كيف بدّلت التغيّرات المناخيّة واقع الغابات في تونس؟

التهمت هذه الصائفة الحرائق جبال الكاف وزغوان وجندوبة والقصرين وحاصرت ألسنة اللهب الغابات التونسية على طول البلاد وعرضها. وفي ظل تسارع التغيرات المناخية يبدو المجال الغَابي في تونس، أمام مستقبل أكثر هشاشة إذ يُتوقع أن تتكرر الحرائق كل عام وأن تصبح أكثر حدة واتساعا نتيجة موجات الحر والجفاف المتزايدة.

الكاتب : مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

ترجّح التقديرات العلمية أن هذا الصيف الحارق الذي نعاني فيه اليوم ظروف حياة شديدة القسوة قد يكون أبرد مقارنة بالصيف المقبل. وهذا الارتفاع غير الطبيعي في درجات حرارة الطقس سوف يصبح السمة الدائمة للمُناخ التونسي.

وباتت الجبال في الشمال الغربي والشرقي والغابات في ضواحي العاصمة (ڨمرت وحمام الأنف ومرناڨ وزغوان…) مهددة بأن تصبح مناطق قاحلة وأرَاضي منزوعة الحياة، وكل تلك الأصناف النباتية والحيوانات البرية يمكن أن تنقرض حيث من المرجّح أن تتحوّل الأشجار إلى بقايا خشب متفحمة ورئة تونس إلى أرض مُختنقة وفاقدة لكل أشكال الحياة، وربما تتحول الأراضي الخصبة النابضة بالجمال والحياة إلى أراضي جَدباء يابسة لا ماء ولا خضرة فيها.

علاوة على أهميته البيئية يحظى المجال الغَابي في تونس بأهمية اقتصادية واجتماعية محورية عند فئة مهمة من المجتمع التونسي، حيث يعيش قرابة مليون مواطن تونسي ضمن هذا الفضاء الحيوي الذي يمثل مجال عيشهم وعملهم في ذات الوقت. هذه الفئة من التونسيين تعيش تحت وطأة هشاشة مركبة تبدأ من غياب التنمية وقساوة الجغرافيا وصولا إلى كونها في الخط الأول في مواجهة التغيرات المناخية.

الكاتب : مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

ترجّح التقديرات العلمية أن هذا الصيف الحارق الذي نعاني فيه اليوم ظروف حياة شديدة القسوة قد يكون أبرد مقارنة بالصيف المقبل. وهذا الارتفاع غير الطبيعي في درجات حرارة الطقس سوف يصبح السمة الدائمة للمُناخ التونسي.

وباتت الجبال في الشمال الغربي والشرقي والغابات في ضواحي العاصمة (ڨمرت وحمام الأنف ومرناڨ وزغوان…) مهددة بأن تصبح مناطق قاحلة وأرَاضي منزوعة الحياة، وكل تلك الأصناف النباتية والحيوانات البرية يمكن أن تنقرض حيث من المرجّح أن تتحوّل الأشجار إلى بقايا خشب متفحمة ورئة تونس إلى أرض مُختنقة وفاقدة لكل أشكال الحياة، وربما تتحول الأراضي الخصبة النابضة بالجمال والحياة إلى أراضي جَدباء يابسة لا ماء ولا خضرة فيها.

علاوة على أهميته البيئية يحظى المجال الغَابي في تونس بأهمية اقتصادية واجتماعية محورية عند فئة مهمة من المجتمع التونسي، حيث يعيش قرابة مليون مواطن تونسي ضمن هذا الفضاء الحيوي الذي يمثل مجال عيشهم وعملهم في ذات الوقت. هذه الفئة من التونسيين تعيش تحت وطأة هشاشة مركبة تبدأ من غياب التنمية وقساوة الجغرافيا وصولا إلى كونها في الخط الأول في مواجهة التغيرات المناخية.

ماذا نعني بالمجال الغَابي في تونس؟

يعتبر المجال الغابي في تونس أحد أهم المقومات البيئية والاقتصادية للبلاد، إذ تمتد الغابات والمراعي الغابية على نحو 1.2 مليون هكتار وتوفر مجالا للعيش لما بين 700 ألف ومليون تونسي، تساهم بنحو 1.4% من الناتج الداخلي الخام و14% من الناتج الفلاحي، وفق معطيات الإدارة العامة للغابات.

