الكاتبة : يسرى بلالي
صحفية وباحثة في العلوم الاجتماعية
لم تكن الرحلة تختلف عن سابقاتها. قبل طلوع الشمس بقليل، غادرت النساء بيوتهن على عجل، يحملن قوارير الماء وقطَع الخبز وبعض ما تيسّر من الطعام، ويستعددن ليوم طويل في الحقول. اعتدن الصعود إلى شاحنات مكشوفة أو عربات متهالكة، تتكدّس فيها الأجساد والأدوات الزراعية معا، بينما يشقّ السائق طرقات ريفية ضيقة ووعرة أملا في الوصول إلى الضيعات مع أولى ساعات النهار. كان الخوف حاضرا في كل رحلة، لكنّه ظلّ ثمنا صامتا تدفعه العاملات مقابل فرصة عمل لا تتجاوز أجرتها 15 دينارا (حوالي 5 دولار) في أفضل الحالات.
ومنذ سنوات، تحوّل نقل العاملات الفلاحيات إلى رحلة تُنذر بالموت في كلّ مرّة، وأصبح تعبيرا عن وجوه التفاوت الاجتماعي الأكثر قسوة. إذ أصبحت الحوادث المتكرّرة تكشف عن هشاشة شروط العمل، وغياب وسائل نقل آمنة، وضعف الحماية الاجتماعية، واستمرار التسامح مع ممارسات غير قانونية باتت جزءًا من المشهد اليومي في العديد من المناطق الريفية. وبينما تُختزل هذه الحوادث غالبا في أرقام للقتيلات والناجيات، فانّها في الحقيقة هي قصص وتجارب نساء يخرجن كل فجر بحثًا عن لقمة العيش، ويجدن أنفسهن في مواجهة خطر يرافقهن قبل الوصول إلى الحقول.
الكاتبة : يسرى بلالي
صحفية وباحثة في العلوم الاجتماعية
لم تكن الرحلة تختلف عن سابقاتها. قبل طلوع الشمس بقليل، غادرت النساء بيوتهن على عجل، يحملن قوارير الماء وقطَع الخبز وبعض ما تيسّر من الطعام، ويستعددن ليوم طويل في الحقول. اعتدن الصعود إلى شاحنات مكشوفة أو عربات متهالكة، تتكدّس فيها الأجساد والأدوات الزراعية معا، بينما يشقّ السائق طرقات ريفية ضيقة ووعرة أملا في الوصول إلى الضيعات مع أولى ساعات النهار. كان الخوف حاضرا في كل رحلة، لكنّه ظلّ ثمنا صامتا تدفعه العاملات مقابل فرصة عمل لا تتجاوز أجرتها 15 دينارا (حوالي 5 دولار) في أفضل الحالات.
ومنذ سنوات، تحوّل نقل العاملات الفلاحيات إلى رحلة تُنذر بالموت في كلّ مرّة، وأصبح تعبيرا عن وجوه التفاوت الاجتماعي الأكثر قسوة. إذ أصبحت الحوادث المتكرّرة تكشف عن هشاشة شروط العمل، وغياب وسائل نقل آمنة، وضعف الحماية الاجتماعية، واستمرار التسامح مع ممارسات غير قانونية باتت جزءًا من المشهد اليومي في العديد من المناطق الريفية. وبينما تُختزل هذه الحوادث غالبا في أرقام للقتيلات والناجيات، فانّها في الحقيقة هي قصص وتجارب نساء يخرجن كل فجر بحثًا عن لقمة العيش، ويجدن أنفسهن في مواجهة خطر يرافقهن قبل الوصول إلى الحقول.
