التلوّث في قابس: كيف أصبح الهاشتاغ امتدادا للاحتجاج البيئي؟

على ضفاف شطّ السلام، الذي لم ير يوما سلاما، لم يعد التلّوث في قابس مجرّد واقع بيئي، بل أضحى قصّة يومية من المعاناة والمكابدة، ما دفع المواطنين.ات إلى تحويل ألمهم إلى حراك رقمي بيئي كسر حدود المدينة وجعل من الحق في الحياة والعدالة البيئية قضية رأي عام، وهو ما جعل المنصات الرقمية تصبح بمثابة فضاء للمقاومة والتوثيق والمساءلة، وصوتاً لمدينة رفضت الصمت أمام التلوث والغبن والتهميش.

الكاتبة : راضية الشرعبي

صحفية وباحثة في مجال الصحافة الاستقصائية. خريجة معهد الصحافة وعلوم الإخبار بجامعة منوبة.

“شطّ السلام”… اسمٌ يفيض طمأنينة، لكنّه يعيش مفارقة موجعة. حين تلامس عيناك مياهه ترى سلاما يختنق ببطء تحت وطأة الفوسفوجيبس من المجمع الكيميائي بقابس. منذ زمن يخبّئ “شطّ السلام” في أمواجه حكاية بحر كان حيًّا، حين كان الموج يهمس بأغاني الصيادين ثم أُجبر على ابتلاع أوجاعه بصمت.

على شاطئ “شطّ السلام” في قابس، لم يعد البحر يلفظ أمواجاً، ولا أصدافا. بل أجساد سلاحف بحرية ضخمة من نوع “كاريتا كاريتا” المُهدّدة بالانقراض، يقذف بها الموج مختنقة بمياه الخليج المسمومة.هناك في “شطّ السلام” لا تمارس قابس حقّها في بيئة سليمة بل تصارع من أجل الحق في الحياة. بات الإنسان والحيوان والطبيعة في مرمى سموم المجمع الكيميائي.

الكاتبة : راضية الشرعبي

صحفية وباحثة في مجال الصحافة الاستقصائية. خريجة معهد الصحافة وعلوم الإخبار بجامعة منوبة.

“شطّ السلام”… اسمٌ يفيض طمأنينة، لكنّه يعيش مفارقة موجعة. حين تلامس عيناك مياهه ترى سلاما يختنق ببطء تحت وطأة الفوسفوجيبس من المجمع الكيميائي بقابس. منذ زمن يخبّئ “شطّ السلام” في أمواجه حكاية بحر كان حيًّا، حين كان الموج يهمس بأغاني الصيادين ثم أُجبر على ابتلاع أوجاعه بصمت.

على شاطئ “شطّ السلام” في قابس، لم يعد البحر يلفظ أمواجاً، ولا أصدافا. بل أجساد سلاحف بحرية ضخمة من نوع “كاريتا كاريتا” المُهدّدة بالانقراض، يقذف بها الموج مختنقة بمياه الخليج المسمومة.هناك في “شطّ السلام” لا تمارس قابس حقّها في بيئة سليمة بل تصارع من أجل الحق في الحياة. بات الإنسان والحيوان والطبيعة في مرمى سموم المجمع الكيميائي.

في إطار رصد الحراك البيئي الرقمي، يهدف هذا التقرير إلى تتبّع الحراك البيئي الإلكتروني بوصفه فضاء جديدا للتعبئة والمناصرة، وكيف تحوّل إلى مجال للتعبير عن المطالب البيئية وتنظيم التحركات الاحتجاجية التي تسبق الميدانية، من أجل افتكاك الحقوق البيئية والدفاع عنها.

ويتخذّ التقرير من حملة “Stop Pollution” بمدينة قابس نموذجا للتحليل باعتبارها تجربة تجسّد توظيف الفضاء الرقمي في تسليط الضوء على الانتهاكات البيئية، وحشد الرأي العام، والضغط من أجل ضمان الحقّ في بيئة سليمة.

