الكاتب : سماح غرسلي
صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات
في تمام الساعة الثالثة فجرا، لم يكن نور الدين أحمد يواجه صقيع الانتظار فقط أمام مستشفى “صالح عزيّز” بالعاصمة تونس وحيدا، بل كان يحمل كرسيّا قابلا للطي وذاكرة مُثخنة بوجع والدته التي ينهش السرطان جسدها. في تلك القاعة المكتظة بالعشرات من المرضى، لا يواجه التونسيون.ـات المرض فحسب، بل يصارعون للحصول على رقم يضمن لهم حقا بديهيا في العلاج قبل أن تبتلعهم طوابير الانتظار القاتلة، وفق قوله.
“لكنّ المأساة لم تكن في الانتظار فقط”، يروي نور الدين مشهدا سرياليا من داخل أروقة المستشفى. ففي غياب آلة بسيطة لتحريك أكياس الدم ومنع تخثّرها وجد نفسه يقضّي لياليه حاملا كيس الدم بيديه يرجّه يدويا طوال ساعات الليل ليضمن وصوله سائلا إلى عروق أمّه.
يقول نور الدين في حديثه مع موقع الكتيبة : “في تلك اللحظات، لم أكن مجرّد إبن بار بل كنت أقوم بدور “آلة” عجزت الدولة عن توفيرها في منظومة صحّية تقتطع المساهمات للصناديق الإجتماعيّة من أجور المواطنين بانتظام لكنّها تتركهم يتسوّلون جرعة دواء أو صورة أشعّة غير متوفّرة”.
ويضيف قائلا: “رحلتي مع والدتي لم تكن رحلة علاج بل كانت مواجهة مع غول البيروقراطية الذي ينهش الجسد أكثر من الخلايا السّرطانية وسوق سوداء تستثمر في أوجاع الناس بجرعات مهرّبة وبلا فواتير، اضطررت للولوج إليها حتى أوفّر الدواء لوالدتي”.
الكاتب : سماح غرسلي
صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات
في تمام الساعة الثالثة فجرا، لم يكن نور الدين أحمد يواجه صقيع الانتظار فقط أمام مستشفى “صالح عزيّز” بالعاصمة تونس وحيدا، بل كان يحمل كرسيّا قابلا للطي وذاكرة مُثخنة بوجع والدته التي ينهش السرطان جسدها. في تلك القاعة المكتظة بالعشرات من المرضى، لا يواجه التونسيون.ـات المرض فحسب، بل يصارعون للحصول على رقم يضمن لهم حقا بديهيا في العلاج قبل أن تبتلعهم طوابير الانتظار القاتلة، وفق قوله.
“لكنّ المأساة لم تكن في الانتظار فقط”، يروي نور الدين مشهدا سرياليا من داخل أروقة المستشفى. ففي غياب آلة بسيطة لتحريك أكياس الدم ومنع تخثّرها وجد نفسه يقضّي لياليه حاملا كيس الدم بيديه يرجّه يدويا طوال ساعات الليل ليضمن وصوله سائلا إلى عروق أمّه.
يقول نور الدين في حديثه مع موقع الكتيبة : “في تلك اللحظات، لم أكن مجرّد إبن بار بل كنت أقوم بدور “آلة” عجزت الدولة عن توفيرها في منظومة صحّية تقتطع المساهمات للصناديق الإجتماعيّة من أجور المواطنين بانتظام لكنّها تتركهم يتسوّلون جرعة دواء أو صورة أشعّة غير متوفّرة”.
ويضيف قائلا: “رحلتي مع والدتي لم تكن رحلة علاج بل كانت مواجهة مع غول البيروقراطية الذي ينهش الجسد أكثر من الخلايا السّرطانية وسوق سوداء تستثمر في أوجاع الناس بجرعات مهرّبة وبلا فواتير، اضطررت للولوج إليها حتى أوفّر الدواء لوالدتي”.
ليست قصة نور الدين أحمد سوى عيّنة ملموسة لواقع يعيشه آلاف المرضى في تونس حيث تحوّل الحق في العلاج من خدمة تكفلها الدولة إلى معركة يومية يخوضها المواطن بمفرده. لكن هذا المشهد الإنساني المتأزّم يخفي خلفه أرقاما وحقائق هيكليّة تعكس انهيارا صامتا في منظومة الأدوية في تونس وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول الأمن الدوائي.
يسعى هذا التحقيق إلى تفكيك منظومة صناعة وتوزيع الأدوية في تونس والإجابة عن جملة من الأسئلة الجوهرية.


المنظومة الدوائيّة في تونس: بماذا تشي الأرقام؟
تكشف الرّدود الأخيرة لوزارة الصّحة على الأسئلة الكتابية الموجّهة من عدد من نوّاب البرلمان عن عمق الأزمة التي تلاحق الصيدلية المركزية والمنظومة الدوائية في تونس، حيث أعلنت الوزارة عن حزمة إجراءات ظرفيّة شملت ضخ تمويلات مباشرة من وزارة المالية وانتظام التحويلات من الصندوق الوطني للتأمين على المرض.
إلّا أن هذا التوجّه الرّسمي لتسريع خلاص ديون المزوّدين الأجانب يصطدم بواقع ميداني حرج تعيشه سلمى، وهي فتاة عشرينية تقطن بالعاصمة التقاها فريق الكتيبة خلال فترة إنجازنا لهذا التحقيق، حيث تخوض شهريّا رحلة شاقة لتأمين دواء الغدّة الدرقية لوالدتها وأختها.
تقول سلمى لموقع الكتيبة واصفة معاناتها بكلمات تختزل أزمة الحصول على الدواء:
“لم يعد بحثي عن الدواء مجرّد جولة في الصيدليات بل أصبح استجداء وقلقا لا ينتهي فعندما يخبرني الصيدلي بنفاد الدواء أشعر باختناق يشبه ذلك الذي تعاني منه والدتي وأختي. أضطرّ أحيانا لقطع مسافات طويلة أو التوسّل لمعارفي في العاصمة للبحث معي عن الدواء وفي النهاية أجد نفسي أسابق الزمن لإرسال العلبة مع سائق سيارة أجرة ‘لوّاج’ متّجهة لمدينتنا، وأظلّ في رعب حتى أتأكد من وصولها”.


تعكس هذه المفارقة التحدّيات الهيكلية لمنظومة دوائية بدأت ملامحها التنظيمية منذ سنة 1958 بتأسيس الصيدلية المركزية ككيان محتكر للتوريد ثم تعزّزت بإنشاء المخبر الوطني لمراقبة الأدوية (LNCM) سنة 1984 لضمان الجودة والمركز الوطني لليقظة الدوائية (CNPV) سنة 1984 لمتابعة الآثار الجانبية لبعض الأدوية وهيكلة إدارة الصيدلة والدواء بوزارة الصحّة (DPM) التي تشرف على التراخيص والسياسات العامة للمنظومة الدوائية وصولا إلى الوكالة الوطنيّة للدواء ومواد الصحّة (ANMPS) سنة 2023.
تظهر المعطيات القطاعية لوكالة النهوض بالصناعة والابتكار (APII) أن المنظومة تضمّ 68 وحدة إنتاج تشغّل آلاف الكفاءات إلّا أن هذا الثقل الصناعي يجد نفسه أمام مفارقة حادّة حيث تظلّ السوق المحليّة تعاني من نقص في العديد من الأدوية الحيويّة.
