عمّال “الدّليفري” في تونس .. بين استغلال الخوارزميات وغياب الحماية الاجتماعية

يرزح آلاف الشباب في تونس تحت وطأة نموذج اقتصادي رقمي حديث يفرض قواعده القاسية على سوق الشغل والخدمات عبر شبكات تفاعلية تُعرف بـ "اقتصاد المنصّات". ويبرز قطاع توصيل الطلبات والمأكولات كأحد أكثر محاور هذه المنظومة ظهورا وأشدّها هشاشة إذ يشتغل أغلب العمّال بعقود شغل غير واضحة أو تغطية اجتماعية كافية.

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

من وراء شاشات الهواتف الذكية وبين إشعار وآخر يصل إلى تطبيقات التوصيل، يعمل آلاف الشباب في تونس في مجال توصيل الطلبات والمأكولات، في قطاع تظل ملامحه غير واضحة بسبب غياب إحصائيات رسمية شاملة حول عدد العاملين فيه وظروف اشتغالهم بما يحدّ من تقييم حجم النشاط وتحديد مدى خضوعه للرقابة القانونية والجبائية.

وفي ظل انعدام بيانات رسمية كافية، تعتمد المنظمات والهياكل النقابية على مسوحات ميدانية لفهم واقع هذا القطاع وتركيبته الاجتماعية أين كشفت دراسة صادرة عام 2023 عن مكتب تونس لمنظمة فريدريش إيبرت تحت عنوان “الشباب، التطبيقة والحريف: سوسيولوجيا خدمات توصيل الأكل بتونس”، معطيات جديرة بالاهتمام والتمعن عن خصائص العاملين في هذا المجال.

وفقًا للدراسة، تتراوح أعمار 74% من العمال والعاملات المستجوبين.ـات بين 20 و29 سنة، فيما تبلغ نسبة العازبين.ـات 80%، ولا يتجاوز المستوى التعليمي لأغلبهم المرحلة الثانوية.

كما تكشف الدراسة أيضًا عن هشاشة الوضع المهني لهؤلاء العاملين.ـات، إذ تُصنّفهم المنصات الرقمية كعملة مستقلين، رغم خضوعهم لقواعدها وآلياتها في تنظيم العمل، مما يطرح تناقضا جوهريا يتعلق بطبيعة العلاقة الشغلية وبمدى تمتع العاملين بحقوقهم الاجتماعية والمهنية، في ظل غياب إطار تنظيمي واضح يواكب توسع هذا النشاط.

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

من وراء شاشات الهواتف الذكية وبين إشعار وآخر يصل إلى تطبيقات التوصيل، يعمل آلاف الشباب في تونس في مجال توصيل الطلبات والمأكولات، في قطاع تظل ملامحه غير واضحة بسبب غياب إحصائيات رسمية شاملة حول عدد العاملين فيه وظروف اشتغالهم بما يحدّ من تقييم حجم النشاط وتحديد مدى خضوعه للرقابة القانونية والجبائية.

وفي ظل انعدام بيانات رسمية كافية، تعتمد المنظمات والهياكل النقابية على مسوحات ميدانية لفهم واقع هذا القطاع وتركيبته الاجتماعية أين كشفت دراسة صادرة عام 2023 عن مكتب تونس لمنظمة فريدريش إيبرت تحت عنوان “الشباب، التطبيقة والحريف: سوسيولوجيا خدمات توصيل الأكل بتونس”، معطيات جديرة بالاهتمام والتمعن عن خصائص العاملين في هذا المجال.

وفقًا للدراسة، تتراوح أعمار 74% من العمال والعاملات المستجوبين.ـات بين 20 و29 سنة، فيما تبلغ نسبة العازبين.ـات 80%، ولا يتجاوز المستوى التعليمي لأغلبهم المرحلة الثانوية.

كما تكشف الدراسة أيضًا عن هشاشة الوضع المهني لهؤلاء العاملين.ـات، إذ تُصنّفهم المنصات الرقمية كعملة مستقلين، رغم خضوعهم لقواعدها وآلياتها في تنظيم العمل، مما يطرح تناقضا جوهريا يتعلق بطبيعة العلاقة الشغلية وبمدى تمتع العاملين بحقوقهم الاجتماعية والمهنية، في ظل غياب إطار تنظيمي واضح يواكب توسع هذا النشاط.

تتقاطع معطيات الدراسة المذكورة آنفاً مع نتائج دراسة ميدانية حديثة أنجزها قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل بالتعاون مع مركز التضامن العمالي في سبتمبر 2026، تحصّلت الكتيبة على نسخة منها وشملت عينة من 121 عاملا في إقليم تونس الكبرى (تونس، بن عروس، أريانة، ومنوبة).

أفرز تحليل العيّنة عن ملمح ديموغرافي أكثر نضجا يؤكد توسع هذا النشاط الاقتصادي واستقطابه أكثر فأكثر لفئات اجتماعية جديدة، إذ بلغ معدّل الأعمار العاملين فيه نحو 39 سنة، مع تمركز كثيف في الشريحة العمرية بين 35 و45 سنة وسط تفاوت عُمري يمتد من 21 إلى 67 سنة، بما يُستنتج مه أن هذا القطاع أصبح يستقطب كل الفئات العمرية بما في ذلك الكهول وكبار السن.

على الصعيد التعليمي، أثبتت ذات الدراسة أنّ الغالبية الساحقة تنتمي إلى مستويات تعليمية أساسيّة بنسبة 58% أو ثانوية بنسبة 33%، بينما لا تتجاوز نسبة حاملي الشهادات العليا 8%.

وعن الظروف الاجتماعية للعملة والعاملات تؤكد الدراسة ما ذهبت إليه دراسة منظمة فريدريش ايبرت من أنّ هذا النشاط الاقتصادي حديث العهد في تونس يستقطب الفئات غير المستقرّة اجتماعيا والأكثر هشاشة اقتصاديا، حيث ترتفع نسبة العزوبية إلى 68% مقابل 32% متزوجين.ـات، في حين يقيم نحو 46% من العمّال مع عائلاتهم، وتتوزع بقية النسبة بين عمال يسكنون مساكن مستأجرة بنسبة 23% و29% لديهم مساكن خاصّة بهم.