يتتبّع هذا التقرير كيف تحوّلت قضيّة التلوّث الصناعي إلى حركة رقميّة تطالب بـ”الحق في الحياة”، حيث يعمل المواطنون والنشطاء البيئيون على مواصلة توثيق آثار التلوث على شاطئ “شطّ السلام” والبيئة المحليّة، مطالبين السلطات المعنية باحترام الحق في بيئة سليمة واتخاذ إجراءات عاجلة للحدّ من الانتهاكات البيئية ومُحاسبة الجهات المسؤولة عنها.

انتفاضة الأنفاس المكتومة

لم تكن صور السلاحف النافقة على “شطّ السلام” حدثاً عرضياً، بل كانت مشهدا متواصلا بلغ ذروته في صائفة 2025 حين انفجر الاحتقان الحقوقي والاجتماعي، بعد بلوغ الانبعاثات الغازية السامة الصادرة عن وحدات المجمع الكيميائي مستويات تجاوزت المعايير البيئية الدولية والوطنية، وهو ما وثّقه التقرير الرسمي للتدقيق البيئي والاجتماعي الخاصّ بمصنع قابس التابع للمجمع الكيميائي التونسي كوثيقة إدانة واضحة لحجم الانتهاكات البيئية والصحية التي عانت منها الجهة لعقود. وكانت سببا في موجة اختناق جماعية غير مسبوقة طالت المدنيين والأطفال والكائنات البرية والبحرية، نُقل على إثرها العشرات إلى المستشفيات وهم في حالة ذعر واختناق حاد.

أكّد التقرير وجود “حالات عدم مطابقة جسيمة” تتعلّق بتلوّث الهواء والمياه، والانبعاثات السامّة، والتأثيرات الخطيرة على صحّة السكان والبيئة البحرية والفلاحة، إضافة إلى غياب آليات الرقابة والإنصات إلى الأهالي. هذه المعطيات الرسميّة نسفت كل محاولات التشكيك وأثبتت أن مطالب الحراك البيئي لم تكن شعارات ظرفية، بل دفاعا مشروعا عن الحقّ في الحياة والصحة والبيئة السليمة والكرامة الإنسانية. كما يكشف التقرير حجم التقصير المؤسّساتي في حماية السكان والعمال، ويؤكد أنّ العدالة البيئية أصبحت اليوم ضرورة ملحّة تقتضي المحاسبة، والشفافية، وإشراك المتضرّرين في رسم السياسات البيئية والتنموية للمنطقة.

في صباح يوم 21 أكتوبر 2025، خرج أكثر من 130 ألف مواطن ومواطنة في مسيرة شعبية بمدينة قابس، جنوب البلاد، للمطالبة بتفكيك الوحدات الصناعية الملوثة التابعة للمجمع الكيميائي التونسي. لم تكن مجرّد احتجاجات عابرة، بل ذروة حراك بيئي رقمي وميداني استمرّ لسنوات.

رغم أن الفصل السّابع والأربعين من الدستور التونسي 2022 ينصّ على أنّ الدولة تضمن الحقّ في بيئة سليمة ومتوازنة وتساهم في سلامة المناخ، وأنّ عليها توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوّث البيئي، إلاّ أنّ الواقع على أرض قابس يثبت غير ذلك، فالفوسفوجيبس خنق كل شيء. كما تتعارض هذه الوضعية مع أهداف التنمية المستدامة التي أقرّتها الأمم المتحدة وخاصة الهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه، والهدف السادس الخاص بالمياه النظيفة، والهدف الثالث عشر المرتبط بالعمل المناخي.

لم يخفت الحراك البيئي في قابس رغم تنصّل الحكومات المتعاقبة من تنفيذ التزاماتها البيئية، سواء عبر التراجع عن قرار تفكيك الوحدات الملوِّثة سنة 2017 أو تعطيل مشروع نقلها خارج المناطق السكنية، بل وجد لنفسه امتدادا جديدا في الفضاء الرقمي، حيث تحوّلت الهواتف وصفحات التواصل الاجتماعي إلى منصات يوميّة للتوثيق والتعبئة وكسر الصمت حول الكارثة البيئية.

لم تعد مقاطع الفيديو المُنتشرة على صفحة حملة “Stop Pollution” مجرّد منشورات عابرة، بل كانت صرخات بصرية حيّة توثّق حجم الانتهاكات. صاغ الأهالي بأجهزتهم الذكيّة أرشيفا دامغا ضد الصمت، فكل نقرة على شاشة الهاتف، وكلّ بث مباشر لعقدة دخان تنفثها المداخن، كان بمثابة وثيقة إدانة شعبية ومحاكمة علنية تُعرّي زيف التقارير الرسميّة وتكسر طوق التعتيم.

