الكاتبة : رحمة الباهي
صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة
عشيّة يوم الجمعة 8 ماي/ أيّار 2026، في أجواء احتفالية بقصر المؤتمرات في العاصمة تونس، ألقى وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي كلمة خلال مشاركته في الاحتفال بيوم أوروبا، أمام حضور شمل عددا من سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وأعضاء في السلك الدبلوماسي وشخصيات تونسية، أكّد فيها “أهمّية مراجعة اتفاقية الشراكة التونسية الأوروبية وتطويرها وإضفاء طابع التوازن على مضمونها”.
لم تأت دعوة وزير الشؤون الخارجية إلى مراجعة اتفاقية الشراكة من عدم، فقد سبقها تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في شهر مارس/ آذار المنقضي، على ضرورة مراجعة اتفاق الشراكة “حتّى يكون متوازنا وأكثر عدلا وإنصافا”.
الكاتبة : رحمة الباهي
صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة
عشيّة يوم الجمعة 8 ماي/ أيّار 2026، في أجواء احتفالية بقصر المؤتمرات في العاصمة تونس، ألقى وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي كلمة خلال مشاركته في الاحتفال بيوم أوروبا، أمام حضور شمل عددا من سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وأعضاء في السلك الدبلوماسي وشخصيات تونسية، أكّد فيها “أهمّية مراجعة اتفاقية الشراكة التونسية الأوروبية وتطويرها وإضفاء طابع التوازن على مضمونها”.
لم تأت دعوة وزير الشؤون الخارجية إلى مراجعة اتفاقية الشراكة من عدم، فقد سبقها تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في شهر مارس/ آذار المنقضي، على ضرورة مراجعة اتفاق الشراكة “حتّى يكون متوازنا وأكثر عدلا وإنصافا”.
و جاءت هذه التصريحات في ظلّ علاقات أورو-تونسيّة تتّسم بنوع من البرود وارتفاع أصوات منادية بضرورة مراجعة العلاقات التونسيّة الأوروبية وبحث تونس عن شراكات جديدة خارج الإطار التقليدي باعتبار أنّ تونس لم تجن شيئا بعد 3 عقود من توقيع اتفاقية الشراكة، وفق رأي فريق ناقد، بل ويذهب البعض إلى اعتبار أنّ تونس خسرت الكثير جرّاء هذه الشراكة.
بعد مرور 30 سنة على توقيع اتفاقية الشراكة، ماذا جنت تونس من اتفاق 1995؟ وهل هناك اليوم حاجة إلى مراجعة هذه الاتفاقية؟ وأيّ أفق لمستقبل العلاقات التونسية-الأوروبية؟


اتفاق الشراكة مع أوروبا: بداية علاقة “غير متكافئة”
في 1995، كان العالم يعيش على وقع صعود الرأسمالية الليبرالية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واجتياح موجة العولمة كافة المجالات، فضلا عن إحداث منظمة التجارة العالميّة سنة 1994.
في ذلك الوقت، كانت تونس ما تزال تخطو أولى خطواتها في عالم ما بعد الحرب الباردة، ليوقّع وزير خارجيتها آنذاك الحبيب بن يحيى في جويلية/ تموز 1995 في بروكسيل على اتفاقية الشراكة الأورو-متوسطية. وقد كانت تونس أولى دول جنوب المتوسّط التي وقّعت عليها. وقد دخلت الاتفاقيّة حيّز التنفيذ فعليّا في الأوّل من مارس/ آذار 1998.
كانت الفكرة في ذلك الوقت بسيطة في ظاهرها، وهي إقامة منطقة تبادل حرّ بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط. وقد فاوضت تونس آنذاك ودخلت في اتفاقيّة مع كتلة اقتصادية ذات ثقل كبير، حيث كان الاتحاد الأوروبي، الذي ضمّ حينها 15 دولة أوروبية، ثاني اقتصاد في العالم بعد الاقتصاد الأمريكي.
يعتبر المختصّ في الاقتصاد والتنمية جمال العويديدي، في حديثه لموقع الكتيبة، أنّ دولة مثل تونس دخلت في اتفاقية شراكة مع 15 دولة سنة 1995 دون القيام بأيّ تقييم استباقي ودون دراسة ارتدادات مثل هذه الاتفاقية على تونس وما إذا كانت الشركات الأوروبية ستقوم بإغراق السوق التونسية وتداعيات ذلك.
يضيف العويديدي أنّ “تونس دخلت هذه الاتفاقية مع طرف يقف وراءه حلف المعسكر الغربي كلّه والذي يشمل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليابان وكوريا الجنوبية، وكلّ هذه الدول معزّزة بقوة إنتاجية وتنافسية كبيرة وتكنولوجيا وإمكانيات مالية كبرى وإحاطة بالمؤسسات وإدارة وحوكمة مرتفعة، وهي عوامل غير متوفرة لدى تونس وبالتالي لم يكن من الممكن فهم إلى أين تتجه هذه الاتفاقية.”
بدوره يقرّ الباحث في الاقتصاد السياسي حمزة المدّب، في حوار مع الكتيبة، أنّ “اتفاق 1995 كان منذ بدايته غير متكافئ وأنّه كان من المنتظر أن تقع ارتدادات سلبيّة منذ البداية ومن المفترض أن يضع صانع القرار في تونس منذ 1995 وإلى اليوم خطة لتحسين مردودية الاقتصاد التونسي وتنافسيته”.