وتكشف ذات المصادر أنّ 42 وحدة من هذه المصانع قد نجحت في توجيه جزء من إنتاجها نحو التصدير لأكثر من 35 دولة وهو ما يعكس قدرة تنافسية عالية للمنتج التونسي خارجيا في وقت تكافح فيه المنظومة داخليا لتأمين استمرارية التزوّد ببعض الأصناف الأساسيّة.


وفي محاولة لتطويق النقص، أقرّ الفصل 18 من قانون المالية لسنة 2026 إجراء هيكليّا يقضي بتخصيص موارد إضافية من حساب تنويع مصادر الضمان الاجتماعي لتمويل اقتناء الأدوية الخصوصية بالتوازي مع رصد ميزانية إضافية سنوية تقدر بـ 15 مليون دينار لفائدة الجهات الصحيّة لدعم توفر الأدوية الأساسيّة.
تجدر الإشارة إلى أنّه وفق بيانات الصيدلية المركزية التونسيّة تقوم منظومة توزيع الأدوية في تونس على هيكليتين متوازيتين. تعمل الأولى في إطار القطاع الخاص عبر مسارين: يخصّ الأول الأدوية المصنّعة محلّيا التي تتحصّل على تراخيصها من الوكالة التونسيّة للأدوية لتصل بعدها مباشرة إلى شبكة الصيدليات الخاصة والموزّعين بالجملة. أمّا المسار الثاني فيمرّ حتما عبر الصيدلية المركزية التونسية التي تحتكر توريد الأدوية الأجنبية وتوزيعها.
في المقابل، تشتغل المنظومة العموميّة حصريّا مع الصيدلية المركزية باعتبارها المزوّد الوحيد للمستشفيات العموميّة ومصحّات الضمان الاجتماعي سواء تعلّق الأمر بالأدوية المحليّة أو المستوردة.


تكشف التقارير المالية الدولية والوطنية للسوق الدوائية في تونس، على غرار بيانات “الأونكتاد” (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD)، وهي المنظمة الأمميّة المسؤولة عن مراقبة التدفقات التجارية العالمية لضمان عدالة نمو الاقتصادات النامية، أنّ واردات تونس من الأدوية والمنتجات الصيدلانية الجاهزة سجّلت قفزة غير مسبوقة في ديسمبر 2024 لتصل إلى 220.8 مليون دولار ( أي حوالي 689 مليون دينار).
وتُعدّ هذه القيمة الأعلى على الإطلاق منذ بدء الرصد الإحصائي سنة 1995 حيث كانت في ديسمبر 2023 لا تتجاوز 133 مليون دولار (أي حوالي 416 مليون دينار). وهذا الارتفاع الحادّ في فاتورة المنتج النهائي يضع الصيدلية المركزية أمام مأزق توفير العملة الصعبة لتأمين الأدوية الحيوية التي لا تُصنع محليّا.
بالمقابل، تظهر أرقام البنك المركزي التونسي صورة أضخم حيث تجاوز إجمالي واردات قطاع الصيدلة ككلّ 1821 مليون دينار في 2023. وتجدر الاشارة إلى أنّ بيانات البنك المركزي تجميعية ولا تشمل الأدوية الجاهزة فقط، بل تضم أيضا المواد الأولية الفعّالة (APIs :Active Pharmaceutical Ingredients) التي تستوردها المصانع المحلية والمستلزمات الطبية والأمصال التي تندرج تقنيا تحت “البند 30” جمركيا (وهو التصنيف العالمي الموحد للمنتجات الصيدلانية).


أمّا في ما يتعلق بالصادرات، تعكس بيانات مركز النهوض بالصادرات (CEPEX) في تونس (مركز حكومي) نجاحا تجاريا للقطاع الخاصّ حيث تصدّر 42 وحدة إنتاج تونسية مثل مخابر “سيف” و”ميديس” أدوية جنيسة إلى أكثر من 35 دولة. إلا أنّ الرقم الحقيقي لهذه الصادرات يظلّ بعيدا عن الخلط الإحصائي الذي يدمج المواد الكيميائية وهو يتراوح بين 350 و400 مليون دينار سنويا.
تكشف هذه الأرقام عن تناقض هيكلي، فبينما تحقّق المخابر الخاصة نموا في التصدير يعاني المرفق العمومي (الصيدلية المركزية ) من فجوة سيولة بلغت 75%.
مع العلم أنّ إجمالي واردات القطاع بلغت 2270 مليون دينار في 2025. في المقابل تظلّ الإجراءات الظرفية والحلول التكنولوجية مثل منظومة “e-pharmacie” التي من المفترض أنها ستمكّن من متابعة دقيقة لمعدلات الاستهلاك وتحسين حوكمة التصرف في الأدوية داخل المؤسّسات الصحيّة العموميّة في سباق مع ميزان تجاري يميل بشدة لصالح استيراد الأدوية الخصوصيّة باهظة الثمن ممّا يترك المرضى في مواجهة مباشرة مع خطر نفاد الأدوية الحيوية.


في السياق ذاته، تكشف بيانات السوق الدوائية التونسية لسنة 2022 عن بلوغ رقم معاملات القطاع حوالي 3.2 مليار دينار، مسجّلا نموا بنسبة 8.3% مقارنة بسنة 2021. كما يتوزّع السوق بين قطاع صيدلي خاص يمثّل 75.7% من المبيعات وقطاع استشفائي عمومي تناهز قيمته 800 مليون دينار. وفي الوقت الذي سجّلت فيه الأدوية الجنيسة رقما قياسيا ببيع 162.1 مليون وحدة بقيمة 1.5 مليار دينار، حافظ مخبر Sanofi على صدارته المالية داخل السوق التونسية بإيرادات تجاوزت 211 مليون دينار.
وتُظهر بيانات التقارير الاستثمارية تمركز القطاع تدريجيا حول عدد محدود من المخابر الكبرى، من بينها TERIAK وMédis وUNIMED وSAIPH وADWYA إلى جانب فروع مجموعات دولية مثل Sanofi وOpalia Recordati وHikma.
وفي الوقت الذي توسعت فيه هذه المجموعات في التصدير نحو الأسواق الإفريقية والعربية، تعيش الصيدلية المركزية أزمة سيولة حادة أثرت بشكل مباشر على قدرة الدولة على تأمين مخزون مستقر من الأدوية الأساسية.
في هذا السياق، يشير الدكتور رفيق بوجدارية وهو طبيب وناشط في المجتمع المدني، في حديثه مع موقع الكتيبة إلى أنّ “منظومة الدواء في تونس تشكّلت تاريخيا حول الصيدلية المركزية التي أُنشئت منذ ستينات القرن الماضي بهدف ضمان تزويد المواطنين بالأدوية الأساسية في سياق كانت تهيمن فيه الأمراض الجرثومية والعلاجات منخفضة الكلفة”، موضحا أنّ “هذه المؤسسة لم تكن مجرّد مزوّد، بل لعبت دورا محوريا في احتكار توريد الأدوية وتعديل أسعارها للحفاظ على نوع من التوازن داخل السوق”.