تتوزع هذه المنظومة البيئية بين غابات الفلين والزَان في جبال خمير، والصنوبر الحلبي الذي يغطي مساحات واسعة من الوسط والشمال الغربي. إلى جانب العَرعار والبلوط والكَالاتوس والسَنط والطلح، وهي أصناف نباتية تؤدي أدوارا حيوية في حماية التربة ومقاومة التصحر والحفاظ على التنوع البيولوجي، فضلا عن قيمتها الاقتصادية في إنتاج الأخشاب والفلين والزقوقو… وتوفير فرص عمل موسمية أو دائمة لسكان هذه المناطق الأقل حظا في معدلات التنمية على مستوى وطني.

إضافة إلى أنها مجال الرعي التاريخي (الأغنام والأبقار والماعز) حيث يعمل عدد مهم من العائلات التونسية في هذا المجال. ويعتبر الرعي التقليدي غيرالمُكثف أو الجائر مفيدا للغَابات ضمن “مفهوم الرَعي الوقائي” حيث تشير دراسات علمية إلى أنّ الماعز يمكنها استهلاك ما بين 3 إلى 5 كغ من النباتات يوميا، مما يجعل قطيعا من 100 رأس قادرا على إزالة أكثر من 100 طن من الكتلة النباتية القابلة للاشتعال (خاصة الحشائش والأوراق اليابسة) خلال موسم الرعي.

إذن في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة وتطول فيه موسم الحرائق، قد يكون الاستثمار في الرعي التقليدي ودعم المربين أحد أكثر الحلول الطبيعية كفاءة واستدامة، وأقلها تكلفة للحد من خطر حرائق الغابات وأفضلها من زاوية الحفاظ على التناغم بين النشاط الإنساني والطبيعة والحفاظ على مورد اقتصادي مُتجدد.

يتركز أيضا عدد أخر من الأنشطة الاقتصادية خاصة أنماط الاقتصاد الاجتماعي التضامني في القرى والمدن الجبلية (عين دراهم، طبرقة، زغوان نفزة…)التي تمارسها أساسا التعاونيات الفلاحية والشركات الصغرى (أغلبهم من النساء المحليات) مثلا في تحويل الحشائش الطبية والأعشاب والنباتات العطرية البرية مثل الاكليل والزعتر… إلى زيوت روحية ومواد التجميل. دون أن ننسى إزدهار السياحة الايكولوجية وأنشطة التخييم المنظم، حيث أصبحت السياحة الجبلية والإقامات الريفية ودور الضيافة تمثل نسبة 9 بالمِئة من إجمالي خيارات الإيواء في السوق التونسية حسب أرقام المجمع المهني للإقامات البديلة.

جميع هذه الأنشطة مرتبطة عضويا بالمجال الغابي وفي حالة خسارة هذا المجال، سوف تندثر كل هذه المِهن والاستثمارات الصُغرى وفُرص العمل (الشحيحة من الأساس) لسكان الغابات في تونس.

يواجه الآن وهنا هذا الرصيد الطبيعي الغَابي تحديات جمّة ومتفَاقمة تتمثل أساسا في تراجع برامج التشجير المنظمة وعشوائية عدد من مبادرات إعادة التشجير (بسبب غياب المعرفة العلمية والتخطيط الدقيق من أهل الاختصاص) التي قد تفاقم الأزمة بدل حلها إضافة إلى رفض السلطة السياسية الحالية لكافة الأجسام الوسطية وبالتالي ضعف أو شبه غياب التعاون مع المجتمع المدني والتضييق عليه وهو ما أدى إلى ضعف تدخله في حماية المجال الغَابي، زاد عليها المشكلة القديمة المتجددة وهي القَطع العشوائي للأشجار (التحطيب الذي يقوم به في الأغلب السكان المحليين خاصة في الشتاء)، والضعف الواضح للعِيان في علاقة بالإمكانيات البشرية واللوجستية المخصصة لحماية الغابات(عدم وجود طائرات إطفاء متخصصة مثل طائرة الكنادير).

وقد زاد الطين بلة تزايد حرائق الغابات بسبب تحالف العوامل البشرية والطبيعة ولعل أهمها: تأثير موجات الحر والجفاف المرتبطة بالتغيرات المناخية وغياب سياسات عمومية واضحة لمقاومة هذه المخاطر المحدقة بالغابات في تونس.