لم يكن اتفاق الشراكة الموقّع بين تونس والاتحاد الأوروبي في 1995 الأوّل من نوعه، فقد سبقه اتفاق 1969 مع المجموعة الأوروبية التي كانت تضمّ آنذاك 6 دول.
يذكّر العويديدي في هذا الإطار بمفارقة مثيرة، فقد “شهدت تونس في ستيّنات القرن الماضي طفرة من الإنجازات المهمة منها طفرة صناعية في مجالات مثل إنتاج الحديد الخام والإسمنت ومواد البناء، إلى جانب مصانع النسيج وصناعة الأقمشة، وإحداث دواوين مثل ديوان الصناعات التقليدية وديوان السياحة، وشركات مثل الناقلة الجوية الوطنية وشركة السكك الحديدية”، وفق تصريحاته.
إلّا أنّ “اتفاق 1969 وضع حدّا لهذه التجربة، حيث نصّ الاتفاق على تمكين تونس من بيع منتوجاتها الصناعية في دول المجموعة الأوروبية آنذاك دون دفع معاليم ديوانية إلّا أنّ تونس، باستثناء مصنع الفولاذ، لم يكن لها منتوجات صناعية هامة، وكانت أغلب صادرتها تقتصر على القوارص والسمك وزيت الزيتون”، بحسب المتحدّث ذاته.
ويشير جمال العويديدي إلى أنّه “في 1972 تبيّن أن الهدف من الاتفاقية كان أن تتمكّن الشركات الأوروبية من الانتصاب في تونس والإنتاج باعتماد “المناولة” كي تقوم بإنتاج منتوجات بكلفة ضعيفة جدّا ومقابل أجور متدنية تنافس بها المنتوجات التونسية وعندما تقوم بتصديرها تقول إنها تونسية الصنع”.


الحصيلة الاقتصادية: هل استفادت تونس من الشراكة أم تعرّضت لخسارة هيكلية؟
كانت الصورة التي رسمتها اتفاقية 1995 في الأذهان مغرية، قطاع صناعي تونسي يتحوّل ويتطوّر، وصادرات تونسية تخترق السوق الأوروبية التي كانت تضمّ آنذاك 15 دولة واليوم 27 دولة.
يقول سفير الاتحاد الأوروبي بتونس جوزيبي بيروني، في حوار مع موقع الكتيبة، إنّ “تونس استفادت من اتفاقية الشراكة بشكل كبير”، مشيرا إلى أنّه “بحسب دراسة قامت بها مؤسسة دراسات أوروبية فإنّ 1.5% من الناتج الداخلي الخام لتونس تحقّق بفضل اتفاقية الشراكة مقارنة بحالة عدم توقيع هذه الاتفاقية”.
ويضيف بيروني أنّ “الميزان التجاري التونسي يحقّق خلال السنوات الأخيرة فائضا تجاريّا مهمّا إزاء أوروبا، في سياق تبلغ فيه نسبة الصادرات التونسية المتوجهة إلى أوروبا 70%”، وهو ما اعتبره “مهمّا جدّا للاقتصاد التونسي ولآفاق نموّه”.


تضاعف حجم الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي بـ4 مرّات بين 1995 و2024. وحقّقت تونس في 2024 فائضا تجاريّا إيجابيّا بقيمة 1.8 مليار يورو، بحسب بيان صادر عن مفوضية الاتحاد الأوروبي بتونس.
ويعدّ الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأهم بالنسبة إلى تونس. ففي 2025، بلغت نسبة الصادرات التونسية إلى الاتحاد الأوروبي 73.2% من إجمالي صادرات تونس، فيما بلغت نسبة واردات البلاد التونسية من أوروبا 49.6% من إجمالي وارداتها.
وتسجّل الاستثمارات الأوروبية في تونس ارتفاعا متواصلا حيث بلغ المخزون الإجمالي لهذه الاستثمارات 5.65 مليار يورو في 2024. وتوجد في تونس 3400 مؤسسة أوروبية توفّر 409 ألف موطن شغل مباشر.
وتبلغ حصّة الاتحاد الأوروبي 88% من حيث مشاريع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تونس، في حين بلغت حصّة الشريك الأوروبي من التوظيف 90% من إجمالي الوظائف المتأتية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بحسب الموقع الرسمي للمفوضية الأوروبية.