يعود هذا المقال على أبرز هذه الحوادث، ويستمع إلى أصوات العاملات والناجيات وعائلات الضحايا، محاولا فهم الأسباب التي تجعل هذه المآسي تتكرّر، وما الذي يحول دون إنهائها، رغم الوعود المتكرّرة بالإصلاح. كما يبحث في المسؤوليات والحلول الممكنة، انطلاقًا من سؤال جوهري: لماذا مازال الطريق إلى العمل يشكّل، بالنسبة إلى آلاف العاملات الفلاحيات، الطريق الأقصر إلى الموت؟


من حادثة إلى أخرى… حين يتحوّل الموت إلى جزء من يوم العمل
لم يكُن حادث المزونة (جوان 2026) سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الحوادث التي حصدت أرواح العاملات الفلاحيات في تونس. فمنذ سنوات، تتكرّر المشاهد ذاتها: شاحنات أو وسائل نقل غير مهيّأة تقلّ عشرات النساء نحو الحقول، تنقلب أو تصطدم على الطرقات، فتُخلّف قتيلات وجريحات بالعشرات، قبل أن تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، وتُطوى القضية إلى حين وقوع الحادث التالي. وبين مأساة وأخرى، تتجدّد الوعود الرسمية بتأمين النقل وتنظيم القطاع، لكنّ الوقائع تكشف عن أزمة سياسية لا تتغيّر.
تعتبر الناشطة النسوية ومسؤولة التنظيم المجتمعي بجمعية “أصوات نساء” ومنسّقة حراك “أصوات عاملات الفلاحة”، رحمة العيدودي، أنّ المأساة لم تعُد مرتبطة بحادث بعينه، بل أصبحت تعبيرا عن فشل متواصل للسياسات العامة تجاه النساء العاملات في القطاع الفلاحي، مؤكّدة أنّ كل فاجعة تعيد طرح الأسئلة نفسها دون أن تفضي إلى تغيير حقيقي في أوضاعهن.
“في كل مرّة نقول لعلّ هذا يكون آخر حادث، غير أنّ السياسات العامة مازالت مُقصّرة تُجاه العاملات في القطاع الفلاحي، وللأسف المآسي تتكرّر.” تؤكّد العيدودي أنّ الضحايا “لسن مجرد أرقام”، وتُعبّر عن غضبها من هذه الآلية المتكرّرة في التعامل مع العاملات الفلاحيات، حيث تُختزل حياتهن في حصيلة للقتلى والجرحى، بينما تغيب قصصهن، وأدوارهن داخل أسرهن، وإسهامهن في الاقتصاد الزراعي. ومن هذا المنظور، يغدو الحادث مظهرا من مظاهر التهميش البنيوي الذي يجعل بعض الفئات أكثر عرضة للموت والإصابة من غيرها.
كما تكشف مسألة الإحصائيات، حسب محدّثتنا، جانبًا آخر من هذا التهميش، إذ، “يواجه المجتمع المدني صعوبة في الحصول على بيانات رسمية دقيقة حول الحوادث والإصابات، ما يدفع الجمعيات إلى بناء قواعد بياناتها الخاصّة لتوثيق الضحايا”.
لا يتعلّق الأمر هنا بمشكلة تقنية في إنتاج الأرقام، بل بإشكال سياسي أيضًا؛ إذ إنّ غياب المعطيات الدقيقة يحد من إمكانية تقييم السياسات العمومية، ويجعل مساءلة الدولة عن نتائجها أكثر صعوبة.
رحمة العيدودي


تُقرأ هذه الحوادث كشكل من أشكال العنف البنيوي ضد النساء ويبدأ العنف منذ اللحظة التي تُجبر فيها آلاف النساء، بفعل الفقر والهشاشة وانعدام البدائل، على قبول وسائل نقل تهدّد حياتهن بشكل يومي، فيُصبح الطريق إلى العمل مساحة لتلاقي أشكال متعدّدة من اللامساواة: اللامساواة بين المركز والهامش، بين الرجال والنساء في الأجور، وبين من يتمتعون بالحماية الاجتماعية ومن يعملون خارجها.
هكذا، يصبح الحادث بدوره النهاية المرئية لسلسلة طويلة من السياسات والاختيارات التي جعلت أجساد العاملات أكثر عرضة للخطر.
لا تكمن المشكلة، حسب محدّثتنا، في شاحنة غير مطابقة للمواصفات، بل في منظومة كاملة تقوم على العمل الهش، والأجور المتدنية، وغياب التغطية الاجتماعية، وضعف القوانين، واستمرار اعتبار العاملات الفلاحيات قوّة عمل رخيصة يمكن الاستفادة منها دون ضمان الحدّ الأدنى من الحقوق.