اعتمد التقرير على تجريف بيانات فيسبوك باستخدام أداة Apify، لاستخراج المنشورات والتفاعلات المرتبطة بالحراك البيئي من بيانات حساب الحملة “Stop Pollution” على منصة الفيسبوك وقد شمل التحليل 999 منشورا منذ شهر مارس 2021 إلى حدود يوم 17 جوان 2026، ممّا أتاح تتبّع المحتوى المنشور وتحليل مؤشرات النشاط الرقمي، للكشف عن خصائص الخطاب البيئي واستراتيجيات المناصرة الرقمية المعتمدة في مواجهة التلوث بقابس. مع الملاحظة أنّ هذه البيانات لا تدّعي تمثيل كامل نشاط الحملة منذ تأسيسها، لكنّها توفّر مؤشّرات كميّة ونوعيّة كافية لفهم ديناميكيات التعبئة الرقمية.

يكشف تحليل المحتوى المنشور ضمن الحملة الرقميّة المناهضة للتلوّث في قابس عن تطور لافت في الخطاب من مجرد التوعيّة بالمخاطر البيئية إلى تبنّي خطاب حقوقي تعبوي يسعى إلى التأثير في السياسات العامة. ففي مرحلة أولى، انصبّ التركيز على توثيق الأضرار الصحية والبيئية الناجمة عن التلوث وإبراز انعكاساتها على حقّ السكان في بيئة سليمة. ثم انتقل الخطاب إلى مرحلة التوثيق الرقمي عبر نشر الصور ومقاطع الفيديو والشهادات الميدانية، بما أسهم في بناء أرشيف رقمي يوثّق الانتهاكات البيئية. ومع تصاعد الوعي بالقضيّة، تحوّلت المنصّات الرقميّة إلى فضاء للتعبئة والحشد من خلال الدعوة إلى التحركات الميدانية والمسيرات الاحتجاجية. وفي مرحلة لاحقة، اتّخذ الخطاب طابعًا أكثر فاعليّة، والمطالبة بمحاسبة المسؤولين واتخاذ إجراءات جذريّة، من بينها تفكيك الوحدات الصناعيّة المسبّبة للتلوّث، في إطار الدفاع عن الحقوق البيئية والحقّ في الصحّة والحياة الكريمة.

يرى الناشط البيئي وعضو حملة “أوقفوا التلوّث” إسلام الزرلي أنّ “تصوير الانتهاكات البيئية أصبح مسألة حساسة وسياسية في واقعنا، فبعد أن تم تصنيف المجمع الكيمائي كمنطقة عسكريّة أصبحت عملية التصوير والتوثيق صعبة”، غير أن “المجرم ” -ويقصد هنا المجمع- “يواصل جريمته في حقّ الصحة والبيئة والطبيعة”، على حدّ تعبيره.

ويضيف الزرلي قائلا: “إنّ هدفنا وغايتنا أن نوصل الرسالة لمن لا يعرف عن الكارثة الموجودة في قابس، وأنّنا نستعمل الأدوات المناسبة لعصرنا هذا في حراكنا البيئي.. إنّ الفضاء الرقمي أصبح من أهم فضاءات الاحتجاج”.

يكشف تحليل منشورات الحملة الأكثر تفاعلا أنّ اهتمام الجمهور لم يقتصر على الدعوات الاحتجاجية، بل توزّع بين ثلاثة أنماط رئيسية من المحتوى. فقد تصدّرت الدعوات إلى المشاركة في التحركّات الميدانية قائمة المنشورات الأكثر تفاعلًا، حيث احتلّ منشورا “هانا راجعين – 6 جوان 2026″ و”موعدنا 6 جوان” المرتبتين الأولى والثانية بإجمالي 9484 و8518 تفاعلًا على التوالي.

كما سجّلت منشورات إعلان المواعيد الأخرى مستويات مرتفعة من التفاعل، من بينها الدعوة لتحرك 23 ماي (4600 تفاعل) ومنشور “موعدنا 6 جوان” (4582 تفاعلًا)، بما يؤكد أن المحتوى التعبوي كان الأكثر قدرة على استقطاب الجمهور.