يؤكّد أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية عبد الرحمان اللاحقة، في تصريح لموقع الكتيبة، أنّ “تحديد ما جنته تونس من اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يتطلّب تقييما كمّيا مبنيّا على الأرقام”، معتبرا أنه “من الناحية المبدئية، فقد “استفادت تونس كثيرا من هذه الاتفاقية التي فتحت أمامها سوقا ضخمة تضمّ 450 مليون نسمة على الأقلّ بالنسبة إلى الصادرات الزراعية والصناعية وغيرها”.
ويستدرك اللاحقة بالقول:
الحقيقة نحن لم نقم باستغلال هذه الفرصة بما فيه الكفاية،و أكبر دليل على ذلك أنّه بعد 30 سنة مازلنا نرى أنّ الصادرات التونسية تتركّز في 7 دول أوروبية فقط، لكن أوروبا ليست فرنسا وألمانيا وإيطاليا فقط وليست 6 أو 7 دول.
في المقابل، يعتبر الباحث المتخصّص في الاقتصاد السياسي حمزة المدّب أنّ حصيلة الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي بعد مضيّ 3 عقود من تاريخ توقيعها “هزيلة جدّا سواء في ما يتعلّق بفقدان الموارد الجبائية التي خسرتها تونس نتيجة إلغاء المعاليم الجمركية على السلع، أو في ما يهمّ تطوير القطاع الصناعي التونسي وتعزيز التنافسية التونسية أو من ناحية خلق مواطن الشغل”.
وعلى الرغم من أنّ تونس نجحت في جلب استثمارات أجنبية ورغم مواطن الشغل التي توفّرها الشركات الأوروبية، يؤكّد كلّ من حمزة المدّب وجمال العويديدي أنّ ذلك كان على حساب الصناعة التونسية التي اندثر جزء هامّ منها نتيجة هذه الاتفاقية، سواء في مجال النسيج أو الصناعات الميكانيكية التونسية.
تبرز دراسة نشرها المعهد الوطني للإحصاء بالتعاون مع البنك الدولي في 2013 أنّه بين 1996 و2010 اندثرت 55% من الشركات التي كانت موجودة في تونس. يبيّن الخبير الاقتصادي جمال العويديدي أنّ ذلك يعادل تقريبا 10 آلاف مؤسسة، الأمر الذي أدّى إلى فقدان حوالي 400 ألف موطن شغل، وفق تقديره.
يشير العويديدي أيضا إلى دراسة قامت بها وكالة النهوض بالصناعة والتجديد بين 2005 و2015 تفيد أنّ 4319 مؤسسة اضمحلّت، الأمر الذي أسفر عن 250 ألف عاطل.ة عن العمل، وهو ما يفسّر نسبة البطالة المرتفعة في تونس والتي وصلت في صفوف الشباب -خاصّة في الجهات الداخلية- إلى 40%.
ويضيف أنّ اتفاق الشراكة أدّى كذلك إلى “الإضرار بقيمة الدينار التونسي، حيث كان 1 يورو في بداية سنوات الـ2000 يساوي 1.2 دينار تونسي، أمّا اليوم أصبحت قيمة اليورو الواحد تعادل 3.4 دينار، وهو ما جعل البلاد تنهار من الداخل بشكل شبه تامّ”، وفق تقديره.


من دعم الانتقال الديمقراطي إلى الشراكة البراغماتية: تحوّل العلاقات الأورو-تونسية بعد 2011
دخلت العلاقات التونسية الأوروبية مرحلة جديدة إبّان اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في جانفي/ كانون الثاني 2011، سمتها الأساسية أنّ المسالة الديمقراطية التي جاءت في اتفاق 1995 لم تعد هدفا منشودا بل واقعا على الأرض دخلت تونس بموجبه في مسار انتقال ديمقراطي.
يذكّر حمزة المدّب أنّه كانت هناك “عديد البرامج من جانب الاتحاد الأوروبي لدعم الديمقراطية والانتقال الديمقراطي، ودعم المجتمع المدني وقطاع الإعلام السمعي البصري، وبرامج دعم العدالة الانتقالية، علاوة على المسائل الاقتصادية والاجتماعية”.
وتفيد الأرقام الصادرة عن المفوضية الأوروبية بتونس أنّ قيمة مساعدات الاتحاد الأوروبي لتونس بلغت منذ 2011 ما يُقدّر بـ3.4 مليار يورو، منها ما يزيد عن 2 مليار يورو في شكل هبات و1.4 مليار يورو في شكل مساعدات مالية (قروض ميسّرة).


سعى الاتحاد الأوروبي في تلك الفترة إلى تدعيم شراكته مع تونس من خلال اتفاقية التبادل الحرّ الشامل والعميق التي تُعرف بـ”الأليكا” (ALECA)، والهادفة إلى تجاوز اتفاق 1995 لتشمل الخدمات والزراعة والتقريب التشريعي نحو القانون الأوروبي.
وقد انطلقت مفاوضات هذه الاتفاقية في أكتوبر/ تشرين الأوّل 2015 وأنجزت 4 محطات تفاوضية على مدى سنوات قبل أن تتوقّف بشكل نهائي في 2019.
وقد جوبهت هذه المساعي منذ البداية برفض كبير من قبل مكوّنات من المجتمع المدني التونسي والاتحاد العام التونسي للشغل.
يبيّن حمزة المدّب أنه “كانت هناك أصوات قد طالبت، من أجل تعميق هذه الشراكة، بمنح تونس إمكانية الولوج إلى السوق الأوروبية أي أن يكون لها نفس وضعيّة النرويج على سبيل المثال، وبالتالي لا تكون تونس عضوة في الاتحاد الأوروبي سياسيا ولكن تكون عنصرا وجزءا من السوق الأوروبية، وهو ما سيؤدّي إلى حرّية تنقّل السلع والخدمات والفلاحة ولكن أيضا حرّية تنقّل الأشخاص، وهو ما رفضه الأوروبيون”، حسب قوله.
هذه العوامل “خلقت نوعا من الركود في العلاقات التونسية الأوروبية في ما يهمّ الجانب الاقتصادي والتجاري، وهو ما جعل الفاعلين المعنيّين يفهمون أنّ هناك طريقا مسدودا في العلاقات الأورو-تونسية إذا لم يقع تعميقها ودمج القطاعات الفلاحية والخدماتية فيها”، بحسب المتحدّث نفسه.
فضلا عن “انسداد الطريق”، جاء 25 جويلية/ تمّوز 2021 الذي مثّل بحسب حمزة المدّب “ارتدادا على كلّ المكاسب الديمقراطية التي تحقّقت في تونس”، وهو ما فتح الباب أمام تمشّ براغماتي جدّا يمكن اعتباره “انتهازيا”، وتعالت الأصوات داخل الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة أن يكون هذا الأخير براغماتيا ويتعامل مع تونس وغيرها من خلال مجموعة من القضايا التي يقع التفاوض حولها والدفاع عن المصالح الأوروبية من خلالها، وفق تصريحات المدّب.