أزمة نقل أم أزمة حوكمة؟
إذا كانت الزاوية الحقوقية تضع مأساة العاملات الفلاحيات في إطار التهميش واللامساواة وغياب الحماية، فإنّ قراءة أخرى تذهب إلى أنّ هذه المأساة تكشف أيضًا عن أزمة تتعلّق بطريقة إدارة الدولة للملفات العمومية وقدرتها على تحويل القوانين والقرارات إلى حلول فعلية.
يرى الخبير الاقتصادي معز الكيلاني أنّ السؤال الأساسي لا يتعلّق بسبب غياب الحلول الخاصّة بنقل العاملات في القطاع الفلاحي، بل بالقدرة العامة للدولة على إدارة مثل هذه الملفات. فالمشكلة، حسب تقديره، ليست في غياب المسؤوليات أو الهياكل، وإنّما في ضعف الحوكمة وغياب المحاسبة الفعلية لمن يتحملون مسؤولية تنفيذ السياسات.
يُفسّر الكيلاني بأنّ قضية نقل العاملات الفلاحيات لا يمكن فصلها عن أزمة أوسع تشمل قطاعات عديدة، مثل الصحة والتعليم والنقل، حيث تواجه الدولة صعوبات متكرّرة في الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الإنجاز.
دائمًا نعود إلى مشكلة الحوكمة وهيكلة الإدارة، التي تجعلنا أمام هذه المشاكل ولا نصل إلى نجاح كافٍ. هناك دائمًا إدارة وأشخاص مسؤولون، لكن المشكلة تكمن في عدم وجود مسؤولين يتحملون مسؤولياتهم بالشكل المطلوب.
معز الكيلاني
ومن هذا المنظور، فإنّ حوادث نقل العاملات الفلاحيات تكشف هشاشة نموذج كامل في إدارة الشأن العام. فحين تفشل الدولة في ضمان خدمة عمومية أساسية، مثل النقل الآمن، تُصبح الفئات الأكثر هشاشة أول من يدفع ثمن هذا العجز، وتتحوّل المخاطر اليومية إلى جزء من حياتهن العادية.
غير أنّ أزمة النقل الفلاحي، حسب الكيلاني، ترتبط أيضًا بعوامل تقنية واقتصادية تجعل إيجاد حل مستدام أكثر تعقيدًا. فغياب منظومة نقل عمومي ناجعة في المدن والمناطق الريفية يجعل من الصعب بناء منظومة خاصّة لنقل العاملات. وفي مناطق مثل باجة ومجاز الباب ومنوبة، كان لوجود شركات نقل عمومي أكثر فاعلية يمكن أن يشكّل قاعدة لتطوير خدمات موجّهة للعاملات الفلاحيات، من خلال استغلال أسطول أكبر من الحافلات والسائقين، وإبرام عقود منظّمة مع الدولة.
يُفسّر الكيلاني أنّ النقل الجماعي الناجع يحتاج إلى ما يُعرف بـ”اقتصاديات الحجم”، أي القدرة على توزيع الكلفة على عدد أكبر من المستفيدين، وهو أمر يصعب تحقيقه عندما يترك النقل الفلاحي في إطار مبادرات فردية أو حلول ظرفية.
لكن هذه الإشكالية لا تتوقف عند توفر وسائل النقل، إذ تطرح البنية التحتية نفسها تحديًا أساسيًا. ذلك أنّ، العديد من المسالك الفلاحية لا تسمح بمرور الحافلات أو العربات العادية، ما يجعل نقل العاملات مرتبطًا أيضًا بإصلاح الطرقات والمسالك الريفية، حتى تصبح الضيعات قابلة للوصول بواسطة وسائل نقل مخصّصة لنقل الأشخاص، لا البضائع.
يشير الكيلاني إلى أنّ كلفة اقتناء الحافلات والعربات المناسبة تمثّل بدورها عائقًا إضافيًا، غير أنّ الحل، حسب رأيه، يكون عبر بناء منظومة متكاملة تقوم على أهداف واضحة وعقود قابلة للتقييم.