ويضيف بوجدارية “أنّ دور الصيدلية المركزية شهد تحوّلا تدريجيا منذ منتصف التسعينات مع بروز شركات التوزيع بالجملة وتوسّع القطاع الخاصّ، غير أن هذا التحوّل تزامن مع ارتفاع عدد المرضى وتغيّر طبيعة الأمراض حيث أصبحت المنظومة الصحية تواجه أمراضا مزمنة ومعقدة مثل السرطان وأمراض القلب والأمراض العصبية وهو ما ضاعف الضغط المالي واللوجستي على منظومة التوريد العمومي”.
ويبيّن المتحدث ذاته “أنّ الصناعة الدوائية المحليّة توسّعت بدورها خلال العقود الأخيرة إذ تضمّ تونس اليوم قرابة 70 مخبرا توفر جزءا مهمّا من حاجيات السوق أغلبها أدوية جنيسة تخضع لرقابة المخبر الوطني لمراقبة الأدوية”، مضيفا أنّ الإنتاج المحلّي يظلّ متمركزا أساسا حول الأدوية العامّة في حين تبقى الأدوية المتخصّصة خاصّة المرتبطة بالأمراض السرطانية والهرمونية والعصبية معتمدة بشكل شبه كلّي على التوريد الخارجي”.
ويؤكد بوجدارية أنّ “هذا الاختلال جعل الصيدلية المركزية تتحوّل تدريجيا إلى نقطة الضغط الأساسية داخل المنظومة الصحية باعتبارها الجهة المطالبة بتأمين أدوية مرتفعة الكلفة في ظل تفاقم الديون ونقص السيولة وتأخّر خلاص المزوّدين الأجانب”، وفق قوله.
مرض مزمن يلازم الصيدلية المركزية
تحتكر الصيدليّة المركزيّة التونسيّة توريد الدواء وتوزيعه على كامل الجمهورية التونسية عبر شبكة متكوّنة من 7 فروع جهوية و17 وحدة توزيع تمتدّ من أقصى الشمال الغربي إلى أقصى الجنوب الشرقي، وبطاقة خزن إجمالية تبلغ 33860 مترا مربعا وأسطول نقل يضم 22 سيارة مجهّزة بعازل حراري و 11 سيارة عادية، وتشغّل الصيدلية المركزية 460 عونا دون اعتبار المقرّ الاجتماعي.
رغم أنّ تقرير المنشآت العموميّة المرافق لمشروع ميزانية الدولة لسنة 2026 قدّم صورة ماليّة تبدو مطمئنة نسبيّا بشأن الصيدلية المركزية بين سنتي 2022 و2023، فإن المعطيات الميدانية والتصريحات الرسمية اللاحقة تكشف تناقضا واضحا بين التحسّن المحاسبي المعلن واستمرار الأزمة الهيكلية للمنظومة الدوائية.


فبحسب التقرير، سجّلت الصيدلية المركزية سنة 2023 نتيجة صافية إيجابية قبل التعديلات المحاسبية بلغت 53.1 مليون دينار، مقابل عجز في سنة 2022، أي بزيادة قدّرت بـ38.9 مليون دينار محقّقة بذلك نسبة نمو تجاوزت 273%.
وأرجع التقرير هذا التحسّن إلى ارتفاع إيرادات الاستغلال وتراجع الأعباء المالية الصافية. كما رجّح أن ترتفع النتيجة الصافية سنة 2024 إلى حوالي 123 مليون دينار مدفوعة بتحسن الإيرادات وانخفاض كلفة الأعباء المالية.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية محاسبيا تخفي في المقابل أزمة سيولة متواصلة وخللا عميقا في توازن المنظومة. ففي شهر ماي من سنة 2025، كشف الرئيس المدير العام للصيدلية المركزية السابق شكري حمودة أن ديون المستشفيات والصناديق الاجتماعية المتخلدة لفائدة الصيدلية المركزية بلغت 1442 مليون دينار في حين قدّرت ديون الصيدلية نفسها تجاه المزوّدين بحوالي 1300 مليون دينار.
وأقرّ حمّودة بأنّ المؤسسة “ما تزال تعتمد على آليات استثنائية لتفادي الانهيار من بينها تأجيل الدفعات والتفاوض مع الصناديق الاجتماعية والمستشفيات”، معتبرا أنّ “تقليص فجوة الديون قد يستغرق 6 سنوات كاملة”.
ويكشف هذا التباين بين التحسّن المحاسبي على الورق والواقع المالي العملي أنّ الأزمة لا ترتبط فقط بالأرقام السنوية أو بنتائج الاستغلال بل بطبيعة النموذج المالي الذي تشتغل وفقه الصيدلية المركزية التي يمكن أن تحقق توازنا محاسبيا ظرفيا لكنّها تظلّ عاجزة عن حلّ معضلة الديون المتراكمة واختلال دورة الخلاص.


في نفس السياق، يعتبر الرئيس السابق لنقابة أصحاب الصيدليات الخاصة نوفل عميرة في حديثه مع موقع الكتيبة أنّ “أزمة الدواء في تونس لم تكن نتيجة نقص ظرفي في التزوّد بل جاءت أساسا نتيجة خيارات سياسية ومالية تعود إلى سنة 2016 تزامنت مع تفاقم عجز الصناديق الاجتماعية”.
ويوضّح عميرة أنّ “الدولة أعطت في تلك المرحلة أولوية لتوفير الموارد الضرورية لصرف جرايات المتقاعدين مقابل تقليص التمويلات الموجهة للصندوق الوطني للتأمين على المرض على أساس تنفيذ إصلاح شامل لمنظومة الصناديق الاجتماعية في أفق سنة 2018”.
ويضيف أنّ “ما تمّ اعتماده لاحقا من إجراءات ترقيعيّة من بينها الترفيع في سنّ التقاعد والزيادة في الاقتطاعات والمساهمات الاجتماعية هي حلول وفّرت موارد ظرفية محدودة قبل أن تعود الأزمة المالية للظهور من جديد، فالإشكال الأعمق يتمثّل في الربط بين منظومة التقاعد ومنظومة التأمين على المرض وهو ما جعل قطاع الصحّة يتحمّل تدريجيا كلفة اضطرابات مالية لا ترتبط مباشرة بمنظومة الدواء أو التزوّد الصحّي”.
ويؤكد نوفل عميرة أنّ “تداعيات هذا الخلل لم تقتصر على الجانب المالي فقط، بل امتد إلى علاقة تونس بالمخابر العالمية التي كانت تعتبر الصيدلية المركزية قبل سنة 2018 شريكا موثوقا بحكم ارتباطها المباشر بالدولة التونسية وضمانها لخلاص المستحقات في الآجال المحددة، غير أن هذا التوازن بدأ يتفكك تدريجيا مع تفاقم الديون وتأخر الخلاص ما دفع عددا من المخابر الأجنبية إلى التلويح بمغادرة السوق التونسية ثمّ الانسحاب فعليّا في بعض الحالات”.
ويضيف محدّث الكتيبة أنّ “تعقّد إجراءات تسجيل الأدوية وتزايد آجال التأخير في السداد عمّقا الأزمة خاصة مع وصول فترات الخلاص إلى ما يقارب حوالي 3 سنوات ، في حين لا تتجاوز آجال الإمهال الممنوحة للصيدلية المركزية من قبل المزودين 6 أشهر فقط، ممّا ساهم في تراجع الثقة في المنظومة الدوائية التونسية وحوّل أزمة الدواء من أزمة ظرفية إلى أزمة هيكلية ممتدة منذ أكثر من عشر سنوات”.