خلصت الدراسة والبحث الميداني الذي أجراه مركز التوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل إلى تصنيف عمّال المنصّات إلى أربع شرائح رئيسية تعكس تغلغل هذا النموذج في تفاصيل الحياة الحضرية: عمال توصيل المأكولات والبضائع، وعمال نقل الأشخاص بالدراجات النارية أو سيارات الأجرة، وعمّال توصيل الأدوية، و”مساعدو الحياة” الذين يقدّمون خدمات صحية وإدارية لكبار السن والعاجزين في منازلهم وهم فئة محدودة نسبيّا في السياق التونسي.

كما أظهرت الدراسة أنّ توصيل الطلبات العادية والمأكولات، وهو الأكثر حضورا في الشارع، يمثّل ربع أفراد العيّنة فقط، بينما يتوزع البقية على نقل الركاب والمواد المقنّنة والخدمات المنزلية.

وفي قراءة معمّقة لظروف العمل الهجينة، يوضّح الباحث في علم الاجتماع والمختصّ في الضمان الاجتماعي الهادي دحمان لموقع الكتيبة:

العامل بالمنصّات يعيش وضعية قانونية واجتماعية هجينة فهو ليس عاملا مستقلّا بالمعنى الحقيقي وليس أجيرا يحظى بحقوق الشغل.

ويشير دحمان إلى أن العلاقة الرابطة بين العامل والمنصّة تقتصر على منحه معرّفا داخل التطبيق أو حسابا رقميّا تمنحه الشركة، وبمجرّد ارتكاب خطأ بسيط أو تلقي تقييم سلبي من حريف، تقوم المنصّة بعد إصدار أكثر من إنذار بغلق الحساب الفوري وسحب الرمز ليجد العامل نفسه مطرودا ودون أي سند قانوني، ومورّطا في قروض صغيرة اقترضها خصّيصا لاقتناء وسيلة النقل.

ويضيف دحمان أن غياب الإطار القانوني الواضح يترك العمّال تحت رحمة خوارزميات صمّاء تحدّد الأجر والمسار دون أدنى شفافية، محذّرا من تهديد المنصات للمعطيات الشخصية للعمّال والحرفاء.

من جانبه، يحذّر الباحث بمركز الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل مروان المناعي، من هشاشة الوضع المهني لعمّال منصّات التوصيل، في ظلّ غياب ضمانات تحميهم من فقدان عملهم بسبب تقييم سلبي من أحد الحرفاء، دون تمكينهم بالضرورة من حقّ الاعتراض أو الردّ.

القطاع يستقطب مختلف الفئات العمرية، سواء بحثا عن مورد رزق أساسي أو عن دخل تكميلي، فيما يضطرّ بعض العمّال إلى تأجير حساباتهم للغير، بالتوازي مع اشتغالهم في قطاعات أخرى.

مروان المناعي

ويؤكّد المناعي أنّ ظروف العمل تتّسم أيضا بعدم استقرار المداخيل إذ يرتبط الأجر بعدد الطلبات وساعات العمل والقدرة الجسدية للعامل، وقد تصل ساعات العمل لدى بعضهم إلى 18 ساعة يوميّا، دون تعويض عن وقت الانتظار أو الطلبات الملغاة أو البضائع المُتلفة.

في هذا السياق، يستحضر محدّثنا الاتفاقية رقم 193 بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصّات، التي اعتمدها مؤتمر العمل الدولي في دورته الـ 114 بجنيف بتاريخ 12 جوان 2026، والتي تعكس اعترافا دوليا بالظلم الذي يتعرّض له عمّال المنصّات في ظلّ هشاشة أوضاعهم وغياب الضمانات الكفيلة بحمايتهم من القرارات التعسفية، بما في ذلك تعطيل حساباتهم أو إنهاء عملهم دون تمكينهم من حقّ الاعتراض والردّ.

ويشدّد المتحدّث ذاته على ضرورة الاعتراف بخصوصية عمّال المنصّات وعدم التعامل معهم باعتبارهم مجرّد عاملين مستقلّين، مع تحميل المنصّات مسؤولياتها القانونية تجاههم، وضمان حقّهم في التنظيم والدفاع عن مصالحهم.

كما يلفت النظر إلى أهمية توعيتهم بحقوقهم وبكيفية التعامل مع الحرفاء والنزاعات المهنية، معتبرًا أنّ إصلاح القطاع يقتضي إطارًا قانونيًا واضحًا يضمن حقوق العمّال ويحدّ من التجاوزات.

شروط مادية ولوجستية قبل التعاقد مع منصات التوصيل

قبل أن ينطلق أي شاب راغب في العمل مع منصات توصيل المأكولات على سبيل الذكر ويحمل صفة ” ليفرور” بشكل رسمي تُفتح له حسابات رقمية باسمه، عليه أولًا توفير المعدّات اللازمة للعمل، من دراجة نارية وهاتف ذكي وخوذة ووسائل سلامة وغيرها من التجهيزات اللوجستية، وهي مصاريف يتحمّلها “الليفرور” من ماله الخاص، قبل أن يبدأ بتحقيق أي دخل.

تقدّر دراسة “فريدريش إيبرت” كلفة التجهيزات الضرورية لدخول القطاع بنحو 4500 دينار، تشمل سعر الدراجة النارية ومستلزماتها ومصاريف التأمين والجولان والهاتف الذكي وتجهيزاته من ذلك اشتراك شهري في الإنترنت لا يقل عن 30 دينارًا.

وتؤكد شهادات جمعها موقع “الكتيبة” لعدد من عمّال التوصيل، من بينهم عاملون لدى منصة “غلوفو” و “يسير”، أنّ هذه التكاليف لا تنتهي عند توفير المعدّات الأساسية، إذ يضطر العامل أيضًا إلى شراء حقيبة التوصيل الخاصة بالمنصة، بسعر قد يصل إلى 150 دينارًا حسب كل منصة.

تكشف هذه المصاريف أن العامل يتحمّل بنفسه كلفة توفير معظم وسائل العمل، بما فيها المعدّات التي تشترطها المنصة لممارسة نشاطه، وهو ما يعني أن دخوله إلى هذا القطاع يستوجب استثمارًا ماليًا مسبقًا، في حين تظل مداخيله واستقراره المهني مرتبطين بظروف العمل والطلبات التي يتلقّاها.

تزداد وطأة هذه الأعباء بالنظر إلى المقابل المادي الذي يحصل عليه العامل عن كلّ طلبية، وفقا لشهادات عمّال تواصلت معهم “الكتيبة” تتراوح عائدات توصيل الطلبيات بين 100 و400 مليم للطلبية الواحدة.