يجب ألاّ تكون المسألة مجرد مشروع كبير بشروط كثيرة ومعقّدة، بل يجب أن تكون هناك أهداف أولية واضحة. يجب أن تكون لدينا عقود مبنية على النجاح الاقتصادي، وفي نهاية السنة تكون الدولة قادرة على تقييم النتائج ومحاسبة المستفيدين من هذه الحافلات.
معز الكيلاني
وفي جانب آخر، يلفت الكيلاني إلى دور السائق أو الوسيط الذي غالبًا ما يتم اختزاله في صورة المسؤول عن الفوضى، بينما يؤدّي في الواقع دورًا أكبر داخل الاقتصاد غير المنظم. فالسائق لا ينقل العاملات فقط، بل يربط بين العرض والطلب، إذ تعرف الضيعات حاجتها إلى اليد العاملة في أوقات محدّدة، وتحتاج النساء إلى معرفة أماكن توفّر فرص العمل.
كما أنّ السائق أو السمسار (الوسيط)، رغم الانتقادات التي توجّه إليه، يُمكن أن يكون جزءًا من الحل إذا تم إدماجه داخل منظومة منظّمة، لأنه يمتلك معرفة ميدانية بالسوق وبحاجيات الطرفين.
العاملات الفلاحيات… اليد التي تنتج الغذاء وتدفع ثمن الهشاشة
تخرج النساء في ساعات مبكّرة من الصباح لقطف المحاصيل وجني الخضر والغلال والقيام بالأعمال الزراعية الشاقّة، وهنّ يمثّلن جزءًا أساسيًا من الدورة الاقتصادية الفلاحية في تونس. ومع ذلك، فإنّ مساهمتهن الكبيرة في الإنتاج لا تنعكس على ظروف عمل تحفظ لهن الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
وحسب الناشطة النسوية رحمة العيدودي، فإنّ المشكلة تتجاوز حوادث النقل لتصل إلى طبيعة وضعية العاملات أنفسهن، مؤكّدة أنّ هؤلاء النساء “يقمن بمجهود هائل ويساهمن في الإنتاج وتحقيق السيادة الغذائية للبلاد”، لكنّهن في المقابل يفتقرن إلى أبسط الحقوق الأساسية.
توضّح محدّثتنا أنّ كثيرًا من العاملات يحتجن إلى خدمات مازالت بعيدة المنال بالنسبة إليهن، مثل بطاقة العلاج، والقدرة على الوصول إلى المستشفيات العمومية، والحصول على الأدوية، خاصّة أنّ عددًا كبيرًا منهن يعانين من أمراض مزمنة مرتبطة بطبيعة العمل الشاق وظروفه القاسية.
كما أنّ الخطر الذي يهدّد العاملات الفلاحيات ليس الطريق، بل الذي يرافقهن طوال مسارهن المهني، فالتعرّض لساعات طويلة تحت الشمس، العمل في البرد، والتعامل مع المبيدات الحشرية، إضافة إلى الأعمال الزراعية المرهقة، كلها عوامل تجعل أجسادهن تدفع ثمنًا صحيًا متراكمًا قد يظهر في شكل أمراض مزمنة أو إصابات دائمة.


تجد العاملات أنفسهن أحيانًا محرومات من ثمار العمل الذي ينتجنه، في مفارقة قاسية أين نجد أنّ العاملة تساهم في توفير الغذاء للمجتمع، بينما تعجز أحيانًا عن تأمين احتياجاتها الأساسية. تتحمّل العاملة الفلاحية أيضا، أعباء العمل نفسها التي يتحمّلها الرجال، وربما أكثر، لكنّها تحصل غالبًا على مقابل أقل، وتبقى خارج شبكات الحماية الاجتماعية التي يفترض أن تضمن لها العلاج والتقاعد والتعويض عند الإصابة.
