعية على الحماية. وعندما تتزامن الرياح القوية مع ارتفاع مستوى البحر والمد العالي، تصبح المياه قادرة على تجاوز الحواجز الرملية الطبيعية والوصول إلى مناطق كانت بعيدة نسبياً.

عواصف أكثر قوة… وساحل فقد جزءا من دفاعاته الطبيعية

لم تكن قرقنة غريبة عن العواصف. فالسكّان عاشوا دائما مع تقلبات البحر، وكانت الرياح جزءاً من دورة الحياة اليومية في الجزيرة. لكن ما تغير، حسب شهادات الأهالي، هو تزايد حدة الظواهر وتواترها.

خلال السنوات الأخيرة، شهد الأرخبيل عدة حلقات من سوء الأحوال الجوية تسببت في:
غمر أجزاء من المناطق الساحلية.

  • تعطل نشاط الصيد البحري.
  • أضرار بالمرافئ والمسالك الساحلية.
  • تهديد بعض المنشآت القريبة من البحر.
  • تراجع المساحات الرملية التي كانت تشكل حاجزاً طبيعياً.

وكانت العواصف البحرية التي ضربت الساحل الشرقي التونسي من بين الأحداث التي كشفت حجم هشاشة المناطق المنخفضة، حيث ارتفعت الأمواج وتجاوزت المياه الحواجز الرملية التقليدية.

ويشرح الأستاذ سمير القبايلي، أستاذ الجغرافيا والباحث في ديناميكية المجالات الساحلية، قائلا: “العاصفة في حد ذاتها ليست ظاهرة جديدة في قرقنة، لكن الخطورة اليوم تكمن في أن الساحل لم يعد يمتلك نفس القدرة على المقاومة. عندما تتراجع الكثبان الرملية، وعندما يتآكل الشاطئ، تصبح الأمواج قادرة على الوصول إلى أماكن لم تكن تبلغها سابقاً.”

ويضيف: “ما حدث في القراطن مثال واضح على التقاء عدة عوامل: انخفاض مستوى الأرض، تراجع الحماية الطبيعية، ارتفاع مستوى البحر، وشدة الظواهر الجوية. لذلك فإن حدثاً كان يعتبر استثنائياً قبل عقود يمكن أن يصبح أكثر حضوراً في المستقبل.”

حين يصبح البحر جارا مباشرا

في قرقنة، لا يتحدث السكان عن البحر كعدو، فهم أبناء البحر قبل كل شيء. لكن علاقتهم به بدأت تتغير. البحر الذي كان مصدر الرزق أصبح أيضاً مصدر خوف.

بالنسبة الى عيادي، البحّار و صاحب المشروع السياحي الذي يعمل صيفا، فإنّ السؤال لم يعد فقط كيف يحمي مشروعه، بل كيف يحافظ على المكان نفسه.

يقول: “نحن لا نريد أن نبتعد عن البحر، حياتنا مرتبطة به. لكن نريد أن نجد حلولاً حتى يبقى البحر نعمة وليس تهديداً. لا نريد أن نصل إلى مرحلة نغادر فيها أماكن عشنا فيها أجيالاً.”

هذه الجملة تلخص معضلة قرقنة كلها: سكان لا يريدون مغادرة الجزيرة، لكنهم يواجهون تغيرات قد تعيد رسم حدود المكان. فالمشكلة ليست فقط في مياه تدخل إلى مشروع أو منزل، بل في مستقبل أرخبيل كامل أصبح يعيش آثار تغير المناخ بشكل ملموس. ففي القراطن، كما في برج الحصار والرملة ومناطق أخرى، لم يعد تغير الساحل موضوعاً يخص الباحثين وحدهم، بل أصبح قصة يومية يرويها السكان بأعينهم: قصة بحر يتقدم ببطء، لكنه يترك في كل مرة أثراً جديداً على اليابسة والذاكرة.

