الكاتب : إيمان حامدي
صحفيّة متخصّصة في الشأن الاقتصادي. عملت في عديد المؤسّسات التونسيّة والعربيّة.
“سيكلّفنا تحقيق حلم امتلاك مسكن أكثر من 600 ألف دينار سندفعها مقابل شراء شقّة في منطقة سكرة (محافظة أريانة) لا تتجاوز مساحتها الجملية 150 مترا مربّعا نظير الحصول على قرض من بنك خاصّ بنسبة فائدة قارّة قيمته 210 ألف دينار سيسدّد على مدى 25 سنة”.
بنبرة تنضح ألما، تحدّثت “أسماء”، وهي مواطنة تونسيّة من الطبقة الوسطى إلى موقع الكتيبة، لتروي قصّتها مع القروض السكنيّة في تونس خلال السنوات الأخيرة.
تضيف “أسماء” قائلة:
“يبلغ السعر الأصلي للشقّة وفق عقد الشراء المُوقّع مع الباعث العقاري عام 2019، 280 ألف دينار، لكن وفق شروط الاقتراض التي يضعها البنك لم نتمكّن إلّا من الحصول على 210 ألف دينار حتّى لا نتجاوز نسبة التداين المسموح بها والتي تبلغ 40 %.”
وتوضّح مُحدثتنا ضمن نفس السياق:”عندما قرّرنا شراء الشقّة لم تكن لدينا معطيات كافية حول كُلفة القروض السكنيّة، حيث تقدّمنا بطلب للبنك للحصول على تمويل لشراء العقار بعد فتح حساب مشترك بيني وبين زوجي وتقديم كلّ البيانات في علاقة بمعدّل دخلنا الشهري”.
اختارت “أسماء” وزوجها أن تكون مدّة سداد القرض على مدى 25 عاما لملائمة قيمة القسط الشهري مع معدّل دخلهما، في الأثناء لم تكن تتوقّع أنّها ستسدّد تقريبا ثلاثة أضعاف قيمة القرض الذي حصلت عليها خلال تلك المدّة.
الكاتب : إيمان حامدي
صحفيّة متخصّصة في الشأن الاقتصادي. عملت في عديد المؤسّسات التونسيّة والعربيّة.
“سيكلّفنا تحقيق حلم امتلاك مسكن أكثر من 600 ألف دينار سندفعها مقابل شراء شقّة في منطقة سكرة (محافظة أريانة) لا تتجاوز مساحتها الجملية 150 مترا مربّعا نظير الحصول على قرض من بنك خاصّ بنسبة فائدة قارّة قيمته 210 ألف دينار سيسدّد على مدى 25 سنة”.
بنبرة تنضح ألما، تحدّثت “أسماء”، وهي مواطنة تونسيّة من الطبقة الوسطى إلى موقع الكتيبة، لتروي قصّتها مع القروض السكنيّة في تونس خلال السنوات الأخيرة.
تضيف “أسماء” قائلة:
“يبلغ السعر الأصلي للشقّة وفق عقد الشراء المُوقّع مع الباعث العقاري عام 2019، 280 ألف دينار، لكن وفق شروط الاقتراض التي يضعها البنك لم نتمكّن إلّا من الحصول على 210 ألف دينار حتّى لا نتجاوز نسبة التداين المسموح بها والتي تبلغ 40 %.”
وتوضّح مُحدثتنا ضمن نفس السياق:”عندما قرّرنا شراء الشقّة لم تكن لدينا معطيات كافية حول كُلفة القروض السكنيّة، حيث تقدّمنا بطلب للبنك للحصول على تمويل لشراء العقار بعد فتح حساب مشترك بيني وبين زوجي وتقديم كلّ البيانات في علاقة بمعدّل دخلنا الشهري”.
اختارت “أسماء” وزوجها أن تكون مدّة سداد القرض على مدى 25 عاما لملائمة قيمة القسط الشهري مع معدّل دخلهما، في الأثناء لم تكن تتوقّع أنّها ستسدّد تقريبا ثلاثة أضعاف قيمة القرض الذي حصلت عليها خلال تلك المدّة.
يكشف جدول الاستهلاك ( tableau d’amortissement) الذي تسلّمته “أسماء” عند إتمام إجراءات القرض أن مدّة السداد ستدوم 300 شهرا بمعدّل قسط شهري بقيمة 2040 دينارا.
ووفق عملية حسابيّة ستُسدّد “أسماء” مقابل القرض السكني الذي حصلت عليه 612 ألف دينار أي تقريبا بزيادة تقدّر بـ 280% عن قيمة الدين الأصلي.
لا تعرف “أسماء” إذا كان خيار شراء مسكن في تونس قرارا صائبا أم لا لكنّها تدرك أنّ فترة سداد القرض ستنتهي عام 2044 وستكون حينها في سنّ 64 عاما أي بعد 4 سنوات من بلوغها السنّ القانوني للتقاعد.
تصف المُتحدّثة القروض السكنيّة في تونس بـ”الموجعة”، بسبب نسبة الفائدة العاليّة التي تُوظّفها البنوك على هذا الصنف من التمويلات. لكن على الرغم من ذلك، يضطرّ العديد من المواطنين.ات إلى القبول بالشُروط المُجحفة للبنوك في سبيل النفاذ إلى حقّ السكن وتحقيق حلم امتلاك منزل.


ماذا تقول البيانات الرسميّة؟
لا تنكُر الغُرفة الوطنيّة للباعثين العقاريين ثقل العبء المالي الذي يتحمّله التونسيّون بسبب شطط القروض السكنيّة في ظلّ ارتفاع كُلفة البناء التي دفعت أسعار العقّارات نحو مستويات قياسيّة.
ويقرّ نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين جلال المزيو في مقابلة مع الكتيبة بوجود “هوّة شاسعة بين القدرة الإنفاقية للتونسيين ومستوى الدخل الفردي والأسري وأسعار العقارات ما تسبّب في حرمان طيف واسع من المواطنين من تملّك مساكن”.
ويُعدّ ارتفاع كُلفة القروض السكنيّة بحسب ذات المتحدّث واحدا “من أبرز أسباب تراجع الطلب العقاري في البلاد بالرغم من الأهمية الاقتصاديّة للقطاع”.
وتتراوح حاليّا نسب الفوائد الموظّفة على القروض البنكيّة بين 10,86 % كمعدّل نسبة فائدة فعليّة و13,03 % كحدّ أقصى لنسبة الفائدة المشطّة التي تقابلها، وفق معايير نسبة الفائدة التي تضبطها وزارة المالية بشكل دوري وهي النسبة الأرفع في المنطقة المغاربيّة والمتوسطيّة.