في محاولة لتَثمين وحماية هذا الرصيد الطبيعي الغَني عملت الدولة التونسية (وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري ووزارة البيئة) على إحداث شبكة متكونة من 17 حديقة وطنية و27 محمية طبيعية تشرف عليها الإدارة العامة للغابات، تمتد من إِشكل والفَايجة وعين الزانة إلى الشعانبي وسمامة ومغِيلة وبُوهدمة وسِيدي التوي وجبيل، وصولا إلى المحميات البحرية بجزر زمبرة وزِمبرتة وجالطة. ويجب التأكيد على أن هذه المحميات والحدائق الوطنية منتشرة على كافة التضاريس التونسية ( غابات وصحراء وجزر وموائل…) لا فقط المجال الغابي.

تهدف جميع هذه الفضاءات المحمية إلى صون التنوع البيولوجي، وحماية الأنواع النباتية والحيوانية المهددة والمحافظة على التوازنات البيئية والموارد المائية والتربة.

عندما نتحدث عن الغابات، لا ينبغي أن ننسى سكانها الأصليين الذين عمروا هذه المنظومات البيئية قبل الإنسان بآلاف السنين. فالغَابات أساسا موطن طبيعي لمئات الأنواع من الحيوانات: الثدييات والطيور والزواحف والحشرات التي تشكل مع الغطاء النباتي منظومة طبيعية متكاملة تحفظ التوازن البيئي.

ومن بين هذه الحيوانات المنتشرة في الغابات التونسية نجد مثلا : الأيل البربري والخنزير البري والضبع المخطط وابن آوى الذهبي والثعلب الأحمر والقط البري … وجميعها من أبرز الحيوانات التي ما تزال تجد في الغابات التونسية ملاذا لها.

إلى جانب هذه الثدييات تعيش عشرات الطيور المستقرة والمهاجرة والأنواع النادرة… غير أن هذه الكائنات أصبحت تدفع الثمن الأكبر لحرائق الغابات والتغيرات المناخية مما أدى إلى تدهور مواطنها الطبيعية، إذ تلتهم النيران غذاءها ومَلاجئها وتدفعها إلى الهروب أو النفوق، في خسارة لا تقل خطورة عن خسارة الأشجار نفسها، لأن احتراق الغابة يعني أيضا انهيار منظومة حياة كاملة تشكلت عبر آلاف السنين.

هذا التنوع المهم خلق ضرورة حماية كل جوانب الحياة في الجبال والغابات التونسية، وهو ما أكده. مدير الحماية بالإدارة العامة للغابات، الصحبي بالضياف، في تصريح سابق لوكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات)، ” الغابات والجبال التونسية تحتضن ثلاثة أصناف رئيسية من الحيوانات البرية، تتمثل في حيوانات المصيد، مثل الأرنب البري والخِنزير البري والحَجل والبط والوز، والحيوانات المحمية، وفي مقدمتها الغزال البري، إضافة إلى بعض الأنواع التي قد تتسبب في أضرار للمحاصيل الزراعية، على غرار طائر الزرزور.

ويشير إلى أن هذه الغابات تمثل الموطن الطبيعي لهذه الأنواع، إذ توفر لها شروط العيش والتكاثر، موضحًا أن وزارة الفلاحة تضبط مواسم الصيد وفق قرارات تهدف إلى المحافظة على الثروة الحيوانية البرية والحد من استنزافها.

ويضيف أن جهود الإدارة العامة للغابات لا تقتصر على إخماد الحرائق، وإنما تمتد إلى التخفيف من آثارها على الحياة البرية، من خلال إحداث نقاط مياه داخل الغابات لضمان تزويد الحيوانات بالمياه، خاصة خلال فترات الجفاف وتراجع الموارد المائية الطبيعية.

ويبيّن بالضياف أن الحياة البرية تواجه نوعين من التهديدات: الأول مرتبط بالتغيرات المناخية وما ينتج عنها من موجات حر وحرائق واسعة تؤدي إلى تدمير المواطن الطبيعية، والثاني ناتج عن الممارسات البشرية، مثل الصيد العشوائي والاعتداء على الأعشاش وأوكار الحيوانات واستعمال المواد المضرة بالبيئة، داعيًا رواد الغابات وسكان المناطق المجاورة إلى المساهمة في حماية هذا الرصيد الطبيعي.’