في المقابل، حافظت المنشورات التي توثّق آثار التلوّث على حضور قويّ ضمن قائمة الأكثر انتشارًا، إذ جاء منشور “نفوق السلاحف البحرية” في المرتبة الثالثة بـ4992 تفاعلًا، بينما احتل المنشور المتعلّق بالتلوث الناتج عن الأمونياك المرتبة الرابعة بـ4726 تفاعلًا. كما سجّلت المنشورات التي رفعت شعارات مثل “الشعب قرّر” و”الشعب يريد تفكيك الوحدات” أكثر من ثلاثة آلاف تفاعل لكل منها، وهو ما يعكس تفاعلًا مع المحتوى الذي يجمع بين توثيق الأضرار البيئية والمطالب الشعبيّة المُعلنة.

في المقابل، برز منشور يدعو إلى الحق في الحياة، إذ حصد منشور “نحبوا نتنفسوا هواء نظيف” آلاف التفاعلات، ويعكس ذلك تحوّل القضية من نقاش بيئي تقني إلى قضية حقوقية تتصل مباشرة بحق السكان في بيئة سليمة وحياة كريمة.

الهاشتاغ يكسر حاجز الصمت حول التلوث الصناعي

في الحركات الاجتماعية الرقمية، لا يؤدي الهاشتاغ وظيفة تقنية تعمل على تصنيف المحتوى فحسب، بل يتحوّل إلى فاعل تعبوي يرافق القضية ويوسّع دائرة انتشارها. وفي الحراك البيئي في قابس، لعبت الوسوم دور “النصير الرقمي”، حيث ساهمت، خلال تكرارها المستمرّ في المنشورات، في إبقاء ملف التلوث حاضراً في الفضاء الرقمي.

يكشف تحليل الوسوم/ الهاشتاغات الأكثر استخداما أنّ الحملة لم تعتمد على وسم واحد جامع، بل بنت شبكة من الوسوم المتكاملة التي أدت أدوارا مختلفة في التعبئة والتأطير والحشد. فبعضها ركّز على توصيف المشكلة البيئية، وبعضها صاغ المطالب السياسية، بينما عمل بعضها الآخر على تعزيز الشعور بالانتماء الجماعي وتوحيد المشاركين حول هوية احتجاجية مشتركة.

كما أتاحت اللغة الإنقليزية توسيع نطاق الخطاب خارج الحدود المحليّة، وتحويل القضية إلى ملف قابل للتداول بين شبكات التضامن البيئي الدوليّة.

الحراك البيئي: جدليّة الشارع والفضاء الرقمي

تكشف أرقام التفاعل أنّ المحتوى المرتبط بإعلان بدء أو عودة التحركات سجّل أعلى متوسط تفاعل بلغ 485 تفاعلاً لكلّ منشور، تلتها المتابعات القضائية بمتوسط 272 تفاعلاً، ثم المسيرات الشعبية والوقفات الاحتجاجية بمتوسّطين تجاوزا 240 و220 تفاعلاً على التوالي.

هذه الفجوة بين التفاعل مع المحتوى التعبوي والتفاعل مع المحتوى التوثيقي أو التوعوي تشير إلى أنّ الجمهور لم يتعامل مع الصفحة كمصدر معلومات فقط، بل كفضاء لاتخاذ موقف والانخراط في فعل جماعي.

وفق بيانات مضامين الحملة لم تطرح قضية التلوّث في قابس باعتبارها أزمة بيئية فحسب، بل بوصفها قضيّة حقوق أساسيّة. فقد ارتكز خطاب الحملة على أربعة حقوق مترابطة: الحقّ في بيئة سليمة، والحقّ في الصحة، والحقّ في النفاذ إلى المعلومة البيئية، والحقّ في المشاركة في صنع القرار والدفاع عن المصالح البيئية. ويعكس هذا التداخل انتقال الخطاب من مجرد المطالبة بالحدّ من التلوث إلى تبني مقاربة تقوم على العدالة البيئية، باعتبار أنّ حماية البيئة تمثل مدخلاً لحماية بقية الحقوق الإنسانيّة .