وتُظهر البيانات الرسميّة التي نشرها البنك المركزي في مذكّرته عدد 228 بتاريخ أكتوبر 2024، أنّ التونسيين مُحجمون فعلا عن الاقتراض السكني حيث لم تتجاوز قيمة القروض التي حصلت عليها الأسر لتمويل شراء أو بناء مساكن ما بين عامي 2022 والربع الأول من عام 2024، 407 مليون دينار فقط.
في حين بلغت المبالغ المستحقّة على العملاء نحو 12.873 مليار دينار في مارس 2024، مقابل 12.466 مليار دينار نهاية سنة 2022.
ووفق البيانات ذاتها نمت قُروض الأُسر بهدف شراء مسكن أو بنائه بشكل ضعيف إذ لم تتجاوز 3.2% بين 2022 و2024.
وبرزت بوادر وصول التونسيين إلى مرحلة العجز التامّ عن اقتناء المساكن منذ عام 2019 بحسب جلال مزيو. وتأكدت النتائج ذاتها من خلال الدراسة الشاملة التي أنجزتها الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين عام 2021 والتي حذّرت من ارتدادات أسعار الفائدة البنكية العالية على القطاع السكني والاقتصاد المحلّي والإيرادات الضريبية.
وتشير بيانات البنك المركزي التونسي إلى أنّ قائم قروض السكن التي تحصّل عليها التونسيون شهد منحى تصاعديا خلال الفترة الممتدة ما بين 2019 إلى غاية 2024، حيث تطوّر القائم من 11,3 مليار دينار إلى 13 مليار دينار بحلول العام الماضي قبل أن يتراجع إلى حدود 12,9 مليار دينار خلال الثلاثي الأول من سنة 2025.
وتزامن ارتفاع قائم القروض مع صعود معدّل نسبة الفائدة الأساسيّة الذي تطوّر من 6,12% سنة 2020 إلى 7.99% عام 2024 قبل أن ينخفض إلى 7,5% خلال شهر مارس 2025.


سعر الفائدة: بيت الداء
تُظهر نتائج الدراسة المشار إليها سابقا والتي أنجزها مكتب “PwC ” (مكتب دراسات متخصّص في الاستشارات والتدقيق والخبرة القانونية والضريبية للمؤسسات في جميع قطاعات النشاط) أنّ خفض نسبة الفائدة على القروض السكنيّة هو الحلّ الأنسب لتحريك الطلب على العقارات وتوسعة شريحة المنتفعين بحقّ السكن.
وأشارت الدراسة التي أنجزت عام 2021 إلى أنّ 10.7% فقط من مجموع الأسر التي يتجاوز دخلها السنوي 60 ألف دينار قادرة على اقتناء مساكن بقيمة 250 ألف دينار ومدّة سداد تصل إلى 20 عاما، بينما يمكن توسعة هذه الشريحة إلى الأسر التي يصل متوسّط دخلها السنوي إلى ما بين 29 و60 ألف دينار باعتماد نسبة فائدة لا تتجاوز 7%.
كذلك بيّنت الدراسة أنّ خفض الفائدة إلى نسبة 3% سيسمح بتغطية طلبات كامل الفئة التي يصل دخلها السنوي إلى 29 ألف دينار مع إمكانية تمتّع الأُسر التي يصل دخلها إلى 16700 ألف دينار بإمكانية شراء مسكن.


لكن رغم السيناريوهات المتفائلة التي تقترحها دراسة الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين بخفض نسبة الفائدة إلى حدود 3% على القروض السكنيّة، يبقى الولوج إلى حقّ امتلاك المسكن شبه معدوم باحتساب متوسّط الأجور حاليّا.
فبحسب التقرير الذي أصدره البنك الدولي في شهر جويلية 2024 لتصنيفات البلدان حسب مستوى الدخل للسنة المالية 2024-2025، بلغ الدخل الفردي للتونسي خلال العام 2024 نحو 15 ألف دينار مقابل 13.7 ألف دينار في 2023.
وتُراهن الغرفة الوطنيّة للباعثين العقاريين على مفاوضاتها مع السلطات الحكوميّة للتوصّل إلى حلول تُفضي إلى إقرار صنف جديد من القروض السكنية يتمّ اعتماده من قبل البنوك بنسبة فائدة قارّة لا تتجاوز 7% ( TML نسبة الفائدة السكنية ) على أن يتمتّع المواطنون بهذا الامتياز مرّة واحدة في العمر.
وبحسب مزيو، تعهّدت وزيرة التجهيز والإسكان سارة الزعفراني سابقا (رئيسة الحكومة حاليّا) في اجتماع موسّع مع كافة الأطراف المتدخّلة في القطاع العقاري، بإحالة مقترح إحداث امتياز تفاضلي بخفض فائدة القروض السكنيّة إلى 7 % كحدّ أقصى، على رئاسة الحكومة من أجل تحريك الطلب العقاري ومساعدة فئات واسعة من التونسيين على اقتناء مساكن خارج امتيازات نظامي الفوبرولوس والسكن الأوّل.