وعن آليات احتساب هذه التعريفات أكّد العمال أنّ لا فكرة واضحة لديهم حول الآليات الدقيقة المعتمدة من طرف المنصات موضّحين أنّهم لا يعرفون دائمًا كيفية احتساب المسافة المقطوعة بالكيلومترات في ظلّ تغيّر طرق احتساب المستحقات من فترة إلى أخرى.

في بعض المرّات يتقاضى العامل 10 دنانير مقابل توصيل طلبات بمسافة 10 كيلومترات. في السنوات الأولى كان الأمر مختلفا عشر ساعات من العمل يتراوح أجرها بين 90 و100 دينار بينما أصبح اليوم سعرها لا يتجاوز 30 دينارا مع العلم أنّ نسبة أرباح المنصة تتراوح بين 20 و 30 % على الطلبية الواحدة.

رمزي جمعة

ما تقدّم به رمزي يطرح إشكالًا يتعلّق بمدى شفافية آليات تحديد الأجور، وقدرة العامل على معرفة المقابل الذي يستحقّه مقابل المسافة والوقت والجهد المبذول في توصيل الطلبات.

وبين كلفة الالتحاق بالقطاع والمصاريف المتواصلة المرتبطة بممارسة العمل من الوقود والصيانة والاتصال بالانترنت، يجد عمّال التوصيل أنفسهم مطالبين باسترداد ما أنفقوه من خلال توصيل الطلبيات، دون ضمان أن تتناسب مداخيلهم مع حجم المصاريف والجهد المبذول.

تكشف هذه المعطيات، التي تجمع بين ما أوردته الدراسة وما وثّقه العمل الميداني للكتيبة، عن جانب من الهشاشة الاقتصادية التي يعيشها هؤلاء العمّال.

تعقيبا منه على هذه المعطيات الميدانية يعلّق الباحث في علم الاجتماع الهادي دحمان قائلا:

عمّال المنصّات الرقمية يعيشون وضعية هشّة جدًا على المستويات النفسية والمادية والمهنية والاجتماعية، إذ يواجهون الخوف والريبة ويتعرّضون دوريًا إلى مخاطر حوادث المرور و الاعتداءات وعمليات السلب.

ويُضيف محدّثنا أنّ عمال وعاملات المنصات عبّروا عن رغبتهم في إيجاد هيكل ينظّمهم ويعترف بهم مهنيّا ويضمن تمتّعهم بحقوقهم كعمّال وأداء واجباتهم الجبائية تجاه الدولة وتمتعهم بالتغطية الاجتماعية، مؤكدًا أنّ التشريعات يجب أن توفّر لهم الحماية وتساهم في تجنّب الانفجار الاجتماعي، وأن تلتفت السلطة إلى أوضاعهم مع ضرورة التزام تونس باتفاقيات منظمة العمل الدولية التي وافقت عليها وتطبيقها.

وفي ما يتعلق بالوضعية القانونية لعمّال المنصات، أفاد دحمان أنّه من بين أفراد العيّنة البالغ عددها 121 عاملاً، تتحوّز اثنان فقط على عقود شغل بالاضافة الى أنّ بعضا منهم يقومون بكراء حسابات أشخاص آخرين دون عقود.

كما تُفيد الدراسة الميدانية للاتحاد العام التونسي للشغل أنّ حوالي 90% من عمّال المنصات محرومون من التغطية الاجتماعية والتعويض عن حوادث الشغل وعطل المرض والراحة الأسبوعية والعطل السنوية. كما أنّ نحو 85% منهم لا يمتلكون بتاتاً بطاقات مهنية أو شهادات عمل تثبت وضعيتهم القانونية مع المشغل.

وتتصدّر مخاطر الطريق قائمة التهديدات المميتة بنسبة 66% تضاف إليها مخاطر نقل مواد حساسة أو مقننة بنسبة 23%، ومخاطر الاعتداءات والسطو والبراكاجات في بعض النقاط الحضرية الساخنة بنسبة 29%. وعند وقوع حوادث المرور الخطيرة للدراجات النارية، يتمّ التصريح بها في 84% من الحالات لدى السلط وشركات التأمين كـ “حوادث مرور عادية” لا كحوادث شغل، بينما تفضل النسبة الباقية عدم التصريح نهائياً، نتيجة غياب التأمين الجماعي وتهرب المنصات من المسؤولية المدنية والجنائية.

جدير بالذكر أنّ المدير التنفيذي للجامعة التونسية لشركات التأمين، كمال الشيباني، أفاد في تصريح إعلامي أنّ 90% من الدرّاجات النارية المتجوّلة في تونس، والبالغ عددها نحو مليوني دراجة غير مؤمّنة، مُشيرا إلى أنّ تفشّي ظاهرة عدم التأمين يتسبّب في ارتفاع الحوادث القاتلة والأضرار البدنية وفق محاضر الشرطة والحرس الوطني.

خلال الأشهر الماضية وبعد خوض عدد من عمال منصة “غلوفو” احتجاجات متكررة مُطالين بتنظيم عملهم وفق آليات شفافة وعقود تضمن لهم الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، نشرت الشركة بيانا قالت فيه أنّ هؤلاء العملة لا ينتمون إليها بل يعملون بصفتهم مقاولين لحسابهم الخاصّ، الشيء الذي اعتبره الباحث في علم الاجتماع الهادي دحمان تنصّلاً للشركة من مسؤوليتها في العلاقة الشغليّة القائمة بينها وبين عمالها، وسبيلاً لتعقيد انخراطهم في الهياكل النقابية التقليدية، بحكم اعتبارهم “مقاولين مستقلّين” لا “أجراء”.

احتقان اجتماعي، منصات لا تبالي ودولة غائبة

بين البدايات والحاضر تغيّرت شروط الالتحاق بهذا القطاع وظروف العمل به، فبعد أن كانت بعض المنصات تنظّم دورات تكوينية للتعريف بقواعد العمل والسلامة المرورية، أصبح الانطلاق في العمل يعتمد أساسًا على امتلاك دراجة نارية أو وسيلة نقل.