لا تفصح البيانات الرقميّة عن حجم التفاعل فقط، بل تكشف أيضا عن الأطراف الفاعلة وهم القائمون على التوثيق الرقمي من نشطاء وصحفيين وأهالي.

يقول نبيل زيتون وهو صحفي أصيل ولاية قابس إنّ ” الصورة لوحدها كافية لإيصال مطالبهم وإنّ حجم التفاعل كان لافتا على المستوى المحلّي وحتى العالمي”.

اتساع شبكة الدعم وديناميّات التحالفات الرقميّة

لم تعتمد حملة “Stop Pollution” على شخصية مركزيّة واحدة أو صفحة واحدة بل استطاعت بناء شبكة واسعة من الفاعلين المحليين والوطنيين، وهو ما يفسّر قدرتها على توسيع نطاق وصول الرسالة البيئية. كما اعتمد الحراك الرقمي على إعادة تدوير المحتوى الرقمي، وتحويل البيانات العلمية الجافة عن التلوث إلى مقاطع ريلز وفيديوهات قصيرة لا تتجاوز 30 ثانية مدعومة بأصوات اختناق حقيقية، وتوثيق الانبعاثات الغازية الفورية والمفاجئة، ممّا يحرم الجهات الرسمية من فرصة التعتيم أو النفي.

على المستوى الوطني، انخرطت منظمات كبرى في دعم الحراك، حيث وقّع كل من الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى جانب 20 منظمة أخرى، بياناً تضامنياً مع شباب قابس، مطالبة بإسقاط الملاحقات القضائية عن النشطاء البيئيين.

أما على المستوى المحلّي، فلم تقتصر الدائرة على الناشطين البيئيين كخير الدين دبية وصابر عمار، بل امتدت إلى صناع محتوى محليين مثل “wassim_gosto” الذي خصّص فيديو للحديث عن التلوّث في قابس، وإلى صفحات رياضية وألتراس مثل “VerDe ViKinGs” التابعة للملعب القابسي و”Dodger’s Gabès”، الذين عبروا عن تضامنهم عبر جداريات ورسومات تحمل رسائل بيئية صارخة.

على الصعيد الإعلامي، لعبت منصات إعلامية مستقلة دوراً بارزاً في تغطية الملف، من خلال حوارات مطوّلة مع ناشطي الحملة وباحثين بيئيين، ساهمت في نقل القضية من دائرة الاحتجاج المحلي إلى النقاش العام الوطني.

يُلقي المجمع الكيميائي بقابس نحو 14 ألف طن من مادة الفوسفوجيبس يوميًا في البحر، وفق تقديرات مُتداولة حول نشاطه الصناعي، وقد وثّق النشطاء البيئيون هذه المشاهد عبر منصات التواصل الاجتماعي، ليتحوّل الشاطئ من فضاء طبيعي إلى شاهد رقمي تتداول صوره وشهاداته في معركة مناصرة مستمرّة ضد التلوّث.

أظهرت البيانات أنّ المنصات الرقميّة لم تقتصر على مواكبة الحراك البيئي فقط ، بل قامت بدور واضح في تنظيمه وتعزيز حضوره. فقد ارتبطت فترات النشاط الرقمي المكثف بارتفاع عدد المنشورات ومستويات التفاعل، خاصة خلال الأشهر التي شهدت حملات ميدانية وتحركات احتجاجية.

فعلى سبيل المثال، سجّل شهر أكتوبر 2025 أعلى وتيرة للنشر بـ22 منشورا، كما حقّق أكثر من 16 ألف تفاعل، قبل أن يبلغ النشاط ذروته في جوان 2026 بإجمالي 19 منشورا وأكثر من 23 ألف تفاعل. وتعكس هذه المؤشرات قدرة الصفحة على تحويل المحتوى الرقمي من مجرد نقل للأحداث إلى أداة للتعبئة واستقطاب الدعم، من خلال نشر الدعوات إلى الوقفات والمسيرات وتداول الوسوم مثل: “هانا راجعين” ، “قابس موحدة تربح معاركها” و”فكّك الوحدات”.