وحاليّا تطبّق كلّ البنوك التجارية نسبة فائدة تصل إلى 12% على تمويل شراء المساكن بينما يستأثر بنك الإسكان بمنتوج واحد يسمح لحرفائه بالحصول على قروض بنسبة فائدة قارّة في حدود 5 % شرط تأمين ادخار سكني لمدة لا تقلّ عن 4 سنوات.
لكن لا يستبعد جلال مزيو أن “يرفع بنك الإسكان الذي يحضر الاجتماعات بين المهنيين ووزارة التجهيز باعتباره ممثّلا للمجلس المالي والبنك الفيتو أمام قرار خفض فائدة القروض السكنيّة وتثبيتها عند حدّ أقصى لا يتجاوز 7 % حتى يتمكّن من المحافظة على امتياز الإقراض وفق صيغة الادّخار السكني التي يستأثر بها”.
وأفاد محدثنا أنّ “الغاية من المقترح الذي تقدّمت به الغرفة هو خفض كلفة المساكن المموّلة عبر القروض وتحفيز شراء المساكن”، معتبرا أنّ “أسعار المساكن قفزت على الواقع الاجتماعي للتونسيين ولا يوجد أيّ توافق بين أسعار الشقق المعروضة للبيع ومتوسط أجور التونسيين الذي لا يتجاوز 1500 دينار شهريّا”.


تكشف بيانات رسميّة لمعهد الإحصاء الحكومي أنّ معدّل الرواتب الشهريّة لنحو 670 ألف تونسي يعملون في القطاع الحكومي لا يتجاوز 1387 دينارا ينفقون 40 % منها على الأكل والتنقّل.
وأبرزت الدراسة الصادرة عن معهد الإحصاء أنّ حجم الزيادات في الرواتب التي حصل عليها الموظّفون خلال الفترة الممتدة ما بين 2015 و2022 تقدّر بـ 471 دينارا للموظف الواحد.
ويشير نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين إلى “تراجع المهنييّن عن إنجاز مشاريع جديدة، حيث تراجع معدّل المساكن المُحدثة إلى ما بين 6 و7 آلاف وحدة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024، مقابل 20 ألف وحدة خلال الفترة بين 2017 و2022.
“يعكس تراجع الإنشاءات الجديدة للشقق والمساكن حجم الأزمة في القطاع الذي دخل في دورة انكماش، قد تستمرّ طويلا وتؤثّر على حجم الوظائف التي يخلقها القطاع إذا ما تواصل اعتماد نسب فائدة عالية على القروض السكنية”.
جلال مزيو
كما أضاف مزيو قائلا إنّ “العديد من الدول تعتمد على خفض نسبة الفائدة للقروض السكنيّة كمحفّز للاقتصاد وقطاع الإنشاء العقاري باعتباره قطاعا ذو تشغيلية عالية وذلك إلى جانب المحافظة على استمرارية دوره الأساسي في توفير المساكن الكافية للمواطنين”.

جلال مزيو: نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين

جلال مزيو: نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين
يُعدّ قطاع التطوير العقاري من القطاعات كثيفة العمالة نسبيا، إذ يوفر نحو 135,700 وظيفة مباشرة، رسمية وغير رسمية، وهو رقم يفوق بكثير ما توفره قطاعات أخرى مثل التعدين والطاقة، الذي لا تتجاوز طاقته التشغلية 32,975 شخصا. كما يضم قطاع التطوير العقاري أكثر من 300 جهة فاعلة من مختلف المهن، ما يساهم بشكل كبير في خلق عدد كبير من الوظائف غير المباشرة.
محلّيا أدّى الركود في القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة والهبوط الحادّ في الطلب على الشقق والمساكن إلى انسحاب ما لا يقلّ عن 2300 مهني من النشاط وانحسار عدد الباعثين العقاريين إلى 700 فقط مقابل ما يزيد عن 3000 باعث قبل سنة 2016.


تباين واسع بين شروط الإقراض السكني في تونس والدول المغاربيّة والمتوسطيّة
تظهر التجارب المقارنة أنّ هناك تباعدا كبيرا بين نسبة الفائدة التي تُطبّق على القروض السكنيّة وشروط الإقراض في تونس ومدّة السداد مع الدول المتوسطية وحتى المغاربيّة.
في الوقت الذي تطبّق فيها البنوك التونسية نسبة فائدة بمعدّل سعر الفائدة الأساسي (7,5% حاليا) زائد 3 مع تمويل 80% فقط من سعر العقّار وتسقيف الحدّ الأقصى للاقتراض بـ40 % من الدخل، تطبّق فرنسا نسب فائدة قارّة تتراوح ما بين 1,07% بالنسبة للقروض دون 15 سنة و1,5% على القروض التي تصل مدّة سدادها إلى 25 عاما. كما تصل قيمة التمويل إلى 110% من قيمة العقّار لتغطية مصاريف التسجيل.
في المقابل، تمنح البنوك المغربية حرفائها إمكانية تسديد القروض السكنية على مدى 25 عاما شرط عدم تجاوز سنّ الـ70 سنة، كما تطبّق نسبة فائدة في حدود 5% مع فرض عدم تجاوز الحدّ الأقصى للاقتراض 50% من الدخل وتمويل 100% من قيمة العقار.
أمّا البنوك البرتغالية فتعتمد على شروط إقراض ميسّرة حيث يمكن أن تمتدّ فترة السداد على 40 عاما مع ربطها بحد أقصى لسنّ المقترض لا يتجاوز 80 سنة.
وخلال السنوات الخمسة الأولى من فترة السداد، تطبّق البنوك البرتغالية نسبة فائدة قارّة ثم نسبة فائدة متحرّكة على باقي فترة السداد. وتتراوح نسبة الفائدة ما بين 4,8% بالنسبة للفائدة الموظفة على القروض المتحرّكة ويصل أقصاها إلى 5,2% بالنسبة للفائدة القارّة على القروض التي تتجاوز مدة سدادها 15 عاما.
في المقابل، تطبّق البنوك التونسية صنفين من نسب الفائدة على القروض السكنيّة، الأولى نسبة فائدة قارّة على قروض السكن التي تتجاوز مدّة سدادها 15 عاما وتحتسب على قاعدة سعر الفائدة الأساسي زائد ثلاثة نقاط وتطبق الفائدة المتحرّكة على القروض دون 15 عاما.
كذلك لا تقدّم البنوك التونسية التي تعمل في إطار وفاق ريعي للحرفاء أيّ امتيازات،وفق منظمات حقوقيّة ومدنيّة متخصّصة في المجال، حيث تطبّق أغلب البنوك التجارية المعايير والشروط ذاتها في منح القروض السكنية.
يحدّد البنك المركزي في مذكّرته عدد 87/47 في البند 35 مكرّر شروط إسناد القروض السكنية ونسبة الفائدة الموظفة على القروض حسب مدة السداد.
تعرّف المادة 33 (ثالث) من المذكّرة القرض العقاري السكني طويل الأجل بتمويل الائتمان المخصّص لبناء أو توسيع وتجهيز مسكن.
ووفق المادة 35 (ثالث) تهدف القروض السكنيّة المتحصّل عليها من قبل البنوك لبناء أو توسيع محلّ لغايات سكنية أو اقتناء مسكن من باعث عقاري على أن يقتصر التمويل على 80% من قيمة العقّار وتصل فترة السداد إلى 25 سنة.
ويتعيّن على البنوك وفق النصّ ذاته تطبيق نسبة فائدة ثابتة على القروض التي تتجاوز مدّة سدادها 15 عاما على أن تُحدّد البنوك بحرّية شروط الاعتمادات لتمويل الإسكان الممنوحة في إطار منتجات الادخار السكني التي تسوقّها.