يجب الإشارة أن أهمية الغابات التونسية تتجاوز كونها فضاء رئيسي للتنوع البيولوجي، فهي تؤدي دورا محوريا في تنظيم المُناخ المحلي والتخفيف من آثار التغيرات المناخية.

حيث يعمل الغطاء النباتي الغابي على امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، وإنتاج الأكسجين، وخفض درجات الحرارة عبر توفير الظل والحفاظ على رطوبة التربة، والحد من انجرافها وحماية الموارد المائية من التدهور. وتكتسب هذه الوظائف أهمية متزايدة في ظل تزايد موجات الحر والجفاف التي تشهدها تونس خلال السنوات الأخيرة والمرجح حسب التقارير العلمية المختصة أن تستمر وتزداد حدتها من سنة إلى أخرى.

وهذا ما أشار إليه ونبه من خطورته تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحت عنوان ” مجلة الغابات والإدارة المستدامة للمجال الغابي : قراءة نقدية ومقترحات تنقيح”

حيث خلص التقرير إلى ضرورة القيام بمراجعة شاملة لمجلة الغابات وفق مقاربة تدمج الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية، بما ينسجم مع التحديات الجديدة التي فرضتها التغيرات المناخية. ويعتبر التقرير أن الإطار التشريعي الحالي، الذي تعود بداية وجوده إلى القرن الماضي تحديدا سنة 1966 رغم تنقيحه في أعوام 1988 و2001 و2015 و2020، لم يعد قادرا على مواكبة واقع يتسم بتفاقم حرائق الغابات وتدهور الغطاء النباتي، واشتداد تأثيرات التغير المناخي، الأمر الذي يفرض اعتماد سياسات أكثر نجاعة لحماية الغابات باعتبارها أحد أهم خطوط الدفاع الطبيعية في مواجهة الاحترار العالمي. ويتطلب فلسفة تشريع ونص قانوني ينتمي لعصر التغيرات المناخية وتوفر مُرتكزا قَانونيا لحِماية هذه الثروة الطبيعية للأجيال الحالية و القادمة.

كشف التقرير على حقائق مفزعة تؤكد ضرورة دق ناقوس الخطر والإسراع في وضع وتطبيق سياسات عمومية مُحينة تحمي المجال الغابي بمختلف مكوناته (سكان المجال الغَابي والغابة والحيوان). حيث أكد التقرير على أن الغابات في تونس، لا تغطي سوى نحو 1% من المساحة الجملية للبلاد التونسية، وترزح تحت وطأة ضغوط متزايدة خاصة بفعل التغيرات المناخية، في ظل الارتفاع المتواصل في درجات الحرارة (الاحترار المناخي) وتكرَار موجات الجفاف، وهو ما انعكس في تصاعد غير مسبوق لحرائق الغابات خلال السنوات الأخيرة.

وتشير المعطيات في ذات التقرير إلى أن المعدل السنوي للحرائق ارتفع من نحو 200 حريق إلى أكثر من 400 حريق في بعض المواسم، مع تسجيل سنوات استثنائية التهمت فيها النيران عشرات الآلاف من الهكتارات.

تكشف كل هذه المعطيات المتوفرة أن مستقبل الغابات التونسية أصبح مرتبطا بشكل واضح وصريح، بقدرة السياسات العمومية على التكيف مع واقع مناخي جديد (يتحول تدريجيا إلى واقع دائم) يتسم بارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات وتزايد تواتر الحرائق.

بمعنى أن المقاربة التقليدية القائمة على التدخل بعد اندلاع الحرائق لم تعد كافية في ظل تسارع المخاطر المناخية، وهو ما يفرض إعطاء الأولوية للوقاية، وإعادة تأهيل المنظومات الغابية وتحسين وسائل الرصد والإنذار المبكر، وأيضا مراجعة الإطار التشريعي المنظم للمجال الغَابي بما يراعي التحولات البيئية الراهنة.

إذن تؤكد جميع المؤشرات المسجلة خلال السنوات الأخيرة أن استمرار تراجع الغطاء الغابي لا يمثل فقط خسارة في المساحات المشجرة وإنما يؤدي إلى تدهور “الخدمات البيئية” (الدور الطبيعي) التي توفرها الغابات، من تخزين الكربون وحماية التربة والموارد المائية والمحافظة على التنوع البيولوجي وتعديل المناخ وهي وظائف تكتسب أهمية متزايدة مع اشتداد تأثيرات التغيرات المناخية على مختلف جوانب الحياة في تونس.