الصيد البحري… حين أصبح البحر الذي أطعم الأجيال أقل سخاء

في قرقنة، لا يُنظر إلى البحر باعتباره مجرد مساحة زرقاء تحيط بالأرخبيل، بل هو جزء من الهوية الجماعية وذاكرة المكان. فمنذ قرون، تشكلت حياة السكان على إيقاع المد والجزر، وتعاقبت الأجيال وهي تعيش من خير البحر وتنسج حوله حكاياتها. يكاد لا يخلو بيت من صياد ورث المهنة عن أبيه وجده، أو امرأة تنتظر عودة المراكب لتعدّ حصيلة اليوم، أو طفل تعلّم أسماء الأسماك والتيارات ومواسم الصيد قبل أن يتعلمها في الكتب المدرسية. لقد كان البحر دائماً أكثر من مورد اقتصادي؛ كان أسلوب حياة وثقافة متجذرة في تفاصيل الحياة اليومية.

غير أنّ هذا البحر، الذي ظل لعقود طويلة سخياً بعطائه، بدأ يفقد توازنه البيئي شيئاً فشيئاً. فالصيادون الذين كانوا يعودون في ساعات قليلة بشباك ممتلئة، باتوا اليوم يضطرون إلى الإبحار لمسافات أبعد وقضاء وقت أطول بحثاً عن مخزون سمكي أصبح أقل وفرة وأكثر تشتتاً. ولم تعد مواسم الصيد تسير وفق الإيقاع الذي حفظته الذاكرة الشعبية، إذ ساهم ارتفاع حرارة مياه البحر، وتغير التيارات البحرية، واضطراب المواطن الطبيعية للأسماك في تغيير توزيع العديد من الأنواع البحرية وسلوكها.

لكن التغير المناخي وحده لا يفسر ما يحدث في قرقنة. فبحسب الأستاذة لبنى بودية، الباحثة المتخصصة في علوم البحار والبيئة البحرية بجامعة صفاقس، فإن تآكل السواحل في الأرخبيل هو نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الطبيعية والضغوط البشرية. فارتفاع مستوى سطح البحر وتزايد شدة العواصف البحرية يسرّعان انجراف الشواطئ، إلا أن الممارسات البشرية غير المستدامة تضاعف من حدة هذه الظاهرة، لأنها تُضعف قدرة النظم البيئية الساحلية على امتصاص آثار التغيرات الطبيعية ومقاومتها.

وتُعد لبنى بودية من أبرز الباحثين التونسيين في مجال التنوع البيولوجي البحري، وحماية النظم البيئية الساحلية، والإدارة المستدامة للموارد البحرية، ولا سيما في خليج قابس وجزر قرقنة. وترى أن الأنشطة البشرية أصبحت اليوم من أخطر العوامل التي تُسرّع تآكل الشواطئ، لأنها تستهدف بشكل مباشر العناصر الطبيعية التي تمثل خط الدفاع الأول عن السواحل.

ومن أبرز هذه الممارسات اعتماد وسائل صيد جائرة، مثل “الكيس” و**”الدراين” البلاستيكية**، التي تحولت مع مرور الوقت إلى ما يشبه المقابر البحرية الصامتة. فعندما تُفقد هذه المعدات أو تُترك في قاع البحر، تستمر في احتجاز الأسماك والقشريات والسلاحف وغيرها من الكائنات البحرية فيما يُعرف بظاهرة “الصيد الشبح” (Ghost Fishing)، وهي ظاهرة تؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة من الكائنات البحرية دون أي مردود اقتصادي، وتمنع العديد من الأنواع من بلوغ مرحلة التكاثر، مما يساهم في استنزاف المخزون السمكي عامًا بعد عام ويخلّ بالتوازن البيئي للمنظومة البحرية.