يقول مصدر بنكي لموقع “الكتيبة” -فضّل عدم نشر هويته- إنّه “يجب على الحريف أن يحسن إدارة المفاوضات مع البنك المقرض خاصّة في ما يتعلّق بنسبة الفائدة”، مؤكّدا أنّ “النصّ القانوني المتعلّق بنسبة الفائدة على القروض السكنية التي تزيد عن 15 سنة واضح وصريح ويفرض على البنوك تطبيق نسبة فائدة قارّة على القروض التي تتجاوز مدّة سدادها 15 عاما”.
وأشار إلى أنّ “أغلب البنوك تتحايل على هذا النصّ وتقرض المودعين بنسبة فائدة متحرّكة حتى تستفيد من زيادة أقساط القروض في حالة رفع البنك المركزي الزيادة في نسبة الفائدة”.
وبحسب المصدر ذاته “لا يقوم البنك المركزي التونسي بالمهمّات الرقابية اللازمة للتثبّت من التزام البنوك بتطبيق المعايير اللازمة في القروض السكنية طويلة الأمد، حيث يقع تعويم هذه النقطة ضمن نقاط عدّة تتضمّنها المهمات الرقابية المنفذة على قلّتها”.
يعدّ تقرير نشاط بنك الإسكان “بي أش بنك” مرآة لأزمة التمويل السكني ومدى إحجام التونسيين عن الاقتراض المكلف، حيث يظهر التقرير أنّ مساهمة البنك في تمويل قطاع الإسكان الموزعة بين البعث العقاري وتمويل المشاريع السكنية لا تتجاوز 16.7% من مجموع معاملات البنك، بينما تشكّل القروض الصناعية وقروض الاستهلاك والحسابات المدينة 61 % من نشاطه.
ويكشف التقرير ذاته أنّ قائم ديون الحرفاء المتعلّق بقروض اقتناء المساكن بلغ سنة 2024 نحو 1327 مليون دينار مقابل 1311,6 عام 2023 أي بنسبة تطوّر لا تزيد عن %1.2.
في المقابل تراجع قائم القروض المسندة لفائدة الباعثين العقاريين بنسبة 18,5% مسجّلا هبوطا من 881.1 مليون دينار عام 2023 إلى 717,8 مليون دينار سنة 2024.
ورغم تراجع الطلب على الاقتراض السكني، لم تتّخذ البنوك أيّ خطوة في اتجاه فتح منافذ التمويل الميسّر نحو طالبي السكن بل شدّدت شروط إسناد القروض السكنية طويلة الأمد وقلّصت في مدّة السداد إلى 15 سنة فقط دون الإفصاح عن ذلك بشكل رسمي.
معركة ليّ ذراع ضحيّتها المواطن مجدّدا
بتاريخ 11 أفريل 2025، ذكرت برقيّة عن وكالة رويترز أنّ “البنوك الخاصّة التونسية أوقفت العمل بالقروض الجديدة طويلة الأجل لحماية الأرباح، في المقابل لم يصدر عن المجلس البنكي والمالي أيّ ردّ سواء لتأكيد الإجراء أو نفيه”.
وذكرت مصادر مصرفية “أنّ البنوك التونسية الخاصّة علّقت منح القروض الجديدة التي يتجاوز أجلها 15 عاما لتجنّب تقلّص أرباحها بسبب قانون جديد خفّض تكاليف الاقتراض، وذلك في خطوة ربما تصعّب حصول التونسيين على قروض”، بحسب البرقيّة ذاتها.
وفي ذات السياق، قال مسؤول كبير في بنك خاصّ “تلقّينا تعليمات شفهية (من إدارة البنك) بوقف منح القروض ذات الأجل المحدّد الذي يتجاوز 15 عاما”.
وأضاف المصدر ذاته أنّه “من الواضح أنّ هذه التعليمات شفهية لتجنّب أي أثر كتابي قد يؤدّي إلى فرض عقوبات على البنوك من قبل السلطات المالية”.
وذكّر مسؤولون في بنكين خاصّين آخرين أنّهم تلقّوا تعليمات شفهية من الإدارة بعدم منح قروض جديدة تتجاوز 15 عاما.
من جهة أخرى، أكّد فعلا مصدر مصرفي لموقع الكتيبة “توقّف منح كلّ القروض نسبة فائدة ثابتة مع تسقيف الحدّ الأقصى لسداد القروض السكنية عند 15 سنة”.
وقال المصدر المصرفي (رئيس فرع بنكي) إنّ “المصرف الخاصّ الذي يعمل فيه وجّه مذكّرة داخلية للفروع بوقف العمل بالقروض السكنية طويلة الأمد منذ إصدار التنقيح الخاص بالفصل 412 من المجلّة التجارية في جانفي الماضي ودخوله حيّز النفاذ”.