إنّ هذه الوضعية لا يمكن تفسيرها بغياب الإجراءات الإدارية، بقدر ما ترتبط بطبيعة نموذج اقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على اليد العاملة غير المنظمة. ذلك أنّ، تنظيم القطاع، ورفع مستوى الحماية الاجتماعية، وتحسين الأجور، وضمان شروط نقل آمنة، كلّها إجراءات ستؤدي بالضرورة إلى تغيير كلفة الإنتاج وطريقة اشتغال القطاع.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تمثّل هشاشة العاملات الفلاحيات مجرّد نتيجة لفشل السياسات، أم أنّها أصبحت جزءًا من توازن اقتصادي يقوم على إبقاء كلفة العمل منخفضة؟
فحين تكون أجور النساء ضعيفة، وحين يبقى النقل خارج إطار التنظيم، وحين تغيب التغطية الاجتماعية، فإنّ المُشتري يحصل على منتجات فلاحية بأسعار أقل، لكن جزءًا من هذه الكلفة يتم دفعه في شكل مخاطر صحية واجتماعية تتحملها النساء وحدهن.


ومن هنا، فإنّ الحديث عن “شاحنات الموت” لا ينبغي أن يحجب حقيقة نظام العمل الذي يجعل النساء الأكثر مساهمة في الإنتاج هن الأقل استفادة من الحقوق والحماية. لهذا فإنّ معالجة أزمة العاملات الفلاحيات تنطلق من الاعتراف بهن كعاملات كاملات الحقوق، لهن الحق في الأجر العادل، والحماية الاجتماعية، والرعاية الصحية، وظروف عمل تحفظ كرامتهن وسلامتهن.
وفي هذا السياق، يُفيد خبير اقتصادي -رفض الكشف عن هويته- أنّ “المشكلة الحقيقية تكمن في وجود إرادة سياسية، وإن كانت غير معلنة، لعدم تسوية أوضاع العاملات الفلاحيات بشكل فعلي. فالمقاربة المعتمدة تقوم على التدرّج وعلى ما يُمكن وصفه بالاستعراض الإعلامي؛ إذ يجري باستمرار منح بعض الحقوق للنساء اللواتي يحظين بتعاطف الرأي العام، مع استثمار موجة التعاطف الشعبي تجاههن، تحت عنوان تسوية أوضاعهن باعتبارهن ضحايا، واستحضار المسؤولية الاجتماعية وغيرها من الاعتبارات.


غير أنّ الواقع يختلف عن هذا الخطاب. فالحفاظ على اليد العاملة الرخيصة يظلّ عاملاً أساسياً، لأنّها تساهم في احتواء التضخّم والسيطرة على الأسعار، ولا سيما في ما يتعلّق بالمنتجات الفلاحية التي يستهلكها المواطن يومياً. لذلك، يتم تهميش هذا الملف بشكل متعمّد، وتُطرح له حلول جزئية وبسيطة لا تُحدث فرقاً حقيقياً على أرض الواقع.
ويتكرّر هذا المشهد عاماً بعد عام من دون اتخاذ إجراءات فعلية وملموسة. فالحفاظ على اليد العاملة الرخيصة وعلى الإنتاج الفلاحي بأسعار معقولة يُنظر إليه باعتباره صمّام أمان في مواجهة أي تحركات أو احتجاجات اجتماعية محتملة في المستقبل.”
وفي ظل هذه الظروف، قد تسمع من الجهات الرسمية خطاباً يتحدّث عن التعاطف والبحث عن الحلول، لكن الواقع يشير إلى أنّ غياب البدائل القادرة على ضبط الأسعار، والرغبة في الإبقاء على كلفة الإنتاج الفلاحي منخفضة، يجعلان من الحفاظ على اليد العاملة الرخيصة هدفاً غير معلن. لذلك لا يُراد لهذا التغيير أن يحدث بسرعة، بل يجري التعامل معه ببطء، من خلال بعض الإجراءات الشكلية والظاهرية، مع الإبقاء في الوقت نفسه على البنية الاقتصادية القائمة التي تعتمد على هذه العمالة منخفضة الكلفة. يُضيف محدّثنا.


من التشخيص إلى الفعل… حلول ممكنة لإنهاء رحلة الموت
تجمع المقاربات التي يقدمها الفاعلون المدنيون والخبراء والخبيرات على أنّ الحلول موجودة، لكنّها تحتاج قبل كل شيء إلى إرادة سياسية حقيقية، وإلى الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق السياسات المستدامة.