كما تتفاوت مداخيل العاملين بحسب عدد الطلبات وظروف العمل، إذ يتراوح الدّخل اليومي في المعدّل بين 25 و50 دينارًا، فيما قد تصل المداخيل الشهرية لبعضهم إلى خمسة آلاف دينار (حوالي 160 دينارا يوميا). وتتأثر هذه المداخيل بعوامل مختلفة من بينها الأحوال الجوية، إذ يفرض ارتفاع درجات الحرارة أو تهاطل الأمطار ظروفًا إضافية على العاملين في الطرقات.

وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة القطاع بين تحمّل العامل مخاطر العمل وتقلبات المداخيل، وعدم مضمونية حقوقه المهنية والاجتماعية. كما تمتد الهشاشة أحيانا إلى داخل القطاع نفسه حين يعمد بعض العاملين إلى تشغيل أشخاص آخرين تحت إشرافهم، مستفيدين من الثغرات التي تتركها المنصات عمدا بما يزيد من إعادة إنتاج ظروف العمل الهشة.

تفيد مُسوحات الاتحاد العام التونسي للشغل أنّ 72% من العمّال يعتمدون على دراجات ناريّة يمتلكونها شخصيا، و12% يعوّلون على سيارات خاصة، بينما تبلغ نسبة من لا يمتلكون وسيلة نقل خاصة 17% (ضمن مساعدي الحياة)، وتمثّل الملكية الفردية أو اللجوء إلى الشراء عبر صيغ التقسيط والديون نحو 80% من طرق توفير وسائل العمل، في حين أنّ الوسائل المملوكة للشركات لا تتجاوز 2% فقط.

هذا يعني أنّ غالبية الشركات لا تتحمّل استثمارا في وسائل النقل، وتنقل تكاليف الشراء والصيانة والوقود والتأمين إلى العامل. وتشير المعطيات الميدانية إلى أنّ العامل ينفق جزءا معتبرا من دخله على مصاريف الشّغل والصيّانة والوقود من جيبه الخاصّ، ليجد نفسه يتقاضى مبالغ زهيدة تتفاوت حسب المسافات والتقييمات.

وفيما يخصّ كثافة العمل، يوضّح الباحث بمركز الدراسات والتوثيق باتحاد الشغل مروان المناعي أنّ ساعات العمل قد تصل لدى بعضهم إلى 18 ساعة يوميّا في محاولة لتأمين دخل إضافي.

إزاء هذه الظروف المُهينة، لم يقف عمّال التوصيل مكتوفي الأيدي أمام جدار الاستغلال الميداني وغياب الحماية بل غادروا دائرة الشكاوى الفردية على مواقع التواصل الاجتماعي نحو الفعل الاحتجاجي المنظم والتحركات الميدانية المباشرة.

وتوّجت هذه التحرّكات بإعلان الاتحاد الجهوي للشغل بتونس في بلاغ له في 15 جويلية 2026، عن فتح باب الترشح لتأسيس أوّل نقابة أساسية لأعوان وإطارات شركة “غلوفو” (Glovo)، مع تحديد موعد المؤتمر التأسيسي يوم الخميس 23 جويلية 2026 بدار الاتحاد ببطحاء محمد علي بالعاصمة، في خطوة تاريخية هدفت إلى تأطير العاملين بقطاع المنصات الرقمية والدفاع عن حقوقهم المهنية والاجتماعية.

وجاء هذا التأسيس بعد تعبير قسم الحماية الاجتماعية والقطاع غير المنظم بالاتحاد العام التونسي للشغل، في بيانه الصادر يوم 11 جويلية 2026، عن تضامنه الكامل مع الاحتجاجات العمّالية، محذّرا من أن يصبح التحول الرقمي وسيلة للانتقاص من الحقوق الأساسية وتكريس أنماط تشغيل تفتقر لأدنى شروط الحماية.

في مواجهة هذا الحراك العمّالي، وجّهت إدارة منصة “غلوفو” مراسلة إلى الهياكل النقابية، رفضت فيها التفاوض على خلفية برقيّات الإضراب والتحرّكات المبرمجة.

وفق المراسلة تساءل مسؤولو الشركة عن الأساس الذي يستند إليه الاتحاد في الدفاع عن عمّال المنصات وإصدار برقيات الإضراب لفائدتهم، في ظلّ نفي المنصة انتسابهم إليها واعتبارهم غير منضوين تحت أي هيكل نقابي، متمسّكة بأن هؤلاء الشباب ليسوا أجراء لديها بل مجرّد “مقاولين مستقلّين” يتعاملون عبر التطبيق الرقمي وفق ذات المصدر.

يمثّل هذا التناقض فجوة واسعة بين ما تروّجه الشركة عبر منصاتها الرسمية من برامج مثل مبادرة تعهّد أعوان التوصيل (The Courier’s Pledge) التي أطلقتها في جويلية 2023، ووعدت بضمان أجور شفافة وتغطية تأمينية إضافية ودعم السلامة المرورية وحوارات دورية مع أعوان التوصيل وبين واقع الميدان الذي يتّسم بعدم استقرار الدخل وغياب الحماية الاجتماعية وخضوع القرارات المتعلقة بالطلبات والتقييم لمنطق خوارزمي غيرشفّاف.

تُظهر وثيقة عقد مبرم تحصّل موقع الكتيبة على نسخة منها، بين منصّة “غلوفو” وعامل توصيل، حجم التناقض الصارخ بين الخطاب التسويقي لشركات التطبيقات التي لطالما سوّقت لنفسها بصفتها داعمة لظروف عمل عادلة ومحسّنة لحقوق عمال التوصيل وبين الواقع القانوني الميداني.

ويعرّف العقد الشركة في مقدمته بأنها “مؤسسة تكنولوجية تقتصر مهامها على تطوير وإدارة منصة رقمية وسيطة”، وهو ما يتناقض مع محاولات الترويج الإعلامي لالتزامات اجتماعية حيث ينص الفصل 6 من العقد على ما يلي: “تُقر الأطراف بأنه لا توجد أي علاقة وكالة أو شراكة أو عمل نتيجة لهذا الاتفاق، ولا يحق لأي طرف تمثيل الطرف الآخر”.

كما يُلزم هذا العقد في فصله الرابع العامل بتحمّل المسؤولية القانونية والجبائية والاجتماعية كاملة ومقرّا بأنه المسؤول الوحيد عن أداء الضرائب والانخراط في الضمان الاجتماعي ودفع أي خطايا قد ترتبط بنشاطه.