وينصّ الفصل 412 (جديد) من المجلّة التجاريّة، على أن “تعمل المصارف على الحدّ من أسباب إصدار الشيك دون رصيد وتدعيم دوره الاقتصادي ووظيفته الاجتماعية وتجنّب الممارسات المخالفة للمعايير المهنية، ويتّخذ لفائدة الأفراد أو أصحاب المشاريع الصغرى أو المؤسسات الاقتصادية الصغرى أو المتوسطة على غرار التخفيض في نسبة الفائدة الثابتة المنطبقة على القرض الجاري خلاصه أو القرض الجديد، والذي تتجاوز المدّة الجملية لتسديده سبع سنوات، إذا تَبيّن أنّ القيمة الجملية للفوائض التعاقدية المستخلصة خلال الثلاث سنوات السابقة لتاريخ تقديم مطلب التخفيض من المقترض تجاوزت نسبة ثمانية بالمائة من باقي أصل الدين دون اعتبار الفوائض المذكورة”.
و”على المصرف أن يضبط، في أجل أقصاه خمسة عشر يوما من تاريخ تقديم المطلب، جدول استهلاك جديد على قاعدة باقي أصل الدين غير المستخلص دون اعتبار الفوائض التعاقدية، ومدّة الخلاص المتبقية ونسبة فائدة جديدة تُساوي حاصل ضرب النسبة السابقة للفائدة المعتمدة في ضارب تعديلي يساوي 5,0″، بحسب نفس النصّ القانوني الجديد.
و”في صورة التخفيض في نسبة الفائدة، لا يمكن تقديم مطلب جديد إلّا بعد مرور ثلاث سنوات من تاريخ تقديم المطلب السابق. ولا يترتّب عن المطلب أيّ معاليم جديدة أو مصاريف إضافية للمقترض أو تعديل في شروط عقد القرض المتعلقة بالتأمينات العينية أو الشخصية التي تتبعه أو الشروط الخاصة بالخلاص المسبق لأصل الدين”، بحسب ذات النصّ.
تؤكّد “أسماء”، التي استفادت من التنقيح الجديد للمجلّة التجارية، أنّ قسط القرض السكني الذي تسدّده تراجع من 2040 دينار سابقا إلى 1368 دينار حاليّا وعليه فإنّها ستسدّد خلال الـ20 عاما المتبقية ما قيمته 328 ألف دينار مقابل أكثر من 489 ألف دينار كان يفترض أن تسدّدها وفق جدول الاستهلاك الأصلي.
من جهة أخرى، ترى محدثتنا أنّ “تعليق العمل بالقروض طويلة الأجل يجعل الحصول على مسكن أمرا مستحيلا للتونسيين في ظلّ ارتفاع صاروخي لأسعار العقارات”.
وحسب الدراسة التي أنجزها مكتب الدراسات الآنف ذكره لفائدة الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين يجعل اعتماد سعر الفائدة العقاري خفض القروض السكنية أمرا ممكنا.
وقد أوردت الدراسة ثلاثة سيناريوهات حول تأثير سعر الفائدة العقاري على القروض، سيناريو أوّل يتعلّق بتطبيق نسبة فائدة قارة بـ7% وسيناريو ثان بتطبيق نسبة فائدة قارة بـ5% وسيناريو ثالث بتطبيق نسبة فائدة قارة بـ3% .
وأظهرت نتيجة السيناريوهات المطبّقة على قرض بقيمة 200 ألف دينار يسدّد على مدى 20 عاما بدفعات سنوية ثابتة أنّ تطبيق سعر الفائدة العقاري بمعدلات 7% و5% و3% على التوالي، يسمح للمقترض بخفض تكلفة الائتمان بنسبة 18% و31% و43% على التوالي مقارنة بالائتمان بمعدل فائدة سعر الفائدة الأساسي زائد 3 معتمد حاليّا.
بالنسبة لمنزل بقيمة 250 ألف دينار تم شراؤه عن طريق القروض السكنيّة المطبّقة حاليّا على مدى 20 عامًا، فإن 10.7% فقط من الأسر التي يزيد دخلها السنوي عن 60 ألف دينار تستطيع تحمّله، بالإضافة إلى جزء من الأسر التي يتراوح دخلها السنوي بين 29.201 و60.000 دينار.


وباعتماد معدّل فائدة إجمالي قدره 7%، يمكن لنسبة أكبر من الأسر التي يتراوح دخلها السنوي بين 29.201 و60.000 دينار الحصول على مثل هذا السكن يمكن التقاط هذه الشريحة بشكل أكبر من خلال اعتماد سعر فائدة سكنية بنسبة 5%.
ويغطّي معدّل فائدة إجمالي بنسبة 3% جميع الأسر التي يتراوح دخلها السنوي بين 29.200 و60.000 دينار، كما يلتقط جزءاً من الأسر التي يتراوح دخلها السنوي بين 16.791 و29.200 دينار.