ويكشف بحث أكاديمي أنجز في حامعة منوبة موضوعه التحليل المالي للصيدلية المركزية سنة 2023،”أنّ المؤسسة نفسها أقرّت ضمن تقييم داخلي لنقاط القوة والضعف بوجود نقص في أدوات الرقابة وسوء تصرف في الكشف المبكر عن المشاكل إلى جانب عجز النظام المعلوماتي الحالي عن تتبع رقم معاملات الهياكل الاستشفائية حسب طبيعة المنتجات الموزّعة”.
وتعكس هذه المعطيات هشاشة المنظومة الرقابية داخل مؤسسة تدير سنويا مئات الملايين من الدنانير من الأدوية والمستلزمات الطبية دون امتلاك منظومة رقمية دقيقة تسمح بتتبع الاستهلاك الفعلي للمؤسسات الصحية أو مراقبة حركة المخزون بشكل لحظي.
كما تسجل الوثيقة البحثية نفسها “ارتفاعا في حجم الخسائر المرتبطة بعيوب التصنيع والكسر والنقص أثناء الاستلام” وهو ما يطرح تساؤلات حول نجاعة المنظومة اللوجستية والرقابية داخل الصيدلية المركزية خاصة في سياق تعاني فيه البلاد من نقص متكرر في الأدوية الحيوية.
في سياق إنجاز هذا التحقيق تواصل فريق الكتيبة مع مسؤولَين سابقَين رفيعَي المستوى في الصيدلية المركزية -طلبا عدم نشر هويتهما-، وقد اتفقا على تقديم تشخيص واحد يختزل جوهر الأزمة وهو أنّ الصيدلية المركزية ليست ضحية ظرف اقتصادي عابر بل هي مؤسسة تشتغل منذ سنوات في ظلّ نموذج مالي عشوائي وهش يُعيد إنتاج نفس الأزمة.
و أشارا نفس المسؤولين السابقين إلى أنّ “المؤسسة عاجزة عن استخلاص ديونها من المستشفيات والصناديق الاجتماعية وعاجزة في الوقت ذاته عن خلاص مزوّديها الأجانب في الآجال وأنّ الدولة تتدخل كل بضع سنوات بضخ سيولة ظرفية دون أن تعالج الأسباب الهيكلية الحقيقية لهذه الأزمة”.
وما عمق العجز المالي هو ما يصفه أحد المسؤولَين “بغياب الإرادة في الإصلاح الداخلي”، فالصيدلية المركزية تعمل دون هيكل تنظيمي متكامل ودون نظام معلوماتي مندمج يربطها بالصناديق الاجتماعية والمستشفيات ودون قدرة على تتبّع حركة الدواء من المستودع إلى المريض بشكل لحظي.
وذهب أحد المسؤولين إلى أبعد من ذلك من خلال الاشارة إلى أنّ “بعض الممارسات الداخلية على غرار تمتّع موظفين بأسعار تفاضلية عند اقتناء الأدوية، فتحت ثغرات استُغلت في إطار شبكات موازية. وقد وُجد نقابيون داخل المؤسسة في قلب ملفات تهريب وحتى إيقافهم لم يكن رادعا كافيا ليصلح وضع المؤسسة في ظل القصور الرقابي”، وفق تعبيره.
كلا المسؤولين تحدّثا عن ظاهرة باتت تُقلق المنظومة من الداخل وهي المخابر الدولية التي “أصبحت اليوم تمارس ضغطا مختلفا تحوّل في بعض الأوقات إلى ابتزاز واضح مثل أن تشترط بعض المخابر الخلاص المسبق قبل التوريد والبعض الآخر أصبح يهدّد بالمغادرة أو غادر السوق التونسية كليّا والسبب هو تأخير في السداد وصل في بعض المرّات إلى عدّة أشهر”.


هذا التشخيص الذي صدر عن مسؤولين عاشا الأزمة من الداخل لا يختلف كثيرا عما وثّقته الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية في تقريرها الصادر سنة 2024 وهو التقرير الذي استغرقت متابعته 17 شهرا بدل المعدّل العادي البالغ تسعة أشهر بسبب امتناع مصالح الصيدلية عن تزويد الهيئة بالوثائق المطلوبة.
يكشف التقرير على مستوى التنظيم الداخلي عن هشاشة هيكلية متراكمة تتمثّل في غياب هيكل تنظيمي مصادق عليه وقانون إطار يضبط الخطط الوظيفية داخل المؤسسة وغياب أدلة إجراءات في عدد من الإدارات التابعة لها، إضافة إلى غياب نظام محاسبة تحليلية يُمكّن من تتبع التكاليف الفعلية للشراءات.
يظهر نفس التقرير عدم تجديد شهادة الجودة ISO 9001 منذ حصلت عليها المؤسسة سنة 2011. وعلى مستوى النظام المعلوماتي لا يزال فرع سكرة المخصّص للتلاقيح والأمصال معزولا عن النظام المعلوماتي المركزي ولا توجد منظومة للتصرّف الإلكتروني في الوثائق ولا مخطّط محيّن للإعلامية ممّا يجعل عمليّة تتبّع سلسلة توزيع الدواء صعبة وغير ممكنة.
وعلى مستوى المخزون، رصد التقرير حالات نفاد تامّ لأدوية حياتية أساسية في مقابل فوائض في أدوية لا طلب عليها وهو ما يعني أن إشكال النقص ليس نقصا في التوريد دائما بل في كيفية التصرّف فيه، في المقابل انتهت صلوحية مخزون من الأدوية قبل بيعه بما قيمته 8.4 مليون دينار بين 2011 و2015 فيما تكبّدت المؤسسة خسائر بـ197 ألف دينار جرّاء مواد مرتبطة ببرنامج مكافحة إنفلونزا الخنازير ظلت دون تصرف منذ 2009 وأكثر من 20 % من المواد المقبولة خلال الفترة ذاتها كانت مدة صلوحيتها المتبقية عند الاستلام أقل من ثلثي المدة الكاملة.
كما رصد التقرير تجاوزات ذات طابع أخطر مثل اقتناء أدوية دون رخصة ترويج ودون الحصول على ترخيص استثنائي من وزارة الصّحة، بالإضافة إلى التعامل مع مزوّدين سُحبت رخصهم، وقبول دفعات من أدوية غير مشمولة بقرار السحب الأصلي وإرجاع مواد مخزّنة لدى حريف دون احترام آجال الاعتراض.
وخلص التقرير إلى أنّ كلّ هذه المخالفات أفضت إلى خسائر مالية موثّقة للمؤسسة. كما أوصى بفتح تتبعات تأديبية ومراجعة جدّية لنظام عمل المؤسسة والعمل الفوري بتوصيات الهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية.