وإلى جانب هذا التنصّل المؤسساتي تفرض الشركة شروطا ماليّة مسبقة تشمل دفع رسوم تفعيل الحساب تقارب 200 دينار، ورسوم شهرية بدينارين لاستخدام المنصة، فضلا عن ثمن حقيبة التوصيل الإجبارية التي تُستخرج مقابل “اعتراف بدين” أو وصل أمانة.

وتؤكد هذه الوثائق ما ذهب إليه الباحثون والنقابيون من أنّ هذه العقود مصمّمة خصيصا لتحميل التكاليف والمخاطر حصريا على العمال، وتحصين الشركات قانونيا ضد أي مسؤولية مدنية أو اجتماعية.

تلاعب بالتعريفات يدفع العمال للدخول في سلسلة إضرابات

الحوادث وغياب التأمين على أهميتهما، لم يكونا الدافع الأساسي لتضافر جهود العمّال نحو تأسيس نقابة صلب الاتحاد العام التونسي للشغل، إنّما تلاعب المنصات بالتعريفات هو ما أشعل فتيل الاحتجاجات والتلويح بالإضرابات.

وفق شهادات عديدة لعمال منصات توصيل الطلبيات والمأكولات، تدنّت مداخيلهم اليومية عمّا كانت عليه في وقت سابق وخاصة في بدايات عمل هذه المنصات الرقمية في تونس.

في أواخر شهر أكتوبر نفّذ عمال التوصيل المتعاقدين مع منصة “غلوفو” إضرابا عن العمل لمدّة يومين تخللته وقفات احتجاجية أمام مقرات الشركة.

يقول عاطف دريدي كاتب عام نقابة “غلوفو” في تصريح لموقع الكتيبة انّ دوافع احتجاجاتهم “ماليّة بحتة” حيث عمدت الشركة إلى خفض نسبة مرابيح العمّال مقابل الترفيع في حصّتها الخاصة الى 40 % إضافة إلى الغياب التام لمرونة العمل التي تعد بها الشركة فضلا عن سياسة التسويف والمماطلة التي تنتهجها الإدارة في التعاطي مع مطالب تحسين ظروف العمل وتوفير المعدات للجميع على حد السواء، وفق تعبيره.

ويكشف كاتب عام النقابة عن تحوّلات اعتبرها مقلقة في التطبيق فبعد أن كان وقت الانتظار مدفوعا ومحتسبا لصالح العامل في النسخ القديمة أصبح اليوم بالكامل على كاهل العامل دون أي تعويض.

بسؤال عمال توصيل طلبات في دول أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا لذات المنصة، تبين أن الفرع في تونس لا يشترك معهم إلا في الشعار واسم الشركة، بينما ظروف عملهم هناك أفضل بكثير.

عاطف دريدي كاتب عام نقابة “غلوفو”

تتقاطع شهادات المحتجين وكل من تحدّث منهم مع موقع الكتيبة في نقطة رئيسية، تدني المداخيل وتلاعب بقواعد احتساب المسافة وما يقابلها من أجر، من بين هؤلاء أنيس( اسم مستعار) وهو عامل توصيل بدأ العمل في منصة “غلوفو” قبل سنتين من الآن والذي وصف مهنة التوصيل بالعملية “الإنتحارية” و”الخطيرة”، مؤكدا أنّه اختارها مجبرا لعدم وجود بديل آخر على اعتبار أنّ لا مستوى دراسي له وانعدام فرص شغل بديلة، مشيرا إلى وجود زملاء له يعملون معه من أصحاب الشهائد العليا.

وعن تجربته مع المنصة يعتبر أنيس أن سياساتها الحالية وعلى نقيض ما بدأت عليه، أصبحت أشبه بـ”عمليات سلب رقمي” قائلا:

في السابق كانت المنصة تقتطع قليلا من ثمن الطلبية، أما اليوم فأصبحت طلبية بقيمة 15 دينارا لا نتقاضى عليها سوى 4 دنانير، ونحن مجبرون على القبول.

وينتقد أنيس الامتيازات التي يتمتع بها موظّفو الشركة بينما يُحرم عمّال التوصيل من أبسط الحقوق، حتى في طلب وجبة عبر التطبيق.

في تحليله لهذا الحراك النقابي والتنظيمي، يبيّن الباحث في علم الاجتماع الهادي دحمان أنّ لجوء العمال إلى الاتحاد العام التونسي للشغل وتبني هذا الأخير لمطالبهم جاء بعد أن أثبتت الإضرابات وتعطيل العمل الميداني محدوديتها في حل الإشكاليات البنيوية للقطاع. غير أنّ هذا المسار كشف في المقابل عن عجز الأنظمة الداخلية للمنظمات النقابية ومجلة الشغل الكلاسيكية التي صُممت أساسا للأُجراء عن الاستجابة التامة لطبيعة هذا التنظّم المهني الحديث، إذ اصطدمت المبادرة بإشكاليات تطبيقية وقانونية معقدة، نظرا إلى أنّ عددا من عمّال التوصيل يمتلكون معرّفا جبائيا “باتيندا”، ما يُوظَّف من قبل المنصّات لتبرير تصنيفهم كمقاولين مستقلّين لا كأجراء، وهو ما يعرقل انخراطهم في النقابات التقليدية ويفاقم غموض وضعيتهم القانوني، وفق قوله.

ويؤكد دحمان أنّ المطلوب اليوم ليس مجرّد إصدار برقيات إضراب كواجهة لافتكاك الحقوق، بل توظيف هذه المبادرة النقابية بالشكل الصحيح وإيجاد “غطاء تشريعي” ملائم يستوعب هذه الوضعيات الهجينة ويقضي على شعور الإقصاء لدى عمال التوصيل.

ويردف بالقول: “إنّ منظومة الضمان الاجتماعي التونسية لا تستوعب هذه المهن الجديدة، اذ أنّ نحو 32% من التونسيين خارج أمان التغطية الاجتماعية فضلا عن إقصائهم من المنظومة الجبائية نتيجة غياب آليات واضحة للتصريح بالدّخل، وهو ما يحوّلهم إلى شريحة موصومة تعيش على هامش الاقتصاد الرسمي رغم الدور الحيوي الذي تلعبه في الحياة اليومية للمدن”.