مذكّرة التفاهم 2023: شراكة استراتيجية أم “اتفاق الحدّ الأدنى”؟
في السادس عشر من شهر جويلية/ تمّوز 2023، وقفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين ورئيسة وزراء إيطاليا جيورجيا ميلوني ورئيس وزراء هولندا مارك روته في قصر قرطاج، إلى جانب رئيس الجمهورية التونسي قيس سعيّد، معلنين عن توقيع مذكّرة “شراكة استراتيجية وشاملة”- والتي اصطلح على تسميتها بـ”مذكّرة التفاهم” – تتكوّن من 5 محاور رئيسية: الطاقة، والتجارة، والهجرة، والاستقرار الاقتصادي والتبادل البشري.
يذكّر الباحث في الاقتصاد السياسي حمزة المدّب أنّ “مذكّرة التفاهم جاءت في سياق ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في 2022، والتي بات بعدها الاهتمام الأوروبي منكبّا على الجانب الشرقي للاتحاد الأوروبي وأصبحت دول الجوار المتوسطي وجنوب أوروبا في موضع ثانوي جدّا”.


كذلك، عرف الاتحاد الأوروبي “انقسامات وخلافات كبيرة داخله بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها، ولكن أيضا بسبب صعود اليمين الشعبوي أو أقصى اليمين في العديد من الدول الأوروبية، وهو ما خلق حالة من الشلل داخل الاتحاد الأوروبي”، بحسب المصدر ذاته.
أمّا المعطى الثالث والأهمّ، وفق حمزة المدّب، فيتعلّق بالمسائل التي أصبحت طارئة على طاولة أيّ صانع قرار أوروبي، خصوصا مع الحرب الأوكرانية الروسية وانقطاع إمداد الغاز الروسي لأوروبا، والمتمثّلة في الهجرة والطاقة، ممّا جعل مسألة صياغة علاقات أوروبية تخضع في حدّ أدنى لاحترام حقوق الإنسان ثانوية من وجهة النظر الأوروبية وكذلك التونسية بعد 2021.
يشير المدّب إلى أنّ “رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني لعبت دورا هامّا في مذكّرة التفاهم 2023 نظرا إلى موقع إيطاليا سواء في خارطة الهجرة الأوروبية أو من حيث جوارها لتونس أو طموحها أن تلعب دورا رئيسيا في ملف الطاقة”.
ويضيف محدّثنا “هذا التمشي الواقعي البراغماتي الانتهازي فهم أن النظام في تونس في 2023 هو نظام معزول، فكان التوجّه الإيطالي الذي أقنعت به ميلوني شركائها الأوروبيين أنّه من المهمّ التعامل مع تونس بكلّ واقعية وبراغماتية من خلال 3 قضايا أساسية فقط لا غير وهي الهجرة والطاقة والأمن”.
ويعتبر المدّب أنّ كلّ ما ذُكر في مذكّرة التفاهم، باستثناء القضايا الثلاث المذكورة، لا يرقى إلى إطار جامع يبني أفق تعاون كبير وهو يعدّ نوعا ما “زائدا”، مشددّا على أنّ “المهمّ والأهمّ في مسألة التعاون التونسي الأوروبي من خلال التوجّه الإيطالي هي قضايا الهجرة والطاقة والأمن”.
يضيف حمزة المدّب:
“مذكّرة التفاهم 2023 هي إقرار بالمأزق الهيكلي الذي وصلت إليه العلاقات التونسية الأوروبية وهي محاولة للخروج من هذا المأزق من خلال تبنّي تمشّ واقعي جدّا وبراغماتي وحتّى انتهازي”.
ويؤّكد المدب أنّ الأوروبيين “انتهزوا حالة الضعف والعزلة التي تمرّ بها تونس وحاجة النظام التونسي إلى الاعتراف الدولي. كما انتهزوا أيضا فرصة تاريخية تتمثّل في عدم قدرة تونس على التفاوض والدفاع عن مصالحها بقوة كما يُفترض أن تدافع أيّ دولة على مصالحها”.
“لم تستفد تونس من مذكّرة التفاهم باعتبار أنّ جزءا كبيرا من الدعم الكبير الذي وقع التنصيص عليه في المذكّرة -والذي تبلغ قيمته 900 مليون يورو- مشروط باتفاق مع صندوق النقد الدولي وتونس كانت قد قرّرت عدم المضيّ قدما في الاتفاق مع الصندوق”، بحسب حمزة المدّب.