أما في علاقة بانسحاب عدد من المخابر الأوروبية من السوق التونسية وإنهاء معاملاتها مع الصيدلية المركزية، يؤكد الدكتور رفيق بوجدارية في حواره مع الكتيبة أنّ “هذه المخابر رفضت مواصلة تزويد تونس بالأدوية ومطالبتها بخلاص ديون متراكمة لسنوات وهو ما اضطرّ تونس إلى البحث عن مزوّدين بديلين من بلدان أخرى”، معتبرا أنّ “هذا الوضع يعكس هشاشة منظومة التزوّد عندما تكون مرتبطة بعدد محدود من الشركاء”.
ويضيف بوجدارية أنّ “سياسة تجميد الأسعار ساهمت بدورها في تراجع جاذبية السوق التونسية حيث لم تعد توفر هوامش ربح مشجعة للمخابر الأجنبية ما دفع بعضها إلى المغادرة”.
ويرى الدكتور رفيق بوجدارية أنّ “مسألة الأدوية المفقودة تكشف بدورها عن خلل في تدفّق المعلومة داخل المنظومة. فداخل المستشفيات يتمّ تداول المعطيات بصفة دورية عبر قنوات رسمية، ما يسمح بقدر من التوقع والتأقلم. أمّا في القطاع الخاصّ فإنّ المعلومة تصل غالبا بشكل غير مباشر إمّا عبر المرضى أو الصيادلة”.
ويؤكد في ذات السياق “غياب منصّة وطنية موحّدة تتيح للأطباء خاصّة في القطاع الخاص الاطلاع الآني على وضعية الأدوية” معتبرا أنّ “إرساء مثل هذه الآلية يعدّ خطوة أساسية نحو الشفافية وتحسين التنسيق”، وفق قوله.
أما فيما يتعلق بالدعم، يقول الدكتور رفيق بوجدارية إنّ “فلسفة الدعم التي قامت عليها الصيدلية المركزية في بداياتها كانت مبرّرة في سياق اجتماعي محدّد هدفه حماية الفئات الهشة وضمان حقها في العلاج. غير أن هذه الفلسفة لم تعد تتماشى مع التحولات الحالية سواء من حيث طبيعة الأمراض أو كلفة الأدوية”.
ويبيّن بوجدارية أنّ “الإشكال اليوم يكمن في تعميم الدعم على أصناف مختلفة من الأدوية بما في ذلك أدوية غير حيوية أو تلك التي تتوفّر لها بدائل محليّة وهو ما يمثّل عبئا غير مبرّر على ميزانية الدولة. ومن الأجدى إعادة توجيه هذا الدعم نحو الأدوية الأساسية والحياتية التي لا يمكن الاستغناء عنها مثل أدوية الأمراض المزمنة والخطيرة”.
ويشير ذات المتحدّث إلى أنّ “تقليص دور الصيدلية المركزية في توريد الأدوية غير الأساسية وفتح المجال أمام القطاع الخاص لتولّي هذا الدور يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط المالي مع الحفاظ على دور الدولة في التأطير والتعديل وأنّ هذه المقاربة تتطلب حوكمة دقيقة ورؤية واضحة لتوزيع الأدوار داخل المنظومة”.
تجدر الإشارة إلى أنّ ملف الصيدلية المركزية لم يظلّ حبيس التقارير الرقابية بل طرق باب البرلمان أكثر من مرّة منذ سنوات. ففي أفريل 2018، وجّه النائب السابق ياسين العياري سؤالا كتابيا إلى وزير الصحة بعد تقارير تحدثت عن احتمال إدراج تونس في قائمة الدول غير الملتزمة بسداد ديونها لمخابر الأدوية طالب فيه بتوضيح حجم ديون الصيدلية المركزية والخطوات المتخذة لتفادي التصنيف.
وفي أكتوبر 2018، طالب النائب السابق فيصل التبيني بالاطّلاع على المبالغ المتخلّدة بذمة حرفاء الصيدلية وديونها تجاه مزوّديها. وفي جوان 2019، طلب التبيني نسخة من تقرير التفقد المتعلق بالصيدلية فجاء الرّد الوزاري بأن الملف أُحيل إلى القطب القضائي الاقتصادي والمالي منذ ماي 2018.
ما تكشفه هذه الوثائق والتصريحات مجتمعة هو أنّ أزمة الصيدلية المركزية ليست أزمة مؤسسة واحدة بل هي أزمة منظومة بأكملها. فالصناديق الاجتماعية عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها والمستشفيات تتزوّد دون أن تدفع مستحقات الصيدلية المركزية والمخابر الأجنبية تنسحب أو تبتزّ والتقارير الرقابية تبقى حبرا على ورق. وفي المقابل يقف المريض في آخر السلسلة ويدفع ثمن خلل وأزمة لا ذنب له فيها في ظلّ غياب واضح لسياسة عمومية تقرّها الدولة فتحوّلها إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ بشكل عاجل وآجل في الآن ذاته.
سوء حوكمة، تضارب مصالح، وتفاقم للتهريب
أصدرت هيئة الرقابة الادارية و المالية تقريرها حول الصيدلية المركزية الخاصّ بالفترة الممتدّة بين 2011 و2015 في أفريل 2018، وفي جانفي 2020، نظرت الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية في نتائج المتابعة الأولى. ثم في ديسمبر 2022، انطلقت أعمال المتابعة الثانية، لتُختتم في أفريل 2023 بخلاصة مفادها أن نسبة الإصلاح لم تتجاوز 48 %، أي أنّ أكثر من نصف الإخلالات الموثّقة منذ سنوات لا تزال قائمة بعد خمس سنوات من انطلاق مسار الرقابة.
يرى هشام بوغانمي، عضو الجامعة العامة للصحة وكاتب عام نقابة أعوان الصيدليات الخاصة بالاتحاد العام التونسي للشغل، أنّ “المنظومة الدوائية في تونس تتعامل مع الدواء كما لو كان سلعة عادية تخضع لمنطق التزويد والتخزين فحسب، في حين أنّ جوهره مختلف تماما، وأن المشكلة الحقيقية ليست في وجود الصيدلية المركزية كمؤسسة محتكرة للتوريد بل إن هذا الاحتكار يُمثل في حدّ ذاته مكسبا وطنيّا لا يُستثمر بالشكل الأمثل”.
ويقول البوغانمي لموقع الكتيبة :
“نعم، لدينا مؤسسة عموميّة تضمن نوعا من السيطرة على السوق وتحدّ من الانفلات، لكن هذه المؤسسة تشتغل دون نظام معلوماتي مندمج يُمكّن من تتبع مسار الدواء، ودون معطيات دقيقة حول حاجيات التونسيين حسب الجهات والأمراض، وهو ما يجعل التخطيط وتوزيع الدواء عملية شبه عشوائية”.
هذا الواقع الذي يصفه بوغانمي بالمتأزم لا يختلف كثيرا عمّا يراه رئيس لجنة الصحة بالبرلمان عزّ الدين التايب الذي يؤكد لموقع الكتيبة أنّ “الإشكال لا يكمن فقط في غياب الحلول، بل في تعطّل تنفيذها، حيث تقدم نواب بالبرلمان بعديد المبادرات التشريعية لإصلاح القطاع الصحي. لكنّها تبقى دون أثر فعلي لغياب النصوص التطبيقية وأن هذه الفجوة بين التشريع والتنفيذ هي أبرز نقاط ضعف الدولة والقوانين تتحول إلى نصوص غير قابلة للتفعيل على أرض الواقع”.