ولا تتوقف الأضرار عند هذا الحد، إذ تؤدي هذه المخلفات البلاستيكية، إلى جانب بعض ممارسات الصيد غير المستدامة، إلى تدهور مروج البوسيدونيا(Posidonia oceanica)، وهي نباتات بحرية متوطنة في البحر الأبيض المتوسط تؤدي وظائف بيئية أساسية. فهذه المروج تشكل حضانة طبيعية لتكاثر الأسماك والرخويات، وتثبت الرواسب في قاع البحر، وتحد من قوة الأمواج قبل وصولها إلى الشاطئ، كما تُعد من أكبر خزانات الكربون الأزرق في البحر المتوسط، إذ تخزن كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وتساهم في التخفيف من آثار التغير المناخي. وعندما تتعرض هذه المروج للتجريف أو الاقتلاع بفعل معدات الصيد أو الأنشطة البشرية غير المستدامة، يفقد الساحل أحد أهم حواجزه الطبيعية، فتزداد سرعة انجراف الرواسب، ويتسارع تراجع الخط الساحلي، خاصة في الجزر المنخفضة والهشة مثل أرخبيل قرقنة، حيث يصبح الساحل أكثر عرضة لتأثير الأمواج والعواصف وارتفاع مستوى سطح البحر.

وتؤكد الدراسات الجيومورفولوجية أن اختفاء الغطاء النباتي البحري يؤدي إلى فقدان التوازن بين الترسيب والتعرية؛ فالأمواج التي كانت طاقتها تُمتص جزئياً بواسطة مروج البوسيدونيا تصل اليوم مباشرة إلى الشاطئ، حاملة معها الرمال إلى أعماق البحر، وهو ما يفسر تراجع الخط الساحلي في عدة مناطق من الأرخبيل واختفاء أجزاء من الشواطئ التي كانت إلى وقت قريب تشكل حاجزاً طبيعياً يحمي اليابسة.

ولم يعد هذا التدهور البيئي مجرد قضية تخص الطبيعة وحدها، بل تحول إلى أزمة تمس حياة السكان واقتصاد الجزيرة بأكمله. فتراجع الثروة السمكية يعني انخفاض دخل آلاف الصيادين، وتآكل الشواطئ يهدد البنية التحتية والمنازل والأنشطة السياحية، فيما يؤدي فقدان التنوع البيولوجي إلى اختلال السلسلة الغذائية البحرية بأكملها، من الكائنات الدقيقة إلى الأسماك والطيور البحرية. وهكذا، فإن ما يحدث اليوم في قرقنة يكشف بوضوح أن العلاقة بين الإنسان والبحر لم تعد علاقة استغلال فحسب، بل أصبحت علاقة مصير مشترك؛ فكلما اختل توازن النظام البيئي بفعل الممارسات غير المستدامة، ازداد البحر هشاشة، وازدادت معه هشاشة مستقبل الجزيرة وسكانها.

في أحد مرافئ قرقنة، التقيت بالبحّارة سعيدة الصامت، امرأة اختارت أن يكون البحر جزءاً من حياتها اليومية، وأن تحمل قصة البحارة الذين يعيشون اليوم بين عشقهم للمهنة وخوفهم من مستقبلها.

تقف سعيدة قرب البحر، تتحدث عنه كما لو أنها تتحدث عن فرد من عائلتها. تعرف رائحته وتقلباته، لكنها تعرف أيضاً أن شيئاً تغير.

تقول: “البحر هو خبزنا. هو الذي ربانا وعشنا منه. نحن لا نعرف مهنة أخرى. لكن البحر اليوم لم يعد كما كان. في السابق كان الصياد يخرج ويعرف تقريباً ماذا سيعود به. اليوم نخرج ولا نعرف ماذا سنجد. أحياناً نقضي ساعات طويلة ونعود بكمية قليلة لا تغطي حتى مصاريف الرحلة.”

وتضيف: “المشكلة ليست فقط في نقص السمك، بل في أن كل شيء تغير. المواسم تغيرت، أماكن وجود الأسماك تغيرت، وحتى البحر نفسه تغيرت ألوانه وحركته. نحن نلاحظ هذه الأشياء قبل أن تأتي الدراسات، لأننا نعيشها كل يوم.”

بالنسبة الى سعيدة، فإنّ تراجع موارد البحر ليس مجرد خسارة اقتصادية، بل تهديد لطريقة حياة كاملة.