حرائق الغابات الكابوس المتكرر كل صيف

يبدو أن صعوبة المسالك الغابية، وغياب التنمية وارتفاع نسب البطالة والفقر في المناطق الغابية إلى جانب الاحترار المناخي، المتمثل في درجات الحرارة القياسية التي تشهدها تونس خلال السنوات الأخيرة، لم تكن كافية لإِثقال كاهل نحو مليون مواطن تونسي يعيشون داخل المجال الغَابي أو على تخومه.

حيث تحولت حرائق الغابات من حوادث ظرفية إلى أحداث موسمية متكررة خلال فصل الصيف. مثلا خلال الصيف الحالي تجاوز عدد الحرائق المسجلة 35 حريقا بين بداية جوان ونهاية جويلية ممتدة تقريبا على كل المناطق الغابية، وأتت النيران على نحو 4400 هكتار من الغابات، مقابل حوالي 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من السنة الماضية وفق معطيات الإدارة العامة للغابات.

تكشف هذه الأرقام إذن أن الحرائق أصبحت أحد أبرز مظاهر تأثير التغيرات المناخية على المجال الغَابي في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الجفاف واتساع قابلية الغطاء النباتي للاشتعال، وهو ما يضاعف الخسائر البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي تتحملها المناطق الغابية وسكانها سنة بعد أخرى.

وفي هذا السياق يؤكد لموقع الكتيبة الناشط البيئي وصاحب عدد من المبادرات في مجال حماية الغابات، حسام حمدي” أعتقد أن العامل البشري ما يزال المسؤول الرئيسي عن معظم حرائق الغابات في تونس، سواء بسبب الإهمال أو الحرائق المتعمدة (لا أحد يمكنه تقديم إجابة دقيقة)، في حين تؤدي التغيرات المناخية إلى تسريع انتشار النيران ورفع حدتها بفعل ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الغطاء النباتي. ويعتبر أن الحد من هذه الظاهرة يقتضي إعطاء الأولوية للوقاية، وتحسين مراقبة الغابات، وإشراك السكان المحليين في حمايتها، إلى جانب توفير بدائل اقتصادية مستدامة لسكان المناطق الغابية.”

تكشف أيضا المعطيات الرسمية عن تصاعد مقلق في حرائق الغابات بتونس خلال هذه الصائفة. فقد أعلنت الإدارة العامة للغابات أن النيران أتت على نحو 4400 هكتار من المساحات الغابية بين 1 ماي و23 جويلية 2026، مقابل 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة تقارب 63 بالمائة.

وأوضح المدير العام للغابات بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، محمد نوفل بن حاحا في تصريح سابق لوكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات)، أن الفترة ذاتها شهدت تسجيل 75 حريقا بالغابات و108 حرائق بالمناطق الشجرية، شملت عددا من الولايات، في مقدمتها زغوان التي تضرر فيها نحو 905 هكتارات، إلى جانب بنزرت وباجة وجندوبة والكاف وسليانة.

وأضاف أن مصالح الإدارة العامة للغابات نفذت 917 تدخلاً لإخماد الحرائق في الغابات والأراضي الفلاحية والمصبات، مقابل 620 تدخلاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يعكس ارتفاع نسق الحرائق واتساع رقعتها. وتزامنت هذه الحرائق مع موجات حر استثنائية تجاوزت خلالها درجات الحرارة 45 درجة مئوية في عدد من مناطق البلاد، وهو ما ساهم في زيادة قابلية الغطاء النباتي للاشتعال وسرعة انتشار النيران.

تضع كل هذه الواقع السياسات العمومية الخاصة بالغابات أمام تحديات جديدة، إذ لم يعد التعامل مع الحرائق يقتصر على إدارة الكوارث وإنما أصبح جزءا من سياسات التكيف أو الصمود أمام التغيرات المناخية وإدارة الموارد الطبيعية في ظل مناخ يشهد تحولات متسارعة.