ويشير هذا النسق إلى أنّ الفضاء الرقمي شكّل امتدادا للحراك الميداني، وأسهم في توسيع دائرة المشاركة وتعزيز الضغط المجتمعي حول مطالب العدالة البيئية، إذ لم تكن الشاشات سوى الشرارة الأولى.

ففي أكتوبر 2025، وفي المسيرات الحاشدة المتتالية، لم يكن الحراك الرقمي ظاهرة صوتية فقط. فعندما أصدر الحراك بياناً رقمياً تحت شعار “الشعب يريد تفكيك الوحدات”، استجاب الآلاف المُؤلّفة من المواطنين ونزلوا إلى الشوارع، في مسيرة انطلقت من سوق جارة الأثري وصولاً إلى شط سيدي عبد السلام.

يقول إسلام الزرلي إنهم “ليسوا في حاجة إلى وسيلة إعلام تقليدية لإيصال صوتهم”، مضيفا ” نحن، أبناء قابس والمتساكنون فيها، نوثّق بأنفسنا آثار التلوث وننقلها عبر الصور ومقاطع الفيديو التي ننشرها على وسائل التواصل الاجتماعي. أصبحت هذه المنصات أداة أساسية في نضالنا البيئي، فمن خلالها نوصل حقيقة ما يعيشه السكان يوميّا”.

منصة X: صوت واحد يحمل وجع مدينة

لا تُمثّل منصة X (تويتر سابقاً) الساحة الرقمية الأولى لحراك قابس البيئي الحقوقي. إذ تكشف بيانات حساب “Stop Pollution” على منصة X عن مفارقة لافتة فرغم أن الحساب يُعرّف نفسه كواجهة لمناهضة التلوث، لا يتجاوز عدد متابعيه 122 متابع مقابل 400 حساب يتابعها الحساب وتسجيل 93 منشور فقط ويعود آخر نشاط له موثّق إلى 5 جانفي 2026.

يشير هذا الانقطاع إلى غياب الزخم الرقمي للحملة في منصّة يفترض أن تكون فضاءً دائمًا للتعبئة والمناصرة.

بتتبّع وسمَي #stop_pollution و#save_gabes، نجد أنّ 100% من التغريدات المُرتبطة بقابس صدرت عن حساب واحد للناشطة خولة لغماني موزّعةً على ثلاث محطات زمنية متباعدة بين جوان 2015 ونوفمبر 2016 وفيفري 2017. وقد اختارت الناشطة اللغتين الفرنسية والإنجليزية حصراً في 100% من تغريداتها. هذا دون اعتبار التغطيات الصحفية للمواقع الاخبارية.

اعتمدت الحملة الرقمية على منظومة تواصل متعددة المنصات لتعزيز انتشار رسائلها وتوسيع دائرة التفاعل مع القضية البيئية.

وفي هذا السياق، مثّل الموقع الرسمي للحملة فضاءً مركزياً لنشر البيانات والتقارير والمواد التوثيقية، في حين استُخدمت صفحة الإنستغرام كوسيلة للتواصل المباشر مع الجمهور عبر المحتوى البصري والتفاعلي. وقد ساهم هذا التكامل بين المنصتين في دعم التعبئة الرقمية وتعزيز حضور الحملة في الفضاء العمومي الرقمي، بالتوازي مع مواجهة الخطابات والحملات المضادّة. فقد كشفت صفحتها على منصة الانستقرام عن حراك بيئي واسع تجاوز المحلّي، حيث سجل المحتوى 1.737.919 مشاهدة خلال أسبوع واحد (1–7 جوان)، فيما جاءت 88.6% من المشاهدات من غير المتابعين مقابل 11.4% فقط من المتابعين. تعكس هذه الأرقام قدرة الخطاب الحقوقي البيئي على كسر الحدود التقليدية والوصول إلى جمهور واسع، بما يعزز المطالبة بالحق في بيئة سليمة وصحة عامة، ويؤكد أن قضية التلوث في قابس لم تعد شأنا محليا، بل أصبحت قضية رأي عام رقمي تستدعي استجابة جدية من السلطات وصناع القرار.