تقول: “عندما يقلّ الصّيد، لا يتضرّر الصيّاد وحده. تتضرّر العائلات التي تنتظر رزقه، والنّساء اللّواتي يعملن في تحويل المنتجات البحرية، وكلّ شخص مرتبط بهذه الدورة. البحر كان مدرسة وحياة ومورد رزق، واليوم نخاف على مستقبل أبنائنا فيه.”

حين يختل ميزان البحر… تتغير حياة قرقنة

في قرقنة، لم يعد تغيّر البحر يقتصر على تراجع خط الساحل أو اختفاء أجزاء من الشواطئ، بل أصبح يمتد إلى أعماق المنظومة البحرية نفسها. فالمياه التي ترتفع حرارتها عاماً بعد آخر تغيّر ملامح الحياة تحت السطح، وتدفع العديد من الكائنات البحرية إلى البحث عن بيئات أكثر ملاءمة، بينما تتراجع أنواع أخرى اعتاد الصيادون على وجودها منذ عقود.

وتؤكد الأستاذة الباحثة في علوم البحار لبنى بودية أن ما يرويه البحارة اليوم ليس مجرد انطباعات شخصية، بل يمثل مؤشرات ميدانية تتقاطع مع ما توثقه الدراسات العلمية حول تأثيرات التغير المناخي في البحر الأبيض المتوسط. وتوضح أن ارتفاع درجة حرارة المياه يغيّر توزيع العديد من الأنواع البحرية، ويؤثر في نسب الأكسجين الذائب في البحر، ويُربك دورات التكاثر والسلاسل الغذائية، وهو ما ينعكس مباشرة على وفرة الثروة السمكية واستقرار المنظومات البيئية الساحلية.

وتضيف أنّ هذه التحولات لا يمكن فصلها عن الضغوط البشرية المتراكمة، مثل الصيد الجائر، والتلوث، وتدهور المواطن البحرية الحساسة كحقول البوسيدونيا، إذ تتداخل جميعها لتفاقم هشاشة النظام البيئي في قرقنة، وتجعل قدرته على التجدد أكثر محدودية.

ولا تقف تداعيات هذه التغيرات عند الجانب البيئي، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي للجزيرة. فمع تراجع المخزون السمكي وتقلص مداخيل الصيد، تجد مئات العائلات نفسها أمام واقع اقتصادي أكثر هشاشة، في جزيرة ظل البحر فيها لعقود المصدر الرئيسي للرزق والهوية. وتشير لبنى بودية إلى أن فقدان الموارد الطبيعية لا يهدد فقط التنوع البيولوجي، بل يمس أيضاً جودة حياة السكان واستقرارهم الاجتماعي، لأن تدهور البيئة البحرية يعني بالضرورة تراجع فرص العمل وازدياد الضغوط على المجتمعات المحلية.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح التغير المناخي عاملاً غير مباشر في إعادة تشكيل المسارات الاجتماعية داخل الجزيرة. فضعف النشاط الاقتصادي، خاصة لدى الشباب المرتبطين بقطاع الصيد، يدفع كثيرين إلى البحث عن بدائل خارج قرقنة، سواء عبر الهجرة الداخلية أو الخارجية. ومع محدودية فرص التشغيل وتزايد الإحساس بانسداد الأفق، تجد شبكات الهجرة غير النظامية أرضية أكثر خصوبة لاستقطاب الشباب، مستفيدة من هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت التغيرات البيئية في تعميقها. وهكذا لا يعود البحر مجرد ضحية للتغير المناخي، بل يتحول أيضاً إلى أحد العوامل التي تعيد رسم مستقبل سكان الجزيرة، وتهدد السلم الاجتماعي الذي ظل لعقود قائماً على التوازن بين الإنسان وموارده البحرية.

من بحر الوفرة إلى بحر الانتظار

يتذكر البحارة الأكبر سنّا سنوات كان فيها البحر أكثر عطاءً. كانوا يعرفون أماكن تجمع الأسماك، ويعتمدون على مواسم مستقرة تقريباً. أما اليوم، فأصبح البحر يحمل الكثير من المفاجآت.