ويذهب التايب في تشخيصه إلى ما هو أعمق، حين يشير إلى أنّ “ما يُعرف بالإدارة العميقة لا تزال تمثّل عائقا حقيقيا أمام الإصلاح، من خلال مقاومة التغيير والمحافظة على نفس الآليات التقليدية”. ويضرب مثلاً بالبيروقراطية التي تحاصر المستثمرين الراغبين في دخول القطاع الدوائي، إذ يواجهون مسارا طويلا ومعقّدا للحصول على التراخيص قد يمتد لسنة أو أكثر مع تعدد المتدخلين وغياب التنسيق بينهم.
“المستثمر، سواء كان تونسيا أو أجنبيا، يجد نفسه أمام متاهة إدارية تُفقد مشاريعه جدواها الاقتصادية قبل أن تنطلق.”
رئيس لجنة الصحة بالبرلمان عزالدين التايب
ويلفت التايب إلى أنّ “علاقة الأطباء بالمخابر الدوائية تحتاج هي الأخرى إلى مزيد من التأطير. فرغم أن التفاعل بين الممثلين الطبيين للمخابر والأطباء نشاط مشروع في الأصل، فإنّ بعض الممارسات كدعوة الأطباء إلى مؤتمرات أو تقديم امتيازات لهم تتطلب إطارا رقابيا واضحا يضمن استقلالية القرار الطبي”.
ويوضّح أن “هذه الممارسات موجودة في عديد الدول، لكنها في غياب الرقابة تنزلق نحو التأثير في قرارات الوصف بما لا يكون دائما في مصلحة المريض”.
ويشدّد على أنّ “إصلاح المنظومة يمرّ أيضا عبر تنظيم هذه العلاقات وضمان الشفافية في مختلف مراحل وصف الدواء وتوزيعه، لأن السماح بتأثيرات غير مُراقبة على قرار الوصف يُعمّق من اختلالات الاستهلاك ويرفع فاتورة الاستيراد دون مبرّر”.
ويكشف التايب في حديثه أنّ “بعض الحالات الاستعجالية أظهرت بوضوح هشاشة المنظومة، حيث تمّ السعي لتوفير أدوية بشكل سريع، لكن الإجراءات الإدارية وخاصة على مستوى الديوانة تسبّبت في تعطيل وصولها وهو ما أدى إلى تأخير في العلاج”، مضيفا أنّ مثل “هذه العراقيل الإجرائية قد تكون لها انعكاسات خطيرة على صحّة المرضى، ما يفرض مراجعة عاجلة لمسارات التوريد والتوزيع والخلاص”.
ويختم التايب بالقول إنّ “الحل يبدأ من الميدان لا من المكاتب”، مذكّرا أنّ “لجنة الصّحة باتت تُكثّف زياراتها المباشرة إلى المستشفيات والهياكل الصحية بدلا من الاكتفاء بالتقارير الإدارية”، وفق قوله.
لا تنفصل هذه الاختلالات الهيكلية عن ظاهرة تستنزف المخزون من الخارج يصفها هشام البوغانمي بأنّها “أعمق ممّا تبدو عليه” وهي ظاهرة التهريب، ويوضّح البوغانمي لموقع الكتيبة قائلا: “التهريب في تونس لا يتمّ دائما عبر معابر غير قانونية كما يُعتقد الكثير، بل يمرّ في كثير من الحالات عبر قنوات قانونية بالكامل”.
ويؤكد البوغانمي أنّ “الوصفات الطبية طويلة المدّة والتي قد تمتدّ إلى ستة أشهر، تُفضي إلى صرف كميّات كبيرة من الأدوية المدعومة دفعة واحدة ولا يمكن للصيدلي رفض صرف الدواء إذا كانت الوصفة مستوفية للشروط القانونية ولا يمكنه التحقق من وجهتها النهائية خصوصا الأدوية المدعومة تحديدا هي الأكثر استهدافا نظرا للفارق الكبير في الأسعار مع الأسواق المجاورة. علما وأنّ مؤشرات التهريب ليست تقديرات نظرية، بل هي موثقة في المحاضر الديوانية المتكرّرة”.
تتقاطع آخر الأخبار والبلاغات مع ما قاله البوغانمي عن ظاهرة التهريب، فخلال سنة 2025 ، حجزت مصالح الديوانة ما يناهز 18 ألف علبة دواء كانت في طريقها نحو خارج التراب الوطني. وفي أكتوبر 2025، أحبطت الديوانة بمعبر الذهيبة محاولة تهريب 1224 علبة من أدوية القلب والضغط والمسكنات مخبأة على متن سيارة بلوحة ترقيم أجنبية. وقبل أسابيع من إعداد هذا التحقيق، حجز الحرس الوطني بطبرقة حوالي 12 ألف قرص من أدوية الأمراض المزمنة مرتفعة التكلفة كانت متجهة نحو الجزائر.
جدير بالذكر أنّ هذا التهريب لا يقتصر على المواطنين فقط. ففي أفريل 2026، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكاما بالسجن وصلت لـ10 سنوات في حق أربعة موظفين في قضية تهريب أدوية وبيعها لغير مستحقيها.


من جانب آخر، تكشف ظاهرة بيع وتبادل الأدوية عبر شبكات التواصل الاجتماعي بُعدا آخر لا يقلّ خطورة، وهو ظاهرة الاستهلاك غير الرشيد للأدوية المدعومة والتداوي الذاتي، وتدلّ هذه الظاهرة حسب عضو الجامعة العامة للصحّة على “تواجد كميات كبيرة من الأدوية لدى مواطنين دون حاجة فعليّة لها أو بسبب الوصفات الطبية بكميات كبيرة في الوقت الذي يعجز فيه مرضى آخرون عن إيجاد نفس الأدوية في الصيدليات”.
ويربط البوغانمي هذه الظاهرة بفشل منظومة النفاذ إلى العلاج لا بقصور وعي المواطن قائلا :
“المريض حين يلجأ إلى الصيدلي مباشرة دون استشارة طبية فهو لا يفعل ذلك اختيارا بل لأنّ طول قوائم الانتظار في القطاع العمومي تحاصره وكلفة القطاع الخاص تتجاوز طاقته”.
ويحذّر نفس المتحدث ممّا هو أخطر على المدى البعيد وهو “الإفراط في استهلاك المضادات الحيوية خارج الأطر الطبية ما يُنذر بمرحلة تفقد فيها هذه الأدوية نجاعتها نهائيا وهو ما يشكل تهديدا حقيقيا للصحة العامة في المستقبل”، وفق قوله.
وضرب محدّثنا مثالا لدواء “ليريكا” (Lyrica ) الذي وصفه بأنه “نموذج بالغ الدلالة على منزلق الاستهلاك غير المُراقَب”. فهذا الدواء الذي أُنتج لأغراض علاجية محدّدة تحوّل في سياقات عديدة إلى مادة ذات استخدامات منحرفة وسط فئة الشباب وسجّلت دول مجاورة حالات وفاة بسبب سوء استعماله.
يضاف إلى هذه العوامل الآنف ذكرها التي عمّقت أزمة الدواء في تونس، عامل آخر يبقى في الغالب خارج دائرة النقاش العام، إذ يلفت الدكتور رفيق بوجدارية في حديثه مع موقع الكتيبة النظر إلى أنّ “السياحة الاستشفائية رغم أهميتها الاقتصادية تمثل ضغطا إضافيا على المخزون الدوائي المدعوم”.