يصف المدّب مذكّرة التفاهم قائلا:
“اتفاق الحدّ الأدنى، فهي ليست توجّها نحو إطار جديد للشراكة يكون إيجابيّا وليست تغليفا للمنطق القديم، هي إقرار ومحاولة لتجاوز الانسداد الحقيقي والهيكلي في العلاقات التونسية الأوروبية في ظلّ حالة الترابط الموجودة بين الطرفين”.
ويعتبر الكثير من المتابعين للشأن العامّ أن مذكّرة التفاهم 2023 كانت صفقة أمنية أصبحت تونس بموجبها “حارسا” للحدود الأوروبية لمنع تدفقات الهجرة غير النظامية.
في المقابل ينفي سفير الاتحاد الأوروبي بتونس جوزيبي بيروني ذلك قائلا “لا أعتقد أنّ مذكّرة التفاهم كانت صفقة أمنية، كان ذلك أولّ اتفاق من نوعه يقع توقيعه مع دولة في المنطقة المتوسّطية”.
ويذكّر بيروني أنّ ما يُسمّى بـ”الشراكة الشاملة والاستراتيجية” تتكوّن من 5 محاور، تمثّل الهجرة جزءا مهمّا منها لكنّها ليست الأهمّ، على حدّ قوله.
ويشدّد أيضا على أنّ “الاتحاد الأوروبي لا يتعامل مع الهجرة من الجانب الأمني فقط على الرغم من أهميته ولكن أيضا يعمل على محاور أخرى على غرار مراقبة الحدود وحماية المهاجرين والتعاون مع المنظمات الأممية في ما يتعلّق بعمليات العودة الطوعية والطرق القانونية للهجرة”.
ويضيف سفير الاتحاد الأوروبي بتونس أنّ “هذه الشراكة المتكاملة والاستراتيجية يمكن أن تعمل كرافعة للتنمية المستدامة لتونس”، مشيرا إلى وجود “تقدّم في محاور مثل التجارة والاستثمار والطاقة أيضا أين هناك التزام واضح ونتائج ملموسة”، حسب تعبيره.
يرى حمزة المدّب أنّ تونس لم تحقّق مكاسب حقيقية من مذكرة التفاهم رغم الاهتمام الأوروبي الكبير بملف الطاقة المتجدّدة وحاجة أوروبا إلى تنويع مصادر طاقتها، مضيفا أنّ بعض المشاريع مثل مشروع “ELMED” لربط الطاقة ساهم في زيادة مديونية الدولة التونسية رغم وجود تمويل أوروبي.
ويبيّن أنّه كان من الممكن أن يتمّ “اعتماد صيغ تمويلية أقلّ كلفة بالنسبة إلى تونس مثل إنشاء شركات مشتركة مع الجانب الأوروبي أو الإيطالي”، منتقدا “ضعف المفاوض التونسي وعدم قدرته على استثمار الحاجة الأوروبية للطاقة من أجل الدفاع عن مصالح البلاد”.


ويخلص المدّب بالقول إنّ “تونس لم تحقّق مكاسب تُذكر لا في الطاقة ولا في الهجرة ولا في الجانب المالي”، معتبرا أنّه قد “وقعت مصادرة مصالح البلاد دون أيّ قدرة على تحقيق أيّ مكاسب محسوسة وملموسة”.
في المقابل، يقول سفير الاتحاد الأوروبي بتونس إنّ “مشروع “ELMED” استراتيجي يهدف إلى تعزيز استقلال الطاقة والربط الطاقي بين تونس والاتحاد الأوروبي، وتشارك فيه الكثير من المؤسسات المالية الأوروبية مثل البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والاتحاد الأوروبي وإيطاليا، إلى جانب تونسيين مثل الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ)، وبالتالي فإنّ هيكلته المالية معقّدة ويستغرق تنفيذه وقتا أطول”.
ويؤكّد أنّ “تونس تملك إمكانيات كبيرة في مجال الطاقات المتجدّدة، خاصّة في ما يهمّ الطاقة الشمسية والرياح، وهو ما يجعلها شريكا مهما لأوروبا في الانتقال الأخضر”، مشيرا إلى “وجود دعم أوروبي لتونس في هذا المجال عبر تمويلات وقروض ميسّرة ومساعدة فنّية”، ومشددا على “ضرورة بذل جهود إضافية لكي تكون تونس قادرة على تحقيق الأهداف المحدّدة في الوقت المناسب”.


تونس بين مراجعة اتفاق 1995 وتعثّر تنويع الشراكات
تعالت خلال السنوات الأخيرة أصوات تونسيّة عديدة لمراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وكان من أبرزها دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى ضرورة مراجعة هذه الاتفاقية في مارس/ آذار الفارط، وكذلك تصريح وزير الشؤون الخارجية الأخير في هذا الإطار.
في ذات السياق، يُجمع كلّ من أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية عبد الرحمان اللاحقة والخبير في الاقتصاد والتنمية جمال العويديدي على أنّه لا يمكن الحديث عن مراجعة أو تحوير للاتفاق قبل إجراء تقييم شامل وحقيقي لهذه الاتفاقية ونتائجها.
ويعتبر العويديدي أنّ “تونس فقدت قطاعها الصناعي جرّاء اتفاق 1995 وبالتالي يتعيّن على الأوروبيين تمويل إعادة هذا القطاع في تونس حتّى تتمكّن من بيع منتجاتها في أوروبا لا أن يعطوا أموالا تساهم في سوء الحوكمة على غرار تمويل صندوق تأهيل الشركات الذي تستفيد منه في النهاية الشركات الأوروبية المنتصبة في تونس”.
من جهته، يبيّن عبد الرحمان اللاحقة أنّه “إذا مضى على الاتفاق 30 سنة لا بدّ من مراجعته من الناحية المبدئية”، قبل أن يستدرك بالقول “لكن هل تونس هيّأت نفسها لذلك؟ هل لدينا دراسات كمّية تقيّم هذا الاتفاق ومردوديته، ومواطن ضعفه؟ هل قمنا بدراسات محايدة وشفافة؟”.
ويؤكّد اللاحقة أنّ “الدعوة إلى مراجعة الاتفاقية لا يجب أن تكون بنيّة القطيعة ولكن بنيّة التحسين، موضّحا أنّه لا بدّ من تدعيم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي نظرا إلى العلاقات التاريخية التي تجمع الطرفين، علاوة على أنّ أوروبا تبقى أكبر سوق قريب من تونس التي تعرف قواعد هذه السوق ومزاج الأوروبيين ومعاييرهم وكلّ شيء عنهم”.
ويعتبر ذات المتحدّث أنّه “لا بدّ من مراجعة الاتفاقية لكن في اتّجاه النفاذ إلى أسواق أوروبية جديدة وقطاعات أكثر إنتاجية تمكّن تونس من خلق مواطن شغل ومراجعة القيمة المضافة للاتفاقية وكيفية الاستفادة من نقل التكنولوجيا الأوروبية إلى تونس”.