يقول الصياد الشاب كمال بن سالم: “أبي و جدّي عاشا من البحر. نحن نواصل نفس الطريق، لكن الظروف أصبحت أصعب. تغيرت أماكن الصيد، تغيرت المواسم، وحتى البحر الذي نعرفه لم يعد كما كان.”

هذه التحولات لا تعني فقط انخفاضاً في المداخيل، بل تهدد أيضاً استمرار مهنة متجذرة في ثقافة قرقنة. فالصيد البحري هنا ليس نشاطاً اقتصادياً فقط، بل هو جزء من هوية الجزيرة، ومن طرق العيش التي انتقلت بين الأجيال.

ورغم الصعوبات، لا يرى أبناء قرقنة أنفسهم ضحايا فقط، بل يعتبرون أنفسهم حراساً للبحر. فسعيدة الصامت تؤكد أن حماية المورد البحري أصبحت ضرورة قبل أن تكون خياراً.

تقول: “نحن أول من يخاف على البحر، لأن حياتنا مرتبطة به. إذا ضاع البحر ضاع رزقنا. نحتاج إلى حماية الثروة البحرية، إلى تنظيم الصيد، وإلى أن يفهم الجميع أن البحر ليس مخزناً لا ينتهي.”

وتضيف: “نحن نريد أن يبقى أبناؤنا قادرين على العيش من البحر كما عشنا نحن. البحر أعطانا الكثير، لكن يجب أن نحافظ عليه حتى يستمر في العطاء.”

في قرقنة، تكشف قصة سعيدة الصامت أن أزمة المناخ ليست مجرد أرقام وتقارير، بل هي وجه صياد ينتظر عودة المركب، ويد امرأة تعرف أن رزق عائلتها مرتبط بحركة الأمواج، وقلق مجتمع كامل يخشى أن يفقد العلاقة التي صنعته. فحين يتغير البحر، لا يتغير لون الماء فقط… بل تتغير حياة الناس الذين بنوا وجودهم كله على مده وجزره.

بالنسبة الى الخبراء، فإنّ ما يحدث في قرقنة ليس ظاهرة معزولة، بل جزء من أزمة عالمية تضرب المناطق الساحلية.

فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ذوبان الجليد في المناطق القطبية وتمدد مياه البحار، ما يساهم في ارتفاع مستوى سطح البحر.

في البحر المتوسط، تشير التقارير العلمية إلى أن ارتفاع مستوى البحر قد يصبح من أكبر المخاطر التي تواجه المدن والجزر الساحلية خلال العقود القادمة. وتتوقع النماذج المناخية أن تواجه المناطق الساحلية المتوسطية ارتفاعاً تدريجياً في مستوى البحر خلال القرن الحالي، مع اختلاف السيناريوهات حسب تطور الانبعاثات الغازية عالمياً.

بالنسبة لقرقنة، فإن الخطر مضاعف لأن الجزيرة تجمع بين:

  • ارتفاع مستوى البحر.
  • تراجع السواحل.
  • ندرة المياه.
  • ملوحة الأراضي.
  • الضغط على الموارد الطبيعية.
  • اعتماد جزء كبير من السكان على البحر.

المجتمع المدني في القراطن… حين يرفض أبناء الجزيرة انتظار الكارثة

في القراطن، لا ينتظر السكان أن تصبح صور الغرق حقيقة يومية حتى يتحركوا. هنا، حيث يلتقي البحر بالبيوت، وحيث يعرف الناس حركة المد والجزر أكثر مما يعرفون تفاصيل الخرائط، تحوّل القلق البيئي إلى فعل ميداني. فقبل أن تصبح أزمة تآكل الساحل وارتفاع مستوى البحر موضوعاً للنقاشات العلمية فقط، كان أبناء المنطقة يرون بأعينهم تغيرات تحدث أمامهم: شاطئ يتراجع، مياه تقترب، موارد بحرية تنقص، ومجال طبيعي هش يحتاج إلى من يدافع عنه.