حلول ممكنة عبر تمويلات صندوق “الفوبرولوس”
يرى نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين جلال مزيو أنّ الدراسة قدّمت حلولا لتغطية الكلفة بين سعر الفائدة الموظف حاليّا على القروض السكنية وسعر الفائدة العقاري المقترح، وذلك عبر تخصيص جزء من اعتمادات صندوق فوبرولوس.
وعمليّا يعتبر مزيو أنّ أنظمة فوبرولوس بنسخها الأربعة لم تعد قادرة على تلبية حاجيات المواطنين ولا يمكن أن تساعد بصيغتها الحاليّة على تحسين قدرة التونسيين على النفاذ إلى حق السكن.
” يُقدّر الرصيد السنوي غير المستخدم في برنامج “فوبرولوس” بنحو 200 مليون دينار. وسيتمّ استخدام 30% فقط من قيمة هذا الرصيد في بناء مساكن بينما يمكن توجيه باقي الاعتمادات لتغطية الفارق بين قيمة القرض العقاري وتكلفته الجمليّة”.
جلال مزيو
في المقابل، أظهر تقرير لمحكمة المحاسبات أنّ ما يقارب 10% فقط من إيرادات صندوق فوبرولوس تُستخدم لأغراض الصندوق ويُحوّل الباقي إلى الباب الأول من الموازنة العامة للدولة.
بدأت هذه الممارسة المتمثّلة في تحويل الأموال إلى الباب الأول من الموازنة العامة للدولة عام 2012 بتحويل 500 مليون دينار.
وأشار تقرير دائرة المحاسبات إلى هذه الممارسة في مختلف تقارير تسوية موازنة الدولة، وطلب ضمان كفاية إيرادات ونفقات صندوق الفوبرولوس، كما هو الحال مع الصناديق الأخرى في حالات مماثلة.
ويعتقد جلال مزيو أنّ “القطاع العقاري في حاجة إلى إعادة هيكلة تشمل كافة الهياكل المتدخّلة في القطاع وبناء سياسات سكنية جديدة خارج الآليات المعتمدة التي تجاوزت عمرها الافتراضي تحت تأثير التغيّرات الاقتصادية والاجتماعية في تونس”.


وأردف قائلا: “يجب أن تلبّي السياسات السكنية الحاجيات الجديدة للسوق وأن تضمن حقوق أكبر قدر ممكن من الشرائح الاجتماعية في السكن”.
واعتبر أنّ آليات الفوبرولوس تجاوزها الزّمن كما لم يثبت برنامج السكن الأوّل أي نجاعة.
ويعود إحداث صندوق النهـوض بالمسكن لفائدة الأجراء بمقتضى القانون عدد 54 لسنة 1977 المؤرخ في 03 أوت 1977 وهو معدّ، حسب الفصل الخامس من هذا القانون، لإعانة الأجراء للحصول على ملكيّة عقار معدّ للسكنى بالانفراد أو بالاشتراك وذلك حسب شروط مضبوطة بأمر، ويموّل من المساهمات تحمّل، حسب الفصل الأول من هذا القانون، على كاهل كلّ مؤجر عمومي أو خاصّ مباشر بالبلاد التونسية وتقدّر هذه المساهمة المحدثة بنسبة 1% من المرتبات والأجور.
ولا يتجاوز عدد المشاريع السكنيّة المموّلة من قبل صندوق النهوض بالمساكن لفائدة الأجراء الفبرولوس عام 2025، 427 مسكنا موزّعة بين أريانة وبن عروس ومنوبة وصفاقس والقيروان وزغوان مقابل المصادقة على 641 مسكنا عام 2024.
وخلال الفترة الممتدّة ما بين سنوات 2010 و2017، لم تتجاوز عدد المساكن المموّلة من قبل الصندوق في صنف الفوبرولوس1 2206 مسكنا بمعدّل 276 مسكنا سنويّا، كما بلغ مجموع المساكن المموّلة من صنفي فوبرولوس2 و3 5937 مسكنا بمعدل سنوي يقارب 742 مسكنا.
وينتفع بتمويلات الصندوق كلّ أجير يشتغل بالقطاعين الخاصّ والعامّ بالبلاد التونسية وتابع لنظام الضمان الاجتماعي لمدّة عامين على الأقلّ، يتراوح دخله بين مرّة واحدة الى 6 مرّات الأجر الأدنى المضمون باعتبار كافة المنح.
يتمتّع بالتمويلات التي يقدمها صندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء فئات الأجراء الذين لا يملكون وقرائنهم مسكنا والذين تتوفر فيهم شروط الانتفاع بمختلف التمويلات.
وتنقسم فئات الأجراء المستفيدة من تدخّلات الصندوق إلى أربع فئات، وهم الأجراء الذين تتراوح أجورهم الشهرية الخام باعتبار كافة المنح بين الأجر الأدنى المهني المضمون ومرّتين ونصف هذا الأجر والأجراء الذين تتراوح أجورهم الشهرية الخام باعتبار كافة المنح بين مرتين ونصف الأجر الأدنى المهني المضمون وثلاثة مرات ونصف هذا الأجر.
يذكر أنّ الأجر الأدنى المضمون حاليا في تونس حدّدته الدولة بـ 528 دينارا.
أما الفئة الثالثة فهم الأجراء الذين تتراوح أجورهم الشهرية الخام باعتبار كافة المنح بين ثالث مرات ونصف الأجر الأدنى المهني المضمون وأربعة مرات ونصف هذا الأجر والفئة الرابعة هم الأجراء الذين تتراوح أجورهم الشهرية الخام باعتبار كافة المنح بين أربع مرات ونصف الأجر الأدنى المهني المضمون وستة مرات هذا الأجر.
تتراوح نسبة الفائدة للقروض الفوبرولوس ما بين 1 و7 % بينما تصل مدة السداد إلى 25 عاما على أن لا يتجاوز سن المستفيد 75 سنة.
وعمليّا تحرم الشروط المطبّقة من قبل الصندوق طيفا واسعا من الموظّفين والكوادر الإدارية من حق الانتفاع بخدمات الصندوق ليجدوا أنفسهم في مواجهة شروط الإقراض الفاحشة التي تطبقها البنوك الأمر الذي تسبّب في تراجع نسب الأسر المالكة للمساكن بعد أن تمكن التونسيون على مدى عقود من النفاذ السلس لحق السكن.
وساهمت التدابير التحفيزية التي تم تنفيذها خلال السبعينات والثمانينات في ارتفاع نسبة الأسر المالكة من 73.9% في عام 1975 إلى 78.9% في عام 1984. ثم استقرّت هذه النسبة إلى حدّ ما بين عامي 1984 و1994 قبل أن تهبط إلى مستوى آخر حيث استقرت خلال الفترة (2004-2014) بين 77.4% و77.2%.
وتكشف بيانات معهد الإحصاء أنّ ارتفاع عدد الوحدات السكنية بات يفوق ارتفاع عدد الأسر في جميع الولايات دون استثناء، وإن بدرجات متفاوتة.
وخلال الفترة 2004-2014، ارتفع عدد الوحدات السكنية في تونس الكبرى بـ 228 ألف وحدة، مقابل ارتفاع في عدد الأسر بـ 164 ألف وحدة، أي بفارق 40%.