اقتصاد المنصات: معاملات متنامية في العالم وتونس

يتنزّل ظهور وتطوّر اقتصاد المنصّات الرقمية في صلب التحوّلات الهيكلية العميقة التي مسّت مورفولوجيا الشغل وأنماط الإنتاج المعاصرة. وتشير منظمة العمل الدولية، في دراستها الصادرة سنة 2024 حول العمل اللائق في اقتصاد المنصات، إلى أنّ هذا الاقتصاد بدأ يتشكّل خلال تسعينات القرن الماضي وسرعان ما أخذ حجمه وأهميته في التزايد المتسارع، ويعزى ذلك إلى حدّ كبير إلى التطورات التكنولوجية المتلاحقة بما فيها انتشار الهواتف الذكية، والإنترنت عالية السرعة والحوسبة السحابية وزيادة القدرة على استخراج البيانات واستخدامها وتتبّعها.

وفي ظلّ غياب تعريف دولي موحّد متّفق عليه تماما وتعدّد المصطلحات المستخدمة للدلالة عليه كـ “الاقتصاد التعاوني” أو “اقتصاد الأقران” أو “الاقتصاد القائم على الطلب”، يبقى مصطلح “اقتصاد المنصّات” هو الأكثر شيوعا لأنه يبرز الطابع المميّز لهذه الأنشطة التي تُنفَّذ عبر منصّات رقمية تُعرّف بدورها، وفق منظمة العمل الدولية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، على أنها “واجهة رقمية” أو “بنية تحتية رقمية” تمكّن مجموعتين أو أكثر من التفاعل وتلعب دور الجهة الوسيطة التي تربط بين مزوّدي الخدمات أو السلع وعملائهم.

تبرز دراسة “تحقيق العمل اللائق في اقتصاد المنصات” الصادرة عن منظمة العمل الدولية، أنّ المنصّات الرقمية تعتمد نماذج أعمال مختلفة، تقوم على الربط بين العرض والطلب وتسهيل التفاعل بين العملاء ومقدّمي السلع والخدمات.

وتصنّف الدراسة هذه النّماذج إلى خمسة أنواع رئيسية: المنصّات مفتوحة المصدر التي تحقّق إيراداتها من الاشتراكات، ونموذج الخدمات المجانية الممتازة الذي يتيح خدمات أساسية مجانًا ومزايا إضافية باشتراك مدفوع، والمنصّات المدعومة بالإعلانات، والمنصات القائمة على الاشتراكات والمنصات ثنائية الجانب “عند الطلب” التي تتوسط بين طرفين وتحقق إيراداتها من رسوم المعاملات أو الاستخدام. وتوضّح الدراسة أنّ هذه النماذج ليست حصريّة، إذ يمكن للمنصّة الواحدة الجمع بين أكثر من نموذج أعمال.

كما تتميّز هذه المنصات بقدرتها على تقليل تكاليف المعاملات، وسهولة مقارنة الأسعار وجودة الخدمات، فضلاً عن الاستفادة من اتساع شبكة المستخدمين لتحقيق مكاسب مالية أكبر إذ تزداد قيمة المنصّة وقدرتها على استقطاب مستخدمين جدد مع اتساع قاعدة المشاركين فيها. كما يمكنها نقل بعض التكاليف التشغيلية إلى مقدّمي الخدمات، مثل تكاليف المخزون وأوقات العمل غير المستغلة والانتظار وفق نفس المصدر.

على المستوى الوطني، يتجاوز الأمر هذا الإطار الشامل ليتّخذ أبعادا هيكلية خاصة، وهو ما تؤكده دراسة أنجزتها الرابطة الدولية لشبكات الهاتف المحمول ( GSMA) والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) صدرت في أفريل 2024، حول “المشهد الاقتصادي لمنصّات العمل الرقمية في تونس”، والتي تشير إلى أنّ “العدد المستنتج من بيانات الشركات الناشئة يتجاوز 250 شركة يعمل 25% منها بصفة شركات ناشئة (Startup)، مبيّنة أنّ نموذج تقديم الخدمات الموجّهة للمؤسسات والشركات الأخرى والمعروف بالتعامل بين الشركات أو(B2B) هو الأكثر انتشارا بنسبة 47%. وتُرجع الدراسة ذلك إلى محدودية عمق سوق الخدمات الموجّهة للمستهلك مباشرة والمعروفة بالتعامل مع المستهلك أو (B2C) ومحدودية وسائل الدفع، وهو ما يفسّر جزئيا سبب كون القطاع الموجه للمستهلك على غرار التوصيل والنقل الأقل تأطيرا.

في قراءة تحليلية للمشهد، يوضّح مروان المناعي الباحث بمركز الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل في حواره مع موقع الكتيبة أنّ “فهم اقتصاد المنصات الرقمية يقتضي التمييز بينه وبين الاقتصاد الرقمي بمفهومه الشامل. فالأخير يضمّ مختلف الأنشطة والقطاعات التي تعتمد على الرقمنة، من الخدمات البنكية والصحيّة إلى التجارة الإلكترونية في حين يمثّل اقتصاد المنصّات نمطا جديدا من تنظيم النشاط الاقتصادي أفرزته التطوّرات التكنولوجيّة، وتقوم بنيته على وساطة المنصّة بين طالب الخدمة ومقدّمها”.

وتتعدّد المنصّات الرقمية في تونس، وفق المنّاعي، بين منصّات تُنجز الأعمال عبر الإنترنت، وأخرى ترتبط خدماتها بالتدخل الميداني، على غرار النقل وتوصيل الطلبات. ويكتسب هذا التمييز أهميّة خاصة عند دراسة طبيعة علاقات العمل التي تنشأ داخل هذه المنظومة، إذ لا تتشابه الوضعيات المهنية للعاملين عبر المنصّات بالضرورة كما لا تتطابق طبيعة علاقتهم بالشركات المشغّلة أو الوسيطة.

تتقاطع المعطيات الصادرة عن دراسة “الشركات الناشئة التونسية ومناخ الاستثمار: دراسة نوعية استكشافية” مع بيانات تقرير “المشهد الاقتصادي لمنصات العمل الرقمية في تونس” ، لتكشف عن مفارقة هيكليّة عميقة تشهدها بيئة الأعمال واقتصاد المنصّات الرقمية في تونس. فبينما أحرزت البلاد تقدّما تشريعيا وفق القانون عدد 20 لسنة 2018 المؤرخ في 17 أفريل 2018 المتعلّق بالمؤسسات الناشئة من خلال إسناد علامة “Startup” لـ 1046 شركة ناشئة إلى غاية شهر جوان 2024، يُبيّن توزيع هذه الشركات أنّ 22.1% منها فقط تتركّز في قطاع البرمجيات والخدمات الموجهة للمؤسسات. وفي المقابل، لا تحظى القطاعات الخدمية الميدانية الموجهة للمستهلك مباشرة، وفي مقدمتها التوصيل والنقل، سوى بنسب ضئيلة جداً من التأطير أو التثمين والتأهيل القانوني.