من بين الأصوات التي اختارت أن تحمل همّ المكان جمعية القراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه، وهي جمعية محلية تأسست سنة 2014، وتنشط في مجالات التنمية المحلية والثقافة والبيئة، كما ارتبط عملها في السنوات الأخيرة بقضايا حماية الساحل والموارد البحرية والتوعية بأهمية المحافظة على المنظومة البيئية في الأرخبيل.

بالنسبة لأعضاء الجمعية، فإن الدفاع عن قرقنة لا يبدأ فقط من الشاطئ، بل من تغيير علاقة الإنسان بالمكان. فالمشكلة، كما يقولون، ليست فقط في تقدم البحر، بل أيضاً في الطريقة التي يتم بها التعامل مع الساحل والموارد الطبيعية.

يقول حمدي ملاط، عضو جمعية القراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه: “نحن نعيش التحولات قبل أن تصل إلينا التقارير. البحر أمام أعيننا يتغير، والسكان يرون ذلك يومياً. هناك أماكن كانت بعيدة عن المياه وأصبحت اليوم مهددة، وهناك مناطق فقدت جزءاً من شاطئها. لا يمكن أن ننتظر حتى تصبح المشكلة كارثة حتى نبدأ في التحرك.”

ويضيف: “الجزيرة تحتاج إلى رؤية طويلة المدى. لا يكفي أن نتدخل بعد العاصفة ونصلح الأضرار. يجب أن نعمل على الوقاية، على حماية النظام الطبيعي الذي كان يحمي قرقنة لسنوات طويلة.”

“نحن نعيش التحولات قبل أن تصل إلينا التقارير. البحر أمام أعيننا يتغير، والسكان يرون ذلك يومياً. هناك أماكن كانت بعيدة عن المياه وأصبحت اليوم مهددة، وهناك مناطق فقدت جزءاً من شاطئها. لا يمكن أن ننتظر حتى تصبح المشكلة كارثة حتى نبدأ في التحرك.”

حمدي ملاط، عضو جمعية القراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه

القراطن… من قرية بحرية إلى مختبر للتغيرات المناخية

في القراطن، تبدو العلاقة بين الإنسان والطبيعة أكثر وضوحاً من أي مكان آخر. فالسكان يعيشون بالقرب من البحر، ومنازلهم ومشاريعهم واقتصادهم مرتبطون مباشرة بحالته. لكنّ هذا القرب أصبح اليوم مصدر هشاشة.

يتحدث حمدي سويسي، أحد الناشطين في الجمعية، عن التحولات التي عاشتها المنطقة: “قبل سنوات كان الحديث عن تراجع الساحل يبدو للبعض مبالغاً فيه، لكن اليوم أصبح الجميع يرى ذلك. عندما تصل المياه إلى أماكن لم تكن تصلها سابقاً، وعندما تصبح بعض المنشآت مهددة، فإن الأمر لم يعد مجرد تخوف بل أصبح واقعاً.”

وتابع: “نحن لا نريد تخويف الناس، لكن نريد أن يكون هناك وعي. قرقنة ليست منطقة عادية، هي جزيرة منخفضة، وأي تغير في البحر يؤثر عليها بسرعة.”

وقد عبّرت الجمعية في مناسبات مختلفة عن مخاوفها من تدهور الوضع البيئي البحري والساحلي، كما طالبت بحماية الموارد البحرية ومواجهة ممارسات تهدد الثروة البحرية، خاصة ما يتعلق بالصيد غير المستدام الذي يؤثر على مستقبل البحارة.

لم يقتصر عمل الجمعية على إصدار البيانات أو التنبيه إلى المخاطر، بل حاولت تحويل السكان، وخاصة الشباب والأطفال، إلى شركاء في حماية الجزيرة. ففي مجتمع مثل قرقنة، حيث يرتبط الجميع بالبحر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تصبح التوعية البيئية جزءاً من حماية المستقبل.