يؤكّد سفير الاتحاد الأوروبي بتونس جوزيبي بيروني أنّ الاتحاد منفتح على مراجعة اتفاقية الشراكة “التي هي ناجحة تماما”، على حدّ قوله، مشيرا إلى أنّه “قد وقع توقيعها قبل 30 عاما وبالتالي هناك بعض القطاعات التي لم تكن موجودة في ذلك الوقت مثل الخدمات والذكاء الاصطناعي والقطاع الرقمي”.
ويضيف بيروني:
“يجب علينا العمل لمراجعة هذه الاتفاقية.. نحن منفتحون لمراجعة ومناقشة كلّ المقترحات التي قد يتمّ تقديمها من قبل السلطات التونسية”.
وردّا على سؤال حول ما إذا كانت السلطات التونسية قد قدّمت مقترحات في هذا الإطار، قال سفير الاتحاد الأوروبي إنه إلى الآن لم تقدّم تونس أي مقترحات.
في هذا السياق، يتساءل الباحث المختصّ في الاقتصاد السياسي حمزة المدّب عن العرض الذي ستقدّمه الحكومة التونسية والنظام التونسي وتضعه على طاولة المفاوضات لمراجعة اتفاقية الشراكة، معتبرا أنّ “كلّ صانعي القرار في تونس منذ ما قبل 2011 وصولا إلى اليوم دائما موقفهم سلبي وينتظرون أن يضع الأوروبيون مقترحات حتّى يتسنّى لهم التعامل معها”.
ويضيف المدّب أنّ “هذه السلبية وغياب المبادرة تنمّ عن غياب الكفاءة وغياب الرؤية والقدرة الحقيقية على بناء إطار تفاوضي يجعل البلاد تحدّد مصالحها بالتحديد والتدقيق وتدافع عنها برؤية واضحة”، قائلا “في غياب ذلك، كلّ هذا نوع من اللغو والابتزاز لا أكثر ولا أقلّ”.
ويشدّد على أنّ “من يريد إعادة النظر في اتفاقيات الشراكة عليه أن يوضّح كيف وأن يضع شروطا بديلة لاتفاقية الشراكة الحالية، ويقول إنّه يريد التفاوض حول نقاط معيّنة ويقدّم مطالبه وما لا يمكن أن يقبله، وككلّ مفاوضات يكون هناك “أخذ وعطاء”.
يطرح البعض إمكانية تمويل الاتحاد الأوروبي لـ”مخطّط مارشال” في تونس، وهو ما كان قد تمّ طرحه مع تونس في 2011 في حكومة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي إلّا أنّه بقي حبرا على ورق. وتُقدّر كلفة هذا المخطط بحسب خبراء بحوالي 20 مليار يورو.
يعتبر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية عبد الرحمان اللاحقة أنّ “الفكرة جذابة سياسيّا ولكن تونس لا تملك الآليات السياسية والاقتصادية لجذب هذه الاستثمارات”، مبينّا أنّ “مخطط مارشال ليس مساعدة خيرية أو هبة، بل هو استثمار قائم على قاعدة الربح للطرفين وأن تونس لا تحتاج مخطط مارشال لدعم برامج دعم الميزانية”.
ويضيف اللاحقة “أنّه قبل الحديث عن مخطّط مارشال لا بدّ أن يكون لتونس استراتيجية واضحة وشاملة تحدّد فيها أهدافها من هذه الاستثمارات”.
في المقابل، يقول حمزة المدّب إنّ “خطة مارشال جديدة في تونس هي وهمٌ، وكل من يعتقد أنّ الاتحاد الأوروبي سيموّل تونس بـ20 مليار يورو واهم”، مضيفا أنّه “في عزّ الديمقراطية لمّا انعقد اجتماع دوفيل وكانت تونس محور اهتمام العالم بعد الثورات العربية لم تحصل على نصف هذا المبلغ، فكيف يمكن أن تحصل عليه الآن؟”
ويبرز المدّب أنّ “أوهام مخطّط مارشال تعكس الرغبة في تحويل هذه الشراكة إلى مصدر للريع الجيوسياسي في دولة مأزومة، ويعكس منطق الهروب إلى الأمام والهروب من مواجهة جذور الأزمة في تونس”.
على صعيد آخر، ترتفع أصوات منادية بضرورة تنويع تونس لشراكاتها مع جهات جديدة مثل الصين وروسيا ودول الخليج العربي وإفريقيا.
يقول الخبير في الاقتصاد والتنمية جمال العويديدي إنّ “الدول الأوروبية تركض نحو الصين حتّى قبل أن تسوء العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإن الأوروبيين كانوا يستوردون بضاعة من الصين وبنغلادش والهند ويبيعونها في تونس على أنّها إيطالية أو فرنسية وهو ما أضرّ بالنسيج الصناعي التونسي”.
ويضيف أنّه “يمكن إيجاد صيغة للتعاون مع الصين من خلال مثلا صناعة اللوحات الشمسية وبذلك تصبح تونس منتجة لهذه اللوحات بتكنولوجيا عالية من الصين وتستهلكها في السوق المحلّية ويتمّ إحداث مصانع لتشغيل الشباب التونسي وفي الوقت نفسه تقوم تونس بتصدير جزء كبير منها، وهو ما سيوفّر أموالا لتونس”.