يعتبر حسام حمدي أن حماية الغابات تتطلب جملة من القرارات والإجراءات ويفسرها كالتالي” إن الإجراءات المعتمدة حاليا للحد من حرائق الغابات تبقى غير كافية، بالنظر إلى محدودية الإمكانيات البشرية واللوجستية والمالية المخصصة لحماية المجال الغابي، في مقابل اتساع المساحات الغابية وارتفاع وتيرة الحرائق بفعل التغيرات المناخية.

ويرى أن مواجهة هذه الظاهرة تستوجب تعزيز قدرات الإدارة العامة للغابات على مستوى التجهيزات ووسائل الرصد والتدخل السريع، إلى جانب تكثيف أعمال الوقاية وصيانة المسالك الغابية ونقاط المياه وأبراج المراقبة واستعمال الطائرات بدون طيار في أعمال الرصد المبكر.

ويؤكد أيضًا على أهمية إشراك سكان المناطق الغابية والجمعيات المحلية في جهود الوقاية والإبلاغ المبكر، باعتبارهم الأكثر دراية بالمجال الغَابي والأسرع في رصد الحرائق عند اندلاعها، مشددًا على أن التكيف مع التغيرات المناخية يتطلب استثمارات مستدامة في حماية الغابات، باعتبارها موردا طبيعيا واقتصاديا واجتماعيا لا يمكن تعويضه”.

حرائق الكاف تكشف تصاعد خطر الحرائق

تُعدّ الكاف واحدة من أكثر ولايات الشمال الغربي تدخلا مع المجال الجبلي والغابي. تنتمي الولاية جغرافيا إلى إقليم التل العالي، تتشكل من شبكة من الكتل والمرتفعات الجبلية من أبرزها مائدة يوغرطة التي يصل ارتفاعها إلى 1271 مترًا وجبل السلاطة بنحو 1103 أمتار. وتمتد الغابات على نحو 102 ألف هكتار، أي قرابة خمس مساحة الولاية وتتركز خاصة في ساقية سيدي يوسف ودَشرة نبر والكَاف الغربية.

وأظهر تعداد سنة 2014 أن نحو 43.6% من سكان الكاف يعيشون في الوسط الريفي (قرابة 106 آلاف شخص) وجزء مهم من هؤلاء السكان إما يعيش وسط الغابات أو على سفوح الجبال ويعمل جزء هام من هؤلاء السكان في أنشطة اقتصادية مرتبطة بالمجال الغالي، خاصة النساء مثل الرعي أو جمع الزڨوڨو أو السياحة الجبلية خاصة في الربيع والشتاء، إضافة إلى جمع الحشائش وتقطير الزيوت الغابية وتربية النحل وحضائر جمع الفلين (لحاء شجرة البلوط والفرنان) الذي اشتغل فيه سكان جندوبة وباجة والكاف منذ الاستعمار وإلى يومنا الحاضر.

هذا الامتداد الغابي والجغرافي يضع الكاف هذا الصيف في صدارة الولايات الأكثر تضررًا من حرائق الغابات خلال صيف 2026. فقد قدرت الإدارة العامة للغابات المساحة التي أتى عليها حريق ساقية سيدي يوسف(الحدود الجزائرية) وحده بنحو ألفي هكتار إلى حدود 23 جويلية، في حصيلة أولية.

وتجدر الإشارة إلى أنه قبل انتقال مركز وصدارة الحرائق هذا الصيف إلى الكاف، ظلت ولاية جندوبة، وخاصة المجال الغابي الممتد حول طبرقة وعين دراهم، من أكثر المناطق التونسية تعرضا للحرائق خلال السنوات الأخيرة خاصة غابة ملّولة.

ولا يمكن النظر إلى ما يحدث في الكاف وجندوبة باعتباره سلسلة من الحرائق المنفصلة جغرافيا. فالولايتان تشكلان جزءا من مجال غابي وجبلي متصل في الشمال الغربي، بما يجعل هشاشتهما أمام موجات الحر والجفاف وارتفاع قابلية الغطاء النباتي للاشتعال مسألة تتجاوز الحدود الإدارية.

ويظهر تكرر الحرائق واتساع المساحات المتضررة أن المسألة لا تقف فقط عند ضعف قدرات الإطفاء أثناء اندلاع النيران، إنما تمتد إلى السؤال حول نجاعة السياسات العمومية في إدارة المخاطر المعلومة والمتكررة قبل بداية موسم الحرائق.