وزارة التجهيز والإسكان: تفكير داخل الصندوق يعيد إنتاج الفشل
مؤخرا حاولت السلطة معالجة أزمة السكن من خلال “رؤيتها الاجتماعية للدولة ” حيث أصدرت الحكومة في أفريل 2025 قرارا يهدف لتوفير رصيد من المقاسم ذات أسعار منخفضة لفائدة الفئات الاجتماعية محدودة الدخل.
وقالت رئاسة الحكومة في منشور على صفحتها الرسمية إنه “تجسيما لتوصيات رئيس الجمهورية، قيس سعيد، بضرورة تكريس الدور الاجتماعي للدولة، وجعل السياسة الاجتماعية محور وعمود كل سياسات الدولة صدر الثلاثاء 8 أفريل 2025 بالرائد الرسمي قرار ينصّ على أنه يمكن للوكالة العقارية للسكنى أن تقتني أراضي على ملك الدولة الخاص أو على ملك الجماعات المحلية بسعر تفضيلي، مقابل توفير مناطق عمرانية مهيأة وتخصيص جزء من المقاسم للفئات محدودة الدخل”.
وأكّدت أنّ ” هذا القرار في إطار تعزيز توفير السكن اللائق للفئات محدودة الدخل، وذلك ضمن استراتيجية كاملة للدولة تهدف إلى تحسين ظروف عيش التونسيين وتمكينهم من كل مقومات العيش الكريم”.
وحدّد القرار السعر التفضيلي بتخفيض 70 بالمائة من قيمة الأرض بعد تقدير سعرها الحقيقي من قبل خبير أملاك الدولة، وذلك مقابل توفير مقاسم مهيأة وتخصيص ما لا يقل عن 50% من عدد المقاسم المنجزة على الأرض التي تم اقتناؤها بالسعر التفضيلي لفائدة الفئات محدودة الدخل، ممّا سيمكّن الوكالة العقارية للسكنى، بمناسبة إنجاز التقسيمات العمرانية المهيأة، من توفير رصيد من المقاسم ذات أسعار منخفضة لفائدة الفئات الاجتماعية محدودة الدخل.
وتعتبر “فئات محدودة الدخل” الأفراد الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري الخام ثلاث مرات الأجر الأدنى المهني المضمون في تاريخ إسناد المقسم، وفي صورة وجد قرين فإن دخله الشهري الخام يجب ألا يتجاوز أيضا ثلاث مرات الأجر الأدنى المهني المضمون.
ولا يعد قرار توفير أراضي بأسعار تفاضلية لفائدة الباعثين العقاريين العموميين الإجراء الاجتماعي الأول من نوعه خلال العشرة سنوات الأخيرة، حيث حاولت حكومة الشاهد عام 2017 معالجة أزمة أسعار المساكن عبر آلية المسكن الأول التي تمنح الراغبين في اقتناء أول مسكن امتيازات تتمثل في إسناد المنتفع 20% من ثمن المسكن في شكل قرض ميسر من البنك الممّول يسدّد على مدة سداد القرض بعد 5 سنوات إمهال بنسبة فائض في حدود 2 % على أن يقع تسديد باقي المبلغ في حدود 80% من ثمن المسكن خاضع للشروط والإجراءات المعمول بها في القطاع البنكي.
كما أخضع إسناد امتيازات المسكن الأول لحزمة شروط حسب شريحة الدخل سواء بالنسبة للعائلات أو الأفراد حيث وذلك بمعدل دخل شهري خام بين 4.5 و12 مرّات الأجر الأدنى المهني المضمون على أن يكون المنتفع أو قرينه أجيرا بالنسبة للأسر ودخل شهري خام الخام بين 4.5 و 10 مرات الأجر الأدنى المهني المضمون على أن يكون المنتفع أجيرا بالنسبة للأفراد.
وعمليّا لم تفض الإجراءات الحكوميّة إلى تغيير الواقع الملموس في قطاع السكن، حيث لا تزال عقبات التمويل تعترض التونسيين من مختلف الشرائح الاجتماعية في غياب استراتيجية سكن وطنية تقدم حلولا من خارج الصندوق الذي يسيطر عليه العقل الإداري.
تكشف بيانات رسميّة صدرت في نهاية عام 2024، أنّه بعد 8 سنوات من الانطلاق في برنامج المسكن الأول لم تستفد من هذا البرنامج سوى أقل من 3000 عائلة تونسيّة، حيث أقرّ نجيب السنوسي وهو مدير الإسكان في وزارة التجهيز في حوار سابق مع “وات” بأنّ آلية قرض المسكن الأول لم تنجح بالشكل المطلوب، مؤكدا أنّ الوزارة تعكف على وضع استراتيجية وطنيّة جديدة للسكن للفترة الممتدّة بين 2025 و2035.
ولأنّ السكن من المقوّمات الأساسية لبناء الأسر بات عدم القدرة على توفير السكن سواء عن طريق التملّك أو الإيجار عقبة حقيقية أمام الشباب في سن الزواج.
ومؤخرا كشفت نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لعام 2024 أنّ عدد المساكن في تونس أصبح يتفوّق على عدد الأسر، حيث يُقدّر عدد المساكن بـ4,266,207 مسكنا بينما لا يتعدّى عدد الأسر 3,472,188 أسرة.
كما أفاد المعهد الوطني للإحصاء أنّ عدد المساكن الشاغرة في تونس يبلغ 826,001 مسكن، وهو ما يمثّل 19% من إجمالي المساكن في البلاد.