يقرّ أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية عبد الرحمان اللاحقة أنّ “تنويع العلاقات من ناحية المبدأ محبّذ دائما”، متسائلا بالقول “لماذا البحث عن تنويع العلاقات عندما يكون هناك سوق قريبة لم نقم باستغلالها؟”.
ويعتبر اللاحقة أنّ ذلك “يمثّل نوعا من الكسل”، موضّحا أن “هناك رجال أعمال يتحّدثون عن التوجه إلى إفريقيا كأنها عملية سهلة وينظرون إليها بطريقة فوقية ويقولون إنهم “سيغزون إفريقيا” في حين أنّ العديد من الدول الإفريقية باتت متطورة جدّا.
ويشير اللاحقة إلى أنّه “على الرغم من الإمكانيات المالية الكبيرة للصين لا بدّ من توخي الحذر”، مبرزا أنّ “الصين هي مصنع العالم ولا يوجد ما يمكن تصديره إليها من تونس، حتّى في المجال المالي وتمويل الاستثمارات فالأمر ليس سهلا”.
قامت عدّة دول إفريقية باللجوء إلى الصين لاقتراض الأموال وإنجاز المشاريع، إلّا أنها وجدت نفسها إزاء مأزق جديد. ولعلّ أبرز مثال على ذلك كينيا التي وجدت نفسها في فخّ ديون صينية ضخمة مثّلت في سنة 2025 فقط حوالي 67,1% من إيرادات الدولة الكينية، وذلك إثر قيام الصين بتمويل مشروع سكة الحديد التي كان يُفترض أن تمتدّ من مومباسا إلى الحدود الأوغندية.
وتنفق كينيا أكثر من مليار دولار سنويّا في المتوسّط لخدمة ديونها للصين بسبب سكة الحديد. وصنّف صندوق النقد الدولي كينيا على أنّها معرّضة بشدّة لخطر التعثّر عن سداد ديونها، وقرّر تعليق المراجعة النهائية لبرنامجه معها، الأمر الذي حرم الحكومة من صرف الشريحة الأخيرة من قرض بنحو 850 مليون دولار.
يقول حمزة المدّب إنّ “تنويع الشراكات التونسية مع دول أخرى مثل الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج ودول إفريقيا مهمّ لأنه يخرج تونس من منطق الحديقة الخلفية للاتحاد الأوروبي ومن موقع البلد التابع الذي لا يملك بدائل في عالم قاس وفي سياقات صعبة وصدامية، ومن شأنه أن يعزّز الموقف التفاوضي لتونس مع الاتحاد الأوروبي ومع أيّ بلد آخر”.
ويضيف ذات المتحدّث أنّ “ذلك غير موجود اليوم خاصّة أن الاستثمارات الصينية والخليجية مثلا موجودة في المغرب وفي مصر ولكنها لا توجد في تونس”، مشيرا إلى أنّ “نظام قيس سعيّد يسعى منذ 2021 إلى فتح قنوات جلب وبناء علاقات مع الصين وروسيا والخليجيين ولكن المشكلة تكمن ربما أنه في نظرة هذه الدول تونس في وضعها الاقتصادي الراهن وبالنظر إلى إدارتها وبيروقراطيتها لا تملك مقوّمات لكي تكون وجهة لاستثمارات كبيرة من هذه البلدان”.


أيّ مستقبل للعلاقات التونسيّة-الأوروبيّة؟
يجمع العديد من المتابعين على أنّ “العلاقات التونسية الأوروبية تشهد نوعا من الفتور منذ سنوات، خصوصا بعد أن استدعى رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد سفير الاتحاد الأوروبي بتونس جوزيبي بيروني، يوم 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، “لإبلاغه احتجاجا شديد اللهجة إزاء عدم الالتزام بضوابط العمل الدبلوماسي والتعامل خارج الأطر الرسمية المتعارف عليها في الأعراف الدبلوماسية باعتباره سفيرا مفوّضا للاتحاد الأوروبي لدى الدولة التونسية ومؤسساتها الرسمية”، وفق بلاغ صادر عن رئاسة الجمهورية التونسية.
جاءت هذه الخطوة بعد لقاء سفير الاتحاد الأوروبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل آنذاك نور الدين الطبوبي.
وقد اعتبرت بعض الأطراف التونسية أنّ “الاتحاد الأوروبي يتدخّل في الشؤون التونسية وينتهك السيادة الوطنية”. وهو ما نفاه سفير الاتحاد الأوروبي جوزيبي بيروني خلال لقائه بموقع الكتيبة حيث قال “نحن نحترم السيادة الوطنية تماما وكلّ المسارات الداخلية ولا نتدخّل فيها”.
وتابع مبيّنا أنّ “الاتحاد الأوروبي يعمل مع منظمات المجتمع المدني التونسية عبر المؤسسات الرسمية التونسية، وأنّ التعاون مع منظمات المجتمع المدني هو محور من محاور مذكّرة التفاهم التي تمّ توقيعها في 2023”.
جدير بالذكر أنّ اتفاق الشراكة الذي تمّ توقيعه في 1995 نصّ في فصله الثاني على مسألة الحقوق والحرّيات، والتي تشمل حقوق الإنسان والحرّيات السياسية، وهو ما ساهم في فتح مساحة صغيرة أمام المجتمع المدني والأحزاب المعارضة في فترة بن علي.