“أوقفوا التلوث” بين التعبئة والتشكيك

في خضم هذا الحشد الجماهيري، رصدنا خطابا موازيا مشكّكا يسعى إلى تحويل النضال البيئي من قضية صحية وإنسانية إلى ملف أمني. بين من يهدّد بـ “السجن” و”الإعدام” بتهم “خيانة البلاد” وينذر بملاحقة عائلات النشطاء، ومن يُنكر حالات الاختناق في المدارس.

تحوّلت على إثر ذلك المطالب المشروعة إلى قضايا ملاحقات تزامناً مع تصاعد الحراك البيئي في قابس واتساع دائرة التعبئة الرقمية، حيث واجه عدد من النشطاء ملاحقات قضائية اعتبرتها منظمات حقوقية شكلا من أشكال تجريم الاحتجاج البيئي.

فقد صدرت أحكام غيابيّة بالسجن ضدّ مجموعة من نشطاء حركة “أوقفوا التلوّث” على خلفية مشاركتهم في اعتصام سلمي أمام الإدارة الجهوية للمجمع الكيميائي التونسي سنة 2020، حيث اعتبرت منظمات حقوقية، من بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أنّ هذه التتبعات تمثّل محاولة لإضعاف الحركة الاحتجاجية وإرهاق الفاعلين البيئيين بدل معالجة الأسباب الفعلية للأزمة البيئية.

وقد ساهمت هذه الملاحقات في إعادة إنتاج القضيّة داخل الفضاء الرقمي، ليس فقط كصراع ضد التلوث الصناعي، بل أيضاً كمعركة من أجل الحقوق المدنية والحق في الاحتجاج السلمي والعدالة البيئية .

خيبة المسار القضائي

في شهر فيفري 2026، أصدرت المحكمة الابتدائية بقابس حكما برفض الدعوى الاستعجالية التي تقدّم بها ناشطو الحراك لتعليق نشاط الوحدات الملوّثة بالمجمع الكيميائي، معلّلةً حكمها بأن ادعاءات التلوّث “تفتقر إلى الأدلة الفنية والعلمية الرسمية”.

لم يجد الأهالي في قابس أذناً رسميّة صاغية ولا هيكلاً حكومياً يلتفت لنداءات استغاثتهم المتكررة، فإزاء الجدران الصماء التي رفعتها السلطات والمجمع الكيميائي، والإنكار الممنهج لروائح الاختناق المنسابة في أزقة المدينة، شعر السكان بأنهم متروكون لمصيرهم، منسيّون في بقعة جغرافية من أجل حسابات سياسية واقتصادية.

كانت نداءاتهم تتبخّر في الهواء الأصفر الثقيل، وشكاويهم تُحفظ في أدراج الصمت والتسويف. وأمام هذا الخذلان المطبق، شرع الأهالي في التقاط صور الكاميرا التي لا تكذب لتوثيق لحظة انطلاق السحب الصفراء السامة، وتصوير السلاحف البحرية “كاريتا كاريتا” النافقة.

نجحت حملة Stop Pollution Gabès في تحويل التلوّث الصناعي من قضية تقنية هامشية إلى قضية حقوقية مواطنية جامعة. البيانات لا تتحدّث فقط عن التلوث، بل عن تحوّل مدينة بأكملها – قابس – إلى رمز للعدالة البيئية في تونس والعالم العربي، ليبقى السؤال المحوري “هل تنتصر قابس في معركتها من أجل “الحق في الحياة” “.

كلمة الكتيبة:

تم إنجاز هذا العمل الصحفي المشترك في إطار مشروع «حقوق ومساواة» لمنظمة المادة 19 .

كلمة الكتيبة:
تم إنجاز هذا العمل الصحفي المشترك في إطار مشروع «حقوق ومساواة» لمنظمة المادة 19 .

الكاتبة  : راضية الشرعبي

صحفية وباحثة في مجال الصحافة الاستقصائية. خريجة معهد الصحافة وعلوم الإخبار بجامعة منوبة.

فيديو: سامي شويخ
غرافيك: منال بن رجب
تطوير تقني : بلال الشارني
تطوير تقني : بلال الشارني
غرافيك : منال بن رجب
فيديو: سامي شويخ

الكاتبة : راضية الشرعبي

صحفية وباحثة في مجال الصحافة الاستقصائية. خريجة معهد الصحافة وعلوم الإخبار بجامعة منوبة.

radhia
Scroll to Top