كما تكشف نفس البيانات الرسميّة نموّا سريعا في معدّلات الشيخوخة في تونس حيث تسير البلاد نحو تهرّم سكّاني مع تراجع في عدد الولادات.
يقول الباحث في علم الاجتماع فؤاد الغربالي في حديث مع موقع الكتيبة:
“أزمة السكن في تونس لا يمكن اختزالها في مسألة العرض والطلب أو في ارتفاع أسعار العقارات فحسب، بل هي تعبير مكثّف عن تحولات بنيوية تمسّ العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتكشف عن التآكل المتواصل للطبقة الوسطى، وتغير شروط الدخول إلى مرحلة الرشد الاجتماعي، لا سيما الزواج والاستقرار الأسري”.
“منذ تسعينات القرن الماضي، شهدت السياسات السكنية في تونس انزياحًا واضحًا من النموذج الاجتماعي إلى منطق السوق. فقد تقلّصت تدخّلات الدولة بشكل مباشر في تمويل وتشييد المساكن ذات البعد الاجتماعي، وتزايد الاعتماد على القطاع الخاص والبنكي، بما أدّى إلى تحويل السكن من حقّ إلى سلعة، ومن مطلب اجتماعي إلى أداة استثمار وربح. هذا التحوّل لم يكن محايدًا، بل أعاد تشكيل الفضاءات الحضرية، وقسّمها بحسب القدرة على الدفع، لا بحسب الحاجات الفعلية للسكان”.
فؤاد الغربالي
في هذا السياق، “أصبح السكن الخاصّ أو التمليك مرتهنًا بالكامل للمنظومة البنكية، حيث تتحوّل مشاريع الحياة، كالزواج وتكوين الأسرة، إلى رهائن لقروض طويلة المدى. الشباب، وخاصة من أبناء الطبقة الوسطى، يجدون أنفسهم أمام مفارقة قاسية: إمّا الولوج إلى مسار القرض الممتدّ لعقود، مع ما يرافقه من هشاشة وشعور دائم بالارتهان، أو تأجيل مسارات الحياة التقليدية في انتظار تحسن اقتصادي لا يبدو قريبًا. وهكذا، تتحوّل المدينة من فضاء للفرص إلى أداة لتأبيد الانتظار”، يؤكّد أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسيّة فؤاد الغربالي في حديثه مع الكتيبة.
يواصل الغربالي قائلا إنّ “الأرقام التي أظهرها التعداد العام للسكان والسكنى بشأن السكن لها دلالات عميقة”، مشدّدا على أنّ “انعدام الأمان السكني يؤدي إلى أزمة في الهوية وفي الإحساس بالقدرة على الفعل، خاصة لدى فئات الشباب التي تجد نفسها موقوفة التنفيذ، محاصَرة في زمن اجتماعي لا يسمح لها بالتقدّم”.
والسكن من منظور الباحث في علم الإجتماع “ليس فقط مأوى، بل هو بنية تحتيّة للاعتراف والاندماج و غيابه أو صعوبة الوصول إليه يزعزع الانتماء ويقوض إمكانيات بناء ذات مستقلّة”، بحسب تعبيره.

فؤاد الغربالي: أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية

فؤاد الغربالي: أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية
في المقابل، يؤكّد فؤاد غربالي أنّ “السكن يعيد إنتاج التمايز المكاني والاجتماعي بشكل صارخ. فالمدن، وخاصّة الكبرى منها، تشهد تشظيًا واضحًا بين أحياء مغلقة موجهة للفئات القادرة على التمويل، وضواحٍ مهمّشة ومرتبطة بأنماط سكنية غير رسمية أو ذات جودة منخفضة. هذه الفوارق ليست فقط عمرانية، بل تؤسس لفضاءات اجتماعية مختلفة تمامًا من حيث الفرص، والأمان، والاعتراف”.
و”في قلب هذا المشهد، يلعب القطاع البنكي دورًا محوريًا في تعقيد المشهد فهو لا يوفر حلولًا بقدر ما يخلق مسارات طويلة من الارتهان المالي، ويعيد إنتاج اللامساواة من خلال شروط تمويل مجحفة، ومعايير إقصائية، تستثني جزءًا كبيرًا من السكان” بحسب نفس المُتحدّث.
وأضاف الغربالي قائلا: “البنك لا يمنح السكن، بل يوزّع الحلم المؤجّل، ويحوّل الحقّ إلى دين طويل الأمد.”
وتكشف أزمة السكن في تونس، وفق الغربالي، عن “خلل أعمق في علاقة المواطن بالدولة، وعن تراجع قدرة هذه الأخيرة على ضمان الحقوق الأساسية، في مقابل صعود عقلانية السوق والمضاربة والعقار كمجال استثمار لا كمجال عيش وهي أيضًا مرآة لتحوّلات اجتماعية تمسّ معنى المدينة، والعائلة، والطبقة، والانتماء”.
في المحصّلة، وعلى الرغم من كلّ هذه المعطيات التي حوّلت أحلام فئات واسعة من التونسيين.ات لامتلاك مسكن إلى جحيم، تواصل الدولة التونسيّة من خلال وزارة التجهيز والإسكان التفكير داخل الصندوق، تاركة خاصّة الطبقة الوسطى التي تزداد تفقيرا يوما بعد يوم فريسة في يد البنوك، غير مبالية بالمخاطر الاجتماعية العميقة لهذا الجانب في حياة الشباب على وجه الخصوص.
يندرج هذا المقال ضمن سلسلة تحقيقات يعكف على إنجازها موقع الكتيبة في علاقة بملف السكن والاسكان في تونس من منظور السياسات العمومية وحقوق الإنسان وربطا بالمسألتين الاقتصادية والاجتماعية.
يندرج هذا المقال ضمن سلسلة تحقيقات يعكف على إنجازها موقع الكتيبة في علاقة بملف السكن والاسكان في تونس من منظور السياسات العمومية وحقوق الإنسان وربطا بالمسألتين الاقتصادية والاجتماعية.

الكاتب : إيمان حامدي
صحفيّة متخصّصة في الشأن الاقتصادي. عملت في عديد المؤسّسات التونسيّة والعربيّة
الكاتب : إيمان حامدي
صحفيّة متخصّصة في الشأن الاقتصادي. عملت في عديد المؤسّسات التونسيّة والعربيّة