وتبرز الأرقام الواردة في تقرير GSMA الفجوة الحادّة بين وعود الشغل الرقمي والواقع الميداني حيث أحدثت الشركات الناشئة، حتى ديسمبر 2021، أكثر من 4000 فرصة عمل مباشرة، في حين قدّر الباحث الهادي دحمان، المسؤول عن إعداد الدراسة الميدانية للاتحاد العام التونسي للشغل، عدد العاملين في هذا القطاع بنحو 60 ألف شخص.

ويأتي هذا في ظلّ بيئة أعمال خانقة وثّقتها دراسة “الشركات الناشئة التونسية ومناخ الاستثمار”، حيث تعاني 60.87% من المؤسسات الناشئة من الثقل البيروقراطي وتشتّت الإجراءات الإدارية، وتشكو 43.5% منها من جمود مجلّة الصرف والقوانين المنظمة للقطاع المالي والتأطير التشريعي، وهو ما دفع العديد منها إلى الإخفاق أو الهجرة خارج البلاد لتظلّ الأغلبية الساحقة من الشباب المنخرطين في هذا الاقتصاد أجراء ميدانيين ينشطون تحت رحمة خوارزميات المنصّات والوسطاء ودون أي حماية اجتماعية أو قانونية تكفل لهم أدنى مقوّمات العمل اللائق.

تظهر المعطيات المالية المتوفرة في السجل الوطني للمؤسسات لأبرز الشركات الناشطة في هذا القطاع على غرار شركة “فيرست دليفري” (First Delivery) عن تطوّر في رقم معاملاتها الذي ارتفع من 2.27 مليون دينار سنة 2020 إلى 3.50 ملايين دينار سنة 2021، ثم قفز بشكل قياسي إلى 11.72 مليون دينار سنة 2022 مسجلاً نتيجة صافية إيجابية بلغت 1.055 مليون دينار بعد أن سجّلت الشركة خسائر بـ 426 ألف دينار سنة 2021.

في المقابل، تُظهر نفس المعطيات المالية تصاعدا في الأعباء والديون، حيث بلغت الديون الجملية للشركة نحو 10.18 مليون دينار سنة 2022 (منها قروض بـ 4.06 ملايين دينار وديون تجارية ومالية أخرى)، مقابل رأس مال أساسي متواضع استقر عند 10 آلاف دينار فقط، وهو ما يعكس اعتمادا مكثّفا على التمويل الخارجي والديون لتوسيع البنية اللوجستية.

أما شركة “ياسير” فتُظهر بياناتها المالية لسنة 2023 مقارنة بسنة 2022 مسارا ماليّا يتّسم بتسجيل رقم معاملات بلغ 1.04 مليون دينار سنة 2023 مقابل 849 ألف دينار سنة 2022. وفي المقابل سجّلت الشركة خسائر صافية متراكمة بلغت 4.49 ملايين دينار سنة 2023 مقابل خسائر بـ 3.04 ملايين دينار سنة 2022، مما أدى إلى تراجع أموالها الذاتية لتصل إلى مستوى سلبي بلغ ناقص 7.30 ملايين دينار.

وتُظهر تفاصيل الأعباء التشغيلية للشركة تسجيل بنود مالية تتعلق بتكلفة استراتيجيات الاستحواذ والتسويق، من بينها تخصيص 480 ألف دينار لخدمات “التوصيل المجاني” و235 ألف دينار لـ “الحد الأدنى المضمن” (Minimum garantie) الموجّه لتحفيز السائقين، و151 ألف دينار للكوبونات الترويجية، إلى جانب تصاعد الحسابات الجارية للشركاء لتصل إلى نحو 9.08 ملايين دينار (ما يمثل قرابة 88% من إجمالي التزامات الشركة).

تجدر الاشارة إلى أنّ كبرى المنصّات في هذا القطاع تعتمد على سياسة التكتّم وعدم نشر بياناتها المالية على غرار منصّة “غلوفو” (Glovo) الإسبانية التي تُدير شبكة واسعة في السوق التونسية تضم نحو 2000 عامل توصيل، بحسب تصريح مديرها العام في تونس سنة 2025، وتغطّي عدة مدن كبرى بالشراكة مع أكثر من 1400 مطعم ومتجر وفق معطيات أعلنتها الشركة سنة 2024.

رغم صعوبة النفاذ إلى القائمات الماليّة التفصيليّة لهذه الشركات، تشير المؤشرات المتوفّرة إلى نموّ في حجم نشاط بعض المنصّات وتدفقات مالية معتبرة، في وقت لا تملك فيه أغلبية العاملين عقودا أو حماية اجتماعية، وهو ما يطرح أسئلة حول توزيع القيمة المضافة داخل هذا القطاع.

نمط اقتصادي سريع التحول يقابله خطوات إصلاحية بطيئة

تعالت دعوات أكثر من طرف بضرورة تدخل الحكومة والبرلمان لسن تشريعات جديدة تتماشى وهذا النمط الاقتصادي الحديث القائم على سرعة التحولات الرقمية.

في هذا الصدد أعلن وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر انكباب مصالح وزارته على إعداد مقترحات قوانين لتنظيم المهن الجديدة واقتصاد المنصّات الرقمية.

انّ الوزارة تعمل على تطوير التشريعات المنظّمة لعالم الشغل لمواكبة التحوّلات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر. 8 أكتوبر 2026

وأضاف الوزير خلال تصريح إعلامي على هامش ملتقى علمي حول قانون الشغل والتحديات الرقمية “أنّ مشروع قانون العمل عن بُعد جاهز ويستكمل إجراءاته الإدارية الأخيرة، فيما تمّ إعداد نصّ قانوني يتعلّق باقتصاد المنصات سيُطرح قريبًا للنقاش داخل هياكل الدولة. كما تعمل الوزارة على إدراج الوساطة في نزاعات الشغل ومراجعة التشريعات بما يتماشى مع الاتفاقيات الدولية لمنظمة العمل الدولية.”