يشرح حمدي ملاط: “نحن نؤمن أن الحل لا يأتي فقط من الإدارة أو الخبراء. السكان أنفسهم يجب أن يكونوا جزءاً من الحل. الصياد يعرف البحر، والمرأة التي تعمل في المنتجات البحرية تعرف تغيراته، والأطفال الذين يكبرون هنا يجب أن يفهموا قيمة هذا المكان.”

ويضيف: “نحاول أن نشرح أن حماية البحر ليست قضية بيئية فقط، بل هي قضية اقتصادية واجتماعية. عندما نحمي البحر نحن نحمي مورد رزق العائلات.”

قرقنة تبحث عن طريق ثالث… بين جدران الإسمنت وذكاء الطبيعة

في قرقنة، لم يعد تراجع الساحل مجرد مشهد يتابعه السكان من بعيد، بل أصبح واقعاً يومياً يغيّر شكل الجزيرة وعلاقة أهلها بالبحر. فهذه الجزر المنبسطة، الواقعة في خليج قابس قبالة سواحل صفاقس، تعد من أكثر المناطق التونسية هشاشة أمام ارتفاع مستوى سطح البحر والتغيرات المناخية. ومع ارتفاع حرارة البحر وتزايد الظواهر المناخية القصوى، أصبح الساحل القر قني يعيش ضغطاً متزايداً بين عوامل طبيعية متسارعة وتدخلات بشرية غيّرت تدريجياً التوازن الذي حافظ على الجزيرة لعقود.

يقول الأستاذ سمير القبايلي، أستاذ الجغرافيا والمهتم بتحولات المجال الساحلي في قرقنة، إن ما يحدث اليوم هو نتيجة مسار طويل من التغيرات التي مست ديناميكية الساحل. فالساحل، حسب قوله، ليس خطاً ثابتاً يفصل بين البحر واليابسة، بل فضاء متحرك يتغير باستمرار تحت تأثير الرياح والتيارات البحرية والأمواج وحركة الرواسب. وعندما تختل هذه الديناميكية، يبدأ البحر في استعادة المساحات التي كانت تحميها الطبيعة سابقاً.

أمام هذا التراجع، تم اللجوء خلال السنوات الماضية إلى حلول هندسية لحماية بعض المناطق الأكثر تعرضاً للخطر، عبر إنشاء حواجز صخرية وإسمنتية في عدد من المواقع، من بينها أولاد قاسم، والرملة جهة الخليج، وأولاد يانق. وكان الهدف الأساسي من هذه المنشآت هو تقليل قوة الأمواج والحد من تقدم البحر نحو المناطق السكنية والممتلكات.

لكن هذه الحلول، رغم أهميتها في بعض المواقع، أظهرت أيضاً أن التعامل مع الساحل بمنطق المواجهة المباشرة قد تكون له انعكاسات غير متوقعة. فالحواجز الصلبة تغيّر حركة المياه والرواسب، وقد تؤدي في بعض المناطق إلى تراكم الطمي وركود المياه الضحلة المقابلة لها، ما يخلق ظروفاً تساعد على تدهور جودة المياه وظهور روائح كريهة نتيجة تحلل المواد العضوية وضعف تجدد المياه.

وتوضح الباحثة في علوم البحار بجامعة صفاقس، الأستاذة لبنى بودية، أن المشكلة الأساسية تكمن في النظر إلى الساحل كمساحة يجب تثبيتها فقط، في حين أنه نظام بيئي معقد يحتاج إلى حلول متكاملة. فالتدخلات الهندسية يمكن أن تكون ضرورية في مناطق محددة لحماية منشآت أو تجمعات سكانية، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب العميقة لتراجع الساحل.

وتشير بودية إلى أن ارتفاع مستوى سطح البحر، وارتفاع درجات حرارة المياه، وتغير أنماط العواصف، كلها عوامل تضغط على الأنظمة الساحلية، لكن تأثيرها يصبح أكبر عندما تترافق مع فقدان عناصر الحماية الطبيعية، مثل الكثبان الرملية والنباتات الساحلية والمناطق الرطبة.