إنّ توافد المرضى من الخارج لتلقي العلاج في تونس سواء من الدول المجاورة أو من بلدان إفريقية له انعكاسات مباشرة على منظومة الأدويّة، باعتبار أن هؤلاء المرضى يستهلكون جزءًا من المخزون الدوائي الوطني، سواء داخل المؤسسات الصحية أو عبر اقتناء الأدوية من السوق المحلية
يؤكد بوجدارية أنّ “غياب معطيات دقيقة حول أعداد هؤلاء المرضى وحجم استهلاكهم للأدوية يجعل من الصعب إدماجهم ضمن التخطيط الوطني للحاجيات الدوائية”.
ويشدّد بوجدارية على أنّ “الحل يكمن في ترشيد هذه الظاهرة عبر إرساء منظومة إحصائية واضحة، تُمكّن من احتساب الاستهلاك الحقيقي، وإدراجه ضمن تقديرات الدولة في ما يتعلق بالتزود بالأدوية”، مبرزا أنّ “تحقيق ذلك يظلّ رهين تكريس مبدأ الشفافية الذي يعتبره عنصرا أساسيا في حسن إدارة المنظومة الصحية وتفادي الأزمات المتكررة”.
ويرى محدّث الكتيبة “أنّ أزمة الدواء في تونس مسؤولية مشتركة تطال كل أطراف المنظومة. فالمواطن مدعوّ إلى الابتعاد عن التداوي الذاتي الذي يُفاقم ظاهرة المقاومة البكتيرية جراء سوء استعمال المضادات الحيوية، والصيادلة مطالبون بدور أكثر صرامة في الحدّ من صرف الأدوية دون وصفة خاصّة الأدوية الحسّاسة منها”.
أمّا شركات الصناعات الدوائية فيدعوها إلى “التعاضد و التشارك بدل العمل الفردي المتشتّت حتى تتمكن من الدخول في مجالات إنتاج استراتيجية و مهمّة”. وفيما يخص الأطبّاء، يشدّد بوجدارية على “التزامهم الصارم بالأدلة الإرشادية التي أعدّتها هياكل وزارة الصحة بهدف توحيد الممارسات الطبية وترشيد وصف الأدوية والحدّ من الاستهلاك العشوائي”.
ماذا عن “السيفات “؟
في مواجهة كلّ هذه العوامل التي ساهمت في تدهور قطاع الدواء في تونس، كانت “السيفات” (الشركة التونسية للصناعات الصيدلانية المؤسسة سنة 1970) تُطرح دائما باعتبارها جزءا من الحلّ.
تحتلّ الشركة التونسية للصناعات الصيدلية المقام الأول في النسيج الصناعي التونسي لقطاع الصناعة الصيدلية الذي يمتاز بقدرة فائقة على التطور بل إنها المكوّن الرئيسي له، ويقوم استقرار الشركة على استراتيجية تمتاز أساسا بتنوع إنتاجها المتمثّل في 141 عرضا للصيدليات و109 عرضا للمستشفيات و135 اختصاصا مجمعة في حوالي خمسة عشر صنفا علاجيا تتوفر فيها أسباب الجودة، وفق ما هو منشور على الموقع الرسمي للشركة.
غير أنّ تقرير مؤشرات النشاط للربع الثاني من سنة 2024 يرسم صورة مختلفة تماما. ذلك أن رقم المعاملات الإجمالي للشركة تراجع بنسبة 20 بالمائة مقارنة بالربع الثاني من سنة 2023، فيما انهار إنتاج القطاع الاستشفائي بنسبة 41 %.
أما التصدير فقد تراجع إلى الصفر خلال نفس الفترة وطوال النصف الأول من سنة 2024. وعلى مستوى الديون، ناهزت مديونية الشركة 110 مليون دينار في منتصف 2024 منها 30 مليون دينار تجاه الصناديق الاجتماعية و8.9 مليون دينار من الالتزامات الجبائية، فضلا عن قروض وديون تجاه المورّدين والمصارف تتراوح بين 40 و58 مليون دينار مقابل رأس مال لا يتجاوز 9 ملايين دينار.
وفي أواخر سنة 2025، ارتفع رقم المعاملات الإجمالي بنسبة 78 % مقارنة بنفس الفترة سنة 2024 وهو ما بدا للوهلة الأولى انتعاشا مبشّرا، غير أن هذا الارتفاع مصدره القطاع الصيدلي الخاص حصرا، في حين انهارت مبيعات القطاع الاستشفائي الذي يُمثل الهدف الأصلي للمؤسّسة العموميّة بنسبة 56 % وبقي التصدير عند الصفر.
وفي الوقت ذاته، ارتفعت المديونية الإجمالية للشركة بنسبة 17 % خلال سنة واحدة مع العلم أن الشركة تشغّل ما يقارب 379 موظّفا.
جدير بالتنويه أنه في ديسمبر 2024، أدّى وزير الصحة مصطفى الفرجاني زيارة تفقدية للشركة أعلن على إثرها عن جملة من الإجراءات من بينها دعم خطوط الإنتاج وتجديد المعدات وتعزيز الموارد البشرية. لكن هذه الإجراءات لم ترفق بجداول زمنية ملزمة ولا بتمويلات محدّدة.
في هذا السياق، يبيّن البوغانمي لموقع الكتيبة أنّ الحديث عن إصلاح “السيفات” ظلّ حبيس التصريحات دون إجراءات ملموسة. ويستحضر تجربته كعضو سابق في لجنة إنقاذ الشركة ليصف ما شهده حينها بأنها “شركة عجزت عن إنتاج السيروم الفيزيولوجي لفترة طويلة وحين استأنفت الإنتاج عديد المرات كانت النتائج في بعض الحالات غير مطابقة للمواصفات فيتمّ إتلافها، كما أن المشكلة ليست في الكفاءات البشرية بل في معدات قديمة تقنيا وبنية تحتية متهالكة لا تواكب التطور والمؤسسة تحتاج إلى تدخل مالي عاجل لتحديثها”، وفق قوله.
ويرفض البوغانمي خيار “الخوصصة المتداول من حين إلى آخر”، معتبرا إياه “وهما في الوضع الراهن”.
“من غير المرجح أن يخاطر مستثمر خاص بضخ أموال في مؤسسة تعاني من اختلالات هيكلية عميقة والحل الوحيد هو الحفاظ عليها في إطار دور تعديلي مع دعمها ماليا وإرساء حوكمة رشيدة”
هشام البوغانمي عضو الجامعة العامة للصحة
بدوره، يؤكد رئيس لجنة الصحة بالبرلمان عز الدين التايب لموقع الكتيبة أنّ “هناك من ساهم في إضعاف هذه المؤسسة وأنّ الإصلاح الحقيقي لقطاع دواء يمرّ عبر مسارين متوازيين، أولهما إرساء مخزون استراتيجي يغطّي فترة لا تقلّ عن ستة أشهر حتى لا يتحوّل أيّ اضطراب بسيط في التوريد إلى أزمة فورية وثانيهما تنويع مصادر التوريد وتبسيط إجراءات التراخيص حتى لا تظلّ البيروقراطية تهديدا يخاف منه المستثمر الخاص ويدفع المخابر الأجنبية إلى مغادرة السوق التونسية”.