فضلا عن ذلك، تضمّن مشروع قانون المالية لسنة 2027 إجراءات تهدف من خلالها الحكومة إلى تعزيز الرقابة الجبائية على المعاملات التجارية عبر الإنترنت، عبر إلزام خدمات التوصيل والمنصّات الإلكترونية بمدّ مصالح الجباية بمعطيات حول مزوّدي السلع ومبالغ معاملاتهم. غير أنّ هذا الإجراء، الذي يستهدف أساسًا تعزيز الامتثال الجبائي، لا يتناول بصورة مباشرة الوضعية المهنية لعمّال المنصّات أو حقوقهم الاجتماعية، لتظلّ مسألة تنظيم علاقتهم الشغلية وضمان حمايتهم الاجتماعية معلّقة.

في حواره مع الكتيبة وردّا منه على الحلول المتوفرة لحلحلة مشاكل اقتصاد المنصات قال الباحث بمركز الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل مروان المناعي انّ “غياب الأطر التشريعية يترك المجال مفتوحا أمام فوضى هيكلية خطيرة حيث تقتصر نسبة الشركات التي تربطها عقود واضحة بعمالها على أقل من 10%، بينما يغرق البقيّة في شبكات وساطة وعقود إذعان رقمية تفرض سيطرة الخوارزميات وتفتح الباب أمام تجاوزات جسيمة كالتحيل على أموال المزودين واندماج منصات وهمية دون رقابة”.

ويقترح المنّاعي “ضرورة إحداث صيغ انخراط رقمية مرنة ضمن الهياكل النقابية تضمن لعمّال المنصات حق المفاوضة الجماعية مع صياغة قانون أساسي مستقل ينظّم نشاط المنصّات الرقمية ويخضعها للرقابة الجبائية والمالية ويحمّلها مسؤوليتها القانونية كاملة تجاه عمالها.”

من الجانب السوسيولوجي وطرح حلول جدّية للقطاع، يذهب الباحث في علم الاجتماع خالد الطباّبي إلى أبعد من مجرّد التنظيم القانوني التقني، مؤكدا أنّ “قطاع التوصيل والاقتصاد غير المهيكل يمثلان شكلا من أشكال “الزحف الهادئ والمقاومة اليومية للمهمشين” في زمن العولمة حيث أعيد تشكيل ملامح المدينة وإيقاعاتها و أرصفتها لتتحول من ممرات للمارة إلى فضاءات إنتاج وعمل معيشي يومي.

ويحذر الطبّابي من “خطورة الإبقاء على هذه القطاعات التابعة لرأس المال العابر للحدود”، مشددا على أنّ “الإصلاح لا يمكن أن يكون مجرد لائحة قوانين لا طعم لها ولا اتّساق سياسي فيها بل يجب أن يكون إصلاحا شاملا ومتكاملا يربط بين الأبعاد الثقافية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية والنفسية والسياسية تفاديا لإنتاج أزمات هيكلية جديدة شبيهة بما حدث في قطاعات المناولة والحضائر.”

ويقترح ذات المصدر أن “تتمّ معالجة هذا الملف ضمن سيرورة سياسية وتنموية متكاملة تُسهّل انخراط هؤلاء الشباب في أنظمة الضمان الاجتماعي، باعتبارهم خزانا حقيقيا لإصلاح منظومة الجباية وصناديق التقاعد، لكي تتحوّل التكنولوجيا من أداة استنزاف قسري واستعمار اقتصادي حديث إلى رافعة حقيقية للتنمية والعدالة الاجتماعية، تضمن لعمّال المنصات حقهم في العمل اللائق والأجر المحترم”.

تكشف الظروف التي يعمل في ظلّها عمّال التوصيل في تونس عن فجوة عميقة بين تحوّلات سوق الشغل والأطر القانونية والاجتماعية التي ما تزال عاجزة عن استيعابها.

ففي الوقت الذي تتوسّع فيه أنماط العمل القائمة على الوساطة الرقمية، تتحمّل فئة من العاملين تكاليف هذا النشاط ومخاطره لتظلّ طبيعة العلاقة الشغلية مع المنصّات الرقمية ومسؤوليات الشركات تجاههم موضع التباس قانوني.

ورغم إعلان وزارة الشؤون الاجتماعية إعدادَ نص قانوني لتنظيم اقتصاد المنصّات ما تزال ملامح هذا التنظيم ومضامينه غير واضحة كما لم تتبلوربعدُ تصوّرات عمليّة تضمن انتقال هؤلاء العاملين من وضعيات مهنية هشّة الى أطر أخرى تعترف بحقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية و يحميهم.

ولا يقتصر التحدي على سنّ قوانين جديدة، بل يشمل أيضا بناء سياسة متكاملة تدمج هؤلاء العاملين في منظومة الحماية الاجتماعية وتحدّ من أشكال التشغيل الهش على اعتبار أنّ مستقبل اقتصاد المنصات وقيمته المُضافة على الاقتصاد الوطني لا يُقاس فقط بقدرته على التوسع، بل أيضًا بمدى قدرته على توفير بيئة عمل سليمة.

كلمة الكتيبة:

حاول موقع "الكتيبة" التواصل مع إدارة شركة "غلوفو" للحصول على ردّها بشأن عدد من الأسئلة المتعلقة بظروف عمل المتعاقدين معها إلا أنّه لم يتلقَّ أي إجابة، كما أفاد أحد العاملين بمقرّ الشركة في تونس بأنّ الإدارة توجد خارج البلاد، موضّحًا أن المقرّ المحلي يقتصر دوره على تقديم خدمات مركز النداء.

كلمة الكتيبة:
حاول موقع "الكتيبة" التواصل مع إدارة شركة "غلوفو" للحصول على ردّها بشأن عدد من الأسئلة المتعلقة بظروف عمل المتعاقدين معها إلا أنّه لم يتلقَّ أي إجابة، كما أفاد أحد العاملين بمقرّ الشركة في تونس بأنّ الإدارة توجد خارج البلاد، موضّحًا أن المقرّ المحلي يقتصر دوره على تقديم خدمات مركز النداء.

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

تدقيق: وليد الماجري
غرافيك: منال بن رجب
فيديو: سامي الشويخ
تطوير وغرافيك: بلال الشارني
فيديو: سامي الشويخ
تطوير وغرافيك: بلال الشارني
تدقيق : وليد الماجري
غرافيك : منال بالرجب

الكاتب : سماح غرسلي

صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات

sameeeeeh
Scroll to Top