ورغم حجم الحرائق والضرر لا يمكن إنكار المجهود الميداني الواضح الذي تبذله الإدارة العامة للغابات والحماية المدنية، وخاصة في عمليات الإخماد ومحاصرة النيران وحماية السكان والتجمعات السكنية، فإن ارتفاع حجم الخسائر يكشف الحاجة إلى تطوير الجانب الاستباقي من إدارة الحرائق. ويشمل ذلك تحيين خرائط المناطق الأكثر عرضة للخطر، وتكثيف تنظيف المسالك والأحزمة الواقية وصيانتها قبل الصيف، وتعزيز نقاط المياه والمراقبة والإنذار المبكر، إلى جانب إشراك السكان القريبين من الغابات في الوقاية والتبليغ والتدخل الأولي.

تؤكد سعاد (إسم مستعار) وهي مرأة في العقد الخامس أن الغابة احترقت ومساحات من المراعي التي تعتمد عليها لتغذية الأغنام والماعز تفحمت … ، وهو ما يعني مصاريف إضافية لشراء الأعلاف خلال الأشهر المقبلة. وتقول إن الوضع الاقتصادي لهذه العائلات (جيرانها) كان صعبا من الأساس، وإن خسارة المرعى تزيد من الأعباء على صغار المربين الذين تمثل الماشية بالنسبة إلى كثير منهم أحد موارد الدخل الأساسية.

وتضيف سعاد أن الخوف كان حاضرا بقوة مع اقتراب النيران من مناطق سكنية وحقول وممتلكات الأهالي، إذ لم يكن واضحا أثناء انتشار الحريق إلى أي مدى يمكن أن تصل النيران أو ما الذي يمكن إنقاذه. كما تضرر مربو النحل، سواء بصورة مباشرة من الحرائق أو بسبب احتراق جزء من الغطاء النباتي الذي يمثل مرعى لتغذية النحل وإنتاج العسل.

في هذه المناطق التي تعاني أساسا من محدودية فرص العمل وضعف الموارد، يمكن لخسارة مورد صغير أن تكون ذات أثر كبير على اقتصاد الأسرة.

وتكشف شهادة أغلب نساء القرى المتاخمة لمدينة ساقية سيدي يوسف جانبا لا يظهره في الأرقام المتعلقة بالمساحات المحترقة. وتظهر محدودية المنهجية المعتمدة في قياس ضرر الحرائق، التي يغيب عنها قياس الضرر المباشر على أرزاق المواطنين في تلك المناطق.

فالاكتِفاء بحساب الهكتارات يسمح بقياس الامتداد المكاني للحريق، لكنه لا يقدم وحده صورة عن خسائر المراعي أو خلايا النحل والماشية والموارد التي توفرها الغابة للسكان. ومن هنا تطرح الحرائق أيضًا مسألة التعويض ومرافقة المتضررين بعد انتهاء عمليات الإطفاء، إلى جانب الوقاية والاستعداد قبل بداية الموسم، حتى لا يبقى تدخل الدولة محصورًا في اللحظة التي تشتعل فيها الغابة.

يمكن أن نخلص إلى أن القضية المحورية لم تعد عدد الحرائق التي تندلع كل صيف، رغم أهمية هذا المؤشر، وإنما موقع الغابات ضمن السياسات العمومية في تونس خلال العقود المقبلة، بوصفها مجالا مُركبا تتداخل فِيه الأبعاد البيئية والمناخية والاجتماعية والاقتصادية، ومدى قدرة هذه السياسات على الحد من الحرائق وتقليص آثارها على الغطاء الغابي والتنوع البيولوجي والسكان المرتبطين بهذا المجال سكانيا واقتصاديا.

فالمُناخ الذي تشكلت في ظله الغابات التونسية يتغير بوتيرة متسارعة، فيما ما تزال السياسات والمؤسسات والآليات المعتمدة لإدارتها تتحرك بمنطق صيغ في زمن وسياق مُناخي مختلف.

الكاتب : مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

اشراف: وليد الماجري
غرافيك: منال بن رجب
تطوير تقني: بلال الشارني
تطوير تقني: بلال الشارني
اشراف: وليد الماجري
غرافيك : منال بن رجب

الكاتب : مالك الزغدودي

صحفي، باحث في العلوم الاجتماعية.

siMalek
Scroll to Top