تصطدم هذه المقترحات والحلول على وجاهتها، بعقبة أعمق يُشير إليها عضو الجامعة العامة للصحة هشام البوغانمي قائلا:
“الجامعة العامة للصحّة لديها مقترحات عملية، لكن الإشكال يكمن في غياب التفاعل الجدي من الجهات الرسمية حتى بالقبول أو بالنقاش. والحوكمة في تونس باتت مجرّد هيكل وعنوان لا ثقافة وممارسة، إذ يتم إحداث لجنة حوكمة، تُسمّي مسؤولا على رأسها و هي بذاتها كلجنة حوكمة تحتاج إلى حوكمة”.
يروي محدّث الكتيبة هشام بوغانمي بصوت ينمّ على حزن عميق أنّ “أزمة الدواء لم تعد بالنسبة إليه مجرّد ملف نقابي بل تحوّلت إلى خسارة شخصية حين فقد شقيقته وعددا من أقاربه نتيجة انقطاع أدوية السرطان في الوقت المناسب”، مفسّرا “أنّ هذه الحالات ليست معزولة بل تكاد تكون حاضرة في كل عائلة تونسية بدرجات متفاوتة على غرار مرضى القصور الكلوي وزراعة الأعضاء الذين يعيشون تحت تهديد دائم، ومرضى الصرع الذين يُغمى عليهم في الفضاء العام. فلقد أصبح ألم فقدان الدواء شعورا جماعيا لدى التونسيين”، وفق قوله.
من جانبه يضع نوفل عميرة الرئيس السابق للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة في مقدمة أولويات الإصلاح “ضرورة القطع مع التداخل البنيوي بين منظومة الصحة ومنظومة الضمان الاجتماعي”، مؤكدا أنّ “الصندوق الوطني للتأمين على المرض يجب أن يكون إمّا مستقلا أو تحت إشراف وزارة الصحة مباشرة، بعيدا عن ارتباطه بمنظومة التقاعد التي تفرض عليه قيودا لا علاقة لها بطبيعة مهامه الصحية”.
ويرى عميرة “أنّ هذا الفصل ليس إصلاحا إداريا فحسب، بل شرطا أساسيا لاستعادة توازن التمويل الصحي.
وعلى صعيد الصناعة المحليّة، يدعو عميرة إلى “دعم المصنّعين التونسيين ومرافقتهم نحو الانفتاح على التطوّرات العالمية”، مشيرا إلى أن “مفهوم السيادة الدوائية تغيّر جذريا على المستوى الدولي وأن تونس لم تواكب هذا التحوّل بعد، إذ لا تزال الأدوية المتداولة محليا بعيدة عن الجيل الجديد من العلاجات المتاحة عالميا”.
ويؤكد عميرة “أنّ التحدّي الأكبر لم يأتِ بعد وهو تحدّي تمويل أدوية المستقبل فدواء الإنسولين الذي تبلغ كلفته الحقيقية نحو 25 دينارا وتوفّره الدولة بأسعار مدعومة يمثّل نموذجا بسيطا مقارنة بالأدوية القادمة التي قد تصل أسعارها إلى مئات الدنانير وهو ما يطرح تساؤلا يراه عميرة مصيريا وهو هل ستكون نسب الاقتطاعات الحالية للصندوق الوطني للتأمين على المرض كافية لتأمين علاج الأجيال القادمة؟”، مبرزا أنّ “المنظومة رغم اختلالاتها لا تزال قائمة وقابلة للإصلاح، لكن ذلك يستوجب إرادة سياسية واضحة ورؤية استراتيجية تضع حقّ التونسيين في الدواء في صدارة الأولويات”.
تعتبر الناشطة الحقوقية وأستاذة علم الاجتماع فتحية السعيدي في حديثها مع موقع الكتيبة “أن الدولة لم تتخلّ من الناحية الشكلية، عن مهمّتها في توفير الأدوية للتونسيين، ما دامت لا تزال تحتكر عملية التوزيع عبر الصيدليّة المركزية.
وتوضح السعيدي “أن موقفها لا يقف عند حدود التضامن مع المرضى، بل يمتد إلى الأطباء أنفسهم، الذين تصفهم بأنهم يشاهدون يوميّا معاناة مرضاهم ويبذلون مجهودا شخصيا لإيجاد حلول كل مرة يرفض فيها الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام) منح الدواء”.
وتؤكد “أن المرفق العمومي الصحي “لا يزال متماسكا رغم كل الصعوبات بفضل كفاءة أطبّائه”، قبل أن تُحمّل المسؤولية الكاملة للدولة وما تصفه بغياب الإصلاحات والسياسات العمومية الواضحة منذ الثورة إلى اليوم، في ملف تعتبره يمسّ بحق دستوري قابل للتقاضي عند انتهاكه وهو الحق في الصّحة والحياة.”
وتشدّد السعيدي في حديثها على “أن المسؤوليّة في نهاية المطاف، هي مسؤوليّة الدولة قبل أي طرف آخر.ومسؤولية سياسات عموميّة لم تُرسم بعد وإصلاحات لم تتم منذ سنوات الثورة إلى اليوم. في وقت يتواصل فيه الحديث عن عجز الصناديق الاجتماعية والصيدلية المركزية دون أن تطرح الدولة تفصيلا واضحا لكيفية معالجة هذا العجز”.
وتلاحظ محدّثة الكتيبة “أن هذا الغياب يزداد خطورة في ظل التحوّل الديمغرافي الذي تعيشه تونس نحو التهرّم السّكاني ما يستدعي في نظرها سياسات عموميّة جديدة كليا لا مجرّد تعديلات شكليّة على المنظومة القائمة.”
وتختم السعيدي بطرح ما تعتبره السؤال الجوهري الذي تتهرّب الدولة من الإجابة عنه بوضوح: ما هي رؤيتها الفعليّة وسياستها العمومية تجاه منظومة الأدوية؟ فالمواطن اليوم -على حد تعبيرها- لم يعد يتحدّث فقط عن غلاء المعيشة أو الصّعوبات الاقتصادية، بل عن أبسط حق يفترض أن تضمنه له الدولة الاجتماعية وهو الحق في الصّحة والتداوي بما يحمله ذلك من حق أعمق هو الحق في الحياة نفسها”.
في المحصّلة ، يجمع جلّ المسؤولين السابقين والخبراء الذي حاورتهم الكتيبة على حتمية الانتقال بمنظومة الأدوية من العشوائية إلى الحوكمة الرقمية الشاملة من خلال اعتماد تقنيات التتبع الذكي لمراقبة مسار الدواء من المصنع إلى المريض، ومحاصرة شبكات التهريب والفساد التي استنزفت دور الصيدلية المركزية التعديلي إضافة إلى إعداد استراتيجيا وطنية متكاملة مع خارطة طريق للتنفيذ لحل الأزمة من الجذور دون اللجوء الى الحلول الترقيعية في كل مرّة تطفو فيها الأزمة على السطح.

الكاتب : سماح غرسلي
صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات
الكاتب : سماح غرسلي
صحفية إستقصائية و مدرّبة صحافة بيانات



