تؤكّد رحمة العيدودي أنّ المشكلة تكمن في ضعف تطبيق القوانين وعدم ملاءمتها مع الواقع. فبعد حادثة السبّالة سنة 2019، تمّ وضع إطار قانوني لتنظيم نقل العاملات والعمال في القطاع الفلاحي، غير أنّ هذه النصوص بقيت محدودة الأثر بسبب صعوبة تطبيقها على أرض الواقع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة المعايير المنظّمة للنقل الفلاحي، ليس بهدف تخفيف شروط السلامة، وإنّما لجعلها قابلة للتطبيق، عبر وضع نموذج واقعي يراعي طبيعة المناطق الريفية والمسالك الفلاحية، ويضمن في الوقت نفسه حماية حياة العاملات. فالقانون الذي لا يجد طريقه إلى التنفيذ يتحوّل إلى نص رمزي، بينما المطلوب هو منظومة واضحة تُحدّد المسؤوليات، وتراقب التنفيذ، وتضمن المحاسبة.
من جهته، يُشير معز الكيلاني إلى أنّ بناء نقل فلاحي ناجع لا يمكن أن يقوم على مبادرات فردية أو حلول معزولة، بل يحتاج إلى منظومة اقتصادية وتنظيمية متكاملة. ويتمثّل أحد الحلول الممكنة في إحداث آليات تنسيق محلية تجمع بين العاملات، والفلاحين، وأصحاب وسائل النقل، تحت إشراف هياكل قريبة من الميدان، وتنظيم العلاقة بين من يحتاج إلى اليد العاملة ومن يبحث عن فرصة عمل.
وفي هذا السياق، يمكن لمكاتب تشغيل فلاحية جهوية أن تلعب دور الوسيط المنظّم، عبر إنشاء قاعدة بيانات للعاملات والضيعات، وربط العرض بالطلب، ومتابعة شروط التشغيل والنقل.
كما يرى الكيلاني أنّ تدخّل الدولة يجب ألاّ يقتصر على شراء الحافلات أو منح التراخيص، بل ينبغي أن يقوم على نموذج اقتصادي واضح. فالدعم العمومي يُمكن أن يوجّه نحو اقتناء وسائل نقل مناسبة للمناطق الريفية، لكن ضمن عقود تتضمّن أهدافًا قابلة للقياس: عدد العاملات اللواتي تم نقلهن، عدد الرحلات، المناطق المستفيدة، وجودة الخدمة المقدّمة.
وبذلك يُصبح الدعم مرتبطًا بالنتائج، وليس مجرد إجراء مالي ينتهي بمجرد توفير الوسيلة. كما أنّه، لا يمكن الحديث عن نقل آمن للعاملات في ظل مسالك ريفية صعبة تجعل وصول وسائل النقل الملائمة أمرًا معقدًا. لذلك فإنّ تحسين البنية التحتية في المناطق الفلاحية يمثّل جزءًا أساسيًا من الحل، لأنّ إصلاح الطرقات والمسالك يُساهم في فك العزلة عن المناطق الريفية، وتحسين وصول النساء إلى الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية.
في كل مرة تقع فيها حادثة جديدة، تعود صور العاملات الفلاحيات إلى الواجهة، “نساء غادرن بيوتهن بحثًا عن قوت يومهن، فانتهت رحلتهن في طريق كان يفترض أن يقودهن إلى العمل لا إلى الموت”. تكرار وعناوين كبرى يُقابلها صمت من المسؤولين ومن الجهات الرسمية.
لكن، هذه العناوين لا تحمل ضمنيا السبب الحقيقي وراء هذه الحوادث والمتمثّل أساسا في الخوف من “تراجع القدرة الشرائية” للمواطن، وبالتالي بقيت ومازالت وضعية النساء الهشّة رهينة لفشل السياسات العمومية والبرامج الاقتصادية.

الكاتبة : يسرى بلالي
صحفية وباحثة في العلوم الاجتماعية
الكاتبة : يسرى بلالي
صحفية وباحثة في العلوم الاجتماعية