يعتبر الباحث في الاقتصاد السياسي حمزة المدّب أنّه “لا توجد محاولات للطرف الأوروبي للتدخّل ولا أيّ مسّ من السيادة الوطنية”، مذكّرا أنّه في” أيام حكم بن علي ساند الاتحاد الأوروبي المعارضة التونسية بشكل أكثر من اليوم”.
ويبيّن المدب أنّ هناك امتعاضا من الجانب الأوروبي بسبب منح تونس شركات صينية مسؤولية مشروع تحديث جسر بنزرت المموّل أوروبيا، أما الامتعاض الثاني فيهمّ ضبابية المستقبل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لتونس وارتدادات هذه الضبابية على الاتحاد الأوروبي.
إلّا أنّ هذا “الامتعاض لم يصل إلى درجة الوصول إلى مستويات كبيرة من الإدلاء بتصريحات حول الملف الحقوقي، وهو ما ينمّ عن عدم وجود رغبة من الجانب الأوروبي في الخوض في هذا الجانب كي لا يمنح رئيس الجمهورية قيس سعيّد فرصة للتنديد بالتدخّل الأوروبي في تونس”، وفق المصدر ذاته.
ويشدّد المدّب على وجود عدم اهتمام وبرود من الجانب الأوروبي.
وكان رئيس كتلة “الوطنيين من أجل أوروبا” (أقصى اليمين) في البرلمان الأوروبي جوردان بارديلا، قد توجّه بسؤال كتابي، يوم 30 سبتمبر 2024، انتقد فيه إسناد مشروع جسر بنزرت إلى شركة صينية رغم أن تمويل هذا المشروع أوروبي.
وطرح بارديلا أسئلة تتعلّق بأسباب تمويل مشاريع بأموال أوروبية ثمّ منح عقودها إلى شركات غير أوروبية، وعن مدى شفافية الصفقة.


في المقابل لا يعتبر سفير الاتحاد الأوروبي بتونس جوزيبي بيروني أنّ “هناك أزمة ثقة بين تونس والاتحاد الأوروبي، بل يرى أنّ العلاقات الثنائية إيجابية ومثمرة وهناك التزام متبادل لتحسينها”.
ويقول “كما هو الحال في أيّ علاقة دوليّة هناك ارتفاعات وانخفاضات وتقلّب ونحن نعمل على جعل هذه العلاقة أكثر استقرارا”، مضيفا “نحن منفتحون على الحوار لكن أعتقد أن مستوى التعاون بيننا مرتبط بمستوى الالتزام السياسي، أي أنّ التعاون الثنائي لا يمكن أن يكون مرتفعا دون التزام سياسي وحوار سياسي على مستوى مناسب”.
ويؤكّد أنّ مستقبل هذه العلاقات “مشرق” وأنّ التعاون على مستوى مؤسساتي وتجاري واستثماري يصبّ في مصلحة الشعب التونسي، مشيرا إلى أنّه في استطلاع رأي قامت به مؤسسة تونسية مؤخّرا تبيّن أنّ 62% من التونسيين.ـات لديهم رأي إيجابي إزاء الاتحاد الأوروبي.
ويردف بالقول إنّ “كلّ العناصر المطلوبة لتحسين هذه الشراكة موجودة وإن الاتحاد الأوروبي ملتزم بذلك”.
يشار إلى أن موقع الكتيبة كان قد توجّه بمجموعة من الأسئلة إلى وزارة الشؤون الخارجية عبر البريد الإلكتروني حول العلاقات التونسية الأوروبية والشراكة مع الاتحاد الأوروبي، دون تلقّي أيّ ردّ إلى غاية كتابة هذه الأسطر.
يمثّل هذا المقال جزءا من ملف يشتغل عليه موقع الكتيبة تحت عنوان "تونس في محيطها الإقليمي والدولي".وهو يهدف إلى تقييم علاقة البلاد التونسية بشركائها التقليديين والبحث عن الفرص المتاحة أمام الدولة التونسيّة لا سيما على المستويين الجيوسياسي والاقتصادي.
يمثّل هذا المقال جزءا من ملف يشتغل عليه موقع الكتيبة تحت عنوان "تونس في محيطها الإقليمي والدولي".وهو يهدف إلى تقييم علاقة البلاد التونسية بشركائها التقليديين والبحث عن الفرص المتاحة أمام الدولة التونسيّة لا سيما على المستويين الجيوسياسي والاقتصادي.

الكاتبة : رحمة الباهي
صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة
الكاتبة : رحمة الباهي
صحفية وباحثة. مسؤولة قسم التحقيقات الدولية بموقع الكتيبة