وتضيف أن الساحل كان يمتلك تاريخياً آليات طبيعية للدفاع عن نفسه. فالكثبان الرملية لم تكن مجرد تلال من الرمال، بل كانت بمثابة حاجز طبيعي يمتص جزءاً من طاقة الأمواج ويساعد على تخزين الرمال. كما أن النباتات الساحلية المتأقلمة مع الملوحة كانت تلعب دوراً في تثبيت التربة وتقليل انجرافها. لكن تراجع هذه النظم بسبب البناء قرب البحر، وإزالة الغطاء النباتي، وتغير استخدامات الأراضي، جعل الساحل أكثر هشاشة أمام الضغوط المناخية.

لهذا السبب، يتجه العالم اليوم نحو ما يعرف بـ”الحلول القائمة على الطبيعة”، وهي مقاربة لا تحاول إيقاف البحر بالقوة، بل تعمل على استعادة قدرة الأنظمة الطبيعية على حماية نفسها. وفي قرقنة، يعني ذلك إعادة الاعتبار للكثبان الرملية، وحمايتها من التدهور، وتشجيع نمو النباتات الساحلية المحلية القادرة على تحمل الملوحة والجفاف، إضافة إلى المحافظة على المناطق الرطبة والسبخات التي تمثل خزانات طبيعية للتوازن البيئي.

فكلما حافظنا على الكثيب الرملي وعلى الغطاء النباتي المرتبط به، زادت قدرة الساحل على مقاومة التعرية. هذه الحلول لا تعطي نتائج سريعة مثل بناء جدار إسمنتي، لكنها تعمل على المدى الطويل لأنها تعيد بناء العلاقة الطبيعية بين البحر واليابسة.

ويؤكد حمدي ملاط، أحد أبناء الجزيرة والناشط في المجتمع المدني، أن حماية قرقنة لا يمكن أن تتم دون إشراك سكانها الذين عاشوا تحولات البحر جيلاً بعد جيل. بالنسبة إليه، القضية تتجاوز حماية الشاطئ لتصل إلى حماية هوية كاملة.

يقول ملاط: “قرقنة ليست مجرد أرض. هي طريقة حياة. عندما نتحدث عن حماية الساحل فنحن نتحدث عن حماية الإنسان الذي يعيش هنا، عن ثقافته، عن البحر الذي ورثه عن أجداده.”

فكل متر يتراجع من الساحل يحمل معه أثراً اجتماعياً واقتصادياً: صياد يضطر إلى تغيير مناطق نشاطه، عائلة تقلق على منزلها القريب من البحر، وشباب يرون مستقبل الجزيرة مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على مواردها الطبيعية.

ولهذا فإن مستقبل قرقنة يحتاج إلى تجاوز فكرة الاختيار بين الإسمنت والطبيعة. فالحماية الناجحة قد تتطلب مزيجاً من التدخلات: حلول هندسية مدروسة في الأماكن التي تستدعي ذلك، وحلول طبيعية تعيد للساحل قدرته على التكيف. كما تتطلب مراقبة علمية مستمرة لتغيرات الشريط الساحلي، والحد من البناء العشوائي، وإعادة تأهيل المناطق المتدهورة.

في مواجهة بحر أكثر دفئاً وأكثر قوة، لا تبدو المعركة الحقيقية هي إيقاف البحر، بل استعادة التوازن معه. فقرقنة لا تحتاج إلى جدران فقط، بل تحتاج إلى استعادة ذاكرتها الطبيعية التي جعلتها تصمد أمام البحر طوال قرون.

الكاتبة : مبروكة خذير

صحفية مصورة، خبيرة دولية و مدربة في مجال الإعلام.

اشراف : وليد الماجري
غرافيك: منال بن رجب
تطوير تقني: بلال الشارني
تطوير تقني: بلال الشارني
اشراف : وليد الماجري
غرافيك : منال بن رجب

الكاتبة : مبروكة خذير

صحفية مصورة، خبيرة دولية و مدربة في مجال الإعلام.

mabrouka-213x213
Scroll to Top